كشف وجه الأرض ظهر قبر محفور كشفت عنه طوابيقه و إذا في قعره ماء أبيض كما قال، فأعلمت الخليفة المأمون به فحضر و أبصره على الصورة التي ذكرها، و نضب الماء فدفن فيه، و لم يزل الخليفة المأمون يعجب من قوله، و لم يزل عنه كلمة واحدة عمّا ذكره و ازداد تأسّفه عليه، و كلّما خلوت في خدمته يقول: يا هرثمة كيف قال لك أبو الحسن؟ فأعيد عليه الحديث فيتلهّف عليه. فانظروا إلى هذه المنقبة العظيمة، و الكرامة البالغة التي تنطق بعناية اللّه تعالى به و إزلاف مكانته عنده. [أولاده و عمره و بعض أخباره ع] و أمّا أولاده: فكانوا ستّة؛ خمسة ذكور و بنت واحدة، و أسماء أولاده: محمّد القانع، الحسن، جعفر، إبراهيم، الحسن، و عائشة. و أمّا عمره: فإنّه مات في سنة مأتين و ثلاث، و قيل: مأتين و سنتين من الهجرة في خلافة المأمون، و قد تقدم ذكر مولده في سنة ثلاث و خمسين و مائة فيكون عمره تسعا و أربعين سنة، و قبره بطوس من خراسان بالمشهد المعروف به (عليه السلام)، و كانت مدّة بقائه مع أبيه موسى (عليه السلام) اربعا و عشرين سنة و أشهرا، و بقاؤه بعد أبيه خمسا و عشرين سنة (آخر كلامه). قلت: توهّم الشيخ كمال الدين رحمه اللّه تعالى أنّه إذا لم يذكر قصيدة دعبل بن علي ظنّ قوم فيه أنّه لا يعرفها عجيب فإنّه كان أعلى رتبة من أن يظنّ فيه مثل ذلك. و قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي رحمه اللّه تعالى في كتابه: ابو الحسن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الرضا، مولده سنة ثلاث و خمسين و مائة، توفي في خلافة المأمون بطوس و قبره هناك، سنة مأتين و سنة، أمّه سكينة النوبيّة، و له من الولد خمسة رجال و ابنة واحدة هم: محمّد الإمام، و أبو محمّد الحسن، و جعفر، و إبراهيم، و الحسين، و عائشة. و يقال: ولد بالمدينة سنة ثمان و أربعين و مائة، و قبض بطوس في صفر سنة ثلاث و مأتين، و هو يومئذ ابن خمس و خمسين سنة، و أمّه أم ولد اسمها أم البنين و قبره بطوس. روى عنه عبد السلام بن صالح الهروي، و داود بن سليمان، و عبد اللّه بن العباس القزويني و طبقتهم. قال عبد اللّه بن محمّد الجمال الرازي قال: كنت أنا و علي بن موسى بن بابويه القمي و فد أهل الري، فلمّا بلغنا نيسابور قلت لعلي بن موسى القمي: هل لك في زيارة قبر الرضا (عليه السلام) بطوس؟ فقال: خرجنا إلى هذا الملك و نخاف أن يتّصل به عدوّ لنا إلى زيارة القبر، و لكنّا إذا انصرفنا، فلمّا رجعنا قلت له: هل لك في الزيارة؟ فقال: لا يتحدّث أهل الري إنّي خرجت من عندهم مرجئا و أرجع إليهم رافضيا، قلت: فتنتظرني في مكانك؟ قال: افعل، و خرجت فأتيت القبر عند غروب الشمس و أزمعت المبيت على القبر، فسألت امرأة حضرت من بعض سدنة القبر هل من حذر بالليل؟ قالت: لا، فاستدعيت منها سراجا و أمرتها بإغلاق الباب، و نويت أن أختم القرآن على القبر، فلمّا كان في بعض الليل سمعت قراءة فقدّرت أنّها قد أذنت لغيري، فأتيت الباب فوجدته مغلقا و انطفأ السراج، فبقيت أسمع الصوت فوجدته من القبر و هو يقرأ سورة مريم: يوم يحشر المتّقون إلى الرّحمن وفدا. و يساق المجرمون إلى جهنّم وردا و ما كنت سمعت هذه القراءة، فلمّا قدمنا الري بدأت بأبي القاسم العباس بن الفضل بن شاذان، فسألته هل قرأ أحد بذلك؟ فقال: نعم، النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أخرج لي قراءته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإذا هي كذلك. روى داود بن سليمان القزويني عن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما كان و لا يكون إلى يوم القيامة مؤمن إلّا و له جار يؤذيه. و عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: عدّة المؤمن نذر لا كفّارة (لها ظ). و عنه بإسناده قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الإيمان إقرار باللسان، و عمل بالأركان، و يقين بالقلب. و بإسناده قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): مجالسة العلماء عبادة، و النظر إلى علي عبادة، و النظر إلى البيت عبادة، و النظر إلى المصحف عبادة، و النظر إلى الوالدين عبادة. و بإسناده قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): الحياء و الدين مع العقل حيث كان. قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): حدّثني أبي موسى، قال: حدّثني أبي جعفر، قال: حدّثني أبي محمّد، قال: حدّثني أبي علي، قال: حدّثني أبي الحسين، قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة و معها ثياب مصبوغة بدم، فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش، فتقول: يا عدل يا حكيم احكم بيني و بين قاتل ولدي، قال: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فيحكم لا بنتي و ربّ الكعبة. و بإسناده عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في قول اللّه عزّ و جلّ: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال: يدعى كلّ قوم إمام زمانهم، و كتاب ربّهم، و سنّة نبيّهم. و عن أبي الحسن كاتب الفرائض عن أبيه قال: حضرنا مجلس الرضا صلوات اللّه عليه فشكا إليه رجل أخاه، فأنشأ الرضا (عليه السلام) يقول: اعذر أخاك على ذنوبه و استر و غطّ على عيوبه و اصبر على بهت السفيه و للزمان على خطوبه ودع الجواب تفضّلا و كل الظلوم إلى حسيبه (آخر كلام الجنابذي) و قد حذفت منه أسماء الرجال الذين رووا عن الرضا (عليه السلام)، و اقتصرت عليه و على آبائه (عليهم السلام). قال الشيخ المفيد رحمه اللّه: باب ذكر الإمام القائم بعد أبي الحسن موسى (عليه السلام) و تاريخ مولده، و دلائل إمامته، و مبلغ سنّه، و مدّة خلافته و وقت وفاته، و سببها و موضع قبره، و عدد أولاده، و مختصر من أخباره. و كان الإمام بعد أبي الحسن موسى (عليه السلام) ابنه أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لفضله على جماعة إخوته و أهل بيته، و ظهور علمه و حلمه و ورعه و اجتماع الخاصّة و العامّة على ذلك فيه، و معرفتهم به منه، و لنصّ أبيه على إمامته من بعده، و إشارته إليه بذلك دون جماعة إخوته و أهل بيته. و كان مولده (عليه السلام) بالمدينة سنة ثمان و أربعين و مائة، و قبض بطوس من أرض خراسان في صفر سنة ثلاث و مأتين، و له يومئذ خمس و خمسون سنة، و أمّه أم ولد يقال لها أم البنين، و كانت مدّة إمامته و قيامه بعد أبيه في خلافته عشرين سنة. [النص عليه عليه السلام بالإمامة] فصل: فممّن روى النص على الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) بالإمامة عن أبيه و الإشارة منه بذلك إليه من خاصّته و ثقاته و أهل الورع و العلم و الفقه من شيعته: داود ابن كثير الرقّي، و محمّد بن إسحاق بن عمّار، و علي بن يقطين، و نعيم القابوسي، و الحسين بن المختار، و زياد بن مروان، و المخزومي داود بن سليمان، و نصر بن قابوس، و داود بن زربي، و يزيد بن سليط، و محمّد بن سنان. عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم موسى (عليه السلام): جعلت فداك إنّي قد كبرت سنّي فخذ بيدي و أنقذني من النّار من صاحبنا بعدك؟ قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن علي (عليهم السلام)، فقال: هذا صاحبكم من بعدي. و عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه عن الحسن بن أبي عمير عن محمّد بن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام): أ لا تدلّني على من آخذ عنه ديني؟ فقال: هذا ابني علي، إنّ أبي أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا بني إنّ اللّه جلّ اسمه قال: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و إنّ اللّه إذا قال قولا و فى به. و عن علي بن يقطين قال: كنت عند العبد الصالح (عليه السلام) فقال لي: يا علي بن يقطين هذا علي سيّد ولدي، أمّا إنّي قد نحلته كنيتي، فضرب هشام براحته جبهته ثمّ قال: ويحك كيف قلت؟ فقال علي بن يقطين: سمعته و اللّه منه كما قلت، فقال هشام: إنّ الأمر فيه و اللّه من بعده. و عن نعيم القابوسي عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: ابني علي أكبر ولدي و آثرهم عندي، و أحبّهم إليّ، و هو ينظر معي في الجفر و لم ينظر فيه إلّا نبي أو وصي نبي. و عن الحسين بن المختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي الحسن موسى (عليه السلام) و هو في الحبس: عهدي إلى أكبر ولدي أن يفعل كذا و يفعل كذا، و فلان لا تنله شيئا حتّى ألقاك أو يقضى عليّ الموت. و عن زياد بن مروان القندي قال: دخلت على أبي إبراهيم و عنده أبو الحسن ابنه (عليهما السلام) فقال لي: يا زياد هذا ابني فلان، كتابه كتابي و كلامه كلامي، و رسوله رسولي، و ما قال فالقول قوله. و عن المخزومي: و كانت أمّه من ولد جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: بعث إلينا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فجمعنا، ثمّ قال: أ تدرون لم جمعتكم؟ فقلنا: لا، فقال: اشهدوا بأنّ ابني هذا وصيّي، و القيّم بأمري و خليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، و من كانت له عندي عدة فلينتجزها منه، و من لم يكن له بدّ من لقائي فلا يلقني إلّا بكتابه. و عن داود بن سليمان قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): إنّي أخاف أن يحدث حدث و لا ألقاك فأخبرني من الإمام بعدك؟ فقال: ابني فلان يعني أبا الحسن (عليه السلام). و عن نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): إنّني سألت أباك من الذي يكون بعدك؟ فأخبرني أنّك أنت هو، فلمّا توفي أبو عبد اللّه (عليه السلام) ذهب الناس يمينا و شمالا و قلت بك أنا و أصحابي، فأخبرني من الذي يكون بعدك من ولدك؟ قال: ابني فلان- يعني عليّا-. و عن داود بن زربي قال: جئت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) بمال فأخذ بعضه و ترك بعضه، فقلت: أصلحك اللّه لأيّ شيء تركته عندي؟ فقال: إنّ صاحب هذا الأمر يطلبه منك، فلمّا جاء نعيه بعث إليّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) فسألني ذلك المال فدفعته إليه. و عن يزيد بن سليط في حديث طويل عن أبي إبراهيم (عليه السلام) أنّه قال: في السنة التي قبض (عليه السلام) فيها: إنّي أؤخذ في هذه السنة و الأمر إلى ابني علي سمّي علي و علي، فأمّا علي الأوّل فعلي بن أبي طالب، و أمّا علي الآخر فعلي بن الحسين أعطي فهم الأوّل و حلمه، و نصره و ودّه و دينه، و محنة الآخر و صبره على ما يكره، في الحديث بطوله. و عن ابن سنان قال: دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من قبل أن يقدم العراق بسنة، و علي ابنه جالس بين يديه، فنظر إليّ فقال: يا محمّد إنّه سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك، قال: فقلت: و ما يكون جعلت فداك قد أقلقتني؟ قال: أصير إلى هذه الطاغية، أمّا إنّه لا يبدأني منه سوء، و من الذي بعده، قال: قلت: و ما يكون جعلني اللّه فداك؟ قال: يضلّ اللّه الظالمين و يفعل اللّه ما يشاء، قال: قلت: و ما ذا جعلت فداك؟ قال: من ظلم ابني هذا حقّه و جحده إمامته من بعدي، كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) إمامته، و جحده حقّه بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: قلت له: و اللّه لئن مدّ اللّه لي في العمر لاسلّمنّ له حقّه، و لأقرّنّ له بالإمامة، قال: صدقت يا محمّد يمدّ اللّه في عمرك و تسلّم له حقّه، و تقرّ له بإمامته و إمامة من يكون من بعده، قال: قلت: و من ذاك؟ قال: ابنه محمّد، قال: قلت له: الرضا و التسليم.
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب عدد أولاده و طرف من أخبارهم