مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. و من تذكرة ابن حمدون قال علي بن موسى بن جعفر (عليه السلام): من رضي من اللّه عزّ و جلّ بالقليل من الرزق رضي اللّه منه بالقليل من العمل. و قال: لا يعدم المرء دائرة السوء مع نكث الصفقة، و لا يعدم تعجيل العقوبة مع إدراع البغي. و قال: الناس ضربان: بالغ لا يكتفي و طالب لا يجد. و كان زيد بن موسى بن جعفر خرج بالبصرة و دعا إلى نفسه و أحرق دورا و عاث ثمّ ظفر به و حمل إلى المأمون، قال زيد: لمّا دخلت إلى المأمون نظر إليّ ثمّ قال: اذهبوا به إلى أخيه أبي الحسن علي بن موسى الرضا، فتركني بين يديه ساعة واقفا، ثمّ قال: يا زيد سوأة لك ما أنت قائل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا سفكت الدماء و أخفت السبيل، و أخذت المال من غير حلّه؟ لعلّه غرّك حديث حمقى أهل الكوفة: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها اللّه و ذريّتها على النّار، إنّ هذا لمن خرج من بطنها و الحسن و الحسين فقط، و اللّه ما نالوا ذلك إلّا بطاعة اللّه فلئن أردت أن تنال بمعصية اللّه ما نالوا بطاعته إنّك إذا لأكرم على اللّه منهم. قلت: ظفر المأمون بزيد و إنفاذه إيّاه إلى أخيه و ظفره قبل هذا بمحمّد بن جعفر و عفوه عنه، و قد خرجا و ادّعيا الخلافة و فعلا ما فعلا من العبث في بلاده، يقوى حجّة من ادّعى أنّ المأمون لم يغدر به (عليه السلام)، و لا ركب منه ما اتّهم به، فإنّ محمّدا و زيدا لا يقاربان الرضا (عليه السلام) في منزلته من اللّه سبحانه و تعالى، و لا من المأمون و لم يكن له ذنب يقارب ذنوبهما، بل لم يكن له ذنب أصلا فما وجه العفو هناك و الفتك هنا و اللّه أعلم. و وقع إليّ حيث انتهيت إلى هنا كتاب الطبرسي «إعلام الورى» و قد كانت لي نسخة فشذّت قال: الباب السابع: في ذكر الإمام المرتضى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) و هو ستّة فصول: الفصل الأوّل في تاريخ مولده و مبلغ سنّه و وقت وفاته (عليه السلام): ولد بالمدينة سنة ثمان و أربعين و مائة من الهجرة، و يقال: إنّه ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة يوم الجمعة سنة ثلاث و خمسين و مائة بعد وفاة أبي عبد اللّه (عليه السلام) بخمس سنين، رواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه، و قيل: يوم الخميس، و أمّه أم ولد يقال لها أم البنين و اسمها نجمة، و يقال سكن النوبية و يقال تكتم. و روى الصولي عن عون بن محمّد قال: سمعت علي بن ميثم قال: اشترت حميدة المصفاة، و هي أم أبي الحسن موسى، و كانت من أشراف العجم جارية مولدة و اسمها تكتم، و كانت من أفضل النساء في عقلها و دينها و إعظامها لمولاتها حميدة حتّى أنّها ما جلست بين يديها منذ ملكتها إجلالا لها، فقالت لابنها موسى: يا بني إنّ تكتم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها، و لست أشك أنّ اللّه سيظهر نسلها إن كان لها نسل، و قد وهبتها لك فاستوص بها خيرا. و ممّا يدلّ على أنّ اسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضا (عليه السلام): ألا إنّ خير الناس نفسا و والدا و رهطا و أجدادا عليّ المعظّم أتتنا به للعلم و الحلم ثامنا إماما يؤدّي حجّة اللّه تكتم و في رواية أخرى عن علي بن ميثم عن أبيه قال: إنّ حميدة أم موسى بن جعفر (عليهما السلام) لمّا اشترت نجمة رأت في المنام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لها: يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى، فإنّه سيلد منها خير أهل الأرض، فوهبتها له، فلمّا ولدت له الرضا سمّاها الطاهرة. و قبض (عليه السلام) في طوس بخراسان في قرية يقال لها سناباذ في آخر صفر و قيل: إنّه توفي (عليه السلام) في شهر رمضان بسبع بقين منه يوم الجمعة من سنة ثلاث و مائتين، و له يومئذ خمس و خمسون سنة، و كانت مدّة إمامته و خلافته لأبيه عشرين سنة، و كانت في أيّام إمامته بقيّة ملك الرشيد، و ملك محمّد الأمين بعده ثلاث سنين و خمسة و عشرين يوما، ثمّ خلع الأمين و أجلس عمّه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة أربعة عشر يوما، ثمّ خرج محمّد ثانية و بويع له و بقي (بعد ذلك) سنة و سبعة أشهر، و قتله طاهر بن الحسين، ثمّ ملك المأمون عبد اللّه بن هارون بعده عشرين سنة، و استشهد (عليه السلام) في أيّام ملكه، و إنّما سمّي الرضا لأنّه كان رضى للّه عزّ و جلّ في سمائه، و رضى لرسوله، و رضى للأئمّة بعده في أرضه، و قيل: لأنّه رضى به المخالف و الموافق. و ذكر في الفصل الثاني النصوص الدالة على إمامته و قد تقدّمت أو بعضها فيما ذكرته من أخباره و كلّها نصوص من أبيه عليه دون أولاده. [خصائصه و مناقبه و أخلاقه ع] ثمّ ذكر في الفصل الثالث في ذكر دلالاته و معجزاته (عليه السلام) قال: و قد نقلت الرواة من العامة و الخاصة كثيرا من دلالاته و آياته في حياته و بعد وفاته. فمنها: ما حدّث به علي بن أحمد بن الوشاء الكوفي قال: خرجت من الكوفة إلى خراسان فقالت لي ابنتي: يا أبة خذ هذه الحلّة فبعها و اشتر لي بثمنها فيروزجا، قال: فأخذتها و شددتها في بعض متاعي، فلمّا قدمت مرو نزلت في بعض الفنادق، فإذا غلمان علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قد جاءوني و قالوا: نريد حلّة نكفن بها بعض غلماننا، فقلت: ما عندي شيء، فمضوا ثمّ عادوا و قالوا: مولانا يقرأ عليك السلام و يقول لك: معك حلة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك، و قالت: اشتر لي بثمنها فيروزجا و هذا ثمنها، فدفعتها إليهم و قلت: و اللّه لأسألنّه عن مسائل، فإن أجابني عنها فهو هو، فكتبتها و غدوت إلى بابه فلم أصل إليه لكثرة ازدحام الناس عليه، فبينما أنا جالس إذ خرج إليّ خادم فقال: يا علي بن أحمد هذه جوابات مسائلك التي معك، فأخذتها فإذا هي جواب مسائلي بعينها. و منها ما رواه الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ بإسناده عن محمّد بن عيسى عن أبي حبيب النباجي قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في المنام و قد وافى النباج و نزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كلّ سنة، و كأنّي مضيت إليه و سلّمت عليه، و وقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني و كأنّه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني فعددته فكان ثماني عشرة تمرة، فتأوّلت أنّي أعيش بعدد كلّ تمرة سنة، فلمّا كان بعد عشرين يوما كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من المدينة و نزوله في ذلك المسجد، و رأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تحته حصير مثل ما كان تحته، و بين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام و استدناني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا هو بعدد ما ناولني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقلت: زدني يا بن رسول اللّه، فقال: لو زادك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لزدناك. و من ذلك ما أورده الحاكم أيضا و رواه بإسناده عن سعيد بن سعد عنه (عليه السلام) أنّه نظر إلى رجل فقال: يا عبد اللّه أوص بما تريد و استعد لما لا بدّ منه، فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيّام. و عن الحسين بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: كنّا حول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و نحن شبّان من بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي و هو رثّ الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض فضحكنا من هيئته، فقال الرضا (عليه السلام): سترونه عن قريب كثير المال، كثير التبع، فما مضى إلّا شهر أو نحوه حتّى ولي المدينة، و حسنت حاله و كان يمرّ بنا و معه الخصيان و الحشم. و بإسناده عن الحسين بن بشار قال: قال لي الرضا (عليه السلام): إنّ عبد اللّه يقتل محمّدا، فقلت: أعبد اللّه بن هارون يقتل محمّد بن هارون؟ قال: نعم، عبد اللّه الذي بخراسان يقتل محمّد بن زبيدة الذي هو ببغداد، فقتله. حدّث أبو أحمد عبد اللّه بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني قال: خرجت إنّها صاحت بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و لأجل ذلك سمّيت بالصيحاني. كذا في النسخ و في المصدر: «سعد بن سعد». قافلة خراسان إلى كرمان فقطع اللصوص عليهم الطريق و أخذوا منهم رجلا اتّهموه بكثرة المال فأقاموه في الثلج و ملأوا فاه منه، فانفسد فمه و لسانه حتّى لم يقدر على الكلام، ثمّ انصرف إلى خراسان و سمع خبر الرضا (عليه السلام) و أنّه بنيسابور، فرأى فيما يرى النائم كأنّ قائلا يقول له: إنّ رسول اللّه ورد خراسان فسله عن علّتك ليعلمك دواء تنتفع به. قال: فرأيت كأنّي قد قصدته و شكوت إليه كما كنت دفعته إليه و أخبرته بعلّتي، فقال لي: خذ من الكمون و السعتر و الملح و دقّه و خذ منه في فمك مرّتين أو ثلاثا فإنّك تعافى. فانتبه الرجل و لم يفكّر في منامه حتّى ورد نيسابور، فقيل له: إنّ الرضا (عليه السلام) ارتحل من نيسابور و هو في رباط سعد، فوقع في نفسه أن يقصده و يصف له أمره، فدخل إليه فقال له: يا بن رسول اللّه كان من أمري كيت و كيت، و قد انفسد عليّ فمي و لساني حتّى لا أقدر على الكلام إلّا بجهد، فعلّمني دواء أنتفع به، فقال (عليه السلام): أ لم أعلّمك فاذهب و استعمل ما و صفته لك في منامك، فقال الرجل: يا بن رسول اللّه إن رأيت أن تعيده عليّ؟ فقال: تأخذ الكمون و السعتر و الملح فدقّه و خذ منه في فمك مرّة أو مرّتين أو ثلاثا فإنّك تعافى، قال الرجل: فاستعملت ما وصفه لي فعوفيت. قال الثعالبي: سمعت الصفواني يقول: رأيت هذا الرجل و سمعت منه هذه الحكاية. و عن حمزة بن جعفر الأرجاني قال: خرج هارون من مسجد الحرام من باب، و خرج الرضا (عليه السلام) من باب، فقال الرضا (عليه السلام) و هو يعني هارون: ما أبعد الدار و أقرب اللقاء! يا طوس يا طوس ستجمعني و إيّاه. و بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: لمّا مضى أبو الحسن موسى (عليه السلام) و تكلّم الرضا (عليه السلام) خفنا عليه من ذلك، و قلنا: إنّك قد أظهرت أمرا عظيما و إنّا نخاف عليك هذا الطاغي؟ قال: ليجهد جهده فلا سبيل له عليّ، قال صفوان: فأخبرنا الثقة أنّ يحيى بن خالد قال للطاغي: هذا عليّ ابنه قد قعد و ادّعى الأمر لنفسه؟ فقال: ما يكفينا ما صنعنا بأبيه من قبل تريد أن نقتلهم جميعا! و بإسناد عن علي بن جعفر عن أبي الحسن الطيب قال: لمّا توفي أبو الحسن موسى (عليه السلام) دخل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) إلى السوق فاشترى كبشا و كلبا و ديكا، فلمّا كتب صاحب الخير بذلك إلى هارون قال: قد أمنّا جانبه. و كتب الزبيري أنّ علي بن موسى قد فتح بابه و دعا إلى نفسه فقال هارون: وا عجبا إنّ علي بن موسى قد اشترى كلبا و كبشا و ديكا و يكتب فيه ما يكتب؟ قال الطبرسي رحمه اللّه: و أسانيد هذه الأحاديث مذكورة في كتاب عيون الأخبار للشيخ أبي جعفر قدّس اللّه روحه. و أمّا ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس و علاماته و العجائب التي شاهدها الخلق فيه، فأذعن الخاص و العام له و أقرّ المخالف و المؤالف به إلى يومنا هذا، فكثير خارج عن حدّ الإحصاء و العد، و لقد برأ فيه الأكمه و الأبرص، و استجيبت الدعوات، و قضيت ببركته الحاجات، كشفت الملمّات، و شهدنا كثيرا من ذلك، و تيقنّاه و علمناه علما لا يتخالج الشك و الريب في معناه، فلو ذهبنا نخوض في إيراد ذلك لخرجنا عن الغرض في هذا الكتاب. و قال: الفصل الرابع في ذكر طرف من خصائصه و مناقبه و أخلاقه الكريمة (عليه السلام): قال إبراهيم بن عباس: ما رأيت الرضا (عليه السلام) سئل عن شيء إلّا علمه، و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته و عصره، و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجب عنه، و كان كلامه كلّه و جوابه و تمثّله انتزاعات من القرآن المجيد، و كان يختمه في كلّ ثلاث، و كان يقول: لو أنّي أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت، لكنّي ما مررت بآية قط إلّا فكّرت فيها و في أيّ شيء أنزلت. و عنه قال: إنّي ما رأيت و لا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و شهدت منه ما لم أشاهد من أحد، و ما رأيته جفا أحدا بكلام قط، و لا رأيته قطع على أحد كلامه حتّى يفرغ منه، و ما ردّ أحدا عن حاجة قدر عليها، و لا مدّ رجليه بين يدي جليس له قط، و لا اتّكأ بين يديه جليس له قط، و لا رأيته يشتم أحدا من مواليه و مماليكه، و لا رأيته تفل قط، و لا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسم، و كان إذا خلا و نصبت الموائد أجلس على مائدته مماليكه و مواليه حتّى البوّاب و السائس، و كان قليل النوم بالليل، كثير الصوم، و لا يفوته صيام ثلاثة أيّام في الشهر، و يقول: إنّ ذلك يعدل صيام الدهر و كان كثير المعروف و الصدقة في السر، و أكثر ذلك منه لا يكون إلّا في الليالي المظلمة، فمن زعم أنّه رأى مثله في فضله فلا تصدّقوه. و عن محمّد بن أبي عباد قال: كان جلوس الرضا (عليه السلام) على حصير في الصيف و على مسح في الشتاء، و لبسه الغليظ من الثياب، حتّى إذا برز للناس تزيّن لهم. و عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، و لا رآه عالم إلّا شهد له بمثل شهادتي، و لقد جمع المأمون في مجالس له عددا من علماء الأديان و فقهاء الشريعة و المتكلّمين فغلبهم عن آخرهم، حتّى ما بقي منهم أحد إلّا أقرّ له بالفضل، و أقرّ على نفسه بالقصور، و لقد سمعته (عليه السلام) يقول: كنت أجلس في الروضة و العلماء بالمدينة متوافرون، فإذا عيي الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم، و بعثوا إلى المسائل فأجيب عنها. قال أبو الصلت: و لقد حدّثني محمّد بن إسحاق بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن أبيه أنّ موسى بن جعفر كان يقول لبنيه: هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمّد فسلوه عن أديانكم، و احفظوا ما يقول لكم، فإنّي سمعت أبي جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول لي: إنّ عالم آل محمّد لفي صلبك و ليتني أدركته فإنّه سميّ أمير المؤمنين. و عن محمّد بن يحيى الفارسي قال: نظر أبو نؤاس إلى الرضا (عليه السلام) ذات يوم و قد خرج من عند المأمون على بغلة له، فدنا منه و سلّم عليه و قال: يا بن رسول اللّه قد قلت فيك أبياتا و أحبّ أن تسمعها منّي، فقال: هات، فأنشأ يقول: مطهّرون نقيّات ثيابهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا من لم يكن علويّا حين تنسبه فما له في قديم الدهر مفتخر فأنتم الملأ الأعلى و عندكم علم الكتاب و ما جاءت به السور فقال الرضا (عليه السلام): قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد، يا غلام هل معك من نفقتنا شيء؟ فقال له: ثلاثمائة دينار، فقال: أعطها إيّاه، ثمّ قال: لعلّه استقلّها يا غلام سق إليه البغلة. و لأبي نؤاس أيضا فيه [حين عوتب على الإمساك عن مديحه فقال]: قيل لي أنت أوحد الناس طرّا في فنون من الكلام النبيه لك من جوهر الكلام بديع يثمر الدر في يدي مجتنيه فعلى ما تركت مدح ابن موسى و الخصال التي تجمّعن فيه؟ قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل خادما لأبيه و قد أورد الطبرسي رحمه اللّه قصة دعبل بن علي على زيادات عمّا ذكرناه فذكرتها عن أبي الصلت الهروي: قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا (عليه السلام) بمرو فقال له: يا بن رسول اللّه إنّي قد قلت فيكم قصيدة و آليت على نفسي أ لا أنشدها أحدا قبلك، فقال الرضا (عليه السلام): هاتها يا دعبل فأنشد: تجاوبن بالارنان و الزفرات نوائح عجم اللفظ و النطقات يخبّرن بالأنفاس عن سرّ أنفس أسارى هوى ماض و آخر آت فأسعدن أو أسعفن حتّى تقوّضت صفوف الدجى بالفجر منهمات على العرصات الخاليات من المها سلام شج صب على العرصات فعهدي بها خضر المعاهد مألفا من العطرات البيض و الخفرات ليالي يعيدين الوصال على القلى و يعدى تدانينا على الغربات لك من جوهر الكلام بديع في المعاني و في الكلام البديه و في المنقول عن الوفيات بدل المصراع الأخير: «لك من جيد القريض مديح... ا ه». الارنان: الصيحة الشديدة و الصوت الحزين عند البكاء. و الزفرات جمع الزفرة: التنفس بعد مد النفس و قيل استيعاب النفس من شدة الغم و الحزن. و قوله: «تجاوبن» أي أجابت كلّ منهنّ الأخرى. و قوله «عجم اللفظ» أي لا يفهم معناه، و الأعجم: الذي لا يفصح و لا يبين كلامه، قال في البحار: و المراد أصوات الطيور و نغماتها. أي يخبرن عن العشاق الماضين و الآتين. الإسعاد: الإعانة قوله فأسعدن اي أعنّ في البكاء و الضمير للنوائح. و قوله: «تقوضت» أي انهدمت و سقطت و تفرّقت. المها جمع المهاوة: البقرة الوحشية، و أصل المهاوة: البلورة شبه البقر بها في حسن العينين. و الشج: الحزين. و رجل صب: أي عاشق مشتاق. قوله خضر المعاهد قال في البحار: أي كنت أعهدها خضرة أماكنها المعهودة و الظاهر أنّه من قبيل ضربي زيدا قائما؛ أو عهدي مبتدأ و بها خبره باعتبار المتعلق و خضرا حال عن المجرور بها، و مألفا أيضا حال منه أو من المعاهد، و من للتعليل متعلق بمألفا. و الخفر- بالتحريك-: شدة الحياء. قوله: ليالي أي أذكر ليالي. و أعداه عليه: أعانه. و القلى: البغض. أي: ينصرن الوصال على الهجران و يعدى تدانينا أي يعدينا تدانينا و قربنا. و إذ هنّ يلحظن العيون سوافرا و يسترن بالأيدي على الوجنات و إذ كلّ يوم لي بلحظى نشوة يبيت بها قلبي على نشوات فكم حسرات هاجها بمحسّر وقوفي يوم الجمع من عرفات أ لم تر للأيّام ما جرّ جورها على الناس من نقص و طول شتات و من دول المستهزئين و من غدا بهم طالبا للنور في الظلمات فكيف و من أنّى بطالب زلفة إلى اللّه بعد الصوم و الصلوات سوى حبّ أبناء النبي و رهطه و بغض بني الزرقاء و العبلات و هند و ما أدّت سميّة و ابنها أولو الكفر في الإسلام و الفجرات هم نقضوا عهد الكتاب و فرضه و محكمه بالزور و الشبهات و لم تك إلّا محنة كشفتهم بدعوى ضلال من هن و هنات تراث بلا قربى و ملك بلا هدى و حكم بلا شورى بغير هدات رزايا أرتنا خضرة الافق حمرة و ردّت أجاجا طعم كلّ فرات و ما سهلت تلك المذاهب فيهم على الناس إلّا بيعة الفلتات و ما قيل أصحاب السقيفة جهرة بدعوى تراث في الضلال بنات و لو قلّدوا الموصى إليه أمورها لزمت بمأمون على العثرات أخي خاتم الرسل المصفّى من القذى و مفترس الأبطال في الغمرات فإن جحدوا كان الغدير شهيده و بدر و أحد شامخ الهضبات و آي من القرآن يتلى بفضله و إيثاره بالقوت في اللزبات و غرّ خلال أدركته بسبقها مناقب كانت فيه مؤتنفات مناقب لم تدرك بخير و لم تنل بشيء سوى حدّ القنا الذريات نجيّ لجبريل الأمين و أنتم عكوف على العزّى معا و منات بكيت لرسم الدار من عرفات و أجريت دمع العين بالعبرات و بان عرا صبري و هاجت صبابتي رسوم ديار قد عفت و عرات مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات لآل رسول اللّه بالخيف من منى و بالبيت و التعريف و الجمرات ديار لعبد اللّه بالخيف من منى و للسيّد الداعي إلى الصلوات ديار علي و الحسين و جعفر و حمزة و السجّاد ذي الثفنات ديار لعبد اللّه و الفضل صنوه نجيّ رسول اللّه في الخلوات و سبطي رسول اللّه و ابني وصيّه و وارث علم اللّه و الحسنات منازل وحي اللّه ينزل بينها على أحمد المذكور في السورات منازل قوم يهتدى بهداهم و تؤمن منهم زلّة العثرات منازل كانت للصلاة و للتقى و للصوم و التطهير و الحسنات منازل لا تيم يحلّ بربعها و لا ابن صهّاك فاتك الحرمات ديار عفاها جور كلّ منابذ و لم تعف للأيّام و السنوات قفا نسأل الدار التي خف أهلها متى عهدها بالصوم و الصلوات و أين الأولى شطت بهم غربة النوى أفانين في الأرض مفترقات هم أهل ميراث النبي إذا اعتروا و هم خير سادات و خير حمات إذا لم نناج اللّه في صلواتنا بأسمائهم لم يقبل الصلوات مطاعيم فى الأقطار في كلّ مشهد لقد شرّفوا بالفضل و البركات و ما الناس إلّا غاصب و مكذّب و مضطغن ذو إحنة و تراث إذا ذكروا قتلى ببدر و خيبر و يوم حنين أسبلوا العبرات فكيف يحبّون النبي و رهطه و هم تركوا أحشاءنا و غرات لقد لا ينوه في المقال و أضمروا قلوبا على الأحقاد منطويات فإن لم تكن إلّا بقربى محمّد فهاشم أولى من هن و هنات سقى اللّه قبرا بالمدينة غيثه فقد حلّ فيه الأمن بالبركات نبي الهدى صلّى عليه مليكه و بلّغ عنّا روحه التحفات و صلّى عليه اللّه ما ذرّ شارق و لاحت نجوم الليل مستدرات أ فاطم لو خلت الحسين مجدّلا و قد مات عطشانا بشطّ فرات إذا للطمت الخدّ فاطم عنده و أجريت دمع العين في الوجنات أ فاطم قومي بابنة الخير فاندبي نجوم سماوات بأرض فلات قبور بكوفان و أخرى بطيبة و أخرى بفخّ نالها صلوات على جهة التأكيد فقلبت النون ألفا في حال الوصل لأنّ هذه النون تقلب ألفا في حال الوقف فحمل الوصل على الوقف. قد مرّ معنى الشعر قبل ذلك. مطاعيم جمع المطعام أي كثير الطعام. اضطغنوا: انطووا على الأحقاد و قابلوا الحقد بمثله. و الإحنة: الحقد، و تراث جمع تره كعدة عدات و أصله من الوتر: الانتقام. أسبل الدمع: أرسله. الوغرة: شدة توقد الحر. ذر الشمس: طلعت. و الشارق: الشمس. الفخ: واد بمكة و أشار بقوله «و أخرى بفخ» إلى القتلى بفخ و هو أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإنّه خرج في سنة 169 و دعى الناس إلى نفسه و بايعه جماعة من العلويين بالخلافة بالمدينة، و خرج إلى مكة فلمّا وصل إلى فخ لقيته جيوش بني العباس و عليهم العباس بن محمّد و أخرى بأرض الجوزجان محلّها و قبر بباخمرا لدى الغربات و قبر ببغداد لنفس زكيّة تضمّنها الرحمن في الغرفات و قبر بطوس يا لها من مصيبة ألحّت على الأحشاء بالزفرات إلى الحشر حتّى يبعث اللّه قائما يفرّج عنّا الغمّ و الكربات عليّ بن موسى أرشد اللّه أمره و صلّى عليه أفضل الصلوات فأمّا الممضّات التي لست بالغا مبالغها منّي بكنه صفات قبور ببطن النهر من جنب كربلا معرّسهم منها بشطّ فرات توفّوا عطاشا بالفرات فليتني توفّيت فيهم قبل حين وفاتي إلى اللّه أشكو لوعة عند ذكرهم سقتني بكأس الذلّ و القصعات أخاف بأن أزدادهم فتشوقني مصارعهم بالجزع و النخلات بن علي بن عبد اللّه بن عباس و غيره فالتقوا يوم التروية سنة 169 فبذلوا الأمان له، فقال: الأمان أريد، فقتلوه و حملوا رأسه إلى الهادي العباسي و قتلوا جماعة من عسكره و أهل بيته فبقي قتلاهم ثلاثة أيّام حتّى أكلهم السباع و لهذا يقال: لم تكن مصيبة بعد كربلا أشد و أفجع من فخ و رثي أصحاب فخ جماعة من الشعراء ذكر بعضها ياقوت في المعجم. الجوزجان: اسم كورة واسعة من كور بلخ بخراسان و هي بين مروالرود و بلخ و قوله «و أخرى بأرض الجوزجان» إشارة إلى قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) و كان ذلك في سنة 125 في خلافة وليد بن يزيد بن عبد الملك و ذكر قصة خروجه و قتله الطبري في تاريخه ج 5 ص 537 فراجع. و باخمرا: موضع بين الكوفة و واسط و قيل بين باخمرا و كوفة سبعة عشر فرسخا. و قوله «و قبر بباخمرا» عنى به قبر إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قتل في سنة 145 في خلافة المنصور في وقعة كانت بينه و بين أصحاب المنصور بباخمرا فقتل إبراهيم و دفن هناك و قبره الآن معروف به يزار. و في هامش بعض النسخ بعد هذا البيت هكذا: «لمّا وصل إلى قوله: و قبر ببغداد لنفس زكيّة، قال له (عليه السلام): أ فلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بها تمام قصيدتك؟ فقلت: بلى يا بن رسول اللّه، فقال: و قبر بطوس و الذي يليه...» و الظاهر أنّه سقط عن آخر الأبيات قبل قوله فيما يأتي «فقال دعبل: لمن هذا القبر بطوس؟... الخ» كما في إعلام الورى. الممضات من قولهم: أمضه الجرح أي أوجعه، و الممض: وجع المصيبة. التعريس: النزول آخر الليل. قال في البحار: و موضع معرس هنا يحتمل المصدر و الحاصل أنّ قبورهم قريبة من الفرات بحيث إذا لم ينزل المسافر بقربها يذهب اليوم إلى الفرات فهو نصف منزل، و الغرض تعظيم جورهم و شناعته بأنّهم ماتوا عطشا مع كونهم بجنب النهر الصغير و بقرب النهر الكبير. الجزع- بالكسر-: منعطف الوادي و وسطه أي أخاف من زيارتهم أن يهيج حزني عند رؤية مصارعهم تقسّمهم ريب المنون فما ترى لهم عقرة مغشيّة الحجرات خلا أنّ منهم بالمدينة عصبة مدينين إنضاء من اللزبات قليلة زوّار سوى أن زوّرا من الضبع و العقبان و الرخمات لهم كلّ يوم تربة بمضاجع ثوت في نواحي الأرض مفترقات تنكّب لاواء السنين جوارهم و لا تصطليهم جمرة الجمرات و قد كان منهم بالحجاز و أرضها مغاوير نحّارون في الأزمات حمى لم تزره المذنبات و أوجه تضيء لدى الأستار و الظلمات إذا وردوا خيلا بسمر من القنا مساعير حرب أقحموا الغمرات فإن فخروا يوما أتوا بمحمّد و جبريل و الفرقان و السورات و عدّوا عليّا ذا المناقب و العلى و فاطمة الزهراء خير بنات و حمزة و العباس ذا الهدي و التقى و جعفرها الطيّار في الحجبات أولئك لا منتوج هند و حزبها سميّة من نوكى و من قذرات ستسأل تيم عنهم و عديّها و بيعتهم من أفجر الفجرات هم منعوا الآباء عن أخذ حقهم و هم تركوا الأبناء رهن شتات و هم عدلوها عن وصيّ محمّد فبيعتهم جاءت على الغدرات وليّهم صنو النبي محمّد أبو الحسن الفرّاج للغمرات ملامك في آل النبي فإنّهم أحبّاي ما داموا و أهل ثقاتي الواقعة بين الوادي و أشجار النخل. و في بعض النسخ: «النحلات» بالحاء المهملة أي فتشدني رؤية مصارعهم إلى الجزع و النحول و هو بعيد (بحار الأنوار). العقر- بالضم و الفتح-: محلة القوم و وسط الدار أي ليس لهم دار و ساحة يأتي الناس حجراتها. انضاء جمع النضوء: المهزول. و اللزبة: الشدة. العقبان جمع العقاب و الرخمان جمع الرخم: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة. التنكيب: العدول. و اللأواء: الشدة. رجل مغوار: مقاتل كثير الغارات و الجمع: مغاوير. و الأزمة الشدة. الحمى: ما حمى من شيء. السمرة: بين البياض و السواد. و القنا جمع القناة: الرمح. و رجل مسعر حرب- بكسر الميم-: أي تحمى به الحرب. و أقحموا أي أدخلوا أنفسهم. و الغمرة: الشدة. نوكى جمع الأنوك: الأحمق. تحيّزتهم رشدا لنفسي و إنّهم على كلّ حال خيرة الخيرات نبذت إليهم بالمودّة صادقا و سلّمت نفسي طائعا لولاتي فيا ربّ زدني في هواي بصيرة و زد حبّهم يا ربّ في حسناتي سأبكيهم ما حجّ للّه راكب و ما ناح قمريّ على الشجرات و إنّي لمولاهم و قال عدوّهم و إنّي لمحزون بطول حياتي بنفسي أنتم من كهول و فتية لفك عناة أو لحمل ديات و للخيل لمّا قيّد الموت خطوها فأطلقتهم منهنّ بالذربات أحبّ قصي الرحم من أجل حبّكم و أهجر فيكم زوجتي و بناتي و أكتم حبيكم مخافة كاشح عنيد لأهل الحق غير موات فيا عين أبكيهم وجودي بعبرة فقد آن للتسكاب و الهملات لقد خفت في الدنيا و أيّام سعيها و إنّي لأرجو الأمن عند وفاتي أ لم تر أنّي مذ ثلاثين حجّة أروح و أغدو دائم الحسرات أرى فيئهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفرات و كيف أداوي من جوى بي و الجوى أميّة أهل الكفر و اللعنات و آل زياد في الحرير مصونة و آل رسول اللّه منهتكات سأبكيهم ما ذرّ في الافق شارقا و نادى منادى الخير بالصلوات و ما طلعت شمس و حان غروبها و بالليل أبكيهم و بالغدوات ديار رسول اللّه أصبحن بلقعا و آل زياد تسكن الحجرات و آل رسول اللّه تدمى نحورهم و آل زياد ربّة الحجلات و آل رسول اللّه تسبى حريمهم و آل زياد آمنوا السربات و آل زياد في القصور مصونة و آل رسول اللّه في الفلوات إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم أكفّا عن الأوتار منقبضات فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطّع نفسي أثرهم حسرات خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم اللّه و البركات يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النعماء و النقمات فيا نفس طيبي ثمّ يا نفس فابشرى فغير بعيد كلّما هو آت و لا تجزعي من مدّة الجور إنّني أرى قوّتي قد آذنت بثبات فإن قرب الرحمن من تلك مدّتي و أخّر من عمري و وقت وفاتي شفيت و لم أترك لنفسي غصّة و روّيت منهم منصلي و قناتي فإنّي من الرحمن أرجو بحبّهم …
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب مولد الرضا (عليه السلام) من كتاب عيون أخباره