الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثمّ احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و ذعافا ممقرا [1]، هنالك يخسر المبطلون، و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون، ثمّ طيبوا عن أنفسكم أنفسنا فطامنوا للفتنة جاشا [2]، و أبشروا بسيف صارم، و هرج شامل، و استبداد من الظالمين، يدفع فيئكم زهيدا، و جمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم و أنّى لكم و قد عميت عليكم، أ نلزمكموها و أنتم لها كارهون، و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد خاتم النبيّين و سيّد المرسلين. و روى أنّه لمّا حضرت فاطمة صلّى اللّه عليها الوفاة دعت عليّا (عليه السلام) فقالت: أ منفّذ أنت وصيّتي و عهدي أو و اللّه لأعهدنّ إلى غيرك؟ فقال (عليه السلام): بلي أنفذها، فقالت (عليها السلام): إذا أنا متّ فادفنّي ليلا و لا تؤذننّ بي أبا بكر و عمر. قال: فلمّا اشتدّت عليها اجتمع إليها نساء المهاجرين و الأنصار فقلن: كيف أصبحت يا ابنة رسول اللّه؟ فقالت: أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم و ذكر الحديث نحوه. و روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد سأله أبو بصير فقال: لم لم يأخذ أمير المؤمنين فدكا لمّا ولّى الناس؟ و لأيّ علّة تركها؟ فقال: لأنّ الظالم و المظلومة قدما على اللّه و جازى كلّا على قدر استحقاقه، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه الغاصب و أثاب المغصوبة. و قد روى أنّه كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) في ترك فدك اسوة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه لمّا خرج من مكّة باع عقيل داره، فلمّا فتح مكّة قيل له: يا رسول اللّه أ لا ترجع إلى دارك؟ فقال (عليه السلام): و هل ترك لنا عقيل دارا، و أبى أن يرجع إليها و قال: إنّا أهل بيت لا نسترجع ما أخذ منّا في اللّه عزّ و جلّ. و روى مرفوعا أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا استخلف قال: يا أيّها الناس إنّي قد رددت عليكم مظالمكم و أوّل ما أردّ منها ما كان في يدي، قد رددت فدك على ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ولد علي بن أبي طالب فكان أوّل من ردّها. و روى أنّه ردّها بغلّاتها منذ ولّى، فقيل له: نقمت على أبي بكر و عمر فعلهما؟ فطعنت عليهما و نسبتهما إلى الظلم و الغصب، و قد اجتمع عنده في ذلك قريش و مشايخ أهل الشام من علماء السوء، فقال عمر بن عبد العزيز: قد صحّ عندي و عندكم أنّ فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ادّعت فدك و كانت في يدها، و ما كانت لتكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع شهادة عليّ و أم أيمن و أم سلمة، و فاطمة عندي صادقة فيما تدّعي، و إن لم تقم البيّنة و هي سيّدة نساء أهل الجنّة، فأنا اليوم أردّها على ورثتها أتقرّب بذلك إلى رسول اللّه، و أرجو أن تكون فاطمة و الحسن و الحسين يشفعون لي في يوم القيامة، و لو كنت بدل أبي بكر و ادّعت فاطمة كنت أصدّقها على دعواها، فسلّمها إلى محمّد بن علي الباقر (عليهم السلام) [و عبد اللّه بن الحسن] [1] فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز. و روى أنّه لمّا صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ردّ عليهم سهام الخمس: سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و سهم ذي القربى، و هما من أربعة أسهم ردّ على جميع بني هاشم، و سلّم ذلك إلى محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام) و عبد اللّه بن الحسن. و قيل أنّه جعل من بيت ماله سبعين حملا من الورق و العين من مال الخمس فردّ عليهم ذلك، و كذلك كلّما كان لبني فاطمة و بني هاشم ممّا حازه أبو بكر و عمر و بعدهما عثمان و معاوية و يزيد و عبد الملك ردّ عليهم و استغنى بنو هاشم في تلك السنين، و حسنت أحوالهم، و ردّ عليهم المأمون، و المعتصم و الواثق و قالا: كان المأمون أعلم منّا به فنحن نمضي على ما مضى هو عليه، فلمّا ولّى المتوكّل قبضها و أقطعها حرملة الحجام و أقطعها بعده لفلان البازيار من أهل طبرستان و ردّها المعتضد و حازها المكتفي. و قيل: إنّ المقتدر ردّها عليهم. قال شريك: كان يجب على أبي بكر رضي اللّه عنه أن يعمل مع فاطمة بموجب الشرع، و أقلّ ما يجب عليه أن يستحلفها على دعواها أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطاها فدك في حياته، فإنّ عليّا و أمّ أيمن شهدا لها و بقي ربع الشهادة، فردّها بعد الشاهدين لا وجه له، فإمّا أن يصدّقها أو يستحلفها و يمضي الحكم لها. قال شريك: اللّه المستعان مثل هذا الأمر يجهله أو يتعمّده. و قال الحسن بن علي الوشاء: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام): هل خلّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير فدك شيئا؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خلّف حيطانا بالمدينة صدقة، و خلّف ستّة أفراس و ثلاث نوق: العضباء و الصهباء و الديباج، و بغلتين: الشهباء و الدلدل، و حماره اليعفور، و شاتين حلوبتين، و أربعين ناقة حلوبا، و سيفه ذا الفقار، و درعه ذات الفضول، و عمامته السحاب، و حبرتين يمانيتين، و خاتمه الفاضل، و قضيبه الممشوق، و فراشا [1] من ليف، و عباءتين قطوانيتين، و مخادا من أدم، صار ذلك إلى فاطمة (عليها السلام)، ما خلا درعه و سيفه و عمامته و خاتمه، فإنّه جعله لأمير المؤمنين (عليه السلام). و ممّا يدلّ على شرف محلّها و علوّ مرتبتها و نبلها و مكانتها من لطف اللّه و فضلها و ما أعدّه اللّه لها من المزيّة التي ليست لأحد من بعدها و لا قبلها، و كيف لا تكون كذلك و إذا شئت فانظر إلى نفسها الكريمة، و أبيها و بعلها، فإنّك إذا نظرت وجدتهم قد استولوا على موجبات الفضل و الشرف كلّها، و حازوا قصبات سبقها، و فازوا بخصلها [2]. ما روي عن الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) لفاطمة: سألت أباك فيما سألت أين تلقينه يوم القيامة؟ قالت: نعم، قال لي: اطلبيني عند الحوض، قلت: إن لم أجدك هاهنا؟ قال: تجديني إذا مستظلّا بعرش ربّي، و لن يستظلّ به غيري، قالت فاطمة: فقلت: يا أبة أهل الدنيا يوم القيامة عراة؟ فقال: نعم يا بنية، فقلت له: و أنا عريانة؟ قال: نعم و أنت عريانة، و إنّه لا يلتفت فيه أحد إلى أحد، قالت فاطمة (عليها السلام): فقلت له: وا سوأتاه يومئذ من اللّه عزّ و جلّ، فما خرجت حتّى قال لي: هبط عليّ جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام) فقال لي: يا محمّد اقرأ فاطمة السلام و أعلمها أنّها استحيت من اللّه تبارك و تعالى، فاستحى اللّه منها، فقد وعدها أن يكسوها يوم القيامة حلّتين من نور، قال علي (عليه السلام): فقلت لها: فهلّا سألتيه عن ابن عمّك؟ فقالت: قد فعلت، فقال: إنّ عليّا أكرم على اللّه عزّ و جلّ من أن يعريه يوم القيامة. و قريب منه ما روى ابن عبّاس قال: قالت فاطمة (عليها السلام) للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في سكرات الموت: يا أبة أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا، فأين الميعاد غدا؟ قال: أمّا إنّك أوّل أهلي لحوقا بي، و الميعاد على جسر جهنّم، قالت: يا أبة أ ليس قد حرّم اللّه عزّ و جلّ جسمك و لحمك على النّار؟ قال: بلى و لكنّي قائم حتّى تجوز أمّتي، قالت: فإن لم أرك هناك؟ قال: تريني عند القنطرة السابعة من قناطر جهنّم، أستوهب الظالم من المظلوم، قالت: فإن لم أرك هناك؟ قال: تريني في مقام الشفاعة و أنا أشفع لأمّتي، قالت: فإن لم أرك هناك؟ قال: تريني عند الميزان، و أنا أسأل اللّه لأمّتي الخلاص من النار، قالت: فإن لم أرك هناك؟ قال: تريني عند الحوض، حوضي عرضه ما بين أيلة إلى صنعاء، على حوضي ألف غلام بألف كأس كاللؤلؤ المنظوم، و كالبيض المكنون، من تناول منه شربة فشربها لم يظمأ بعدها أبدا، فلم يزل يقول حتّى خرجت الروح من جسده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و روى جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: دخلت فاطمة (عليها السلام) على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في سكرات الموت، فانكبّت عليه تبكي، ففتح عينه و أفاق، ثمّ قال (عليه السلام): يا بنية أنت المظلومة بعدي، و أنت المستضعفة بعدي، فمن آذاك فقد آذاني، و من غاظك فقد غاظني [1]، و من سرّك فقد سرّني، و من برّك فقد برّني، و من جفاك فقد جفاني، و من وصلك فقد وصلني، و من قطعت فقد قطعني، و من أنصفك فقد أنصفني، و من ظلمك فقد ظلمني، لأنّك منّي و أنا منك، و أنت بضعة منّي، و روحي التي بين جنبيّ، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إلى اللّه أشكو ظالميك من أمّتي. ثمّ دخل الحسن و الحسين (عليهما السلام) فانكبّا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هما يبكيان و يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول اللّه، فذهب علي (عليه السلام) لينحّيهما عنه، فرفع رأسه إليه ثمّ قال: يا علي دعهما يشمّاني و أشمّهما، و يتزوّدان منّي و أتزوّد منهما، فإنّهما مقتولان بعدي ظلما و عدوانا، فلعنة اللّه على من يقتلهما، ثمّ قال: يا علي و أنت المظلوم المقتول بعدي، و أنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة.
كشف الغمة — ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) · القسم الثاني