الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر الإمام الثاني أبي محمّد الحسن التقي (عليه السلام)
كشف الغمة

فأمّا الحسن بن الحسن فكان رجلا جليلا رئيسا فاضلا ورعا، و كان يلي صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقته، و له مع الحجاج خبر رواه زبير بن بكّار قال: كان الحسن بن الحسن واليا صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) في عصره، فساير الحجاج يوما و هو إذ ذاك أمير المدينة، فقال له الحجاج: أدخل عمر بن علي معك في صدقات أبيه فإنّه عمّك و بقيّة أهلك، فقال له الحسن: لا أغيّر شرط عليّ و لا أدخل فيها من لم يدخل، فقال له الحجاج: إذا أدخله أنا معك، فنكص الحسن بن الحسن عنه حتّى غفل الحجاج ثمّ توجّه إلى عبد الملك حتّى قدم عليه، فوقف ببابه يطلب الإذن، فمرّ به يحيى بن أم الحكم، فلمّا رآه يحيى مال إليه و سلّم عليه و سأله عن مقدمه و خبره، ثمّ قال: إنّي سأنفعك عند أمير المؤمنين- يعني عبد الملك-. فلمّا دخل الحسن بن الحسن على عبد الملك رحّب به و أحسن مساءلته، و كان الحسن قد أسرع إليه الشيب، فقال له عبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمّد؟ فقال يحيى: و ما يمنعه يا أمير المؤمنين، شيّبه أماني أهل العراق [1]، يفد عليه الركب [2] يمنّونه الخلافة، فأقبل عليه الحسن بن الحسن فقال: بئس و اللّه الرفد رفدت [3]، ليس كما قلت، و لكنّا أهل بيت يسرع إلينا الشيب و عبد الملك يسمع، فأقبل عليه عبد الملك و قال: هلمّ ما قدمت له، فأخبره بقول الحجاج فقال: ليس له ذلك، اكتب إليه كتابا لا يتجاوزه، فكتب إليه و وصل الحسن بن الحسن فأحسن صلته، فلمّا خرج من عنده لحقه يحيى بن أم الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره، فقال له: ما هذا الذي وعدتني به؟! فقال له يحيى: إيها عنك [4] فو اللّه لا يزال يهابك، و لو لا هيبتك لما قضى لك حاجة و و اللّه ما ألوتك رفدا [5]. و كان الحسن بن الحسن قد حضر مع الحسين بن علي (عليهما السلام) الطف، فلمّا قتل الحسين (عليه السلام) و أسر الباقون من أهله جاءه أسماء بن خارجة [6] فانتزعه من بين الأسرى، و قال: و اللّه لا يوصل إلى ابن خولة أبدا، فقال عمر بن سعد: دعوا لأبي حسان ابن أخته [7]، و يقال: إنّه أسر و كان به جراح قد أشفى منها. و روي أنّ الحسن بن الحسن خطب إلى عمّه الحسين (عليه السلام) إحدى بنتيه، فقال له الحسين (عليه السلام): اختر يا بني أحبّهما إليك، فاستحى الحسن و لم يحر جوابا [1]، فقال له الحسين (عليه السلام): فإنّي قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما شبها بأمّي فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و قبض الحسن بن الحسن رحمه اللّه و له خمس و ثلاثون سنة، و أخوه زيد بن الحسن رحمة اللّه عليه حي، و وصّى إلى أخيه من أمّه إبراهيم بن محمّد بن طلحة رحمه اللّه. و لمّا مات الحسن بن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) على قبره فسطاطا، و كانت تقوم الليل و تصوم بالنهار، و كانت تشبه بالحور العين لجمالها، فلمّا كان رأس السنة قالت لمواليها: إذا أظلم الليل فقوّضوا هذا الفسطاط [2]، فلمّا أظلم الليل سمعت قائلا يقول: هل وجدوا من فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا. و مضى الحسن بن الحسن و لم يدّع الإمامة و لا ادّعاها له مدّع كما وصفناه من حال أخيه زيد رحمة اللّه عليهما. و أمّا عمرو و القاسم و عبد اللّه بنو الحسن بن علي (عليهما السلام) فإنّهم استشهدوا بين يدي عمّهم الحسين بن علي (عليهما السلام) بالطف رضي اللّه عنهم و أرضاهم، و أحسن عن الدين و الإسلام و أهله جزاهم. و عبد الرحمن بن الحسن رضي اللّه عنه خرج مع عمّه الحسين بن علي صلوات اللّه عليهما إلى الحج، فتوفّي بالأبواء [3] و هو محرم. و الحسين بن الحسن المعروف بالأثرم كان له فضل، و لم يكن له ذكر في ذلك. و طلحة بن الحسن كان جوادا (انتهى كلام الشيخ المفيد). و قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي: ولد الحسن الذكور: حسن، و زيد، و محمّد، و عمرو، و عبد اللّه، و القاسم، و أبو بكر، و عبد الرحمن، و حسين، و محمّد، و عبد اللّه، و طلحة، و من النساء: تماضر، و أمّ الحسن، و أمّ الخير، و أمّ عبد اللّه، و أم سلمة. و الذي أراه أنّ في هذه الأسماء تكريرا و أظنّة من الناسخ و أهل مكة أخبر بشعابها، فما ذكره الشيخ المفيد رحمه اللّه هو الذي يعتمد عليه في هذا الباب، لأنّه أشدّ حرصا و أكثر تنقيبا و كشفا و طلبا لهذه الامور. قال الحافظ بن الأخضر: روى من أولاد الحسن بن علي، زيد بن الحسن عن أبيه و اعتمدت حذف الأسانيد كما اشترطته في أوّل الكتاب. روى زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) عن أبيه قال: لمّا آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بين أصحابه، آخى بين أبي بكر و عمر، و بين طلحة و الزبير، و بين حمزة بن عبد المطّلب و بين زيد بن حارثة، و بين عبد اللّه بن مسعود بن المقداد بن عمرو، فقال علي (عليه السلام): آخيت بين أصحابك و أخّرتني؟ فقال: ما أخّرتك إلّا لنفسي. الحسن بن الحسن عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم. عبد اللّه بن الحسن عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الرحم شجنة من الرحمن عزّ و جلّ، من وصلها وصله اللّه، و من قطعها قطعه اللّه تعالى. عن عكرمة عن ابن عباس أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يزل يلبّي حتّى رمى جمرة العقبة. و عنه عن أمّه بنت الحسين عن فاطمة الكبرى (عليها السلام) قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا دخل المسجد قال: بسم اللّه و الحمد للّه و صلّى اللّه على رسول اللّه و سلّم، اللهمّ اغفر لي ذنوبي و سهّل لي أبواب رحمتك، و إذا خرج قال مثل ذلك إلّا أنّه يقول: اللهمّ اغفر لي ذنوبي و سهّل لي أبواب فضلك. و عن عبد اللّه عن أمّه عن فاطمة الكبرى (عليها السلام) قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما التقى جندان ظالمان إلّا تخلّى اللّه عنهما، و لم يبال أيّهما غلب، و ما التقى جندان ظالمان إلّا كانت الدبرة على أعتاهما. و عنه عن أبيه الحسن عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): للنساء عشر عورات، فإذا تزوّجت المرأة ستر الزوج عورة، و إذا ماتت ستر القبر عشر عورات. و قال عبد اللّه بن حسن بن حسن لابنه محمّد: استعن على السّلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها، فإنّ الصمت حسن على كلّ حال، و إيّاك و معاداة الرجال، فإنّك لا تأمن مكر حليم و مبادرة لئيم. حسين بن حسن عن أمّه فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا يلومنّ إلّا نفسه من بات و في يده غمر [1]. و عنه عن أبيه عن جدّه علي بن أبي طالب عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من أجرى اللّه على يديه فرجا لمسلم، فرّج اللّه تعالى عنه كرب الدنيا و الآخرة. و بالإسناد قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من عال أهل بيت من المسلمين يومهم و ليلتهم غفر اللّه له ذنوبه. و قيل: أوصى محمّد بن علي بن حسين ابنه جعفر بن محمّد، فقال: يا بني اصبر للنوائب و لا تعرض للحتوف، و لا تعط نفسك ما ضرّه عليك أكثر من نفعه لغيرك، يا بني إنّ اللّه رضيني لك فحذّرني فتنتك، و لم يرضك لي فأوصاك بي. و قيل: إنّه كان يقول لأولاده: يا بني إذا أصابتكم مصيبة من الدنيا أو نزلت بكم فاقة فليتوضّأ الرجل، فيحسن وضوءه، و ليصلّ أربع ركعات أو ركعتين، فإذا انصرف من صلاته فليقل: يا موضع كلّ شكوى، يا سامع كلّ نجوى، يا شافي كلّ بلاء، و يا عالم كلّ خفيّة، و يا كاشف ما يشاء من بليّة، و يا نجي موسى، و يا مصطفى محمّد، و يا خليل إبراهيم، أدعوك دعاء من اشتدّت فاقته، و ضعفت قوته، و قلّت حيلته، دعاء الغريب الغريق، الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلّا أنت أرحم الراحمين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين. قال علي بن الحسين: لا يدعو بها رجل أصابه بلاء إلّا فرّج اللّه تعالى عنه. الحادي عشر: في عمره (عليه السلام) قال كمال الدين رحمه اللّه قد تقدم ذكر ولادته و ما قيل فيها، و إنّها كانت في سنة ثلاث من الهجرة، و كانت وفاته (عليه السلام) على ما سيأتي في الفصل المختص بها المذكور إن شاء اللّه تعالى عقيب هذا الفصل في سنة تسع و أربعين للهجرة، فتكون مدّة عمره سبعا و أربعين سنة، منها مع جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سبع سنين، و مع أبيه (عليهما السلام) بعد وفاة جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثلاثين سنة، و بعد وفاة والده (عليهما السلام) إلى وقت وفاته عشر سنين. قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: توفّي الحسن (عليه السلام) في صفر سنة خمسين من الهجرة و له يومئذ ثمان و أربعون سنة، و كانت خلافته عشر سنين. قال الحافظ الجنابذي: ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، و مات سنة تسع و أربعين، و كان قد سقي السم مرارا، و كان مرضه أربعين يوما. و قال الدولابي صاحب كتاب الذريّة الطاهرة: تزوّج عليّ فاطمة (عليها السلام) فولدت له حسنا بعد أحد بسنتين، و كان بين وقعة أحد و مقدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة سنتان و ستّة أشهر و نصف، فولدته لأربع سنين و ستّة أشهر و نصف من التاريخ. و روى أيضا أنّه ولد في رمضان من سنة ثلاث، و توفي و هو ابن خمس و أربعين سنة، و ولّى غسله الحسين و العباس و محمّد إخوته، و صلّى عليه سعيد بن العاص، و كانت وفاته سنة تسع و أربعين. و قال الكليني رحمة اللّه عليه: ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) في شهر رمضان سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة. و روي أنّه ولد سنة ثلاث، و مضى في صفر في آخره من سنة تسع و أربعين، و هو ابن سبع و أربعين و أشهر. و قال ابن الخشّاب رحمه اللّه رواية عن الصادق و الباقر (عليهما السلام) قالا: مضى أبو محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) و هو ابن سبع و اربعين سنة، و كان بينه و بين أخيه الحسين (عليهما السلام) مدّة الحمل، و كان حمل أبي عبد اللّه ستّة أشهر، و لم يولد مولود لستّة أشهر فعاش غير الحسين و عيسى بن مريم (عليهما السلام)، فأقام أبو محمّد مع جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سبع سنين، و أقام مع أبيه بعد وفاة جدّه ثلاثين سنة، و أقام بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) عشر سنين، فكان عمره سبعا و أربعين سنة، فهذا اختلافهم في عمره. الثاني عشر: في وفاته (عليه السلام) قال كمال الدين رحمه اللّه: مرض الحسن (عليه السلام) أربعين يوما، فقال في بعض الأيام: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فقال: اللهمّ إنّي أحتسب نفسي عندك فإنّي لم أصب بمثلها. و روى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن عمير بن إسحاق قال: دخلت أنا و رجل على الحسن بن علي (عليهما السلام) نعوده، فقال: يا فلان سلني، قال: لا و اللّه لا نسألك حتّى يعافيك اللّه ثمّ نسألك، قال: ثمّ دخل ثمّ خرج إلينا فقال: سلني قبل أن لا تسألني، قال: بل يعافيك اللّه ثمّ نسألك، قال: قد ألقيت طائفة من كبدي و إنّي سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرّة، ثمّ دخلت عليه من الغد و هو يجود بنفسه و الحسين (عليه السلام) عند رأسه، فقال: يا أخي لمن تتّهم؟ قال: لم لتقتله؟ قال: نعم، قال: إن يكن الذي أظنّ فاللّه أشدّ بأسا و أشدّ تنكيلا، و إلّا يكن فلا أحب أن يقتل بي بريء، ثمّ قضى (عليه السلام) لخمس خلون من ربيع الأوّل سنة تسع و أربعين من الهجرة، و قيل: خمسين، و صلّى عليه سعيد بن العاص فإنّه كان يومئذ واليا على المدينة، و دفن بالبقيع، و كانت تحته إذ ذاك جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي، فذكر أنّها سمّته و اللّه أعلم بحقيقة ذلك. و كان بانقضاء الشهور التي و لي فيها (عليه السلام) انقضاء خلافة النبوّة، فإنّ بها كان استكمال ثلاثين سنة، و هي التي ذكرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما نقل عنه: الخلافة بعدي ثلاثون ثمّ تصير ملكا، أو كما قال صلوات اللّه عليه و آله و سلامه (انتهى كلامه). قال المفيد رحمه اللّه: لمّا أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد، دسّ إلى جعدة بنت الأشعث ابن قيس و كانت زوجة الحسن بن علي (عليهما السلام) من حملها على سمّه، و ضمن لها أن يزوّجها بابنه يزيد، فأرسل إليها مائة ألف درهم فسقته جعدة السم، و بقي (عليه السلام) أربعين يوما مريضا و مضى لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة، و له يومئذ ثمان و أربعون سنة، و تولّى أخوه و وصيّه الحسين (عليهما السلام) غسله و تكفينه و دفنه عند جدّته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (عليهما السلام) بالبقيع. قال: فصل: فمن الأخبار التي جاءت بوفاته (عليه السلام) ما ذكرناه من دسّ معاوية إلى جعدة فسمّته، فسوّغها المال و لم يزوّجها من يزيد، فخلّف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم فقالوا: يا بني مسمّة الأزواج. و روى مرفوعا إلى ابن إسحاق قال: كنت مع الحسن و الحسين (عليهما السلام) في الدار، فدخل الحسن (عليه السلام) المخرج ثمّ خرج فقال: لقد سقيت السمّ مرارا فما سقيته مثل هذه المرّة، و لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلّبها بعود كان معي، فقال له الحسين (عليه السلام): من سقاك؟ فقال: و ما تريد منه؟ إن يكن هو فاللّه أشدّ نقمة، و إن لم يكن هو فما أحبّ أن يؤخذ بي بريء. و روى عبد اللّه بن إبراهيم عن زياد المخارقي قال: لمّا حضرت الحسن (عليه السلام) الوفاة استدعى الحسين بن علي (عليهما السلام) فقال له: يا أخي إنّي مفارقك و لاحق بربّي عزّ و جلّ، و قد سقيت السمّ و رميت بكبدي في الطست، و إنّي لعارف بمن سقاني السمّ و من أين دهيت، و أنا أخاصمه إلى اللّه عزّ و جلّ، فبحقّي عليك إن تكلّمت في ذلك بشيء، فإذا قضيت نحبي فغمّضني و غسّلني و كفني و احملني على سريري إلى قبر جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأجدّد به عهدا ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة رحمة اللّه عليها فادفنّي هناك، و ستعلم يا بن أم إنّ القوم يظنّون إنّكم تريدون دفني عند جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيجلبون في منعكم من ذلك، و باللّه أقسم عليكم أن تهريق في أمري محجمة دم [1]، ثمّ وصّى إليه (عليهما السلام) بأهله و ولده و تركاته، و ما كان وصّى به إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) حين استخلفه و أهّله لمقامه، و دلّ شيعته على استخلافه و نصبه لهم علما من بعده، فلمّا مضى (عليه السلام) لسبيله غسله الحسين (عليه السلام) و كفنه و حمله على سريره فلم يشك مروان و من معه من بني أميّة أنّهم سيدفنونه عند جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فتجمّعوا له و لبسوا السلاح، فلمّا توجّه الحسين به إلى قبر جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليجدّد به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم و لحقتهم عائشة على بغل و هي تقول: مالي و مالكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب؟ و جعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة [2]، أ يدفن عثمان في أقصى المدينة و يدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف، و كادت الفتنة تقع بين بني هاشم و بني أميّة. فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لكنّا نريد أن نجدّد به عهدا و بزيارته ثمّ نردّه إلى جدّته فاطمة رحمة اللّه عليها فندفنه بوصيّته عندها، و لو كان وصّى بدفنه مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلمت أنّك أقصر باعا من ردّنا عن ذلك، و لكنّه كان أعلم باللّه و برسوله و بحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، و دخل بيته بغير إذنه، ثمّ أقبل على عائشة و قال: وا سوأتاه يوما على بغل و يوما على جمل، تريدين أن تطفئي نور اللّه و تقاتلي أولياء اللّه، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين و بلغت ما تحبّين، و اللّه تعالى منتصر لأهل هذا البيت و لو بعد حين. و قال الحسين (عليه السلام): و اللّه لو لا عهد الحسن إليّ بحقن الدماء و أن لا أهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منكم مأخذها و قد نقضتم العهد بيننا و بينكم، و أبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا، و مضوا بالحسن (عليه السلام) فدفنوه بالبقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد بن هاشم رضي اللّه عنها. قلت: في هذا الفصل موضعان يجب أن تحقّق، فإنّه قد تقدّم أنّ سعيد بن العاص صلّى على الحسن لأنّه كان واليا يومئذ على المدينة و في هذا الموضوع ذكر أنّ مروان خرج ليمنع من دفنه، فلعلّه لم يكن أميرا ليكون جمعا بين الأمرين. و الموضع الثاني: إنّي نقلت أنّ عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه كان بدمشق و أخبره معاوية بموت الحسن (عليه السلام) و جرى بينهما كلام أغلظ فيه ابن عباس و قال له: أصبحت سيّد قومك؟ قال: أمّا و الحسين بن علي حيّ فلا، و قد أورد هاهنا أنّه حدث مروان و عائشة و قال لهما ما ذكرناه فيجب أن تحقّق و لا يجوز أن يكون القائل غير عبد اللّه فإنّ ابن عباس إذ أورد هكذا لم يرد به إلّا عبد اللّه. و روى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي رحمه اللّه قال: لمّا حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع، فأكبّ عليه ابنه عبد اللّه فقال: يا أبة هل رأيت شيئا فقد غممتنا؟ فقال: أي بني هي و اللّه نفسي التي لم أصب بمثلها. و قال: إنّه لمّا نزل بالحسن بن علي (عليه السلام) الموت فقال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال: اللهمّ إنّي أحتسب نفسي عندك فإنّي لم أصب بمثلها. و روي أنّه قال: لمّا حضرت الحسن بن علي (عليهما السلام) الوفاة كأنّه جزع عند الموت، فقال له الحسين (عليه السلام) كأنّه يعزّيه: يا أخي ما هذا الجزع؟! إنّك ترد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و علي (عليه السلام) و هما أبواك، و على خديجة و فاطمة و هما أمّاك، و على القاسم و الطاهر و هما خالاك، و على حمزة و جعفر و هما عمّاك، فقال له الحسن (عليه السلام): أي أخي إنّي أدخل في أمر من أمر اللّه لم أدخل في مثله و أرى خلقا من خلق اللّه لم أر مثله قط، قال: فبكى الحسين (عليه السلام). قلت: مناقب الحسن (عليه السلام) و مزاياه، و صفات شرفه و سجاياه، و ما اجتمع فيه من الفضائل، و خصّ به من المآثر التي فاق بها على الأواخر و الأوائل، لا يقوم بإثباتها البنان، و لا ينهض بذكرها اللسان، لأنّه أرفع مكانة و محلّا، و أوفى شرفا و نبلا، و أزكى فرعا و أعلى أصلا من أن يقوم مثلي مع قصور ذرعه و جمود طبعه، بما يجب من عد مفاخره، و تخليد مآثره، و لكنّه (عليه السلام) من أهل بيت الكرم و الجود، و ناشري رمم السماح في الوجود، و لذلك يقبل اليسير و يجازي بالكثير، و قد قلت في مدحه معتذرا من التقصير: أيا ابن الأكرمين أقل عثاري فتقصيري على الحالات باد و كيف أطيق أن أحصي مزايا خصصت بهنّ من بين العباد لك الشرف الذي فاق البرايا و جلّ علا على السبع الشداد سبقت إلى المفاخر و السجايا ال كريمة و الندى سبق الجواد وجود يديك يقصر عن مداه إذا عدّ الندى صوب الغواد [1] و بيتك في العلى سام رحيب بعيد الذكر مرتفع العماد أبوك شأى الورى شرفا و مجدا فأمسى في العلى واري الزناد [2] و جدّك أكرم الثقلين طرّا أقرّ بفضله حتّى الأعادي إلى الحسن بن فاطمة أثيرت بحقّ أينق المدح الجياد [3] تؤمّ أبا محمّد المرجّى حماد لها و من أمّت حماد أقرّ الحاسدون له بفضل عوارفه قلائد في الهواد [4] بكم نال الهداية ذو ضلال و أنتم ناهجوا سبل الرشاد و أنتم عصمة الراجي و غوث يفوق الغيث في السنة الجماد [5] محضتكم المودة غير و ان و أرجو الأجر في صدق الوداد و كم عاندت فيكم من عدوّ و فيكم لا أخاف من العناد و من يك ذا مراد في أمور فإنّ ولاءكم أقصى مرادي أرجّيكم لآخرتي و أبغي بكم نيل المطالب في معادي و ما قدّمت من زاد سواكم و نعم الزاد يوم البعث زادي

كشف الغمة — ذكر الإمام الثاني أبي محمّد الحسن التقي (عليه السلام) · فصل:

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.