يشابهه نقلت من كتاب عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد في تفسير نهج البلاغة، قال: نقلت من كتاب تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر بسنده عن ابن عباس قال: دخلت على عمر رضي اللّه عنه في أوّل خلافته و قد القي له صاع [1] من تمر على خصفة [2]، فدعاني للأكل، فأكلت تمرة واحدة و أقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثمّ شرب من جرّ كان عنده [3] و استلقى على مرفقة [4] له و طفق يحمد اللّه يكرّر ذلك ثمّ قال: من أين جئت يا عبد اللّه؟ قلت: من المسجد، قال: كيف خلّفت بني عمّك؟ فظننت يعني عبد اللّه بن جعفر، فقلت: خلّفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعن ذلك إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت، قلت: خلّفته يمتح [1] بالغرب [2] على نخلات له و هو يقرأ القرآن، فقال: يا عبد اللّه عليك دماء البدن إن كتمتنيها، أبقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أ يزعم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعلها له؟ قلت: نعم و أزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه قال: صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه في أمره ذرء من قول [3] لا يثبت حجّة و لا يقطع عذرا، و قد كان يزيغ [4] في أمره وقتا ما، و لقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حفيظة على الإسلام، لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، و لو ولّاها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه أنّي علمت ما في نفسه فأمسك، و أبي اللّه إلّا إمضاء ما حتم. قلت: يشير إلى اليوم الذي قال فيه: آتوني بدواة و كتف (الحديث) فقال عمر رضي اللّه عنه: إنّ الرجل ليهجر. حدّث الزبير عن رجاله قال: دخل محفن بن أبي محفن الضبى على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم العرب و أبخل العرب و أعيا العرب و أجبن العرب، قال: و من هو يا أخا بني تميم؟ قال: علي بن أبي طالب، قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقي فابتدروه أيّهم ينزله عليه و يكرمه، فلمّا تصدّع الناس عنه قال له: كيف قلت؟ فأعاد عليه، فقال له: و يحك يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب و أبوه أبو طالب و جدّه عبد المطّلب و امرأته فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ و أنّى يكون أبخل العرب؟ فو اللّه لو كان له بيتان بيت تبن و بيت تبر [5] لأنفذ تبره قبل تبنه، و أنّى يكون أعيا العرب؟ فو اللّه ما سنّ البلاغة لقريش غيره، و لما قامت أم محفن عنه ألأم و أبخل و أجبن و أعيا لبظر أمّه [1]، فو اللّه لو لا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك، فإيّاك- عليك لعنة اللّه- و العود إلى مثل هذا. قال: و اللّه أنت أظلم منّي، فعلى أيّ شيء قاتلته و هذا محلّه؟ قال: على خاتمي هذا حتّى يجوز به أمري، قال: فحسبك ذلك عوضا من سخط اللّه و أليم عذابه، قال: لا يا ابن محفن، و لكنّي أعرف من اللّه ما جهلت حيث يقول: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [2]. قلت: قد شهد معاوية من فضل علي (عليه السلام) بما كان يعرف أضعافه، و رأى مع ذلك عصيانه و منابذته و خلافه، و ناصبه العداوة حتّى قتل بينهما ألوف متعددة و استمرّ على سبّه على المنابر بهمّة لا وانية في ذلك و لا متردّدة، و أوصى على الاستمرار عليها بنيه و بني أبيه، و اتّخذها سنّة جرى على بدعتها هو و من يقتفيه إلى أن أجرى اللّه رفعها على يد عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه فوفّقه اللّه لصوابها و هداه إلى ثوابها و أنجاه من أليم عذابها، و وبيل عقابها. ثمّ إنّ معاوية يجعل عذره فيما صنع و اعتماده في الفتنة التي خبّ فيها و وضع عصره في الدماء التي أراقها و ملاذه في النار التي وراها و قوّى إحراقها الاعتماد على رحمة اللّه، و لعمري إنّها قريبة من المحسنين [3]، فأين إحسانه؟ و حاصله لصالحي المؤمنين فأين صلاحه و إيمانه؟ و شفاعة نبيّه معدّة للمذنبين أ فيشفع له و هذا شأنه، هيهات إنّها من أماني النفوس الكاذبة، و تعللاتها الباطلة الخائبة. حملوها يوم السقيفة أوزارا تخف الجبال و هي ثقال ثمّ جاءوا من بعدها يستقيلون و هيهات عثرة لا تقال و حدّث الزبير عن رجاله قال: قدم ابن عباس على معاوية و كان يلبس أدنى ثيابه و يخفض من شأنه لمعرفته أنّ معاوية كان يكره إظهاره لشأنه، و جاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن علي (عليهما السلام) فسجد شكرا للّه تعالى و بان السرور في وجهه!! في حديث طويل ذكره الزبير و ذكرت منه موضع الحاجة إليه، و أذن للناس و أذن لابن عباس بعدهم، فدخل فاستدناه و كان قد عرف بسجدته، فقال له: أ تدري ما حدث بأهلك؟ قال: لا، قال: فإنّ أبا محمّد (عليه السلام) توفي رحمه اللّه، فعظّم اللّه لك الأجر، فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، عند اللّه نحتسب المصيبة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عند اللّه نحتسب مصيبتنا بالحسن بن علي رحمه اللّه، أنّه قد بلغتني سجدتك فلا أظنّ لك إلّا لوفاته، و اللّه لا يسدّ جسده حفرتك، و لا يزيد انقضاء أجله في عمرك، و لطال ما رزينا بأعظم من الحسن [1] ثمّ جبر اللّه. قال معاوية: كم كان أتى له من العمر؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده، قال: أحسبه ترك صبية صغارا، قال: كلّنا كان صغيرا فكبر، قال: أصبحت سيّد أهلك، قال: امّا ما أبقى اللّه أبا عبد اللّه الحسين بن علي فلا، ثمّ قام و عينه تدمع، فقال معاوية: للّه درّه لا و اللّه ما هيّجناه قط إلّا وجدناه سيّدا. و دخل على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال: يا أبا العباس أ ما تدري ما حدث في أهلك؟ قال: لا، قال: هلك أسامة بن زيد، فعظّم اللّه لك الأجر، قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، رحم اللّه أسامة، و خرج و أتاه بعد أيام و قد عزم على محاقته [2]، فصلّى في الجامع يوم الجمعة و اجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال و الحرام و الفقه و التفسير و أحوال الإسلام و الجاهلية و هو يجيب، و افتقد معاوية الناس فقيل إنّهم مشغولون بابن عباس، و لو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل، فقال: نحن أظلم منه حبسناه عن أهله و منعناه حاجته و نعينا إليه أحبّته، انطلقوا فادعوه، فأتاه الحاجب فدعاه، فقال: إنّا بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتّى نصلّي، أصلّي إن شاء اللّه و آتيه. فرجع و صلّى العصر و أتاه، فقال: ما حاجتك؟ فما سأله حاجة إلّا قضاها و قال: أقسمت عليك لمّا دخلت بيت المال فأخذت حاجتك، و إنّما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا، فعرف ما يريده، فقال: إنّ ذلك ليس لي و لا لك، فإن أذنت أن أعطي كلّ ذي حقّ حقّه فعلت، قال: أقسمت عليك إلّا دخلت فأخذت حاجتك، فدخل فأخذ برنس خز أحمر [1] يقال: إنّه كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثمّ خرج، فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة، فقال: ما هي؟ قال: علي بن أبي طالب قد عرفت فضله و سابقته و قرابته، و قد كفاكه الموت، أحبّ أن لا يشتم على منابركم، قال: هيهات يا ابن عباس، هذا أمر دين أ ليس أ ليس؟ و فعل و فعل؟ فعدّد ما بينه و بين علي كرّم اللّه وجهه، فقال ابن عباس: أولى لك [2] يا معاوية و الموعد القيامة و لكلّ نبأ مستقر و سوف تعلمون، و توجّه إلى المدينة. فأمّا إقدام معاوية و طغيانه و استمراره على ما سوّل له شيطانه، و إعلانه على رءوس الأشهاد بما نطق به لسانه، و جعله سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من أمور الدين فاغرا بذلك فاه بين المسلمين، منتهكا بذلك ما وجب له (عليه السلام) من الحرمة، غير مراقب في ذلك إلّا و لا ذمّة، خارجا على الإمام، واثبا على الامّة فممّا يقضي منه العجب لفرط تمرّده، و تتحيّر الخواطر من جريه في حلبات عصيانه في أمسه و يومه و غده، و تذهل الألباب من ادّعائه الإسلام مع جناية يده، و إن كان قد جعله سترا دون أفعاله، و وقاية لجاهه و ماله، و نظرا لدنياه مع غفلة عن ماله، نعوذ باللّه من الفتنة في الأديان، و التورّط في حبالات الشيطان. و حدّث الزبير عن رجاله عن ابن عباس أنّ معاوية أقبل عليه و على بني هاشم فقال: إنّكم تريدون أن تستحقّوا الخلافة كما استحققتم النبوّة، و لا يجتمعان لأحد، حجّتكم في الخلافة شبهة على الناس، تقولون نحن أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فما بال خلافة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غيرنا؟ و هذه شبهة لأنّها تشبه الحق، فأمّا الخلافة فتنقلب في أحياء قريش برضى العامّة و شورى الخاصة، فلم يقل الناس ليت بني هاشم ولّونا و لو أنّ بني هاشم ولّونا لكان خيرا لنا في دنيانا و آخرتنا، فلا هم حيث اجتمعوا على غيركم تمنّوكم، و لو زهدتم فيها أمس لم يقاتلوا عليها اليوم، و أمّا ما زعمتم أنّ لكم ملكا هاشميّا و مهديّا قائما، فالمهدي عيسى بن مريم (عليه السلام) و هذا الأمر في أيدينا حتّى نسلّمه إليه، و لعمري لئن ملكتمونا ما رائحة عاد و صاعقة ثمود بأهلك اليوم منكم لنا، ثمّ سكت. فقال له عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما: أمّا قولك إنّا نستحق الخلافة بالنبوة فنعم، فإذا لم نستحقّها بها فبم تستحقّها؟ و أمّا قولك: إنّ النبوة و الخلافة لا يجتمعان لأحد فأين قول اللّه تعالى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [1] فالكتاب: النبوة، و الحكمة: السنّة، و الملك: الخلافة، و نحن آل إبراهيم، أمر اللّه فينا و فيهم و السنّة لنا و لهم جارية. و أمّا قولك: إنّ حجّتنا مشتبهة، فو اللّه لهي أضوأ من الشمس و أنور من نور القمر، و إنّك لتعلم ذلك و لكن شيء عطفك و صعرك [2] قتلنا أخاك و جدّك و أخاه و خالك، فلا تبك على أعظم حائلة [3] و أرواح أهل النّار، و لا تغضبنّ لدماء أحلّها الشرك و وضعها. فأمّا ترك الناس أن يجتمعوا علينا فما حرموا منّا أعظم ممّا حرمنا منهم. و أمّا قولك: إنّا زعمنا أنّ لنا ملكا مهديّا، فالزعم في كتاب اللّه تعالى شرك، قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [4] و كلّ يشهد أنّ لنا ملكا، و لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لبعث اللّه لأمره منّا من يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما، لا تملكون يوما واحدا إلّا ملكنا يومين، و لا شهرا إلّا ملكنا شهرين، و لا حولا إلّا ملكنا حولين. و أمّا قولك: إنّ المهدي عيسى بن مريم، فإنّما ينزل عيسى على الدجال، فإذا رآه يذوب كما تذوب الشحمة، و الإمام منّا رجل يصلّي خلفه عيسى بن مريم و لو شئت سمّيته. و أمّا ريح عاد و صاعقة ثمود، فإنّهما كانا عذابا و ملكنا- و الحمد للّه- رحمة. حدّث الزبير قال: حج معاوية فجلس إلى ابن عباس، فأعرض عنه ابن عباس، فقال معاوية: لم تعرض عنّي؟ فو اللّه إنّك لتعلم أنّي أحقّ بالخلافة من ابن عمّك، قال ابن عباس: لم ذاك لأنّه كان مسلما و كنت كافرا؟ قال: لا، و لكن ابن عمّي عثمان قتل مظلوما، قال ابن عباس: و عمر رحمه اللّه قتل مظلوما؟ قال: إنّ عمر قتله كافر و إنّ عثمان قتله المسلمون، قال ابن عباس: ذاك أدحض لحجّتك [1]، فأسكت معاوية. و حدّث الزبير عن رجاله عن عمّار بن ياسر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أوصي من آمن باللّه و صدّقني بولاية علي بن أبي طالب، من تولّاه فقد تولّاني و من تولّاني فقد تولّى اللّه، و من أحبّه فقد أحبّني و من أحبّني فقد أحبّ اللّه. أقول: لا ريب أنّ القلم استحلى المناقب فجرى سعيا على رأسه، و وجد مجالا فسيحا فأعنق في حلبة قرطاسه [2]، و رأى مكان القول ذا سعة فقال: و اعتقلته الأيّام مدّة، فالآن حين ألقى العقال، و لو لا كفّ غربه لاستمرّ على غلوائه [3]، فإن طلبه حصر ما لا يتناهى معدود من ضعف رأيه، و من أين يحصر مناقب الإمام عليه أفضل الصلاة و السلام و هي تتجاوز حدّ الإكثار؟ و كيف يمكن عدّ مفاخره و بيته بيت الشرف و الفخار؟ إليه تنتهي مكارم الأخلاق، و عنه يحدث بزكاء الأعراق، و هو الحجّة على العباد، و المحجة المسلوكة ليوم المعاد، و نور اللّه الذي من استضاء به اهتدى، و عروته التي من اعتلق بها فما راح عن الحق و لا اعتدى، و بابه الذي منه الدخول إلى طاعته و رضوانه، و سبيله الذي يؤدّي إلى الفوز بعالي جنانه، و عصمته التي من اعتلق بحبالها اعتصم، و ميثاقه الذي من التزم به فقد التزم، و إذا كانت الإطالة لا تبلغ وصف كماله، و الإطناب لا يحيط بنعت فضله و إفضاله، فالأولى أن يقتصر على ما ذكرناه من شرفه و جلاله، فحاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أشهر من أن يحتاج إلى التنبيه على حاله. و هذه الأخبار التي أوردتها و نسبتها إلى ناقليها ربّما قال قائل: هذه أخبار آحاد لا يعوّل عليها، و لا يستند في إثبات مطلوب إليها. فالجواب عن ذلك: إنّا معاشر الشيعة ننقل ما ننقله في فضائله من طرق أصحابنا و إجماعهم، و فيهم الإمام المعصوم، فلا حاجة هنا إلى آحادكم و لا متواتركم، و أنتم تعملون بأخبار الآحاد فدونكم إلى العمل بها، ثمّ إنّ هذه الأخبار قد يحصل نشاطه و سرعته. المجموع ما جاءوا به معنى التواتر، كما أنّه إذا سمعنا أنّ إنسانا ما بلغ من الملك مكانة جليلة، ثمّ بلغنا أنّ الملك يتزيد في الإحسان إليه و إنّا في كلّ يوم نسمع من جهات مختلفة بتخصيصه إيّاه بضروب من إنعامه فإنّا نستفيد من جملة ذلك أنّ مكانته منه مكينة، و أنّ محلّه منه عظيم، فكذاك الحال في هذا، و حيث ملنا إلى الاقتصار على هذا القدر فلنشرع في ذكر مقتله (عليه السلام) و كيف جرت الحال فيه.
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · في ذكر تزويجه (عليه السلام) فاطمة سيّدة نساء العالمين (عليها السلام)