الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)
كشف الغمة

وصف الدعاء المستجاب أحسن منها. و سأله الرشيد فقال: لم زعمتم أنّكم أقرب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منّا، فقال (عليه السلام): يا أمير المؤمنين لو أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان اللّه فكنت أفتخر بذلك على العرب و العجم فقال: لكنّه لا يخطب إليّ و لا أزوّجه، لأنّه ولدنا و لم يلدكم. و روي أنّه قال: هل كان يجوز له أن يدخل على حرمك و هنّ متكشّفات؟ فقال: لا، فقال: و لكنّه كان يدخل على حرمي كذلك و كان يجوز له. و قيل: إنّه سأله أيضا لم قلتم إنّا ذريّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جوّزتم أن ينسبوكم إليه؟ فيقولوا: يا بني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنتم بنو علي و إنّما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه، فقال: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ، و ليس لعيسى أب و إنّما ألحق بذريّة الأنبياء من قبل أمّه، و كذلك ألحقنا بذريّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قبل أمّنا فاطمة (عليها السلام)، و أزيدك يا أمير المؤمنين، قال اللّه تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ و لم يدع (عليه السلام) عند مباهلة النصارى غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين و هما الأبناء (عليهما السلام). و مات في حبس الرشيد، و قيل: سعى به جماعة من أهل بيته منهم محمّد بن جعفر بن محمّد أخوه، و محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن أخيه و اللّه أعلم. و سمع موسى (عليه السلام) رجلا يتمنّى الموت، فقال له: هل بينك و بين اللّه قرابة يحابيك لها؟ قال: لا، قال: فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيّئاتك؟ قال: لا، قال: فأنت إذا تتمنّى هلاك الأبد! و قال: من استوى يوماه فهو مغبون، و من كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، و من لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في النقصان، و من كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة. و روي عنه أنّه قال: اتّخذوا القيان فإنّ لهنّ فطنا و عقولا ليست لكثير من النساء، و كأنّه أراد النجابة في أولادهنّ. [الدعاء الذي كان يقوله عليه السلام في سجدة الشكر و ما قيل فيه] فائدة سنيّة: كنت أرى الدعاء الذي يقوله أبو الحسن موسى (عليه السلام) في سجدة الشكر و هو: ربّ عصيتك بلساني و لو شئت و عزّتك لأخرستني، و عصيتك ببصري و لو شئت و عزّتك لأكمهتني، و عصيتك بسمعي و لو شئت و عزّتك لأصممتني، و عصيتك بيدي و لو شئت و عزّتك لكنعتني، و عصيتك بفرجي و لو شئت و عزّتك لأعقمتني، و عصيتك برجلي و لو شئت و عزّتك لجذمتني، و عصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها علي و لم يكن هذا جزاك منّي. بخط عميد الرؤساء لعقمتني و المعروف عقمت المرأة و عقمت و أعقمها اللّه- فكنت أفكّر في معناه و أقول: كيف يتنزّل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة، و ما اتّضح لي ما يدفع التردّد الذي يوجبه، فاجتمعت بالسيّد السعيد النقيب رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاوس العلوي الحسيني رحمه اللّه و ألحقه بسلفه الطاهر فذكرت له ذلك، فقال: إنّ الوزير السعيد مؤيد الدين العلقمي رحمه اللّه تعالى سألني عنه فقلت: كان يقول هذا ليعلم الناس ثمّ إنّي فكّرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في الليل و ليس عنده من يعلمه. ثمّ إنّه سألني عنه السعيد الوزير مؤيد الدين محمّد بن العلقمي رحمه اللّه فأخبرته بالسؤال الأول و الذي قلت و الذي أوردته عليه، و قلت: ما بقي إلّا أن يكون يقوله على سبيل التواضع و ما هذا معناه، فلم تقع منّي هذه الأقوال بموقع، و لا حلت من قلبي في موضع، و مات السيّد رضي الدين رحمه اللّه فهداني اللّه إلى معناه و وفّقني على فحواه، فكان الوقوف عليه و العلم به و كشف حجابه بعد السنين المتطاولة و الأحوال المحرمة، و الأدوار المكرّرة، من كرامات الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) و معجزاته، و لتصحّ نسبة العصمة إليه (عليه السلام)، و تصدق على آبائه و أبنائه البررة الكرام، و تزول الشبهة التي عرضت من ظاهر هذا الكلام. و تقريره أنّ الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) تكون أوقاتهم مشغولة باللّه تعالى، و قلوبهم مملوة به، و خواطرهم متعلّقة بالملإ الأعلى، و هم أبدا في المراقبة كما قال (عليه السلام): أعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تره فإنّه يراك، فهم أبدا متوجّهون إليه و مقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطّوا عن تلك الرتبة العالية، و المنزلة الرفيعة، إلى الاشتغال بالمأكل و المشرب، و التفرّغ إلى النكاح و غيره من المباحات عدوّه ذنبا، و اعتقدوه خطيئة و استغفروا منه، أ لا ترى أنّ بعض أبناء الدنيا لو قعد و أكل و شرب و نكح و هو يعلم أنّه بمرأى من سيّده و مسمع لكان ملوما عند الناس، و مقصرا فيما يجب عليه من خدمة سيّده و مالكه، فما ظنّك بسيّد السادات، و ملك الأملاك. و إلى هذا أشار (عليه السلام): إنّه ليران على قلبي و إنّي لأستغفر بالنهار سبعين مرّة، و لفظة السبعين إنّما هي لعدّ الاستغفار لا إلى الرين، و قوله: حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، و نظيره إيضاحا من لفظه ليكون أبلغ من التأويل. و يظهر من قوله: أعقمتني و العقيم الذي لا يولد له، و الذي يولد من السفاح لا يكون ولدا، فقد بان بهذا أنّه كان يعدّ اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان معصية، يستغفر اللّه منها و على هذا فقس البواقي، و كلّما يرد عليك من أمثالها. تقريره: إنّ للعبادة مقامات و لكن مقام لذة للعابد لا تدرك تلك اللذة بالوصف و البيان بل لا بدّ لطالب دركها الوقوف دونه أو الدخول فيه و هذا نظير توصيف حديقة ذات أشجار كثيرة بأن فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين، من أنواع الفواكه و الثمار و الأنهار و الأزهار، فإنّه لا توجد في نفس المستمع إلّا صورة خيالية من الحديقة قوامها في الوجود بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و هذا و هو أنّ لكلّ و هذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبهة، و يهدي به اللّه من حسر عن بصره و بصيرته رين العمى و العمة، و ليت السيّد كان حيّا لأهدي هذه العقيلة إليه، و أجلو عرائسها عليه، فما أظنّ أنّ هذا المعنى اتّضح من لفظ الدعاء لغيري، و لا أنّ أحدا سار في إيضاح مشكله و فتح مقفله مثل سيري، و قد ينتج الخاطر العقيم فيأتي بالعجائب، و قديما ما قيل: مع الخواطئ سهم صائب. و قال ابن حمدون في تذكرته: قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): وجدت علم الناس في أربع: أوّلها أن تعرف ربّك، و الثانية أن تعرف ما صنع بك، و الثالثة أن تعرف ما أراد منك، و الرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك. معنى هذه الأربع: الاولى وجوب معرفة اللّه تعالى التي هي اللطف، الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر و العبادة، الثالثة أن تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك و ندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك مرتبة من مراتب الوجود خصوصية و حالة لا تدرك إلّا بالدخول في تلك المرتبة و لا توجد كمالها إلّا بعد الوصول إلى تلك الحالة و ذلك مثل التفرج في البساتين و المزارع في أول الربيع فإنّه قد يدرك بالتوصيف و البيان شعرا و نثرا من متكلم فصيح فيمكن له توصيفها بحيث يرى المستمع نفسه في وسط تلك البستان الخيالي مثلا و لكن ليست إلّا أوصاف تنتقش منها صورة خيالية يكون قوامها في الوجود بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و أمّا الدرك الحقيقي فهو لا يوجد إلّا لمن دخل تلك البساتين و المزارع و وجد لذة التفرج و أكل الثمار و الانتفاع من الأنهار و الأزهار عيانا، و قد ثبت في علم الفلسفة أيضا أنّ درك لذات العالم بتشخص الوجود لا الماهية، و لعلّ هذا أحد أسرار قصة المعراج و سيره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جميع العوالم، فإنّه لا بدّ لهذا النبي إذا أراد أن يصير واجدا لجميع الكمالات السير في جميع العوالم و استكمال جهة الملكوتية و اللاهوتية الكائنة في وجوده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنسه و ارتباطه مع كلّ من سكنها حتّى تحصل السنخية و يدرك لذّة مراتب الوجود بأسرها و تمامها. إذا عرفت هذا فنقول: إنّ العبد الكامل من عبد اللّه في جميع مراتب العبودية و حيث كانت العبادة على أقسام فقسم منها عبادة المخلصين الراجين، و قسم منها عبادة الخائفين العاصين، و كان الإمام (عليه السلام) طالبا لأن يعبد اللّه بالعبودية الكاملة و السير في جميع مراحلها ففي بعض الأحيان نزل نفسه منزلة المذنب العاصي و يذكر في دعائه ما يقوله المرتكب لجميع المعاصي و ليس ذلك إلّا لما ذكر من درك ملاذ العبادة بجميع أقسامها و الوصول إلى كمال العبودية من طرقها بأسرها. و يشهد لما ذكرنا بل يدلّ عليه قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه في التذلل للّه (على ما في الصحيفة الكاملة- الدعاء الثالث و الخمسون) قال (عليه السلام) بعد كلام له... قد أوقفت نفسي موقف الأذلّاء المذنبين، موقف الأشقياء المتبحّرين عليك، المستخفين بوعدك... الدعاء. و هذا هو المراد في جميع ما ورد في الأدعية من الاعتراف بالذنب و المعصية من هؤلاء المعصومين (عليهم السلام). فتستحق بذلك الثواب، الرابع أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعة اللّه فتجتنبه. قال الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه علي بن عيسى غفر اللّه له ذنوبه بكرمه و أجراه على عوايد ألطافه و نعمه: مناقب الكاظم (عليه السلام) و فضائله و معجزاته الظاهرة، و دلائله و صفاته الباهرة و مخائله، تشهد أنّه افترع قبّه الشرف و علاها، و سما إلى أوج المزايا فبلغ أعلاها، و ذلّلت له كواهل السيادة فركبها و امتطاها، و حكم في غنائم المجد فاختار صفاياها و اصطفاها. تركت و الحسن تأخذه تصطفى منه و تنتجب فانتفت منه أحاسنه و استزادت فضل ما تهب طالت أصوله فسمت إلى أعلى رتب الجلال، و طابت فروعه فعلت إلى حيث لا تنال، يأتيه المجد من كلّ أطرافه، و يكاد الشرف يقطر من أعطافه. أتاه المجد من هنا و هنّا و كان له بمجتمع السيول السحاب الماطر قطرة من كرمه، و العباب الزاخر نغبة من نغبه، و اللباب الفاخر من عدّ من عبيده و خدمه، كأنّ الشعرى علقت في يمينه، و لا كرامة للشعرى العبور، و كأنّ الرياض أشبهت خلايقه و لا نعمى لعين الروض الممطور، و هو (عليه السلام) غرّة في وجه الزمان، و ما الغرر و الحجول، و هو أضوأ من الشمس و القمر، و هذا جهد من يقول بل هو و اللّه أعلى مكانة من هذه الأوصاف و أسمى، و أشرف عرقا من هذه النعوت و أنمى، فكيف تبلغ المدائح كنه مقداره، أو ترتقي همّة البليغ إلى نعت فخاره، أو تجري جياد الأقلام في جلباب صفاته، أو يسري خيال الأوهام في ذكر حالاته. كاظم الغيظ، و صائم القيظ، عنصره كريم، و مجده حادث و قديم، و خلق سؤدده و سيم، و هو بكلّ ما يوصف به زعيم، الآباء عظام، و الأبناء كرام، و الدين متين، و الحق ظاهر مبين، و الكاظم في أمر اللّه قوي أمين، و جوهر فضله عال ثمين، و واصفه لا يكذب و لا يمين، قد تلقى راية الإمامة باليمين فسما (عليه السلام) إلى الخيرات منقطع القرين، و أنا أحلف على ذلك فيه و في آبائه و أبنائه (عليه السلام) باليمين. كم له من فضيلة جليلة، و منقبة بعلوّ شأنه كفيلة، و هي و إن بلغت الغاية بالنسبة إليه قليلة، و مهما عدّ من المزايا و المفاخر فهي فيهم صادقة، و في غيرهم مستحيلة، إليهم ينسب العظماء، و عنهم يأخذ العلماء، و منهم يتعلّم الكرماء، و هم الهداة إلى اللّه فبهداهم اقتده، و هم الأدلّاء على اللّه فلا تحل عنهم و لا تنشده، و هم الامناء على أسرار الغيب، و هم المطهّرون من الرجس و العيب، و هم النجوم الزواهر في الظلام، و هم الشموس المشرقة في الأيّام، و هم الذين أوضحوا شعار الإسلام، و عرفوا الحلال و الحرام، من تلق منهم تقل لاقيت سيّدا، و متى عددت منهم واحدا كان بكلّ الكمالات منفردا، و من قصدت منهم حمدت قصدت مقصدا، و رأيت من لا يمنعه جوده اليوم أن يجود غدا، و متى عدت إليه عاد كما بدأ، المائدة و الأنعام يشهدان بحالهم، و المائدة و الأنعام يخبران بنوالهم، فلهم كرم الابوّة و البنوّة، و هم معادن الفتوّة و المروّة، و السماح في طبائعهم غريزة، و المكارم لهم شنشنة و نحيزة، و الأقوال في مدحهم و إن طالت وجيزة، بحور علم لا تنزف، و أقمار عزّ لا يخسف، و شموس مجد لا تكسف، مدح أحدهم يصدق على الجميع، و هم متعادلون في الفخار، فكلّهم شريف رفيع بذوا الأمثال بطريفهم و تالدهم و لا مثيل، و نالوا النجوم بمفاخرهم و محامدهم فانقطع دون شأوهم العديل و لا عديل، فمن الذي ينتهي في السير إلى أمدهم و قد سدّ دونه السبيل، أمّن لهم يوم كيومهم أو غد كغدهم، و لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم صلّى اللّه عليه صلاة نامية الأمداد، باقية على الآباد، مدّخرة ليوم المعاد، إنّه جواد كريم. و قد اتّبعت العادة في مدحه (عليه السلام) و أنا معتذر كعذري في ما تقدّم من الكلام، فإنّ شرفه يعلو عن الأقوال، و من نطق بمدحه الكتاب العزيز فما عسى أن يقال: و لكن اتّباع العوائد يوسع المجال، و من اعترف بتقصيره كان كمن بلغ الكمال (و هذا الشعر). مدائحي وقف على الكاظم فما على العاذل و اللائم و كيف لا أمدح مولى غدا في عصره خير بني آدم و من كموسى أو كآبائه أو كعلي و إلى القائم إمام حقّ يقتضي عدله لو سلم الحكم إلى الحاكم إفاضة العدل و بذل الندى و الكف من عادية الظالم يبسم للسائل مستبشرا أفديه من مستبشر باسم ليث وغى في الحرب دامي الشبا و غيث جود كالحيا الساجم مآثر يعجز عن وصفها بلاغة الناثر و الناظم تعدّ إن قيست إلى جوده معايبا ما قيل عن حاتم في الحلم بحر زاخر مدّه و في الوغى أمضى من الصارم يعفو عن الجاني و يولي الندى و يحمل الغرم عن الغارم القائم الصائم أكرم به من قائم مجتهد صائم من معشر سنو الندى و القرى و أشرقوا في الزمن القاتم و أحرزوا خصل العلى فاغتدوا أشرف خلق اللّه في العالم يروي المعالي عالم منهم مصدق في النقل عن عالم قد استووا في شرف المرتقى كما تساوت حلقة الخاتم من ذا يجاريهم إذا ما اعتزوا إلى عليّ و إلى فاطم و من يناويهم إذا عدّدوا خير بني الدنيا أبا القاسم صلّى عليه اللّه من مرسل لمّا أتى من قبله خاتم يا آل طه أنا عبد لكم باق على حبّكم اللازم أرجو بكم نيل الأماني غدا إذا استبانت حسرة النادم معتصم منكم بود إذا ما ظل شانيكم بلا عاصم وليّكم في نعم خالد و ضدّكم في نصب دائم ذكر الإمام الثامن أبي الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ابن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) [اسمه و كنيته و مناقبه و صفاته ع] قال كمال الدين بن طلحة رحمه اللّه: الباب الثامن في أبي الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق (عليهم السلام)، قد تقدّم القول في أمير المؤمنين علي و في زين العابدين علي، و جاء هذا علي الرضا ثالثهما و من أمعن نظره و فكره و جدّه في الحقيقة وارثهما، فيحكم أنّه ثالث العليّين نمى إيمانه، و علا شأنه، و ارتفع مكانه، و اتّسع إمكانه، و كثر أعوانه، و ظهر برهانه، حتّى أحلّه الخليفة المأمون محلّ مهجته، و شركه في مملكته، و فوّض إليه أمر خلافته، و عقد له على رءوس الأشهاد عقد نكاح ابنته و كانت مناقبه عليّة و صفاته الشريفة سنيّة، و مكارمه حاتميّة، و شنشنته أخزميّة، و أخلاقه عربية، و نفسه الشريفة هاشمية، و أرومته الكريمة نبويّة، فمهما عدّ من مزاياه كان (عليه السلام) أعظم منه، و مهما فصّل من مناقبه كان أعلى رتبة عنه. أمّا ولادته (عليه السلام): ففي حادي عشر ذي الحجة سنة ثلاث و خمسين و مائة للهجرة بعد وفاة جدّه أبي عبد اللّه جعفر (عليه السلام) بخمس سنين. و أمّا نسبه أبا و أمّا: فأبوه أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق (عليهما السلام) و قد تقدّم ذكر ذلك، و أمّه أم ولد تسمّى الخيزران المرسية، و قيل شقراء النّوبية، و اسمها أروى، و شقراء لقب لها. و أمّا اسمه: فعليّ و هو ثالث العليين أمير المؤمنين و زين العابدين. و أمّا كنيته: فأبو الحسن. (و أمّا ألقابه) فالرضا، و الصابر، و الرضي، و الوفي، و أشهرها الرضا. و أمّا مناقبه و صفاته: فمنها ما خصّه اللّه به و يشهد له بعلوّ قدره، و سمو شأنه، و هو أنّه لمّا جعله الخليفة المأمون ولي عهده و أقامه خليفة من بعده، و كان في حاشية المأمون أناس كرهوا ذلك و خافوا خروج الخلافة عن بني العباس، و عودها إلى بني فاطمة على الجميع السلام، فحصل عندهم من الرضا نفور، و كان عادة الرضا (عليه السلام) إذا جاء إلى دار المأمون ليدخل عليه يبادر من الدهليز من الحاشية إلى السلام عليه و رفع الستر بين يديه ليدخل. فلمّا حصلت لهم النفرة عنه تواصوا فيما بينهم، و قالوا إذا جاء ليدخل على الخليفة أعرضوا عنه و لا ترفعوا الستر له، فاتّفقوا على ذلك، فبيناهم قعود إذ جاء الرضا (عليه السلام) على عادته، فلم يملكوا أنفسهم أن سلّموا عليه و رفعوا الستر على عادتهم، فلمّا دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون كونهم ما وقفوا على ما اتّفقوا عليه، و قالوا النوبة الآتية إذا جاء لا نرفعه له. فلمّا كان في ذلك اليوم جاء فقاموا و سلّموا عليه و وقفوا و لم يبتدروا إلى رفع الستر فأرسل اللّه ريحا شديدة دخلت في الستر فرفعته أكثر ممّا كانوا يرفعونه، فدخل فسكنت الريح فعاد إلى ما كان، فلمّا خرج عادت الريح و دخلت في الستر فرفعته حتّى خرج ثمّ سكنت فعاد الستر، فلمّا ذهب أقبل بعضهم على بعض و قالوا: هل رأيتم؟ قالوا: نعم، فقال بعضهم لبعض: يا قوم هذا رجل له عند اللّه منزلة و للّه به عناية، أ لم تروا أنّكم لما لم ترفعوا له الستر أرسل اللّه الريح و سخّرها له لرفع الستر، كما سخّرها لسليمان، فراجعوا إلى خدمته فهو خير لكم، فعادوا إلى ما كانوا عليه و زادت عقيدتهم فيه. و منها أنّه كانت بخراسان امرأة تسمّى زينب، فادّعت أنّها علوية من سلالة فاطمة (عليها السلام)، و صارت تصول على أهل خراسان بنسبها، فسمع بها علي الرضا فلم يعرف نسبها، فأحضرت إليه فردّ نسبها، و قال: هذه كذّابة، فسفهت عليه و قالت: كما قدحت في نسبي فأنا أقدح في نسبك، فأخذته الغيرة العلوية فقال (عليه السلام) لسلطان خراسان: أنزل هذه إلى بركة السباع يتبيّن لك الأمر، و كان لذلك السلطان بخراسان موضع واسع فيه سباع مسلسلة للانتقام من المفسدين، يسمّى ذلك الموضع ببركة السباع، فأخذ الرضا (عليه السلام) بيد تلك المرأة فأحضرها عند ذلك السلطان، و قال: إنّ هذه كذّابة على عليّ و فاطمة (عليهما السلام) و ليست من نسلهما فإنّ من كان حقّا بضعة من عليّ و فاطمة فإنّ لحمه حرام على السباع، فألقوها في بركة السباع، فإن كانت صادقة فإنّ السباع لا تقربها، و إن كانت كاذبة فتفترسها السباع. فلمّا سمعت ذلك منه قالت: فانزل أنت إلى السباع فإن كنت صادقا فإنّها لا تقربك و لا تفترسك، فلم يكلّمها و قام (عليه السلام) فقال له ذلك السلطان: إلى أين؟ قال: إلى بركة السباع، و اللّه لأنزلنّ إليها، و قام السلطان و الناس و الحاشية و جاءوا و فتحوا باب البركة، فنزل الرضا (عليه السلام) و الناس ينظرون من أعلى البركة، فلمّا حصل بين السباع أقعت جميعها إلى الأرض على أذنابها، و صار يأتي إلى واحد واحد و يمسح وجهه و رأسه و ظهره، و السبع يبصبص له هكذا إلى أن أتى على الجميع، ثمّ طلع و الناس ينظرون إليه، فقال لذلك السلطان: أنزل هذه الكذابة على عليّ و فاطمة (عليهما السلام) ليتبيّن لك فامتنعت فالزمها ذلك السلطان، و أمر أعوانه بإلقائها، فمذ رأتها السباع وثبوا إليهما و افترسوها، فاشتهر اسمها بخراسان بزينب الكذابة و حديثها هناك مشهور. و منها قصة دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، قال دعبل: لمّا قلت: (مدارس آيات) قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) و هو بخراسان ولي عهد المأمون في الخلافة، فوصلت المدينة و حضرت عنده و أنشدته إيّاها فاستحسنها و قال لي: لا تنشدها أحدا حتّى آمرك، و اتّصل خبري بالخليفة المأمون فأحضرني و سألني عن خبري، ثمّ قال: يا دعبل أنشدني (مدارس آيات خلت من تلاوة) فقلت: ما أعرفها يا أمير المؤمنين، فقال: يا غلام أحضر أبا الحسن علي بن موسى الرضا، قال: فلم تكن إلّا ساعة حتّى حضر، فقال له: يا أبا الحسن سألت دعبلا عن (مدارس آيات) فذكر أنّه لا يعرفها، فقال لي أبو الحسن: يا دعبل أنشد أمير المؤمنين. فأخذت فيها فأنشدتها فاستحسنها و أمر لي بخمسين ألف درهم، و أمر لي أبو الحسن علي بن موسى الرضا بقريب من ذلك، فقلت: يا سيّدي إن رأيت أن تهبني شيئا من ثيابك ليكون كفني، فقال: نعم، ثمّ دفع إليّ قميصا قد ابتذله و منشفة لطيفة و قال لي: احفظ هذا تحرس به، ثمّ دفع إلى ذو الرئاستين أبو العباس الفضل بن سهل وزير المأمون صلة و حملني على برذون أصفر خراساني، و كنت أسايره في يوم مطير و عليه ممطر خز و برنس منه فأمر لي به و دعا بغيره جديد فلبسه و قال: إنّما آثرتك باللبيس لأنّه خير الممطرين. قال: فأعطيت به ثمانين دينارا فلم تطب نفسي ببيعه، ثمّ كررت راجعا إلى العراق، فلمّا صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا و كان ذلك اليوم يوما مطيرا، فبقيت في قميص خلق و ضرّ جديد و أنا متأسّف من جميع ما كان معي على القميص و المنشفة، و متفكّر في قول سيّدي الرضا، إذ مرّ بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الأصفر الذي حملني عليه ذو الرئاستين و عليه الممطر، و وقف بالقرب منّي ليجتمع عليه أصحابه و هو ينشد: (مدارس آيات خلت من تلاوة) و يبكي، فلمّا رأيت ذلك منه عجبت من لصّ من الأكراد يتشيّع، ثمّ طمعت في القميص و المنشفة، فقلت: يا سيّدي لمن هذه القصيدة؟ فقال: و ما أنت و ذاك ويلك؟ فقلت: لي فيه سبب أخبرك به، فقال: هي أشهر بصاحبها أن تجهل، فقلت: من هو؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمّد جزاه اللّه خيرا، فقلت له: و اللّه يا سيّدي أنا دعبل و هذه قصيدتي، فقال: ويلك ما تقول؟ قلت: الأمر أشهر من ذلك. فأرسل إلى أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة و سألهم عنّي، فقالوا بأسرهم: هذا دعبل بن علي الخزاعي، فقال: قد أطلقت كلّما أخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك، ثمّ نادى في أصحابه: من أخذ شيئا فليردّه، فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم و رجع إليّ جميع ما كان معي، ثمّ بذرقنا إلى المأمن فحرست أنا و القافلة ببركة القميص و المنشفة. فانظر إلى هذه المنقبة ما أشرفها و ما أعلاها، و قد يقف على هذه القصّة بعض الناس ممّن يطالع هذا الكتاب و يقرأه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة بمدارس آيات، و يشتهي الوقوف عليها، و ينسبني في إعراضي عن ذكرها إمّا أنّني لم أعرفها أو أنّني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها، فأحببت أن أدخل راحة على بعض النفوس، و أن أدفع عنّي هذا النقص المتطرّف إليّ ببعض الظنون، فأوردت منها ما يناسب ذلك و هي: ذكرت محلّ الربع من عرفات فأسبلت دمع العين بالعبرات و قلّ عرى صبري و هاجت صبابتي رسوم ديار أقفرت و عرات مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات لآل رسول اللّه بالخيف من منى و بالبيت و التعريف و الجمرات ديار عليّ و الحسين و جعفر و حمزة و السجاد ذي الثفنات ديار عفاها جور كلّ معاند و لم تعف بالأيام و السنوات ديار لعبد اللّه و الفضل صنوه سليل رسول اللّه ذي الدعوات منازل كانت للصلاة و للتقى و للصوم و التطهير و الحسنات منازل جبريل الأمين يحلّها من اللّه بالتسليم و الزكوات منازل وحيى اللّه معدن علمه سبيل رشاد واضح الطرقات منازل وحي اللّه ينزل حولها على أحمد الروحات و الغدوات فأين الأولى شطت بهم عزبة النوى أفانين في الأقطار مختلفات هم آل ميراث النبي إذا انتموا و هم خير سادات و خير حمات مطاعيم في الإعسار في كلّ مشهد لقد شرّفوا بالفضل و البركات إذا لم نناج اللّه في صلواتنا بذكرهم لم تقبل الصلوات أئمّة عدل يهتدى بهداهم و تؤمن منهم زلّة العثرات فيا ربّ زد قلبي هدى و بصيرة و زد حبّهم يا ربّ في حسناتي ديار رسول اللّه أصبحن بلقعا و دار زياد أصبحت عمرات و آل رسول اللّه هلب رقابهم و آل زياد غلظ القصرات و آل رسول اللّه تدمى نحورهم و آل زياد زيّنوا الحجلات و آل رسول اللّه يسبى حريمهم و آل زياد آمنوا السربات و آل زياد في القصور مصونة و آل رسول اللّه في الفلوات فيا وارثي علم النبي و آله عليهم سلام دائم النفحات لقد آمنت نفسي بكم في حياتها و إنّي لأرجو الأمن عند مماتي و ممّا تلقّته الأسماع بالاستماع، و نقلته الألسن في بقاع الأصقاع، أنّ الخليفة المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج أحدث عنده ثقلا عن الخروج إلى الصلاة بالناس، فقال لأبي الحسن علي الرضا (عليه السلام): يا أبا الحسن قم و صلّ بالناس، فخرج الرضا (عليه السلام) و عليه قميص قصير أبيض و عمامة بيضاء لطيفة، و هما من قطن، و في يده قضيب، فأقبل ماشيا يؤمّ المصلّى و هو يقول: السلام على أبوي آدم و نوح، السلام على أبوي إبراهيم و إسماعيل، السلام على أبوي محمّد و علي، السلام على عباد اللّه الصالحين، فلمّا رآه الناس هرعوا إليه و انثالوا عليه لتقبيل يديه، فأسرع بعض الحاشية إلى الخليفة المأمون فقال: يا أمير المؤمنين تدارك الناس و اخرج و صلّ بهم و إلّا خرجت الخلافة منك الآن، فحمله على أن يخرج بنفسه و جاء مسرعا و الرضا (عليه السلام) بعد من كثرة زحام الناس عليه لم يخلص إلى المصلّى. فتقدّم المأمون و صلّى بالناس، فلمّا انقضى ذلك قال هرثمة بن أعين- و كان في خدمة المأمون إلّا أنّه كان محبّا لأهل البيت إلى الغاية، يأخذ نفسه بأنّه من شيعتهم، و كان قائما بمصالح الرضا (عليه السلام)، باذلا نفسه بين يده، متقرّبا إلى اللّه تعالى بخدمته- قال: طلبني سيّدي الرضا (عليه السلام) و قال: يا هرثمة إنّي مطّلعك على حالة تكون عندك سرّا لا تظهرها و أنا حي، فإن أظهرتها حال حياتي كنت خصمك عند اللّه تعالى فعاهدته أنّي لا أعلم بها أحدا ما لم تأمرني. فقال: اعلم أنّني بعد أيّام آكل عنبا و رمانا مفتونا فأموت، و يقصد الخليفة بأن يجعل قبري و مدفني خلف قبر أبيه الرشيد، و إنّ اللّه لا يقدره على ذلك، فإنّ الأرض تشتدّ عليهم فلا يستطيع أحد حفر شيء منها، فإنّما قبري في بقعة كذا لموضع عيّنه، فإذا أنا متّ و جهّزت فاعلمه بجميع ما قلت لك، و قل له يتأنّى في الصلاة عليّ فإنّه يأتي رجل عربي متلثّم على بعير مسرع و عليه وعثاء السفر فينزل عن بعيره و يصلّي علي، فإذا صلّى علي و حملت فاقصد المكان الذي عيّنته لك فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا معمولا، في قعره ماء أبيض، فإذا كشفته نضب الماء فهو مدفني فادفنّي فيه، و اللّه اللّه أن تخبر بهذا قبل موتي. قال هرثمة: فو اللّه ما طالت الإناءة حتّى أكل عنبا و رمّانا كثيرا، فمات، فدخلت إلى الخليفة فوجدته يبكي عليه، فقلت له: يا أمير المؤمنين عاهدني الرضا (عليه السلام) على أمر أقوله لك، و قصصت عليه تلك القصّة التي قالها من أوّلها إلى آخرها و هو يعجب ممّا أقوله، فأمر بتجهيزه، فلمّا نجز تأنّى بالصلاة عليه و إذا بالرجل قد أقبل على بعير من الصحراء مسرعا، فلم يكلّم أحدا، ثمّ دخل إلى جنازته فوقف و صلّى عليه و خرج فصلّى الناس عليه و أمر الخليفة بطلب الرجل ففاتهم فلم يعلموا له خبرا، ثمّ أمر الخليفة أن يحفر له قبر خلف قبر أبيه الرشيد فعجز الحافرون عن الحفر، فذهب إلى موضع ضريحه الآن فبقدر ما …

كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب عدد أولاده و طرف من أخبارهم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.