الأصفرين و العذيرتين، و هو الطالع عليك من الباب، فما لبثنا أن طلعت علينا كفّان آخذتان بالبابين حتّى انفتحتا، و دخل علينا أبو إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام) و هو صبي و عليه ثوبان أصفران. و روى محمّد بن الوليد قال: سمعت علي بن جعفر بن محمّد بن الصادق (عليه السلام) يقول: سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول لجماعة من خاصّته و أصحابه: استوصوا يا بني موسى خيرا فإنّه أفضل ولدي، و من أخلف بعدي، و هو القائم مقامي، و الحجّة للّه عزّ و جلّ على كافّة خلقه من بعدي. و كان علي بن جعفر شديد التمسّك بأخيه موسى و الانقطاع إليه، و التوفّر على أخذ معالم دينه عنه، و له مسائل مشهورة عنه، و جوابات رواها سماعا منه، و الأخبار فيما ذكرناه أكثر من أن تحصى على ما بيّنّاه و وصفناه. [معجزاته (عليه السلام)] باب ذكر طرف من دلائل أبي الحسن موسى (عليه السلام) و آياته و معجزاته و علاماته عن هشام بن سالم قال: كنّا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنا و محمّد بن النعمان صاحب الطاق و الناس مجتمعون على عبد اللّه بن جعفر أنّه صاحب الأمر بعد ابيه، فدخلنا عليه و الناس عنده، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ فقال: في مائتي درهم خمسة دراهم، فقلنا له: ففي مائة؟ فقال: درهمان و نصف، قلنا: و اللّه ما تقول المرجئة هذا، فقال: و اللّه ما أدري ما تقول المرجئة فخرجنا ضلّالا ما ندري إلى أين نتوجّه أنا و أبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكين لا ندري إلى أين نتوجّه و إلى من نقصد، نقول: إلى المرجئة؟ إلى القدرية؟ إلى المعتزلة؟ إلى الزيديّة؟ فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا لا أعرفه يومئ إليّ بيده، فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور، و ذلك أنّه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع بعد جعفر من الناس فيؤخذ فتضرب عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت للأحول: فإنّي أخاف على نفسي و عليك و إنّما يريدني ليس يريدك، فتنحّ عنّي لا تهلك فتعين على نفسك، فتنحّى عنه بعيدا و تبعت الشيخ، و ذلك أنّي ظننت أنّي لا أقدر على التخلّص منه، فما زلت أتبعه و قد عرضت على الموت حتّى ورد بي على باب أبي الحسن موسى (عليه السلام) ثمّ خلّاني و مضى. فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك اللّه، فدخلت فإذا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي ابتداء منه: إليّ إليّ لا إلى المرجئة و لا إلى القدريّة، و لا إلى المعتزلة، و لا إلى الزيديّة، و لا إلى الخوارج، قلت: جعلت فداك مضى أبوك؟ قال: نعم، مضى موتا؟ قال: نعم، قلت: فمن لنا بعده؟ قال: إن شاء اللّه أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك إنّ أخاك عبد اللّه يزعم أنّه الإمام من بعد أبيه؟ فقال: عبد اللّه يريد أن لا يعبد اللّه، قال: قلت: جعلت فداك، فمن لنا من بعده؟ فقال: إن شاء اللّه أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك فأنت هو؟ قال: لا أقول ذلك، قال: فقلت في نفسي: إنّي لم أصب طريق المسألة، ثمّ قلت له: جعلت فداك أ عليك إمام؟ قال: لا. قال: فدخلني شيء لا يعلمه إلّا اللّه تعالى إعظاما له و هيبة، ثمّ قلت له: جعلت فداك أسألك عمّا كنت أسأل أباك؟ قال: سل تخبر و لا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، قال: فسألته فإذا هو بحر لا ينزف، قلت: جعلت فداك شيعة أبيك ضلال فألقي إليهم هذا الأمر و أدعوهم إليك فقد أخذت على الكتمان، قال: من آنست منه رشدا فألق إليه و خذ عليه الكتمان، فإن أذاع فهو الذبح و أشار بيده إلى حلقه. قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: الهدى، و حدّثته بالقصّة، قال: ثمّ لقينا زرارة و ابا بصير، فدخلا عليه و سمعا كلامه و ساءلاه و قطعا عليه، ثمّ لقينا الناس أفواجا فكلّ من دخل عليه قطع بالإمامة إلّا طائفة عمّار الساباطي، و بقي عبد اللّه لا يدخل عليه من الناس إلّا القليل. و عن الرافعي قال: كان لي ابن عم يقال له الحسن بن عبد اللّه، و كان زاهدا و كان من أعبد أهل زمانه، و كان السلطان يتقيه لجدّه في الدين و اجتهاده، و ربّما استقبل السلطان في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بما يغضبه، فيحتمل ذلك لصلاحه، فلم تزل هذه حاله حتّى دخل يوما المسجد و فيه أبو الحسن موسى (عليه السلام) فأومأ إليه فأتاه فقال له: يا أبا علي ما أحب إليّ ما أنت فيه و أسرّني به إلّا أنّه ليست لك معرفة، فاطلب المعرفة، فقال له: جعلت فداك و ما المعرفة؟ قال: اذهب تفقّه و اطلب الحديث، قال: عن من؟ قال: عن فقهاء المدينة، ثمّ أعرض عليّ الحديث. قال: فذهب فكتب ثمّ جاء فقرأه عليه فأسقط كلّه، ثمّ قال: اذهب فاعرف و كان الرجل معينا بدينه، فلم يزل يترصّد أبا الحسن حتّى خرج إلى ضيعة له، فلقيه في الطريق فقال له: جعلت فداك إنّي أحتج عليك بين يدي اللّه عزّ و جلّ فدلّني على ما تجب عليّ معرفته؟ فأخبره أبو الحسن عليه بأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) و حقّه و ما يجب له، و أمر الحسن و الحسين، و علي بن الحسين، و محمّد بن علي، و جعفر بن محمّد صلوات اللّه عليهم ثمّ سكت، فقال له: جعلت فداك فمن الإمام اليوم؟ قال: إن أخبرتك تقبل؟ قال: نعم، قال: أنا هو، قال: فشيء أستدلّ به؟ قال: اذهب إلى تلك الشجرة- و أشار إلى بعض شجر أم غيلان- و قل لها: يقول لك موسى بن جعفر اقبلي، قال: فأتيتها فرأيتها و اللّه تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه، ثمّ أشار إليها بالرجوع فرجعت، قال: فأقرّ به ثمّ لزم الصمت و العبادة، و كان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك. و روي عن أبي بصير قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ قال: بخصال: أمّا أوّلهنّ فإنّه بشيء تقدّم من أبيه و أشار به إليه ليكون حجّة، و يسأل فيجيب، و إذا سكت عنه ابتدأ، و يخبر بما في غد، و يكلّم الناس بكلّ لسان، ثمّ قال: يا أبا محمّد أعطيك علامته قبل أن تقوم، فلم يلبث أن دخل عليه رجل من خراسان فكلّمه الخراساني بالعربية، فأجابه أبو الحسن بالفارسيّة، فقال له الخراساني: و اللّه ما منعني أن أكلّمك بالفارسيّة إلّا أنّي ظننتك لا تحسنها؟ فقال: سبحان اللّه، إذا كنت لا أحسن أن أجيبك فما فضلي عليك فيما أستحقّ به الإمامة، ثمّ قال: يا أبا محمّد إنّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس، و لا منطق الطير، و لا كلام شيء فيه روح. و روى عبد اللّه بن إدريس عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الأيّام إلى علي بن يقطين ثيابا أكرمه بها، و كان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك، مثقلة بالذهب، فأنفذ علي بن يقطين جلّ تلك الثياب إلى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) و أنفد في جملتها تلك الدراعة، و أضاف إليها مالا كان أعدّه على رسم له فيما يحمله إليه من خمس ماله، فلمّا وصل ذلك إلى أبي الحسن (عليه السلام) قبل المال و الثياب، و ردّ الدراعة على يد الرسول إلى علي بن يقطين، و كتب إليه: احتفظ بها و لا تخرجها عن يدك، فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه، فارتاب علي بن يقطين بردّها عليه و لم يدر ما سبب ذلك و احتفظ بالدراعة. فلمّا كان بعد ذلك بأيّام تغيّر علي بن يقطين على غلام كان يختصّ به، فصرفه عن خدمته، و كان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين إلى أبي الحسن (عليه السلام)، و يقف على ما يحمله إليه في كلّ وقت من مال و ثياب و ألطاف و غير ذلك، فسعى به عند الرشيد و قال: إنّه يقول بإمامة موسى بن جعفر و يحمل إليه خمس ماله في كلّ سنة، و قد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا و كذا، فاستشاط الرشيد من ذلك و غضب غضبا شديدا، و قال: لأكشفنّ عن هذه القضيّة (الحال)، فإن كان الأمر كما تقول أزهقت نفسه، و أنفذ في الوقت و طلب علي بن يقطين، فلمّا مثل بين يديه قال له: ما فعلت الدراعة التي كسوتك بها؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم فيه طيب، و قد احتفظت بها و قلّ ما أصبحت إلّا و فتحت السفط و نظرت إليها تبرّكا بها و قبّلتها و رددتها إلى موضعها، و كلّما أمسيت صنعت مثل ذلك، فقال: أحضرها الساعة. قال: نعم يا أمير المؤمنين، فاستدعى بعض خدمه فقال له: امض إلى البيت الفلاني من داري، فخذ مفتاحه من جاريتي و افتحه و افتح الصندوق الفلاني فجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوما فوضع بين يدي الرشيد فأمر بكسر ختمه و فتحه، فلمّا فتح نظر إلى الدراعة فيه بحالها مطوية مدفونة في الطيب، فسكن الرشيد من غضبه ثمّ قال لعلي بن يقطين: أرددها إلى مكانها و انصرف راشدا، فلن نصدّق عليك بعدها ساعيا، و أمر أن يتبع بجائزة سنيّة، و تقدّم بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحو خمسمائة سوط فمات في ذلك. و روي عن محمّد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء هو من الأصابع إلى الكعبين أم من الكعبين إلى الأصابع؟ فكتب ابن يقطين إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام): جعلت فداك إنّ أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيت أن تكتب بخطّك بما يكون عملي فيه فعلت إن شاء اللّه، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، و الذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثا، و تستنشق ثلاثا، و تغسل وجهك ثلاثا، و تخلل شعر لحيتك، و تغسل يديك إلى المرفقين ثلاثا، و تمسح رأسك كلّه و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما، و تغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، و لا تخالف ذلك إلى غيره، فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجّب ممّا رسم له فيه ممّا جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال و أنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد و يخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لأمر أبي الحسن (عليه السلام). و سعي بعلي بن يقطين و قيل إنّه رافضي مخالف لك، فقال الرشيد لبعض خاصّته: قد كثر عندي القول في علي بن يقطين و القرف له بخلافنا و ميله إلى الروافض، و لست أرى في خدمته لي تقصيرا، و قد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرف به، و أحبّ أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك، فيحترز منّي، فقيل له: إنّ الرافضة يا أمير المؤمنين تخالف الجماعة في الوضوء فتخفّفه، و لا ترى غسل الرجلين فاستمحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه، فقال: أجل إنّ هذا الوجه يظهر به أمره، ثمّ تركته مدّة و ناطه بشيء من الشغل في الدار حتّى دخل وقت الصلاة، و كان عليّ بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه و صلاته، فلمّا دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين و لا يراه هو، فدعا بالماء للوضوء فتوضّأ كما تقدّم، و الرشيد ينظر إليه، فلمّا رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتّى أشرف عليه بحيث يراه ثمّ ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة، و صلحت حاله عنده. و ورد عليه كتاب أبي الحسن (عليه السلام): ابتداء من الآن يا علي بن يقطين توضّأ كما أمر اللّه تعالى: أغسل وجهك مرّة فريضة، و أخرى إسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك، و امسح بمقدم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف عليك و السلام. و روى علي بن أبي حمزة البطائني قال: خرج أبو الحسن موسى (عليه السلام) في بعض الأيّام من المدينة إلى ضيعة له خارجة عنها، فصحبته و كان (عليه السلام) راكبا بغلة و أنا على حمار لي، فلمّا صرنا في الطريق اعترضنا أسد فأحجمت عنه خوفا و أقدم أبو الحسن (عليه السلام) غير مكترث به، فرايت الأسد يتذلّل لأبي الحسن و يهمهم، فوقف له أبو الحسن (عليه السلام) كالمصغي إلى همهمته، و وضع الأسد يده على كفل بغلته، و قد همّتني نفسي من ذلك و خفت خوفا عظيما، ثمّ تنحّى الأسد إلى جانب الطريق و حوّل أبو الحسن موسى (عليه السلام) وجهه إلى القبلة و جعل يدعو و يحرّك شفتيه بما لم أفهمه، ثمّ أومأ بيده إلى الأسد أن أمض، فهمهم الأسد همهمة طويلة، و أبو الحسن (عليه السلام) يقول: آمين آمين، و انصرف الأسد حتّى غاب عنّا، و مضى أبو الحسن (عليه السلام) لوجهه. فلمّا بعدنا عن الموضع قلت له: جعلت فداك ما شأن هذا الأسد فقد خفته و اللّه عليك و عجبت من شأنه معك؟ فقال لي أبو الحسن (عليه السلام): إنّه خرج يشكو إليّ عسر الولادة على لبوته، و سألني أن أسأل اللّه تعالى أن يفرّج عنها ففعلت ذلك، فألقي في روعي أنّها تلد له ذكرا فخبرته بذلك، فقال لي: امض في حفظ اللّه فلا سلّط اللّه عليك. و لا على ذريّتك و لا أحد من شيعتك شيئا من السباع فقلت: آمين. قال الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى: و الأخبار في هذا الباب كثيرة و فيما أثبتناه منها كفاية على الرسم الذي تقدم و المنّة للّه و قال:
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · ذكر من روى من أولاده (عليهم السلام)