و كان الرضا (عليه السلام) يكثر و عظ المأمون إذا خلا به، و يخوّفه باللّه و يقبّح له ما يرتكبه من خلافه، و كان المأمون يظهر قبول ذلك و يبطن كراهته و استثقاله، و دخل الرضا (عليه السلام) يوما و هو يتوضّأ للصلاة و الغلام يصبّ على يده الماء، فقال: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربّك أحدا، فصرف المأمون الغلام و تولّى تمام الوضوء بنفسه، و زاد ذلك في غيظه و وجده عليه. و كان (عليه السلام) يزري على الحسن و الفضل ابني سهل عند المأمون إذا ذكرهما و يصف له مساويهما، و ينهاه عن الإصغاء إلى قولهما، و عرفا ذلك منه فجعل يخطيان عليه عند المأمون، و يذكران له عنه ما يبعّده منه، و يخوّفانه من حمل الناس عليه، فلم يزالا كذلك حتّى قلبا رأيه فيه، و عمل على قتله، فاتّفق أنّه أكل هو و المأمون طعاما فاعتلّ منه الرضا (عليه السلام) و أظهر المأمون تمارضا. فذكر محمّد بن علي بن حمزة بن منصور بن بشير عن أخيه عبد اللّه بن بشير قال: أمرني المأمون أن أطوّل أظفاري على العادة و لا أظهر لأحد ذلك، ثمّ استدعاني فأخرج لي شيئا يشبه التمر الهندي و قال لي: أعجن هذا بيديك جميعا، ففعلت، ثمّ قام و تركني و دخل على الرضا (عليه السلام) فقال: ما خبرك؟ قال له: أرجو أن أكون صالحا، قال له: و أنا اليوم بحمد اللّه صالح، فهل جاءك أحد من المترفين في هذا اليوم؟ قال: لا، فغضب المأمون و صاح على غلمانه قال: فخذ ماء الرمان الساعة فإنّه ممّا لا يستغنى عنه، ثمّ دعاني فقال: ائتنا برمّان، فأتيته به، فقال لي: اعتصره بيديك، ففعلت، و سقاه المأمون الرضا (عليه السلام) بيده، فكان ذلك سبب وفاته و لم يلبث إلّا يومين حتّى مات (عليه السلام). و ذكر عن أبي الصلت الهروي قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) و قد خرج المأمون من عنده فقال لي: يا أبا الصلت قد فعلوها، و جعل يوحّد اللّه و يمجّده. و روى عن محمّد بن الجهم أنّه قال: كان الرضا (عليه السلام) يعجبه العنب، فأخذ له منه شيئا فجعل في موضع أقماعه الأبر أيّاما ثمّ نزعت منه و جيء به إليه فأكل منه و هو في علّته التي ذكرناها فقتله، و ذكر أنّ ذلك من ألطف السموم. و لمّا توفي الرضا (عليه السلام) كتم المأمون موته يوما و ليلة، ثمّ أنفذ إلى محمّد بن جعفر الصادق (عليه السلام) و جماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلمّا حضروه نعاه إليهم و بكى و أظهر حزنا شديدا و توجّعا، و أراهم إيّاه صحيح الجسم، و قال: يعزّ عليّ أن أراك يا أخي في هذه الحال، و قد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبى اللّه إلّا ما أراد، ثمّ أمر بغسله و تكفينه و تحنيطه، و خرج مع جنازته يحملها حتّى انتهى إلى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن، فدفنه و الموضع دار حميد بن قحطبة في قرية يقال لها سناباذ على دعوة من نوقان بأرض طوس، و فيها قبر هارون الرشيد، و قبر أبي الحسن (عليه السلام) بين يديه في قبلته. و مضى الرضا (عليه السلام) و لم يترك ولدا نعلمه إلّا ابنه الإمام بعده أبا جعفر محمّد بن علي (عليه السلام)، و كان سنّه يوم وفاة أبيه سبع سنين و أشهرا (آخر كلام الشيخ المفيد رحمة اللّه تعالى). قال العبد الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه علي بن عيسى جامع هذا الكتاب أثابه اللّه تعالى: بلغني ممّن أثق به أنّ السيّد رضي الدين علي بن طاوس رحمه اللّه كان لا يوافق على أنّ المأمون سقى عليّا (عليه السلام) و لا يعتقده، و كان رحمه اللّه كثير المطالعة و التنقيب و التفتيش على مثل ذلك، و الذي كان يظهر من المأمون من حنوّه عليه و ميله إليه، و اختياره له دون أهله و أولاده، ممّا يؤيّد ذلك و يقرّره، و قد ذكر المفيد رحمه اللّه شيئا ما يقبله نقدي، و لعلّي و اهم و هو أنّ الإمام (عليه السلام) كان يعيب ابني سهل عند المأمون و يقبّح ذكرهما إلى غير ذلك و ما كان أشغله بأمور دينه و آخرته و اشتغاله باللّه عن مثل ذلك، و على رأي المفيد رحمه اللّه أنّ الدولة المذكورة من أصلها فاسدة و على غير قاعدة مرضيّة، فاهتمامه (عليه السلام) بالوقيعة فيهما حتّى أغراهما بتغيير رأي الخليفة عليه فيه ما فيه. ثمّ إنّ نصيحته للمأمون و إشارته عليه بما ينفعه في دينه لا يوجب أن يكون سببا لقتله، و موجبا لركوب هذا الأمر العظيم منه، و قد كان يكفي في هذا الأمر أن يمنعه عن الدخول عليه، أو يكفه عن وعظه. ثمّ إنّا لا نعرف أنّ الابر إذا غرست في العنب صار العنب مسموما، و لا يشهد به القياس الطبي و اللّه تعالى أعلم بحال الجميع، و إليه المصير و عند اللّه تجتمع الخصوم. و رأيت في كتاب يعرف بكتاب النديم لم يحضرني عند جمع هذا الكتاب أنّ جماعة من بني العباس كتبوا إلى المأمون يسفّهون رأيه في تولية الرضا (عليه السلام) العهد بعده، و إخراجه عنهم إلى بني علي (عليه السلام)، و يبالغون في تخطئته و سوء رأيه، فكتب إليهم جوابا غليظا سبّهم فيه، و نال من أعراضهم و قال فيهم القبائح، و قال من جملة ما قال و بقي على خاطري: أنتم نطف السكارى في أرحام القيان إلى غير ذلك، و ذكر الرضا (عليه السلام) و نبّه على فضله و شرفه، و شرف نفسه و بيته، و هذا و أمثاله ممّا ينفي عن المأمون الإقدام على إزهاق تلك النفس الطاهرة و السعي فيما يوجب خسران الدنيا و الآخرة و اللّه أعلم. قال ابن الخشّاب رحمه اللّه: ذكر أبي الحسن الرضا علي بن موسى الأمين بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين. و بهذا الإسناد عن محمّد بن سنان: توفي و له تسع و أربعون سنة و أشهر في سنة مأتي سنة و ستّة من الهجرة، و كان مولده سنة مائة و ثلاث و خمسين من الهجرة بعد مضي أبي عبد اللّه بخمس سنين، و أقام مع أبيه خمسا و عشرين سنة إلّا شهرين، فكان عمره تسعا و أربعين سنة و أشهرا، و قبره بطوس بمدينة خراسان، أمّه الخيزران ثمّ إنّه ظاهر أنّ نصيحة الأشقياء و وعظهم بمحضر الناس لا سيّما المدّعين للفضل و الخلافة ممّا يثير حقدهم و حسدهم و غيظهم مع أنّه لعنه اللّه كان أوّل أمره مبنيا على الحيلة و الخديعة لإطفاء نائرة الفتن الحادثة من الأشراف و السادة من العلويين في الأطراف فلمّا استقرّ أمره أظهر كيده فالحق ما اختاره الصدوق و المفيد و غيرهما من أجلّة أصحابنا أنّه مضى شهيدا بسم المأمون. المرسية أم ولد، و يقال شقراء النوبية، و تسمّى أروى أم البنين، يكنّى بأبي الحسن، ولد له خمس بنين و ابنة واحدة، أسماء بنيه: محمّد الإمام أبو جعفر الثاني، أبو محمّد الحسن، و جعفر، و إبراهيم، و الحسن و عائشة فقط. لقبه الرضا، و الصابر، و الرضي، و الوفي. و نقلت من عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تصنيف الشيخ عماد الدين أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي جزاه اللّه خيرا عن ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك، و من نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. و عنه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال اللّه تعالى: ما آمن بي من فسّر كلامي برأيه، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني. و عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول في دعائه: سبحان من خلق الخلق بقدرته، و أتقن ما صنع بحكمته، و وضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه، سبحان من يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و ليس كمثله شيء و هو السميع البصير. و عنه (عليه السلام) و قد سئل عن قوله تعالى: وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ فقال: إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يوصف في الشرك كما يوصف خلقه، و لكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر و الضلال منعهم المعاونة و اللطف، و خلّى بينهم و بين اختيارهم. و عنه عن آبائه (عليهم السلام) قال: من زعم أنّ اللّه يجبر عباده على المعاصي أو يكلّفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، و لا تقبلوا شهادته، و لا تصلّوا وراءه، و لا تعطوه من الزكاة شيئا. و عن إبراهيم بن محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول اللّه ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا؟ فقال (عليه السلام): لعن اللّه المحرّفين للكلم عن مواضعه، و اللّه ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذلك إنّما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ اللّه تعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كلّ ليلة في الثلث الأخير و ليلة الجمعة في أوّل الليل، فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بذلك حتّى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السماء، حدّثني بذلك أبي عن جدّي عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ موسى بن عمران لمّا ناجى ربّه عزّ و جلّ قال: يا رب أ بعيد أنت منّي فاناديك أم قريب فاناجيك؟ فأوحى اللّه جلّ جلاله إليه: أنا جليس من ذكرني، فقال موسى: يا رب إنّي أكون في حال أجلّك أن أذكرك فيها، فقال: يا موسى اذكرني على كلّ حال. و سئل (عليه السلام) عن أدنى المعرفة؟ فقال: الإقرار بأنّه لا إله غيره و لا شبه له و لا نظير له و أنّه قديم مثبت موجود غير فقيد، و أنّه ليس كمثله شيء. و عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن التوحيد؟ قال: كلّ من قرأ قل هو اللّه أحد و آمن بها فقد عرف التوحيد، فقلت: كيف يقرأها؟ قال: كما يقرأها الناس، و زاد فيها: كذلك اللّه ربّي كذلك اللّه ربّي. و عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه دخل عليه رجل فقال له: يا بن رسول اللّه ما الدليل على حدوث العالم؟ قال: أنت لم تكن ثمّ كنت، و قد علمت أنّك لم تكوّن نفسك و لا كوّنك من هو مثلك. و عنه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من لم يؤمن بحوضي فلا أورده اللّه حوضي، و من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي، ثمّ قال: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي، فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل، قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا: يا بن رسول اللّه فما معنى قول اللّه عزّ و جلّ: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا س" لِمَنِ" ارْتَضى قال: يعني من ارتضى اللّه دينه. و عن جماعة عنه عن آبائه (عليهم السلام) قال: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أ بقضاء من اللّه و قدره؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أجل يا شيخ، فو اللّه ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من اللّه و قدره، فقال الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، فقال: مهلا يا شيخ لعلّك تظنّ قضاء حتما و قدرا لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر، و لسقط معنى الوعد و الوعيد، و لم يكن على المسيء لائمة و لا للمحسن محمدة، و لكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، و المذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و خصماء الرحمن، و قدرية هذه الامّة و مجوسها، يا شيخ إنّ اللّه عزّ و جلّ كلّف تخييرا و نهى تحذيرا، و أعطى على القليل كثيرا، و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكرها، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النّار. قال: فنهض الشيخ و هو يقول: أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم النشور من الرحمن غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربّك عنّا فيه إحسانا فليس معذرة في فعل فاحشة قد كنت راكبها فسقا و عصيانا لا لا و لا قائلا ناهيه أوقعه فيها عبدت إذا يا قوم شيطانا و لا أحب و لا شاء الفسوق و لا قتل الولي له ظلما و عدوانا إنّي محبّ و قد صحّت عزيمته ذو العرش أعلن ذاك اللّه إعلانا و عنه عن آبائه عن علي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: قال اللّه تعالى: من لم يرض بقضائي و لم يؤمن بقدري فليلتمس إلها غيري. و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في كلّ قضاء اللّه عزّ و جلّ خيرة المؤمنين. قال إبراهيم بن العباس: سمعت الرضا (عليه السلام) و قد سأله رجل: أ يكلّف اللّه العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك، قال: أ فيقدرون على كلّ ما أراده؟ قال: هم أعجز من ذلك. و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، و فضائل، و معاص؛ فأمّا الفرائض فبأمر اللّه، و برضى اللّه، و بفضل اللّه، و بقضاء اللّه و تقديره و مشيّته و علمه، و أمّا الفضائل فليست بأمر اللّه و لكن برضى اللّه و بقضاء اللّه و بقدر اللّه و بمشيئة اللّه و بعلم اللّه و أمّا المعاصي فليست بأمر اللّه و لكن بقدر اللّه و بعلمه ثمّ يعاقب عليها. و عن الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته فقلت: اللّه فوّض الأمر إلى عباده؟ قال: اللّه أعزّ من ذلك، قلت: فأجبرهم على المعاصي؟ قال: اللّه أعدل و أحكم من ذلك، ثمّ قال: قال اللّه عزّ و جلّ: يا بن آدم أنا أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بسيّئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك. و سأله رجل و هو في الطواف أخبرني عن الجواد؟ فقال: إنّ لكلامك وجهين: و لم يطع مكروها اه كأنّ المراد لم يعص و الحال أنّ عاصيه مغلوب بالجبر و لم يطع و الحال أنّه طوعه مكروه للمطيع، و له دامت بركاته بيان آخر في معنى الحديث ذكره في ذيل الحديث في الكافي راجع ج 1 ص 155 ط طهران من ذلك الكتاب. فإن كنت تسأل عن المخلوق فإنّ الجواد هو الذي يؤدّي ما افترض اللّه عليه، و البخيل من بخل بما افترض اللّه عليه، و إن تكن تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى و هو الجواد إن منع؛ إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له، و إن منع ما ليس له. و عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: من قال بالجبر، فلا تعطوه من الزكاة شيئا و لا تقبلوا له شهادة، فإنّ اللّه تبارك و تعالى لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، و لا يحملها فوق طاقتها، و لا تكسب كلّ نفس إلّا عليها، و لا تزر وازرة وزر أخرى. و قال (عليه السلام) و قد ذكر عنده الجبر و التفويض، فقال: أ لا أعطيكم في هذه أصلا لا تختلفون فيه و لا يخاصمكم عليه أحد إلّا كسرتموه؟ قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يطع بإكراه، و لم يعص بغلبة، و لم يهمل العباد في ملكه، و هو المالك لما ملّكهم، و القادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بالطاعة لم يكن اللّه عنها صادّا، و لا منها مانعا، و إن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل، فإن لم يحل و فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيها، ثمّ قال (عليه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه. و قال (عليه السلام): للإمام علامات: يكون أعلم الناس، و أحكم الناس، و أتقى الناس، و أحلم الناس، و أشجع الناس، و أسخى الناس، و أعبد الناس، و يولد مختونا، و يكون مطهّرا، و يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، و لا يكون له ظل، و إذا وقع على الأرض من بطن أمّه وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، و لا يحتلم، و تنام عينه و لا ينام قلبه، و يكون محدّثا، و يستوي عليه درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا يرى له بول و لا غائط، لأنّ اللّه عزّ و جلّ قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، و يكون رائحته أطيب من رائحة المسك، و يكون أولى بالناس منهم بأنفسهم، و أشفق عليهم من آبائهم و أمّهاتهم، و يكون أشدّ الناس تواضعا للّه تعالى، و يكون آخذ الناس بما يأمر به، و أكفّ الناس عمّا ينهى عنه، و يكون دعاؤه مستجابا حتّى أنّه لو دعا على صخرة لانشقّت بنصفين، و يكون سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عنده، و سيفه ذو الفقار عنده، و تكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، و صحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة، و تكون عنده الجامعة و هي صحيفة طولها سبعون ذراعا، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، و يكون عنده الجفر الأكبر و الجفر الأصغر إهاب ما عز و إهاب كبش فيهما جميع العلوم حتّى أرش الخدش و حتّى الجلدة و نصف الجلدة و ثلث الجلدة، و يكون عنده مصحف فاطمة (عليها السلام). و في حديث آخر إنّ الإمام مؤيّد بروح القدس، و بينه و بين اللّه عمود من نور يرى فيه أعمال العباد، و كلّما احتاج إليه للدلالة اطّلع عليه و يبسط له فيعلم، و يقبض عنه فلا يعلم، و الإمام يولد و يلد، و يصحّ و يمرض، و يأكل و يشرب، و يبول و يتغوّط، ينكح و ينام و ينسى، و يسهو، و يفرح و يحزن و يضحك و يبكي، و يحيا و يموت، و يقبر و يزار، و يحشر و يوقف، و يعرض و يسأل، و يثاب و يكرم و يشفع، و دلالته في خصلتين: في العلم و استجابة الدعوة، و كلّما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها فذلك بعهد معهود إليه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) توارثه عن آبائه (عليهم السلام)، و يكون ذلك ممّا عهده إليه جبرئيل عن علّام الغيوب عزّ و جلّ. و عنه (عليه السلام) في أوصاف الإمامة في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أشياء عجيبة و مقاصد غريبة هي لأغراض الصواب مصيبة، و كلّما اشتمل عليه هذا الكتاب أو أكثره نكتب و عيون و منه جملة من أصول الدين ينحدر بتدبّرها لثام الشك عن وجه اليقين و يهتدى بها إلى الحق المبين. و قال أبو الصلت الهروي: حدّثني علي بن موسى الرضا (عليه السلام) و كان و اللّه رضى كما سمّي، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الإيمان قول و عمل، فلمّا خرجنا قال أحمد بن محمّد بن حنبل: ما هذا الإسناد؟ فقال له أبي: هذا سعوط المجانين، إذا سعط به المجنون أفاق. و عن عياش مولى الإمام الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من قال حين يسمع أذان الصبح: اللهمّ إنّي أسألك بإقبال نهارك و إدبار ليلك و حضور صلواتك و أصوات دعائك أن تتوب عليّ، اللهمّ إنّي أسألك بأنّك التوّاب الرحيم، و قال مثل ذلك إذا سمع أذان المغرب ثمّ مات من يومه أو من ليلته كان تائبا. و عنه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرم لذريّتي من بعدي، و القاضي لهم حوائجهم، و الساعي لهم في أمورهم عند اضطرارهم إليه، و المحب لهم بقلبه و لسانه. و في رواية عنه (عليه السلام): و الدافع عنهم بيده. و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لمّا أسري بي إلى السماء رأيت رحما متعلّقة بالعرش تشكو رحما إلى ربّها، فقلت لها: كم بينك و بينها من أب؟ فقالت: نلتقي في أربعين أبا. و قال (عليه السلام): من صام من شعبان يوما واحدا ابتغاء ثواب اللّه دخل الجنّة، و من استغفر اللّه في كلّ يوم من شعبان سبعين مرّة حشر يوم القيامة في زمرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و وجبت له من اللّه الكرامة، و من تصدّق في شعبان بصدقة و لو بشقّ تمرة حرّم اللّه جسده على النّار، و من صام ثلاثة أيّام من شعبان و وصلها بصيام شهر رمضان كتب اللّه له صوم شهرين متتابعين. و قال (عليه السلام): لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، و سنّة من نبيّه، و سنّة من وليّه؛ فالسنّة من ربّه كتمان سرّه، قال اللّه عزّ و جلّ: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ، و أمّا سنّة من نبيّة فمداراة النّاس، فإنّ اللّه عزّ و جلّ أمر نبيّه بمداراة الناس فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، و أمّا السنّة من وليّه فالصبر على البأساء و الضرّاء، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ. و عنه عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): تعلّموا من الغراب خصالا ثلاثا: استتاره بالسفاد، و بكوره في طلب الرزق، و حذره. و عن ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد و يخرج من بطن أمّه فيرى الدنيا، و يوم يموت فيعاين الآخرة بأهلها، و يوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا، و قد سلّم اللّه عزّ و جلّ على يحيى في هذه الثلاثة المواطن، و أمّن روعته، فقال: وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا و قد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. و عنه (عليه السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى: أمر بالصلاة و الزكاة؛ فمن صلّى و لم يزكّ لم تقبل منه صلاته، و أمر بالشكر له و للوالدين؛ فمن لم يشكر والديه لم يشكر اللّه، و أمر باتّقاء اللّه وصلة الرحم؛ فمن لم يصل رحمه لم يتّق اللّه عزّ و جلّ. و قال (عليه السلام): من علامات الفقه الحلم و العلم و الصمت، إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة، إنّ الصمت يكسب المحبّة، إنّه دليل على كلّ خير. و قال (عليه السلام): صديق كلّ امرئ عقله، و عدوّه جهله. و سئل (عليه السلام) أ تكون الأرض و لا إمام فيها؟ فقال: إذا لساخت بأهلها. و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الشيب في مقدم الرأس يمن، و في العارضين سخاء، و في الذوائب شجاعة، و في القفاء شؤم. و قال (عليه السلام): لا يجتمع المال إلّا بخصال خمس: ببخل شديد، و أمل طويل، و حرص غالب، و قطيعة الرحم، و إيثار الدنيا على الآخرة. و قال (عليه السلام): إذا نام العبد و هو ساجد قال اللّه تبارك و تعالى: عبدي قبضت روحه و هو في طاعتي. و عنه عن آبائه (عليهم السلام) أنّه قال: إنّ الدنيا كلّها جهل إلّا مواضع العلم، و العلم كلّه حجّة إلّا ما عمل به، و العمل كلّه رياء إلّا ما كان مخلصا، و الإخلاص على خطر حتّى ينظر العبد بما يختم له. و عنه (عليه السلام) قال: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق، فاستقبله موسى (عليهما السلام)، فقال: يا غلام ممّن المعصية؟ قال: لا تخلو من ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه عزّ و جلّ و ليست منه، فلا ينبغي للكريم أن يعذّب عبده بما لا يكتسبه، و إمّا أن تكون من اللّه عزّ و جلّ و من العبد، فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، و إمّا أن تكون من العبد و هي منه، فإن عاقبه اللّه فبذنبه، و إن عفا عنه فبكرمه و جوده. و عنه (عليه السلام) قال: لا ينبغي للرجل أن يدع الطيب في كلّ يوم، فإن لم يقدر عليه فيوم و يوم لا، فإن لم يقدر ففي كلّ جمعة، و لا يدع ذلك. و سئل (عليه السلام): ما بال المتهجّدين بالليل من أحسن الناس وجها؟ قال: لأنّهم خلوا باللّه فكساهم اللّه من نوره. و عنه (عليه السلام) قال: لا يزال العبد يسرق حتّى إذا استوفى ثمن يده أظهر اللّه عليه. و جاء قوم بخراسان إليه (عليه السلام) فقالوا: إنّ قوما من أهل بيتك يتعاطون أمورا قبيحة فلو نهيتهم عنها، قال: لا أفعل، فقيل: و لم؟ قال: سمعت أبي (عليه السلام) يقول: النصيحة خشنة. و قال (عليه السلام): من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم، ثمّ قال (عليه السلام): إنّ في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن و محكما كمحكم القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا. و قال (عليه السلام): من صام أوّل يوم من رجب رغبة في ثواب اللّه عزّ و جلّ وجبت له الجنّة، و من صام يوما في وسطه شفّع في مثل ربيعة و مضر، و من صام يوما في آخره جعله اللّه عزّ و جلّ من أملاك الجنّة، و شفّعه اللّه في أبيه و أمّه و ابنه و ابنته، و أخيه و أخته و عمّه و عمّته و خاله و خالته، و معارفه و جيرانه، و إن كان فيهم مستوجب للنّار. و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لبعض أصحابه: يا عبد اللّه أحبب في اللّه و ابغض في اللّه، و وال في اللّه و عاد في اللّه، فإنّه لا تنال ولاية اللّه إلّا بذلك. و قال علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه قال: سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: من استغفر اللّه تبارك و تعالى في شعبان سبعين مرّة غفر اللّه له ذنوبه و لو كانت مثل عدد النجوم. و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من أحبّ أن يركب سفينة النجاة و يستمسك بالعروة الوثقى، و يعتصم بحبل اللّه المتين، فليوال عليّا بعدي و ليعاد عدوّه، و ليأتم بالأئمّة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي و أوصيائي، و حجج اللّه على الخلق بعدي، و سادات أمّتي، و قادة الأنبياء إلى الجنّة، حزبهم حزبي و حزبي حزب اللّه، و حزب أعدائهم حزب الشيطان. و عنه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ شهر رمضان شهر عظيم يضاعف اللّه فيه الحسنات، و يمحو اللّه فيه السيّئات، و يرفع فيه الدرجات، من تصدّق في هذا الشهر بصدقة غفر اللّه له، و من أحسن فيه إلى ما ملكت يمينه غفر اللّه له، و من حسن فيه خلقه غفر اللّه له، و من كظم فيه غيظه غفر اللّه له، و من وصل فيه رحمه غفر اللّه له، ثمّ قال (عليه السلام): شهركم هذا ليس كالشهور، إذا أقبل إليكم أقبل بالبركة و الرحمة، و إذا أدبر عنكم أدبر بغفران الذنوب، هذا شهر الحسنات فيه مضاعفة، و أعمال الخير فيه مقبولة، و من صلّى منكم في هذا الشهر للّه عزّ و جلّ ركعتين يتطوّع فيهما غفر اللّه له، ثمّ قال (عليه السلام): إنّ الشقي حقّ الشقي من خرج عنه هذا الشهر و لم تغفر له ذنوبه، و يخسر حين يفوز المحسنون بجوائز الرب الكريم. قلت: فوائد هذا الكتاب كثيرة، و عيون أخباره غزيرة، و حاله يقتضي إثبات كلّ ما فيه، فكلّه فوائد و كلّه صلات و عوايد، و لكن كتابي هذا لا يحتمل الإكثار، و هو مبني على الإيجاز و الاختصار، لأنّ مناقبهم (عليهم السلام) لا يأتي الحصر عليها، و لا تقوم العبارة بتأدية بعضها و الإشارة إليها. و قال ابن بابويه رحمه اللّه تعالى: قيل لأبي جعفر محمّد بن علي بن موسى (عليهم السلام): إنّ قوما من مخالفيكم يزعمون أنّ أباك (عليه السلام) إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه لولاية العهد؟ فقال (عليه السلام) كذبوا و اللّه و فجروا، بل اللّه تبارك و تعالى سمّاه الرضا، لأنّه كان رضى للّه عزّ و جلّ في سمائه، و رضى لرسوله و الأئمّة من بعده صلوات اللّه عليهم في أرضه، قال: فقلت: أ لم يكن كلّ واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضى للّه عزّ و جلّ و لرسوله و الأئمّة من بعده (عليهم السلام)؟ فقال: بلى، قلت: فلم سمّي أبوك من بينهم الرضا؟ قال: لأنّه رضى به المخالفون من أعدائه، كما رضى به الموافقون من أوليائه و لم يكن ذلك لأحد من آبائه (عليهم السلام)، فلذلك سمّي من بينهم الرضا (عليه السلام). و عن سليمان بن جعفر المروزي قال: كان موسى بن جعفر (عليهما السلام) سمّى ولده عليّا (عليه السلام) الرضا فكان يقول: ادعو لي ولدي الرضا، و قلت لولدي الرضا، و قال لي ولدي الرضا، و إذا خاطبه قال: يا أبا الحسن. قلت: الاعتماد على ما قاله الجواد (عليه السلام)، من أنّ المأمون لم يسمّه بذلك ابتداء، فأمّا ما رواه سليمان المروزي فإنّ الكاظم موسى (عليه السلام) يكون قد عرف أنّه يسعى بذلك فسمّاه بما سوف يسمّى به فيما بعد، فيكون ذلك من دلائله (عليه السلام) و من نصوصه فيه (عليه السلام).
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب ذكر وفاة الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) و سببها و طرف من الأخبار في ذلك: