لا أخاف عليك من ذنبك، فابعث بدية مسلمة إلى أهله، و اخرج إلى أهلك و معالم دينك، قال: فقال له: فرّجت عنّي يا سيّدي، و اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته. و كان الزهري بعد ذلك يقول: ينادي مناد في القيامة: ليقم سيّد العابدين في زمانه، فيقوم علي بن الحسين صلّى اللّه عليهما. و قال أبو سعيد منصور بن الحسن الآبي في كتاب نثر الدرر: علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) نظر إلى سائل يبكي، فقال: لو أنّ الدنيا كانت في كف هذا ثمّ سقطت منه ما كان ينبغي له أن يبكي. و سئل (عليه السلام): لم أوتم النبي من أبويه؟ فقال: لئلّا يوجب عليه حقّ لمخلوق. و قال لابنه: يا بني إيّاك و معاداة الرجال، فإنّه لم يعدمك مكر حليم أو مفاجاة لئيم. و سقط له ابن في بئر، فتفزّع أهل المدينة لذلك حتّى أخرجوه، و كان قائما شهدت الزهري و عروة بن الزبير في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جالسان يذكران عليّا (عليه السلام) و نالا منه فبلغ ذلك علي بن الحسين (عليه السلام) فجاء حتّى وقف عليهما فقال: أمّا أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك إلى اللّه فحكم لأبي على أبيك، و أمّا أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كرامتك. «هذا» و قد قالوا إنّه كان عاملا لبني أميّة منذ خمسين سنة و يتقلّب في دنياهم إلى أن جعله هشام بن عبد الملك معلّم أولاده و أمره أن يملي على أولاده أحاديث فأملى عليهم أربعمائة حديث و قد صار إلى ما أعدّ اللّه له في سنة 123 و هو ابن 72 سنة. يصلّي فما زال عن محرابه، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت إنّي كنت أناجي ربّا عظيما. و كان له ابن عمّ يأتيه بالليل متنكّرا فينا و له شيئا من الدنانير، فيقول: لكن علي بن الحسين لا يواصلني لا جزاه اللّه عنّي خيرا، فيسمع ذلك و يتحمّله و يصبر عليه و لا يعرّفه بنفسه، فلمّا مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدها، فحينئذ علم أنّه هو كان، فجاء إلى قبره و بكى عليه. و كان يقال له: ابن الخيرتين، لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ للّه من عباده خيرتين: فخيرته من العرب قريش، و من العجم فارس، و كانت أمّة بنت كسرى. و بلغه قول نافع بن جبير في معاوية حيث قال: كان يسكته الحلم و ينطقه العلم، فقال: كذب بل كان يسكته الحصر و ينطقه البطر. و قيل له: من أعظم الناس خطرا؟ قال: من لم ير الدنيا خطرا لنفسه. قال: و روى لنا الصاحب رحمه اللّه عن أبي محمّد الجعفري عن أبيه عن عمّه عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رجل لعلي بن الحسين: ما أشدّ بغض قريش لأبيك؟ قال: لأنّه أورد أوّلهم النار و ألزم آخرهم العار. قال: ثمّ جرى ذكر المعاصي، فقال: عجبت لمن يحتمي من الطعام لمضرّته، و لا يحتمي من الذنب لمعرّته. و قيل له يوما: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا خائفين برسول اللّه، و أصبح جميع أهل الإسلام آمنين به. و قال ابن الأعرابي: لمّا وجّه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضمّ علي بن الحسين (عليه السلام) إلى نفسه أربعمائة منافية يعولهنّ إلى أن تفرّق جيش مسرف ابن عقبة، و قد حكى عنه مثل ذلك عند إخراج ابن الزبير بني أميّة من الحجاز. و قال (عليه السلام) و قد قيل له: ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة؟ فقال: أكره أن آخذ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما لا أعطى مثله. و قال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع فيه، فأعرض الزبيري عنه، ثمّ دار الكلام فسبّ الزبيري علي بن الحسين فأعرض عنه و لم يجبه، فقال له الزبيري: ما يمنعك من جوابي؟ قال (عليه السلام): ما يمنعك من جواب الرجل. و مات له ابن فلم ير منه جزع، فسئل عن ذلك، فقال: أمر كنّا نتوقّعه فلمّا وقع لم ننكره. قال طاوس: رأيت رجلا يصلّي في المسجد الحرام تحت الميزاب يدعو و يبكي في دعائه، فجئته حين فرغ من الصلاة فإذا هو علي بن الحسين (عليه السلام)، فقلت له: يا بن رسول اللّه رأيتك على حالة كذا و لك ثلاثة أرجو أن تؤمنك الخوف: أحدها أنّك ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الثاني شفاعة جدّك، و الثالث رحمة اللّه، فقال: يا طاوس، أمّا أنّي ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلا يؤمنني و قد سمعت اللّه تعالى يقول: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ و لا، و أمّا شفاعة جدّي فلا تؤمنني لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى، و أمّا رحمة اللّه فإنّ اللّه تعالى يقول إنّها قريبة من المحسنين، و لا أعلم أنّي محسن. و سمع (عليه السلام) رجلا كان يغشاه يذكر رجلا بسوء، فقال: إيّاك و الغيبة فإنّها أدام كلاب الناس. و ممّا أورده محمّد بن الحسن بن حمدون في كتاب التذكرة من كلامه (عليه السلام) قال: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و شفاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، وسعة رحمة اللّه عزّ و جلّ، خف اللّه عزّ و جلّ لقدرته عليك، و استح منه لقربه منك، و إذا صلّيت فصلّ صلاة مودع، و إيّاك و ما تعتذر منه، و خف اللّه خوفا ليس بالتعذّر. و قال (عليه السلام): إيّاك و الابتهاج بالذنب، فإنّ الابتهاج به أعظم من ركوبه. [ما رواه الحميري في كتاب الدلائل من فضائله و معاجزه] و وقع إليّ كتاب دلائل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تأليف أبي العباس بن جعفر الحميري فنقلت منه قال: دلائل أبي محمّد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): كان علي بن الحسين في سفر و كان يتغذّى و عنده رجل، فأقبل غزال في ناحية يتقمّم و كانوا يأكلون على سفرة في ذلك الموضع، فقال له علي بن الحسين: ادن فكل فأنت آمن، فدنا الغزال فأقبل يتقمم من السفرة، فقام الرجل الذي كان يأكل معه بحصاة فقذف بها ظهره، فنفر الغزال و مضى، فقال له علي بن الحسين: أخفرت ذمّتي، لا كلّمتك كلمة أبدا. و عن أبي جعفر قال: إنّ أبي خرج إلى ماله و معنا ناس من مواليه و غيرهم، فوضعت المائدة لنتغذى، و جاء ظبي و كان منه قريبا، فقال له: يا ظبي أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و أمّي فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، هلمّ إلى هذا الغذاء، فجاء الظبي حتّى أكل معهم ما شاء اللّه أن يأكل، ثمّ تنحّى الظبي، فقال له بعض غلمانه: رد علينا، فقال لهم: لا تخفروا ذمّتي؟ قالوا: لا، فقال له: يا ظبي أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و أمّي فاطمة بنت رسول اللّه هلمّ إلى هذا الغذاء و أنت آمن في ذمّتي، فجاء الظبي في الحال حتّى قام علي المائدة يأكل معهم، فوضع رجل من جلسائه يده على ظهره فنفر الظبي، فقال علي بن الحسين: أخفرت ذمّتي، لا كلّمتك كلمة أبدا. و تلكّأت عليه ناقته بين جبال رضوى، فأناخها ثمّ أراها السوط و القضيب ثمّ قال: لتنطلقنّ أو لأفعلنّ، فانطلقت و ما تلكّأت بعدها. و بإسناده قال: بينا علي بن الحسين جالسا مع أصحابه إذ أقبلت ظبية من الصحراء حتّى قامت بحذاه و ضربت بذنبها و حمحمت، فقال بعض القوم: يا بن رسول اللّه ما تقول هذه الظبية؟ قال: تزعم أنّ فلان بن فلان القرشيّ خذ خشفها بالأمس و إنّها لم ترضعه منذ أمس شيئا، فوقع في قلب رجل من القوم شيء، فأرسل علي بن الحسين إلى القرشي فأتاه فقال له: ما لهذه الظبية تشكوك؟ قال: و ما تقول؟ قال: تقول: إنّك أخذت خشفها بالأمس في وقت كذا و كذا و أنّها لم ترضعه شيئا منذ أخذته، و سألتني أن أبعث إليك فأسألك أن تبعث به إليها لترضعه و تردّه إليك، فقال الرجل: و الذي بعث محمّدا بالحق لقد صدقت عليّ، قال له فأرسل إلى الخشف فجيء به، قال: فلمّا جاء به أرسله إليها، فلمّا رأته حمحمت و ضربت بذنبها ثمّ رضع منها، فقال علي بن الحسين للرجل: بحقّي عليك إلّا وهبته لي، فوهبه له، و وهبه علي بن الحسين لها، و كلّمها بكلامها، فحمحمت و ضربت بذنبها و انطلقت و انطلق الخشف معها. فقالوا: يا بن رسول اللّه ما الذي قالت؟ قال: دعت لكم و جزتكم خيرا. و عن أبي عبد اللّه قال: لمّا كان في الليلة التي وعد فيها علي بن الحسين قال لمحمّد: يا بني أبغني وضوءا، قال: فقمت فجئته بماء، قال: لا تبغ هذا، فإنّ فيه شيئا ميتا، قال: فخرجت و جئت بالمصباح فإذا فيه فارة ميتة، فجئت بوضوء غيره، فقال: يا بني هذه الليلة التي وعدتها، فأوصى بناقته أن يحط عليها خطاما و أن يقام لها علف، فجعلت فيه فلم تلبث أن خرجت حتّى أتت القبر فضربت بجرانها و رغت و هملت عيناها، فأتي محمّد بن علي فقيل له: إنّ الناقة قد خرجت، فجاءها فقال: قومي بارك اللّه فيك، فلم تفعل، فقال: دعوها فإنّها مودعة فلم تمكث إلّا ثلاثا، حتّى نفقت. قال: و كان يخرج عليها إلى مكّة فيعلّق السوط بالرحل فيما يقرعها حتّى يدخل المدينة. و عن أبي جعفر قال: لمّا قتل الحسين بن علي جاء محمّد بن الحنفيّة إلى علي ابن الحسين فقال له: يا بن أخي أنا عمّك و صنو أبيك و أنا أسنّ منك، فأنا أحقّ بالإمامة و الوصيّة، فادفع إلي سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال علي بن الحسين: يا عم اتّق اللّه و لا تدع ما ليس لك فإنّي أخاف عليك نقص العمر و شتات الأمر، فقال له محمّد بن الحنفيّة: أنا أحقّ بهذا الأمر منك، فقال له علي بن الحسين: يا عم فهل لك إلى حاكم نحتكم إليه؟ فقال: من هو؟ قال: الحجر الأسود. قال: فتحاكما إليه، فلمّا وقفا عنده قال له: يا عم تكلّم فأنت المطالب، قال: فتكلّم محمّد بن الحنفيّة فلم يجبه، قال: فتقدّم علي بن الحسين فوضع يده عليه و قال: اللهمّ إنّي أسألك باسمك المكتوب في سرادق البهاء، و أسألك باسمك المكتوب في سرادق العظمة، و أسألك باسمك المكتوب في سرادق القوّة، و أسألك باسمك المكتوب في سرادق الجلال، و أسألك باسمك المكتوب في سرادق السلطان، و أسألك باسمك المكتوب في سرادق السرائر، و أسألك باسمك المكتوب في سرادق المجد، و أسألك باسمك الفائق الخبير البصير، ربّ الملائكة الثمانية و ربّ جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل، و ربّ محمّد خاتم النبيّين، لمّا أنطقت هذا الحجر بلسان عربي فصيح، يخبر لمن الإمامة و الوصيّة بعد الحسين بن علي؟ قال: ثمّ أقبل علي بن الحسين على الحجر فقال: أسألك بالذي جعل فيك مواثيق العباد و الشهادة لمن وافاك، إلّا أخبرت لمن الإمامة و الوصيّة بعد الحسين بن علي، قال: فتزعزع الحجر حتّى كاد أن يزول من موضعه، و تكلّم بلسان عربي مبين فصيح يقول: يا محمّد سلم سلم أنّ الإمامة و الوصيّة بعد الحسين بن علي لعلي بن الحسين. قال أبو جعفر: فرجع محمّد بن الحنفيّة و هو يقول: بأبي علي. و روى عن أبي عبد اللّه أنّه التزقت يد رجل و امرأة على الحجر في الطواف، فجهد كلّ واحد منهما أن ينزع يده فلم يقدرا عليه، و قال الناس: اقطعوهما، قال: فبينا هما كذلك إذ دخل علي بن الحسين فأفرجوا له، فلمّا عرف أمرهما تقدّم فوضع يده عليهما فانحلّا و تفرّقا. و عن أبي عبد اللّه قال: لمّا ولّى عبد الملك بن مروان الخلافة كتب إلى الحجاج ابن يوسف: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف، أمّا بعد؛ فانظر دماء بني عبد المطّلب فاحتقنها و اجتنبها، فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا و لغوا فيها لم يلبثوا إلّا قليلا و السلام. قال: و بعث بالكتاب سرّا. ورد الخبر على علي بن الحسين ساعة كتب الكتاب و بعث به إلى الحجاج، فقيل له: إنّ عبد الملك قد كتب إلى الحجاج كذا و كذا و إنّ اللّه قد شكر له ذلك و ثبت ملكه و زاده برهة، قال: فكتب علي بن الحسين: بسم اللّه الرحمن الرحيم، إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من علي بن الحسين، أمّا بعد؛ فإنّك كتبت يوم كذا و كذا من ساعة كذا و كذا من شهر كذا و كذا بكذا و كذا، و إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنبأني و خبّرني و أنّ اللّه قد شكّر لك ذلك و ثبّت ملكك و زادك فيه برهة، و طوى الكتاب و ختمه و أرسل به مع غلام له على بعيره، و أمره أن يوصله إلى عبد الملك ساعة يقدم عليه. فلمّا قدم الغلام أوصل الكتاب إلى عبد الملك، فلمّا نظر في تاريخ الكتاب و جده موافقا لتلك الساعة التي كتب فيها إلى الحجاج فلم يشك في صدق علي بن الحسين، و فرح فرحا شديدا، و بعث إلى علي بن الحسين بوقر راحلته دراهم ثوابا لما سرّه من الكتاب. و عن المنهال بن عمر قال: حججت فدخلت على علي بن الحسين فقال لي: يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهل الأسدي؟ قلت: تركته حيّا بالكوفة، قال: فرفع يديه ثمّ قال: اللهمّ أذقه حرّ الحديد، اللهمّ أذقه حرّ النار، قال: فانصرفت إلى الكوفة و قد خرج بها المختار بن أبي عبيدة، و كان لي صديقا، فركبت لأسلّم عليه فوجدته قد دعا بدابّته، فركبها و ركبت معه حتّى أتى الكناسة فوقف وقوف منتظر لشيء، و قد كان وجّه في طلب حرملة بن كاهل، فأحضر فقال: الحمد للّه الذي مكّنني منك، ثمّ دعا بالجزّار، فقال: اقطعوا يديه، فقطعتا، ثمّ قال: اقطعوا رجليه، فقطعتا، ثمّ قال: النار النار، فأتي بطنّ قصب ثمّ جعل فيها ثمّ ألهب فيه النار حتّى احترق. فقلت: سبحان اللّه سبحان اللّه، فالتفت إليّ المختار فقال: ممّ سبّحت؟ فقلت له: دخلت على علي بن الحسين فسألني عن حرملة فأخبرته أنّي تركته بالكوفة حيّا، فرفع يديه و قال: اللهمّ أذقه حرّ الحديد، اللهمّ أذقه حرّ النار، فقال المختار: اللّه اللّه أسمعت علي بن الحسين يقول هذا؟ قلت: اللّه اللّه لقد سمعته يقول هذا، فنزل المختار فصلّى ركعتين ثمّ أطال ثمّ سجد ثمّ رفع رأسه و ذهب، فمضيت معه حتّى انتهى إلى باب داري، فقلت له: إن رأيت أن تكرمني بأن تنزل و تتغذّى عندي؟ فقال: يا منهال، تخبرني أنّ علي بن الحسين دعا بثلاث دعوات، فأجابه اللّه فيها على يدي، ثمّ تسألني الأكل عندك، هذا يوم صوم شكرا للّه على ما وفّقني له. و سئل علي بن الحسين (عليه السلام) بأيّ حكم تحكمون؟ قال: بحكم آل داود، فإن عيينا عن شيء تلقّانا به روح القدس. و قال (عليه السلام): هلك من ليس له حكيم يرشده، و ذلّ من ليس له سفيه يعضده. قال أفقر عباد اللّه إلى رحمته و شفاعة نبيّه و أئمّته علي بن عيسى أغاثه اللّه في الدنيا و الآخرة و جعل تجارته رابحة يوم تكون بعض التجارات خاسرة: مناقب الإمام علي بن الحسين تكثر النجوم عددا، و يجري واصفها إلى حيث لا مدى، و تلوح في سماء المناقب كالنجوم لمن اهتدى، و كيف لا و هو يفوق العالمين إذا عدّ عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و محمّدا، و هذا تقديم لسجع في الطبع فلا تكن متردّدا، و متى أعطيت الفكر حقّه وجدت ما شئت فخارا و سؤددا، فإنّه (عليه السلام) الإمام الربّاني، و الهيكل النوراني، بدل الأبدال، و زاهد الزهاد، و قطب الأقطاب، و عابد العباد، و نور مشكاة الرسالة، و نقطة دائرة الإمامة، و ابن الخيرتين، و الكريم الطرفين، قرار القلب، و قرّة العين علي بن الحسين، و ما أدراك ما علي بن الحسين، الأوّاه الأوّاب، العامل بالسنّة و الكتاب، الناطق بالصواب، ملازم المحراب، المؤثر على نفسه، المرتفع في درجات المعارف فيومه يفوق على أمسه، المتفرّد بمعارفه الذي فضّل الخلائق بتليده و طارفه، و حكم في الشرف فتسنّم ذروته و خطر في مطارفه و أعجز بما حواه من طيب المولد و كرم المحتد و زكاء الأرومة، و طهارة الجرثومة، عجز عنه لسان واصفه، و تفرّد في خلواته بمناجاته، فتعجّب الملائكة من مواقفه، و أجرى مدامعه خوف ربّه، فأربى على هامي الصوب و واكفه. فانظر أيّدك اللّه في أخباره، و ألمح بعين الاعتبار عجائب آثاره، و فكّر في زهده و تعبّده و خشوعه و تهجّده و دءوبه في صلاته، و أدعيته في أوقات مناجاته، و استمراره على ملازمة عباداته و إيثاره و صدقاته، و عطاياه و صلاته و توسّلاته التي تدلّ مع فصاحته و بلاغته على خشوعه لربّه، و ضراعته و وقوفه موقف العصاة مع شدّة طاعته، و اعترافه بالذنوب على براءة ساحته و بكائه و نحيبه، و خفوق قلبه من خشية اللّه و وجيبه، و انتصابه و قد أرخى الليل سدوله، و جرّ على الأرض ذيوله، مناجيا ربّه تقدّست أسماؤه، مخاطبا له تعالى ملازما بابه عزّ و جلّ، مصوّرا نفسه بين يديه، معرضا عن كلّ شيء مقبلا عليه، قد انسلخ من الدنيا الدنيّة، و تعرّى من الجثّة البشريّة، فجسمه ساجد في الثرى، و روحه متعلّقة بالملإ الأعلى، يتململ إذا مرّت به آية من آيات الوعيد، حتّى كأنّه المقصود بها و هو عنها بعيد، تجد أمورا عجيبة، و أحوالا غريبة، و نفسا من اللّه سبحانه و تعالى قريبة، و تعلم يقينا لا شك فيه و لا ارتياب، و تعرف معرفة من قد كشف له الحجاب، و فتحت له الأبواب، إنّ هذه الثمرة من تلك الشجرة، كما أنّ الواحد جزء العشرة، و إنّ هذه النطفة العذبة من ذلك المعين الكريم، و إنّ هذا الحديث من ذلك القديم، و إنّ هذه الدرّة من ذلك البحر الزاخر، و إنّ هذا النجم من ذلك القمر الباهر، و إنّ هذا الفرع النابت من ذلك الأصل الثابت، و إنّ هذه النتيجة من هذه المقدّمة، و أنّه (عليه السلام) خليفة محمّد و علي و الحسن و الحسين و فاطمة المكرمة المعظمة، هذا أصله الطاهر. و أمّا فرعه فما أشبه الأوّل بالآخر، فهم عليهم الصلاة و السلام مشكاة الأنوار و سادة الأخيار، و الأمناء الأبرار، و الأتقياء الأطهار، كلّ واحد منهم في زمانه علم يهتدى به، من وفّقه اللّه و سدّده و أمدّه بعنايته و عضده، و هداه إلى سبيله و أرشده، و أنجده بلطفه و أيّده، و عليّ بن الحسين (عليه السلام) دوحتهم التي منها تتشعّب أغصانهم، و أرم بني الحسين فمنه بسقت أفنانهم، و لساني يقصر في هذا المقام عن عدّ مفاخره، و وصف فضله، و عبارتي تعجز عن النهوض بما يكون كفاء لشرفه و نبله، و كيف لمثلي أن يقوم بواجب نعت مثله، و أين الثريا و الثرى، و إنّما يقدر على وصفه من كان يرى ما يرى، لكنّي أقول على قدر علمي لا على قدره، و نيّتي أبلغ من قولي عند ذكره، و قد قلت أبياتا في مدحه، و لا لائمة على من قال بعد إيضاح عذره: مديح علي بن الحسين فريضة عليّ لأنّي من أقلّ عبيده إمام هدى فاق البريّة كلّها بأبنائه خير الورى و جدوده فطارفه في فضله و علائه و سؤدده من مجده كتليده له شرف فوق النجوم محلّه أقرّ به حتّى لسان حسوده و نعمى يد لو قيس بالغيث بعضها تبيّنت نجلا في السحاب وجوده و أصل كريم طاب فرعا فأصبحت تحار العقول من نضارة عوده و نفس براها اللّه من نور قدسه فأدركت المكنون قبل وجوده جرى فوني عن جريه كلّ سابق و قصّر عن هادي الفعال رشيده و أحرز أشتات العلى بمآثر بدا مجدها في وعده و وعيده من القوم لو جاراهم الغيث لانثنى حسيرا فلم تسمع زئير رعوده هم النفر العز الكرام الذي بهم ورى زند دين اللّه بعد صلوده أقاموا عمود الحق فاتّضح الهدى و لولاهم أعشى قيام عموده بهم وضحت سبل المعالي فسل بهم تجد كلّ بان للعلاء مشيده سمت بهم حال إلى مرتقى علا تقاصرت الشهب العلى عن صعوده بهم تدفع اللأواء عند حلولها و ينهل صوب الغيث بعد جموده أ مولاي زين العابدين إصاخة إلى ذي ولاء أنت بيت قصيده مقيم على دين الولاء محافظ يناديك من نأى المحل بعيده يحبك حبّا صادقا فهو لا ينى إليك مع الأيّام لافتّ جيده يودّ بأن يسعى إليك مبادرا إلى جوب أغوار الفلا و نجوده يقبل إجلالا مكانا حللته و يكحل عينيه بترب صعيده
كشف الغمة — ذكر الإمام الرابع أبي الحسن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) · باب ذكر ولد علي بن الحسين (عليهما السلام)