من مسند أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبواب شارعة في المسجد، فقال يوما: سدّوا هذه الأبواب إلّا باب علي، قال: فتكلّم في ذلك أناس، قال: فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فحمد و أثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، و اللّه ما سددت شيئا و لا فتحته و لكنّي أمرت بشيء فاتّبعته. و بالإسناد المتقدم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: لقد أوتي علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثلاثا لأن أكون أوتيتها أحبّ إليّ من أن أعطى حمر النّعم: جوار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) له في المسجد، و الراية يوم خيبر، و الثالثة نسيها سهيل. و بالإسناد عن ابن عمر قال: كنّا نقول: خير الناس أبو بكر و عمر، و لقد أوتي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم، زوّجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بنته، و ولدت له، و سدّ الأبواب إلّا بابه في المسجد، و أعطاه الراية يوم خيبر. و من مناقب الفقيه ابن المغازلي عن عدي بن ثابت قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى المسجد فقال: إنّ اللّه أوحى إلى نبيّه موسى أن ابن لي مسجدا طاهرا لا يسكنه إلّا موسى و هارون و ابنا هارون، و إنّ اللّه أوحى إليّ أن ابني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلّا أنا و علي و ابنا علي. و بالإسناد المتقدم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لمّا قدم أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة لم يكن لهم بيوت فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا، ثمّ إنّ القوم بنوا بيوتا حول المسجد و جعلوا أبوابها إلى المسجد، و إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر رضي اللّه عنه، فقال: إنّ رسول اللّه يأمرك أن تخرج من المسجد و تسدّ بابك، فقال: سمعا و طاعة، فسدّ بابه و خرج من المسجد، ثمّ أرسل إلى عمر رضي اللّه عنه فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يأمرك أن تسد بابك الذي في المسجد و تخرج منه، فقال: سمعا و طاعة للّه و لرسوله غير أنّي راغب إلى اللّه تعالى في خوخة في المسجد، فأبلغه معاذ ما قاله عمر، ثمّ أرسل إلى عثمان رضي اللّه عنه و عنده رقية فقال: سمعا و طاعة، فسدّ بابه و خرج من المسجد، ثمّ أرسل إلى حمزة رضي اللّه عنه فسدّ بابه فقال: سمعا و طاعة للّه و لرسوله، و علي (عليه السلام) على ذلك متردّد لا يدري أ هو فيمن يقيم أو فيمن يخرج؟ و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد بنى له في المسجد بيتا بين أبياته، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أسكن طاهرا مطهّرا، فبلغ حمزة قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلي، فقال: يا محمّد تخرجنا و تمسك غلمان بني عبد المطلب؟ فقال له نبي اللّه: لو كان الأمر إلى ما جعلت دونكم من أحد، و اللّه ما أعطاه إيّاه إلّا اللّه و إنّك لعلى خير من اللّه و رسوله، أبشر فبشّره النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقتل يوم أحد شهيدا، و نفّس ذلك رجال على علي (عليه السلام)، فوجدوا في أنفسهم و تبيّن فضله عليهم و على غيرهم من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فبلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقام خطيبا فقال: إنّ رجالا يجدون في أنفسهم في أن أسكن عليّا في المسجد، و اللّه ما أخرجتهم و لا أسكنت، إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى موسى و أخيه أن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [1] و أمر موسى أن لا يسكن مسجده و لا ينكح فيه و لا يدخله إلّا هارون و ذريّته، و إنّ عليّا بمنزلة هارون من موسى و هو أخي دون أهلي و لا يحلّ مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلّا علي و ذريّته، فمن ساءه فهاهنا و أومى بيده نحو الشام. و بالإسناد عن سعيد بن أبي وقّاص قال: كانت لعلي مناقب لم تكن لأحد، كان يبيت في المسجد، و أعطاه الراية يوم خيبر، و سدّ الأبواب إلّا باب علي. و بالإسناد عن البراء بن عازب قال: كان لنفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبواب شارعة في المسجد، و إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: سدّوا هذه الأبواب غير باب علي، فتكلّم في ذلك ناس فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي (عليه السلام)، فقال قائلكم، و إنّي و اللّه ما سددت شيئا و لا فتحته، و لكنّي أمرت بشيء فأتبعته. و بالإسناد المقدم عن سعد أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بسدّ الأبواب فسدّت و ترك باب علي، فأتاه العباس رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه سددت أبوابنا و تركت باب علي؟ فقال: ما أنا فتحتها و لا أنا سددتها. و بالإسناد عن ابن عباس أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سدّ أبواب المسجد غير باب علي. و بالإسناد عن ابن عباس أيضا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بسدّ الأبواب كلّها فسدّت إلّا باب علي. و بالإسناد عن نافع مولى ابن عمر قال: قلت لابن عمر: من خير الناس بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: ما أنت و ذاك لا أمّ لك؟ ثمّ استغفر اللّه و قال: خير هم بعده من كان يحلّ له ما يحلّ له، و يحرم عليه ما يحرم عليه. قلت: من هو؟ قال: علي، سدّ أبواب المسجد و ترك باب علي، و قال: لك في هذا المسجد مالي و عليك فيه ما عليّ، و أنت و ارثي و وصيّي، تقضي ديني و تنجز عداتي، و تقتل على سنّتي، كذب من زعم أنّه يبغضك و يحبّني. قال الشيخ العالم يحيى بن الحسن بن البطريق الأسدي رحمه اللّه: فقد أبان اللّه سبحانه و تعالى الفرق بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و بين غيره، فيما حلّ له و حرّم على غيره، و إذا كان الحرام على غيره حلّا له وجبت ميزته، و ثبتت عصمته، لموضع الأمن منه لوقوع ما يكره اللّه سبحانه، و وقوعه من غيره و هذا محمول على ما تقدّم من شواهد الكتاب العزيز له و لولديه و زوجته (عليهم السلام)، و هو قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فتح أبواب الجميع على ظاهر الحال لأنّ ظاهرها كانت صالحة و لا يعلم النبي من حال الأمّة غير الظاهر إلّا ما يطلعه عليه القديم تعالى الذي يعلم الغيوب و البواطن، ففتح الأبواب للجميع و لم يفرق بين القريب و الصاحب لظاهر الأحوال الصالحة، فمنع القديم تعالى للقوم من الجواز و سدّ أبوابهم لا يخلو من قسمين: إمّا أن يكون على ظاهر الحال أو على باطنها، فظاهر الحال قد بيّنّا أنّها كانت صالحة، و هي التي بيّن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيها فعله في الإباحة، فلم يبق إلّا أن يكون منع اللّه تعالى لهم على باطن الحال لا على ظاهره، لأنّه سبحانه و تعالى هو المتولّى للبواطن، فعلم سبحانه و تعالى من حاله و صلاحها ما لم يحط به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علما إلّا بعد وحي اللّه تعالى إليه، لأنّ علم الغيب إليه لا إلى غيره تعالى و لا يحيط بعلم الغيب و لا يظهر عليه إلّا لمن ارتضاه اللّه من رسله، كما قال: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [1]، و إذا كان (عليه السلام) قد انفرد بصلاح الباطن دون غيره و شاركهم في صلاح الظاهر فقد اتّفق له صلاحهما معا فظهرت ميزته على الناس بما عرّفه اللّه من باطن حاله و لم يعرّفه من غيره و هذا واضح. ثمّ إنّ منعهم من الجواز إمّا أن يكون بسبب موجب أو لغير سبب و لا جائز أن يعرى من سبب، لأنّ العبث و الخلق من الحكمة في أفعال اللّه محال، فتعيّن أن يكون لسبب و حكمة، و إذا ثبت وجه الحكمة في منع غيره و إباحته هو (عليه السلام) فثبت له ما لا يشاركه فيه غيره، فوجب له الفضل على غيره، و وجب اتّباعه و الاقتداء به لتخصّصه بهذه المنزلة الحاصلة له بوحي من اللّه تعالى، و أقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه تعضد هذا، أو تدلّ على صلاح باطنه (عليه السلام) كقوله: عليّ منّي و أنا منه، و كقوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، و كقوله: أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و كقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين قبل الناس، و قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و غير ذلك من مناقبه و مزاياه و مآثره و سجاياه، التي تفوت الحد و تتجاوز العد و لو لا ثبوت ذلك له لما أنزله من نفسه بهذه المنازل، و لما أقامه مقام نفسه في شيء من ذلك، و لا أذن له في تخصيصه و تبيّن مكانه بما ميّزه عن الأمثال و الأضراب باستبداده، و بصلاح باطنه و مشاركته غيره في الظاهر. و كما تميّز على الأصحاب في فتح بابه دون أبوابهم بصلاح الباطن فقد امتاز عليهم في الظاهر و هو أنّه يعتبر بأشياء أوّلها العلم و هو موجب للفضل بدليل قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و قوله عزّ و جلّ: وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ، و علي (عليه السلام) أعلم الامّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لرجوع الصحابة إلى حكمه، و عملهم في كثير من قضاياهم برأيه، و لم يسأل هو أحدا، و لا رجع إلى حكمه و هذا ثابت واضح قد نقله الناس في كتبهم و صحاحهم، و لأنّه وارثه بقوله: ترث منّي ما ورث الأنبياء من قبلك، و هو كتاب اللّه و سنّة نبيّهم، و من ورث الكتاب و السنّة فهو أعلم الناس لأنّ العلم لا يخرج عنهما.
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · في ذكر سدّ الأبواب