ولد علي بن الحسين (عليهما السلام) خمسة عشر ولدا: محمّد المكنّى أبا جعفر الباقر (عليه السلام) أمّه أم عبد اللّه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، و زيد و عمر أمّهما أم ولد، و عبد اللّه و الحسن و الحسين أمّهم أم ولد، و الحسين الأصغر و عبد الرحمن و سليمان لأم ولد، و علي و كان أصغر ولد علي بن الحسين (عليهما السلام) و خديجة أمّهما أم ولد، و محمّد الأصغر أمّه أم ولد، و فاطمة و عليّة و أم كلثوم أمّهنّ أم ولد، انتهى كلام المفيد رحمه اللّه. [ما ذكره الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي] و قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي: أبو الحسن و يقال أبو محمّد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، سمع جماعة من الصحابة من الرجال و النساء منهم عمّه الحسن (عليه السلام) و أبوه (عليه السلام)، و عبد اللّه بن جعفر و عبد اللّه بن العباس، و جابر بن عبد اللّه و عبد اللّه بن الزبير، و المسور ابن مخزمة و أبو سعيد الساعدي، و الحارث بن هشام و أسامة بن زيد، و بريدة بن الخصيب و سواهم. و من النساء فاطمة و عائشة و أم سلمة و أم أيمن و الربيع بنت مسعود بن عفرا و درة بنت أبي لهب و غير هنّ. و روى بسنده عن العيزار بن حريث قال: كنت عند ابن عباس فأتاه علي بن الحسين فقال: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب. و قال ابن سعد: كان علي بن الحسين (عليه السلام) مع أبيه و هو ابن ثلاث و عشرين سنة، و كان مريضا نائما على فراشه، فلمّا قتل الحسين (عليه السلام) قال شمر بن ذي الجوشن: اقتلوا هذا، فقال رجل من أصحابه: يا سبحان اللّه أ تقتل فتى مريضا حدثا لم يقاتل؟ قال ابن سعد: أخبرنا عبد الرحمن بن يونس عن سفيان عن جعفر بن محمّد قال: مات علي بن الحسين و هو ابن ثمان و خمسين سنة، قال ابن عمر: فهذا يدلّك على أنّ علي بن الحسين كان مع أبيه و هو ابن ثلاث أو أربع و عشرين سنة، و ليس قول من قال: إنّه كان صغيرا بشيء، و لكنّه كان مريضا و لم يقاتل، و كيف يكون صغيرا و قد ولد له أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) و قد لقى أبو جعفر جابر بن عبد اللّه و روى عنه، و مات جابر بن عبد اللّه سنة ثمان و تسعين. و عن أبي فروة قال: مات علي بن الحسين بالمدينة و دفن بالبقيع سنة أربع و تسعين، و كان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، لكثرة من مات فيها منهم. حدّثني حسين بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: مات أبي علي بن الحسين سنة أربع و تسعين، و صلّينا عليه بالبقيع، و قال غيره: مولده سنة ثمان و ثلاثين من الهجرة و مات سنة خمس و تسعين، و أمّه أم ولد اسمها غزالة. قال محمّد بن سعيد: و لعلي بن الحسين العقب من ولد الحسين و أخوه علي قتل مع أبيه بكربلاء، و لم يولد له، فولد علي بن الحسين عبد اللّه و الحسن، و الحسن بن علي درج، و الحسين الأكبر درج أيضا، و محمّد أبو جعفر الفقيه و عبد اللّه أمّهم أم عبد اللّه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، و عمر و زيد المقتول بالكوفة قتله يوسف ابن عمرو الثقفي في خلافة هشام بن عبد الملك و صلبه، و علي بن علي، و خديجة، و أمّهم أم ولد، و كلثم بنت علي و سليمان لا عقب له، و مليكة لامّهات أولاد، و القاسم و أم الحسن و هي حسنة، و أم الحسين، و فاطمة لامّهات أولاد. و بإسناده يرفعه الى الكلبي قال: ولّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق، فبعث بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى، فقال علي لابنه الحسين (عليهما السلام): دونكها فأولدها علي بن الحسين. و في حديث آخر: أنفذ ببنتي يزدجرد بن شهريار فأعطى الحسين واحدة و أعطى محمّد بن أبي بكر الاخرى فأولداهما، و قد تقدم ذكر ذلك. و عن أبي حمزة قال: كان علي بن الحسين يصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة. و عن عبد اللّه بن علي بن الحسين قال: كان أبي يصلّي الليل حتّى يزحف إلى فراشه. و عن أبي عبد اللّه قال: كان علي بن الحسين يعول سبعين بيتا من أهل المدينة و هم لا يعلمون، فلمّا مات فقدوا أثره. و عن الزهري قال: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين و قد سبق ذكره. و روى بسنده حديث حج هشام و قصيدة الفرزدق: يا سائلي أين حلّ الجود و الكرم عندي بيان إذا طلّابه قدموا هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا الذي أحمد المختار والده صلّى عليه إلهي ما جرى القلم لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه لخرّ يلثم منه ما وطىء القدم هذا علي رسول اللّه والده أمست بنور هداه تهتدي الامم هذا الذي عمّه الطيّار جعفر وا لمقتول حمزة ليث حبّه قسم هذا ابن سيّدة النسوان فاطمة و ابن الوصي الذي في سيفه نقم إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم و ليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت و العجم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام و العجم يغضى حياء و يغضى من مهابته فما يكلّم إلّا حين يبتسم ينجاب نور الدجى عن نور غرّته كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم بكفّه خيزران ريحه عبق من كفّ أروع في عرنينه شمم ما قال لا قط إلّا في تشهّده لو لا التشهّد كانت لاؤه نعم مشتقّة من رسول اللّه نبعته طابت عناصره و الخيم و الشيم حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم إن قال قال بما ليهوى جميعهم و إن تكلّم يوما زانه الكلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا اللّه فضّله قدما و شرّفه جرى بذاك له في لوحه القلم من جدّه دان فضل الأنبياء له و فضل أمّته دانت له الامم عمّ البرية بالإحسان و انقشعت عنها العماية و الإملاق و الظلم كلتا يديه غياث عمّ نفعهما تستوكفان و لا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه خصلتان الخلق و الكرم لا يخلف الوعد ميمونا نقيبته رحب الفناء أريب حين يعترم من معشر حبّهم دين و بغضهم كفر و قربهم منجى و معتصم يستدفع السوء و البلوى بحبّهم و يستزاد به الإحسان و النعم مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم في كلّ فرض و مختوم به الكلم إن عد أهل التقى كانوا أئمّتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم و لا يدانيهم قوم و إن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت و الأسد أسد الشرى و البأس محتدم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم خيم كريم و أيد بالندى هضم لا يقبض العسر بسطا من أكفّهم سيّان ذلك إن أثروا و إن عدموا إنّ القبائل ليست في رقابهم لأولية هذا أوله نعم من يعرف اللّه يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الامم بيوتهم في قريش يستضاء به في النائبات و عند الحلم إن حكموا فجدّه من قريش في أزمتها محمّد و علي بعده علم بدر له شاهد و الشعب من أحد و الخندقان و يوم الفتح قد علموا و خيبر و حنين يشهدان له و في قريضة يوم صيلم قثم مواطن قد علت في كلّ نائبة على الصحابة لم أكتم كما كتموا قال: فغضب هشام و أمر بحبس الفرزدق... القصة إلى آخرها. و ذكر أنّه بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، و أنّ الفرزدق قال: ما قلت ذلك إلّا غضبا للّه عزّ و جلّ و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال: شكّر اللّه لك ذلك. و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول عند النظر إلى الهلال: أيّها الخلق المنير، الدائب السريع، المتقلّب في منازل التقدير، المتصرّف في فلك التدبير، آمنت بالذي نوّر بك الظلم، و أوضح بك البهم، و جعلك آية من آيات ملكه، و علامة مع علامات سلطانه، فامتهنك بالزيادة و النقصان، و الطلوع و الأفول، و الإنارة و الخسوف، سبحانه ما ألطف ما دبّر في أمرك، و أحسن ما صنع في شأنك، جعلك اللّه هلال شهر حادث لأمر حادث، جعلك اللّه هلال بركة لا تمحقها الأيّام، و طهارة لا تدنّسها الآثام، هلال أمن من الآفات، و سلامة من السيّئات، اللهمّ اجعلنا من أرضى من طلع عليه، و أزكى من نظر إليه، و وفّقنا فيه للتوبة، و اعصمنا فيه بالمنّة إنّك أنت المنّان بالجزيل آمين ربّ العالمين. قال: ثمّ تدعو بما شئت. و عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يقول: اللهمّ ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة، و أعنّي بعزم الإرادة، و هبني حسن المستعقب من نفسي، و خذني منها حتّى تتجرّد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك، و ارزقني قلبا و لسانا يتجاريان في ذم الدنيا و حسن التجافي منها حتّى لا أقول إلّا صدقت، و أرني مصاديق إجابتك بحسن توفيقك حتّى أكون في كلّ حال حيث أردت. فقد قرعت بي باب فضلك فاقة بحدّ سنان نال قلبي فتوقها و حتّى متى أصف محن الدنيا و مقام الصدّيقين، و أنتحل عزما من إرادة مقيم بمدرجة الخطايا، أشتكي ذلّ ملكة الدنيا و سوء أحكامها عليّ فقد رأيت و سمعت لو كنت أسمع في أداة فهم أو أنظر بنور يقظة. و كلا ألاقي نكبة و فجيعة و كأس مرادات ذعافا أذوقها و حتّى متى أتعلّل بالأماني و أسكن إلى الغرور و أعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها، و أنا أعرض لنكبات الدهر عليّ أتربّص اشتمال البقاء و قوارع الموت تختلف حكمي في نفسي و يعتدل حكم الدنيا. و هنّ المنايا أيّ واد سلكته عليها طريقي أو عليّ طريقها و حتّى متى تعدني الدنيا فتخلف و ائتمنها فتخون، لا تحدث جدة إلّا بخلوق جدة، و لا تجمع شملا إلّا بتفريق شمل حتّى كأنّها غيرى محجبة ضنا تغار على الالفة و تحسد أهل النعم. فقد آذنتني بانقطاع و فرقة و أومض لي من كلّ أفق بروقها و من أقطع عذرا من مغذ سيرا يسكن إلى معرس غفلة بأدواء نبوة الدنيا و مرارة العيش و طيب نسيم الغرور، قد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية، و حال دون ذلك النسيم هبوات و حسرات، و كانت حركات فسكنت، و ذهب كلّ عالم بما فيه فما عيشة إلّا تزيد مرارة، و لا ضيقة إلّا و يزداد ضيقها، فكيف يرقأ دمع لبيب أو يهدأ طرف متوسّم على سوء أحكام الدنيا و ما تفجأ به أهلها من تصرّف الحالات و سكون الحركات، و كيف يسكن إليها من يعرفها و هي تفجع الآباء بالأبناء، و تلهى الأبناء عن الآباء، تعدمهم أشجان قلوبهم و تسلبهم قرّة عيونهم. و ترمي قساوات القلوب بأسهم و جمر فراق لا يبوخ حريقها و ما عسيت أن أصف من محن الدنيا و أبلغ من كشف الغطاء عمّا و كلّ به دور الفلك من علوم الغيوب، و لست أذكر منها إلّا قليلا أفتنه أو مغيب ضريح تجافت عنه، فاعتبر أيّها السامع بهلكات الامم و زوال النعم و فظاعة ما تسمع و ترى من سوء آثارها في الديار الخالية و الرسوم الفانية و الربوع الصموت. و كم عالم أفنت فلم تبك شجوه و لا بدّ أن تفنى سريعا لحوقها فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ و تأمّل معاقل الملوك و مصانع الجبّارين و كيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء، و جاهرتهم بالمنكرات و سحبت عليهم أذيال البوار، و طحنتهم طحن الرحا للحب، و استودعتهم هوج الرياح تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الأرض. فتلك مغانيهم و هذي قبورهم توارثها أعصارها و حريقها أيّها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من الامم السالفة، توقف و تفهم و انظر أي عزّ ملك أو نعيم أنس أو بشاشة ألف إلّا نغصت أهله قرّة أعينهم و فرّقتهم أيدي المنون، و ألحقتهم بتجافيف التراب، فأضحوا في فجوات قبورهم يتقلّبون، و في بطون الهلكات عظاما و رفاتا و صلصالا في الأرض هامدون. و آليت لا تبقى الليالي بشاشة و لا جدة إلّا سريعا خلوقها و في مطالع أهل البرزخ و خمود تلك الرقدة و طول تلك الإقامة طفيت مصابيح النظر، و اضمحلّت غوامض الفكر، و ذمّ الغفول أهل العقول، و كم بقيت متلذّذا في طوامس هوامد تلك الغرفات، فنوّهت بأسماء الملوك و هتفت بالجبّارين و دعوت الأطباء و الحكماء، و ناديت معادن الرسالة و الأنبياء أتململ تململ السليم و أبكي بكاء الحزين و أنادي و لات حين مناص. سوى أنّهم كانوا فبانوا و أنّني على جدد قصد سريعا لحوقها و تذكّرت مراتب الفهم و غضاضة فطن العقول بتذكّر قلب جريح فصدعت الدنيا عمّا التذّ بنواظر فكرها من سوء الغفلة، و من عجب كيف يسكن إليها من يعرفها و قد استذهلت عقله بسكونها، و تزيّن المعاذير و خسأت أبصارهم عن عيب التدبير و كلّ ما تراه الآيات و نشرها من طي الدهر عن القرون الخالية الماضية و حالهم و ما بهم و كيف كانوا و ما الدنيا و غرور الأيّام. و هل هي إلّا لوعة من ورائها جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها و قد أغرق في ذم الدنيا الأدلّاء على طرق النجاة من كلّ عالم، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما ثمّ درست تلك المعالم فتنكّرت الآثار و جعلت في برهة من محن الدنيا، و تفرّقت ورثة الحكمة و بقيت فردا كقرن الأعضب وحيدا، أقول فلا أجد سميعا، و أتوجّع فلا أجد مشتكى. و إن أبكهم أحرض و كيف تجلّدي و في القلب منّي لوعة لا أطيقها و حتّى متى أتذكّر حلاوة مذاق الدنيا و عذوبة مشارب أيّامها، و أقتفي آثار المريدين و أتنسّم أرواح الماضين مع سبقهم إلى الغل و الفساد، و تخلّفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الأخلّاء فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى، و خانني الصبر حتّى كأنّي أوّل ممتحن أتذكّر معارف الدنيا و فراق الأحبّة. فلو رجعت تلك الليالي كعهدها رأت أهلها في صورة لا تروقها فمن أخصّ بمعاتبتي و من أرشد بندبتي و من أبكى و من أدع أشجوا بهلكة الأموات أم بسوء خلف الأحياء؟ و كلّ يبعث حزني و يستأثر بعبراتي، و من يسعدني فأبكى و قد سلبت القلوب لبّها ورقا الدمع، و حقّ للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطبّاء، و كيف بهم و قد خالفوا الأمرين و سبقهم زمان الهادين، و وكلوا إلى أنفسهم يتنسّكون في الضلالات في دياجير الظلمات. حيارى و ليل القوم داج نجومه طوامس لا تجري بطيء خفوقها قلت: هذا الفصل من كلامه (عليه السلام) قد نظمه بعض الشعراء و أجاد في قوله: قد كنت أبكي على ما فات من زمني و أهل ودّي جميع غير أشتات و اليوم إذ فرقت بيني و بينهم نوى بكيت على أهل المروّات و ما حياة امرئ أضحت مدامعه مقسومة بين أحياء و أموات قال (عليه السلام): و قد انتحلت طوائف من هذه الامّة بعد مفارقتها أئمّة الدين و الشجرة النبويّة إخلاص الديانة، و أخذوا أنفسهم في مخايل الرهبانية، و تغالوا في العلوم و وصفوا الإسلام بأحسن صفاتهم، و تحلّوا بأحسن السنّة حتّى إذا طال عليهم الأمد و بعدت عليهم الشقّة و امتحنوا بمحن الصادقين رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى و علم النجاة يتفسّحون تحت أعباء الديانة تفسّح حاشية الإبل تحت أوراق البزّل. و لا تحرز السبق الرزايا و إن جرت و لا يبلغ الغايات إلّا سبوقها و ذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، و احتجّوا بمتشابه القرآن فتأوّلوه بآرائهم و اتّهموا مأثور الخبر ممّا استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات و دياجير الظلمات و البزل جمع البازل: البعير الذي انشق نابه بدخوله في السنة التاسعة. بغير قبس نور من الكتاب و لا أثرة علم من مظان العلم بتحذير مثبطين، زعموا أنّهم على الرشد من غيّهم، و إلى من يفزع خلف هذه الامّة و قد درست أعلام الملّة و دانت الامّة بالفرقة و الاختلاف، يكفر بعضهم بعضا و اللّه تعالى يقول: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة و تأويل الحكمة إلّا أهل الكتاب و أبناء أئمّة الهدى و مصابيح الدجى الذين احتجّ اللّه بهم على عباده، و لم يدع الخلق سدى من غير حجّة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلّا من فروع الشجرة المباركة، و بقايا الصفوة الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و براهم من الآفات، و افترض مودّتهم في الكتاب. هم العروة الوثقى و هم معدن التقى و خير حبال العالمين وثيقها و عن يوسف بن أسباط قال: حدّثني أبي قال: دخلت مسجد الكوفة فإذا شاب يناجي ربّه و هو يقول في سجوده: سجد وجهي متعفّرا في التراب لخالقي و حقّ له، فقمت إليه فإذا هو على بن الحسين، فلمّا انفجر الفجر نهضت إليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه تعذّب نفسك و قد فضّلك اللّه بما فضّلك؟ فبكى ثمّ قال: حدّثني عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كلّ عين باكية يوم القيامة إلّا أربعة أعين: عين بكت من خشية اللّه، و عين فقئت في سبيل اللّه، و عين غضّت عن محارم اللّه، و عين باتت ساهرة ساجدة، يباهي بها اللّه الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي و جسده في طاعتي، قد جافى بدنه عن المضاجع، يدعوني خوفا من عذابي، و طمعا في رحمتي، أشهدوا أنّي قد غفرت له. قلت: هكذا أورده الحافظ في مسجد الكوفة، و علي بن الحسين فيما أظنّه لم يصل إلى العراق إلّا مع أبيه (عليه السلام) حين قتل، و لمّا وصل هو إلى الكوفة لم يكن باختياره و لا متصرّفا في نفسه، فيمشي إلى الجامع و يصلّي فيه و للتحقيق حكم. و قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يبخل، فلمّا مات وجدوه يعول مائة أهل بيت. و روى دخول علي بن الحسين (عليهما السلام) على محمّد بن أسامة بن زيد في مرضه و تقبّله بالخمسة عشر ألف دينار عنه إلّا أنّه قال: محمّد بن أسامة بن زيد. و عن سفيان كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يحمل معه جرابا فيه خبز فيتصدّق به و يقول: إنّ الصدقة تطفئ غضب الرب. و عنه قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: ما يسرّني بنصيبي من الذل حمر النعم. و قيل:) كان هشام بن إسماعيل أسب شيء لعلي و أهل بيته (عليهم السلام) فعزل و أقيم على الغرائر، فجاء علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال له: يا بن عم عافاك اللّه لقد ساءني ما صنع بك فادعنا إلى ما أحببت، فقال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. قال: و كان علي بن الحسين (عليه السلام) خارجا من المسجد فلقيه رجل فسبّه، فثارت إليه العبيد و الموالي، فقال علي بن الحسين: مهلا عن الرجل، ثمّ أقبل عليه فقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر، أ لك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيى الرجل و رجع إلى نفسه فألقى عليه خميصته كانت عليه، و أمر له بألف درهم، قال: فكان الرجل يقول بعد ذلك: أشهد أنّك من أولاد الرسل. و عن عبد اللّه بن عطاء قال: أذنب غلام لعلي بن الحسين ذنبا استحقّ به العقوبة، فأخذ له السوط (ليضربه) و قال: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ فقال الغلام: و ما أنا كذلك إنّي لأرجو رحمة اللّه و أخاف عذابه، فألقى السوط و قال: أنت عتيق. و استطال رجل على علي بن الحسين (عليهما السلام) فتغافل عنه، فقال له الرجل: إيّاك أعني؟ فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): و عنك أغضي! و قال أهل المدينة: ما فقدنا صدقة السرّ حتّى فقدنا علي بن الحسين. و قال (عليه السلام): إنّما التوبة العمل و الرجوع عن الأمر، و ليست التوبة بالكلام. و عنه (عليه السلام) قال: من قال: سبحان اللّه العظيم و بحمده من غير تعجّب، كتب اللّه تعالى له مائة ألف حسنة، و محى عنه ثلاثة آلاف سيّئة، و رفع له ثلاثة آلاف درجة. و روى عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): انتظار الفرج عبادة، و من رضي بالقليل من الرزق رضي اللّه منه بالقليل من العمل. و عن الزهري قال: حدّثت علي بن الحسين بحديث، فلمّا فرغت قال: أحسنت بارك اللّه فيك هكذا سمعناه، قال: فقلت: لا أراني حدّثت حديثا أنت أعلم به منّي، قال: لا تفعل ذلك، فليس من العلم ما لم يعرف إنّما معنى العلم ما عرف. قال: و علي بن الحسين أمّه يقال لها سلامة، و يكنّى أبا محمّد. و قال أبو نعيم: أصيب سنة اثنتين و تسعين، و قال بعض أهله: سنة أربع و تسعين. و قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: أمّه غزالة أم ولد، و قيل: علي يكنّى أبا الحسن، كنّاه محمّد بن إسحاق بن الحرث، و كان علي بن المدائني ينكر أن يكون علي بن الحسين أفلت يوم كربلاء صغيرا، و قال: قد روي عن جابر و ابن الحنفية و بإسناده عن رجل من أهل الكوفة و كان صدوقا. قال: كان علي بن الحسين يقول في دعائه: اللهمّ من أنا حتّى تغضب عليّ، فو عزّتك ما يزين ملكك إحساني، و لا يقبحه إساءتي، و لا ينقص من خزانتك غنائي، و لا يزيد فيها فقري (آخر كلامه و قد أسقطت من إيراده بعض ما تكرّر من أخباره (عليه السلام)). [ما قاله الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية] قال الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية و كان الجماعة منه نقله و على ما أورده عوّلوا و أنا أذكر منه ما أظنّهم أهملوه، فأمّا ما ذكروه فلا فائدة في إعادته، قال: ذكر طبقة من تابعي المدينة، فمن هذه الطبقة علي بن الحسين بن أبي طالب (عليه السلام) زين العابدين، و منار القانتين، و كان عابدا وفيّا و جوادا حفيّا، و قيل: إنّ التصوّف حفظ الوفاء. قال: كان علي بن الحسين لا يضرب بعيره من المدينة إلى مكة. و قال (عليه السلام): من ضحك ضحكة مجّ من عقله مجّة علم. و قال (عليه السلام): إنّ الجسد إذا لم يمرض أشر و لا خير في جسد يأشر. و قال (عليه السلام): فقد الأحبّة غربة. و قال (عليه السلام): من قنع بما قسّم اللّه له فهو من أغنى الناس. و كان إذا ناول السائل الصدقة قبّله ثمّ ناوله. و عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه؟ قال: لا تلوموني، فإنّ يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتّى ابيضّت عيناه و لم يعلم أنّه مات، و قد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي في غداة واحدة قتلى، فترون حزنهم يذهب من قلبي؟ و سمع واعية في بيته و عنده جماعة، فنهض إلى منزله ثمّ رجع، فقيل له: أمن حدث كانت الواعية؟ قال: نعم، فعزّوه و تعجّبوا من صبره، فقال: إنّا أهل بيت نطيع اللّه فيما يحب و نحمده فيما نكره. و عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم أهل الفضل، فيقوم ناس من الناس، فيقال: انطلقوا إلى الجنّة، فتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنّة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: و من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: و ما كان فضلكم؟ قالوا: كنّا إذا جهل علينا حلمنا، و إذا ظلمنا صبرنا، و إذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا: أدخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين. ثمّ يقول: مناد ينادي: ليقم أهل الصبر: فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: أدخلوا الجنّة، فتلقّاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: أهل الصبر، قالوا: و ما كان صبركم؟ قالوا: صبّرنا أنفسنا على طاعة اللّه، و صبّرناها عن معصية اللّه، قالوا: أدخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين. ثمّ ينادي مناد: ليقم جيران اللّه في داره، فيقوم ناس من الناس و هم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنّة، فتلقّاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك، قالوا: و بما جاورتم اللّه في داره؟ قالوا: كنّا نتزاور في اللّه و نتجالس في اللّه و نتباذل في اللّه، قالوا: أدخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين. و عن علي بن الحسين قال: التارك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كنابذ كتاب اللّه وراء ظهره إلّا يتّقي تقاة، قلت: و ما تقاته؟ قال: يخاف جبّارا عنيدا أن يفرط عليه أو أن يطغى. و قال (عليه السلام): من كتم علما أحدا أو أخذ عليه صفدا فلا نفعه أبدا. و عن الزهري قال: دخلت على علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قال: تذاكرنا الصوم فأجمع رأيي و رأي أصحابي على أنّه ليس من الصوم شيء واجب إلّا صوم شهر رمضان، فقال: يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجها منها عشرة واجبة كوجوب شهر رمضان، و عشر خصال منها حرام، و أربع عشر خصلة صاحبها بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر، فصوم النذر واجب، و صوم الاعتكاف واجب، قال: قلت: فسّرهنّ لي يا بن رسول اللّه. قال (عليه السلام): أمّا الواجب فصوم شهر رمضان، و صيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، قال اللّه تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً الآية، و صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، قال اللّه تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ الآية، و صيام حلق الرأس، قال اللّه تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ الآية، و صاحبه بالخيار إن شاء صام ثلاثا، و صوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، قال اللّه تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ الآية، و صوم جزاء الصيد، قال اللّه تعالى: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً الآية، و إنّما يقوم الصيد قيمة ثمّ يفضّ ذلك الثمن على الحنطة. و أمّا الذي صاحبه بالخيار فصوم الإثنين و الخميس و ستّة أيّام عن شوّال بعد رمضان و يوم عرفة و يوم عاشورا، كلّ ذلك صاحبه بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر. و أمّا صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوّعا إلّا بإذن زوجها، و كذلك العبد و الأمة. و أمّا صوم الحرام فصوم الفطر، و يوم الأضحى، و أيّام التشريق، و يوم الشك نهينا أن نصومه لرمضان، و صوم الصمت حرام، و صوم نذر المعصية حرام، و صوم الدهر حرام، و الضيف لا يصوم تطوّعا إلّا بإذن صاحبه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من نزل على قوم فلا يصومنّ تطوّعا إلّا بإذنهم، و يؤمر الصبي بالصوم إذا لم يراهق تأديبا ليس بفرض، و كذلك من أفطر لعلّة من أوّل النهار ثمّ وجد قوّة في بدنه أمر بالإمساك، و ذلك تأديب اللّه ليس بفرض، و كذلك المسافر إذا أكل من أوّل النهار ثمّ قدم أمر بالإمساك. و أمّا صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيا بغير تعمّد فقد أبيح له ذلك و أجزأه عن صومه. و أمّا صوم المريض و صوم المسافر فإنّ العامّة اختلف فيه، فقال قوم: يصوم، و قال قوم: لا يصوم، و قال قوم: إن شاء صام و إن شاء أفطر، و أمّا نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعا فإن صام في السفر و المرض فعليه القضاء، قال اللّه تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (آخر كلامه). [ما قاله في كتاب مواليد أهل البيت رواية ابن الخشّاب النحوي] و قال في كتاب مواليد أهل البيت رواية ابن الخشّاب النحوي: ذكر علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم سيّد العابدين. و بالإسناد الذي قبله عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: ولد علي بن الحسين في سنة ثمان و ثلاثين من الهجرة قبل وفاة علي بن أبي طالب بسنتين، و أقام مع أمير المؤمنين سنتين، و مع أبي محمّد الحسن عشر سنين، و أقام مع أبي عبد اللّه الحسين عشر سنين، و كان عمره سبعا و خمسين سنة. و في رواية أخرى أنّه ولد سنة سبع و ثلاثين، و قبض و هو ابن سبع و خمسين سنة في سنة أربع و تسعين، و كان بقاؤه بعد أبي عبد اللّه ثلاثا و ثلاثين سنة، و يقال في سنة خمس و تسعين، أمّه خولة بنت يزدجرد ملك فارس و هي التي سمّاها أمير المؤمنين شاه زنان، و يقال: بل كان اسمها برّة بنت النوشجان، و يقال: كان اسمها شهربانو بنت يزدجرد، كنيته أبو بكر و أبو محمّد و أبو الحسن، قبره بالمدينة بالبقيع، لقبه الزكي و زين العابدين، و ذو الثفنات و الأمين، ولد له ثمان بنين و لم يكن له أنثى، أسماء ولده: محمّد الباقر، و زيد الشهيد بالكوفة، و عبد اللّه، و عبيد اللّه، و الحسن و الحسين، و علي و عمر (آخر كلامه). و قال أبو عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت في اللغة قال: قالت الشيعة: إنّما سمّي علي بن الحسين سيّد العابدين، لأنّ الزهري رأى في منامه كأنّ يده مخضوبة غمسة، قال: فعبّرها فقيل له: إنّك تبتلى بدم خطأ، قال: و كان عاملا لبني أميّة، فعاقب رجلا فمات في العقوبة، فخرج هاربا و توحّش و دخل إلى غار، و طال شعره، قال: و حجّ علي بن الحسين (عليهما السلام) فقيل له: هل لك في الزهري؟ قال: إنّ لي فيه. قال أبو العباس: هكذا كلام العرب إنّ لي فيه لا يقال غيره. قال: فدخل عليه، فقال له: إنّي أخاف عليك من قنوطك ما …
كشف الغمة — ذكر الإمام الرابع أبي الحسن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) · باب ذكر ولد علي بن الحسين (عليهما السلام)