و كان عبد اللّه بن علي بن الحسين أخو أبي جعفر (عليه السلام) يلي صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان فاضلا فقيها، و روى عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أخبارا كثيرة، و حدّث الناس عنه، و حملوا عنه الآثار. فمن ذلك ما هو مرفوع إلى عمارة بن غزية عن عبد اللّه بن علي بن الحسين أنّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ البخيل كلّ البخيل الذي إذا ذكرت عنده لم يصل عليّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و عن عبد اللّه بن سمعان قال: لقيت عبد اللّه بن علي بن الحسين فحدّثني عن أبيه عن جدّه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يقطع يد السارق اليمنى في أوّل سرقته فإن سرق ثانية قطع رجله اليسرى، فإن سرق ثالثة خلده السجن. و كان عمر بن علي بن الحسين فاضلا جليلا و ولي صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان ورعا سخيا. روى الحسين بن زيد قال: رأيت عمّي عمر بن علي بن الحسين يشترط على من ابتاع صدقات علي (عليه السلام) أن يثلم في الحائط كذا و كذا ثلمة و لا يمنع من دخله أن يأكل منه. و عن عبيد اللّه بن حرير القطان قال: سمعت عمر بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب يقول: المفرط في حبّنا كالمفرط في بغضنا، لنا حقّ بقرابتنا من نبيّنا عليه و آله السلام، و حقّ جعله اللّه لنا، فمن تركه ترك عظيما، أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا اللّه به، و لا تقولوا فينا ما ليس فينا، إن يعذّبنا اللّه فبذنوبنا، و إن يرحمنا فبرحمته و فضله. و كان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر (عليه السلام) و أفضلهم، و كان عابدا و رعا فقيها سخيا شجاعا، فظهر بالسيف يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يطلب بثارات الحسين (عليه السلام). عن أبي الجارود زياد بن المنذر قال: قدمت المدينة فجعلت كلّما سألت عن زيد بن علي قيل لي: ذاك حليف القرآن. و روى هشام قال: سألت خالد بن صفوان عن زيد بن علي و كان يحدّثنا عنه فقلت: أين لقيته؟ فقال: بالرصافة، فقلت: أيّ رجل كان؟ فقال: كان ما علمت يبكي من خشية اللّه حتّى تختلط دموعه بمخالطه. و اعتقد كثير من الشيعة فيه الإمامة، و كان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمّد، فظنّوه يريد بذلك نفسه، و لم يكن يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه الإمامة من قبله، و وصيّته عند وفاته إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و كان سبب خروج أبي الحسين زيد بن علي رضي اللّه عنه بعد الذي ذكرناه من غرضه في الطلب بدم الحسين (عليه السلام)، أنّه دخل على هشام بن عبد الملك و قد جمع له هشام أهل الشام، و أمر أن يتضايقوا في المجلس حتّى لا يتمكّن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد اللّه أحد فوق أن يوصى بتقوى اللّه، و لا من عباده أحد دون أن يوصى بتقوى اللّه، و أنا أوصيك بتقوى اللّه يا أمير المؤمنين فاتّقه، فقال له هشام: أنت المؤهّل نفسك للخلافة الراجي لها، و ما أنت و ما ذاك لا أم لك، و إنّما أنت ابن أمة، فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحدا أعظم عند اللّه منزلة من نبي بعثه اللّه و هو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، و هو إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) فالنبوّة أعظم أم الخلافة يا هشام؟ و بعد فما يقصر برجل أبوه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو ابن علي بن أبي طالب أن يكون ابن أمة. فوثب هشام عن مجلسه و دعا قهرمانه و قال: لا يبيتنّ هذا في عسكري، فخرج زيد و هو يقول: لم يكره قوم قط حرّ السيوف إلّا ذلّوا، فلمّا وصل الكوفة اجتمع إليها أهلها فلم يزالوا به حتّى بايعوه على الحرب، ثمّ نقضوا بيعته و أسلموه، فقتل رحمة اللّه عليه. و صلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم و لا يغيّر بيد و لا لسان، و لمّا قتل بلغ ذلك من أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) كلّ مبلغ، و حزن له حزنا عظيما حتّى بان عليه، و فرّق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار. روى ذلك أبو خالد الواسطي قال: سلّم لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) ألف دينار و أمرني أن أقسّمها في عيال من أصيب مع زيد، فأصاب عيال عبد اللّه بن الزبير أخي فضيل الريان منها أربعة دنانير، و كان مقتله يوم الإثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين و مائة، و كان سنّه يوم قتل اثنين و أربعين سنة. و كان الحسين بن علي بن الحسين ورعا فاضلا، و روى حديثا كثيرا عن أبيه علي بن الحسين (عليهما السلام) و عمّته فاطمة بنت الحسين، و أخيه أبي جعفر (عليه السلام). و روى أحمد بن عيسى قال: حدّثنا أبي قال: كنت أرى الحسين بن علي بن الحسين يدعو، فكنت أقول: لا يضع يده حتّى يستجاب له في الخلق أجمعين. و روى حرب الطحّان قال: حدّثني سعيد صاحب الحسن بن صالح، قال: لم أر أحدا أخوف من الحسن بن صالح للّه تعالى حتّى قدمت المدينة، فرأيت الحسين بن علي بن الحسين (عليهما السلام) فلم أر أحدا أشدّ خوفا منه، كأنّما أدخل النار ثمّ أخرج منها لشدّة خوفه. و عن الحسين بن علي بن الحسين قال: كان إبراهيم بن هشام المخزومي واليا على المدينة و كان يجمعنا يوم الجمعة قريبا من المنبر، ثمّ يقع في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و يشتمعه، قال: فحضرت يوما و قد امتلأ ذلك المكان، فلصقت بالمنبر فأغفيت، فرأيت القبر و قد انفرج و خرج منه رجل عليه ثياب بياض فقال لي: يا أبا عبد اللّه أ لا يحزنك ما يقول هذا؟ قلت: بلى و اللّه، قال: افتح عينيك فانظر ما يصنع اللّه به، فإذا هو قد ذكر عليا (عليه السلام) فرمي من فوق المنبر فمات لعنه اللّه.
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · ذكر طرف من أخبارهم (عليهم السلام)