حياة لدى الفردوس غير تبات عسى اللّه أن يرتاح للخلق أنّه إلى كلّ قوم دائم اللحظات فإن قلت عرفا أنكروه بمنكر و غطّوا على التحقيق بالشبهات تقاصر نفسي دائما عن جدالهم كفاني ما ألقى من العبرات أحاول نقل الصم عن مستقرّها و أسماء أحجار من الصلدات فحسبي منهم أن أبوء بغصة تردّد في صدري و في لهواتي فمن عارف لم ينتفع و معاند تميل به الأهواء للشهوات كأنّك بالأضلاع قد ضاق ذرعها لمّا حملت من شدّة الزفرات فقال دعبل: يا بن رسول اللّه لمن هذا لقبر بطوس؟ فقال (عليه السلام): قبري، و لا تنقضي الأيّام و السنون حتّى تصير طوس مختلف شيعتي، فمن زارني في غربتي كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له، و نهض الرضا (عليه السلام) و قال: لا تبرح، و أنفذ إليه صرّة فيها مائة دينار، فردّها و قال: ما لهذا جئت، و طلب شيئا من ثيابه، فأعطاه جبّة من خز و الصرّة، و قال للخادم: قل له: خذها فإنّك ستحتاج إليها و لا تعاودني، فأخذها و سار من مرو في قافلة فوقع عليهم اللصوص و أخذوهم و جعلوا يقسمون ما أخذوا من أموالهم، فتمثّل رجل منهم بقوله: «أرى فيئهم في غيرهم متقسّما»، البيت، فقال دعبل: لمن هذا البيت؟ فقال: لرجل من خزاعة يقال له دعبل، فقال: أنا دعبل قائل هذه القصيدة، فحلّوا كتافه و كتاف جميع من في القافلة و ردّوا إليهم جميع ما أخذ منهم. و سار دعبل حتّى وصل إلى قم، فأنشدهم القصيدة، فوصلوه بمال كثير و سألوه أن يبيع الجبّة منهم بألف دينار، فأبى و سار عن قم، فلحقه قوم من أحداثهم و أخذوا الجبّة منه فرجع و سألهم ردّها فقالوا: لا سبيل إلى ذلك، فخذ ثمنها ألف دينار، فقال: على أن تدفعوا إليّ شيئا منها، فأعطوه بعضها و ألف دينار، و عاد إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما في منزله، فباع المائة دينار التي وصله بها الرضا (عليه السلام) من الشيعة كلّ دينار بمائة درهم، و تذكّر قول الرضا (عليه السلام): إنّك ستحتاج إليها. و عن أبي الصلت الهروي قال: سمعت دعبلا قال: لمّا أنشدت مولانا الرضا (عليه السلام) القصيدة و انتهيت إلى قولي: خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم اللّه بالبركات يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النعماء و النقمات بكى الرضا (عليه السلام) بكاء شديدا ثمّ رفع رأسه إليّ و قال: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم؟ قلت: لا، إلّا أنّي سمعت يا مولاي بخروج إمام منكم يملأ الأرض عدلا، فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمّد ابني، و من بعد محمّد ابنه علي، و بعد علي ابنه الحسن، و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره و لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. و عن إبراهيم بن العباس قال: كان الرضا (عليه السلام) ينشد كثيرا: إذا كنت في خير فلا تغترر به و لكن قل اللهمّ سلّم و تمّم و عن الريان بن الصلت قال: أنشدني الرضا (عليه السلام) لعبد المطّلب: يعيب الناس كلّهم الزمانا و ما لزماننا عيب سوانا نعيب زماننا و العيب فينا و لو نطق الزمان بنا هجانا و ليس الذئب يأكل لحم ذئب و يأكل بعضنا بعضا عيانا و شكى رجل في مجلسه رجلا فأنشأ (عليه السلام) يقول: أعذر أخاك على ذنوبه و استر و غط على عيوبه و اصبر على بهت السفيه و للزمان على خطوبه ودع الجواب تفضّلا و كل الظلوم إلى حسيبه و قد سبق ذكرها. و عن أبي الصلت الهروي قال: كان الرضا (عليه السلام) يكلّم الناس بلغاتهم و كان و اللّه أفصح الناس و أعلمهم بكلّ لسان و لغة، فقلت له يوما: يا بن رسول اللّه إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها؟ فقال: يا أبا الصلت أنا حجّة اللّه على خلقه، و ما كان اللّه ليتّخذ حجّة على قوم و هو لا يعرف لغاتهم أو ما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أوتينا فصل الخطاب و هل فصل الخطاب إلّا معرفة اللغات. و عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال له رجل من خراسان: يا بن رسول اللّه رأيت رسول اللّه (عليه السلام) في المنام كأنّه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بعضي و استحفظتم وديعتي، و غيّب في ثراكم نجمي. فقال له الرضا: أنا المدفون في أرضكم، و أنا بضعة من نبيّكم، و أنا الوديعة و النجم، ألا فمن زارني و هو يعرف ما أوجب اللّه تعالى من حقّي و طاعتي فأنا و آبائي شفعاؤه يوم القيامة، و من كنّا شفعاؤه نجى، و لو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن و الإنس، و لقد حدّثني أبي عن جدّي عن أبيه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من رآني في منامه فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي، و لا في صورة أحد من أوصيائي، و لا في صورة أحد من شيعتهم و إنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوّة. و أمّا ما روي عنه (عليه السلام) من فنون العلم و أنواع الحكم و الأخبار المجموعة و المنثورة و المجالس مع أهل الملل و المناظرات المشهورة فأكثر من أن تحصى. و قال: الفصل الخامس في ذكر نبذ من أخباره (عليه السلام) مع المأمون، ثمّ ذكر ما قدّمناه من أمر العقد له بولاية العهد على ما أوردناه، و حديث خروجه (عليه السلام) إلى صلاة العيد، و ما جرى فيه و عوده إلى داره دون إتمامها، و قد سبق ذكر حديث كتاب الحسن إلى أخيه الفضل و التحويل و دخول الحمام و قتل الفضل. الفصل السادس في ذكر وفاته (عليه السلام)، أورد في هذا الفصل ما قدّمناه من الأسباب التي كان المأمون يأخذها عليه، كما أورده الشيخ المفيد رحمه اللّه حذو النعل بالنعل، و قال: إنّ الرضا (عليه السلام) لمّا دخل إلى داره حين خرج من عند المأمون مغطّى الرأس فلم أكلّمه و كان قد أوصاني قبل ذلك أن يحفروا له في الموضع الذي عيّنه و أن يشقّ له ضريح فإن أبوا إلّا اللحد فأمرهم أن يجعلوه ذراعين و شبرا، فإنّ اللّه سيوسّعه ما شاء و سترى نداوة، فتكلّم بما أعلّمك به فإنّ الماء ينبع حتّى يملأ اللحد و ترى فيه حيتانا صغارا، ففتّ لها الخبز الذي أعطيك فإنّها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شيء خرجت حوتة كبيرة فالتقمت تلك الحيتان الصغار، حتّى لا يبقى منها شيء فإذا غابت فضع يدك على فيك و تكلّم بالكلام الذي علّمتك فإنّه ينضب الماء فلا يبقى منه شيء و لا تفعل ذلك إلّا بحضرة المأمون. ثمّ قال: غدا أدخل إليه فإن خرجت مكشوف الرأس فتكلّم و إن خرجت مغطّى الرأس فلا تكلّمني فلم أتكلّم حتّى دخل الدار، و أمر أن يغلّق الباب، ثمّ نام على فراشه، فبينا أنا كذلك إذ دخل شاب حسن الوجه قطط الشعر أشبه الناس بالرضا، فبادرت إليه و قلت: من أين دخلت و الباب مغلق؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار و الباب مغلق، فقلت: و من أنت؟ قال: أنا حجّة اللّه عليك يا أبا الصلت، أنا محمّد بن علي، ثمّ مضى نحو أبيه (عليهما السلام) فدخل و أمرني بالدخول معه، فلمّا نظر إليه الرضا (عليه السلام) و ثب إليه و عانقه و ضمّه إلى صدره و قبّل ما بين عينيه، ثمّ سحبه سحبا على فراشه، و أكبّ عليه محمّد يقبّله و يسارّه بشيء لم أفهمه، فرأيت على شفتي الرضا (عليه السلام) زبدا أشدّ بياضا من الثلج، فرأيت أبا جعفر يلحسه بلسانه ثمّ أدخل يده في ثوبيه و صدره فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر و مضى الرضا (عليه السلام). فقال أبو جعفر: قم يا أبا الصلت و ائتني بالغسل و الماء من الخزانة، فقلت: ما في الخزانة مغسل و لا ماء، فقال: انته إلى ما أمرتك، فدخلت إلى الخزانة فوجدت ذلك فأخرجته و شمّرت ثيابي لأغسله معه فقال: يا أبا الصلت إنّ معي من يعينني غيرك، فغسّله ثمّ قال لي: أخرج إلى الخزانة السفط الذي فيه كفنه و حنوطه، فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط، فحملته إليه و كفّنه و صلّى عليه. ثمّ قال: ائتني بالتابوت، فقلت له: امضي إلى النجّار حتّى يصلح تابوتا، قال: قم فإنّ في الخزانة تابوتا، فدخلت فوجدته فأتيته به، فأخذه (عليه السلام) فوضعه في التابوت بعد ما صلّى عليه، و صفّ قدميه و صلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتّى ارتفع التابوت، فانشقّ السقف فخرج منه و مضى، فقلت: يا بن رسول اللّه الساعة يجيئنا المأمون و يطالبنا بالرضا فما نصنع؟ فقال لي: اسكت فإنّه سيعود، يا أبا الصلت ما من نبي يموت في المشرق و يموت وصيّه في المغرب إلّا جمع اللّه بين أرواحهما و أجسادهم، فما أتمّ الحديث حتّى انشقّ السقف و نزل التابوت، فقام (عليه السلام) و استخرج الرضا (عليه السلام) من التابوت و وضعه على فراشه كأنّه لم يغسل و لم يكفن. ثمّ قال: قم يا أبا الصلت فافتح الباب للمأمون، ففتحت الباب فإذا المأمون و الغلمان بالباب، فدخل باكيا حزينا قد شقّ جيبه و لطم رأسه و هو يقول: يا سيّداه فجعت بك يا سيّدي، ثمّ دخل و جلس عند رأسه و قال: خذوا في تجهيزه، فأمر أن يحفر له في القبلة، فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي، و أن أشقّ له ضريحه، فقال: انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح و لكن يحفر له و يلحد، فلمّا رأى ما ظهر من النداوة و الحيتان و غير ذلك قال: لم يزل الرضا يرينا العجائب في حياته حتّى أراناها بعد وفاته، فقال له قرين كان معه: أ تدري ما أخبرك به الرضا (عليه السلام): قال لا، قال: أخبركم أنّ ملككم بني العباس مع كثرتكم و طول مدّتكم مثل هذه الحيتان، حتّى إذا فنيت آجالكم، و انقطعت آثاركم و ذهبت دولتكم، سلّط اللّه تعالى عليكم رجلا منّا فأفناكم عن آخركم، قال له: صدقت. قلت: ما أعجب هذا التأويل و لو جعل ذلك دليلا على ما جرى من زوال ملكهم كان أغرب. ثمّ قال: يا أبا الصلت علّمني الكلام الذي تكلّمت به، قلت: و اللّه لقد أنسيته من ساعتي و قد كنت صدقت، فأمر بحبسي و ضاق عليّ الحبس و سألت اللّه أن يفرّج عنّي بحقّ محمّد و آله، فلم أستتمّ الدعاء حتّى دخل عليّ محمّد بن علي (عليهما السلام)، و قال لي: ضاق صدرك يا أبا الصلت؟ فقلت: إي و اللّه، قال: فقم و اخرج، ثمّ ضرب بيده إلى القيود التي كانت عليّ، ففكّها و اخذ بيدي و أخرجني من الدار و الحرسة و الغلمة يرونني فلم يستطيعوا أن يكلّموني و خرجت من باب الدار، ثمّ قال: امض في ودائع اللّه فإنّك لن تصل إليه و لا يصل إليك أبدا، قال أبو الصلت: فلم ألتق بالمأمون حتّى هذا الوقت. و روي عن إبراهيم بن العباس قال: كانت البيعة للرضا (عليه السلام) لخمس خلون من شهر رمضان سنة إحدى و مائتين، و زوجة ابنته أم حبيب في أوّل سنة اثنتين و مائتين، و توفي سنة ثلاث و مائتين، و المأمون متوجّه إلى العراق. و في رواية هرثمة بن أعين عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل أنّه قال: يا هرثمة هذا أوان رحيلي إلى اللّه عزّ و جلّ و لحوقي بجدّي و آبائي (عليهم السلام) و قد بلغ الكتاب أجله، فقد عزم هذا الطاغي على سمّي في عنب و رمّان مفتوت مفروك، فأمّا العنب فإنّه يغمس السلك في السم و يجذبه بالخيط في العنب، و أمّا الرمّان فيطرح السم في كفّ بعض غلمانه، و يفرك الرمان به ليلطخ الحب بذلك السم، و أنّه سيدعوني في اليوم المقبل و يقرب إليّ الرمان و العنب، و يسألني أن آكلهما فآكلهما ثمّ ينفذ الحكم، ثمّ ساق الحديث بطوله قريبا من حديث أبي الصلت الهروي في معناه و يزيد عليه بأشياء. و كان للرضا (عليه السلام) من الولد ابنه أبو جعفر محمّد بن علي الجواد لا غير، و لمّا توفي الرضا (عليه السلام) أنفذ المأمون إلى محمّد بن جعفر الصادق (عليه السلام) و جماعة آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلمّا حضروه نعاه إليهم و أظهر حزنا شديدا و توجّعا و أراهم إيّاه صحيح الجسد، و قال: يا أخي يعزّ عليّ بأن أراك بهذه الحال، و قد كنت آمل أن أقدم قبلك، و لكن أبى اللّه إلّا ما أراد (آخر ما أورده الطبرسي و قد تقدّم مثل هذا). [العهد الذي كتبه المأمون] قال الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه عليّ بن عيسى أثابه اللّه: و في سنة سبعين و ستمائة وصل من مشهده الشريف (عليه السلام) أحد قوامه، و معه العهد الذي كتبه المأمون بخط يده و بين سطوره، و في ظهره بخط الإمام (عليه السلام) ما هو مسطور، فقبّلت مواقع أقلامه و سرّحت طرفي في رياض كلامه، و عددت الوقوف عليه من منن اللّه و إنعامه، و نقلته حرفا فحرفا. و ما هو بخط المأمون: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عبد اللّه بن هارون الرشيد أمير المؤمنين لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده، أمّا بعد؛ فإنّ اللّه عزّ و جلّ اصطفى الإسلام دينا، و اصطفى له من عباده رسلا دالّين عليه، و هادين إليه، يبشّر أوّلهم بآخرهم، و يصدّق تاليهم ماضيهم حتّى انتهت نبوّة اللّه إلى آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على فترة من الرسل، و دروس من العلم، و انقطاع من الوحي، و اقتراب من الساعة، فختم اللّه به النبيين و جعله شاهدا لهم و مهيمنا عليهم، و أنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد بما أحلّ و حرّم، و وعد و أوعد، و حذّر و أنذر و أمر به و نهى عنه، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة، و إنّ اللّه لسميع عليم، فبلّغ عن اللّه رسالته، و دعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي أحسن، ثمّ بالجهاد و الغلظة، حتّى قبضه اللّه إليه و اختار له ما عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فلمّا انقضت النبوّة و ختم اللّه بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الوحي و الرسالة جعل قوام الدين و نظام أمر المسلمين بالخلافة، و إتمامها و عزّها و القيام بحقّ اللّه فيها بالطاعة التي بها يقام فرائض اللّه و حدوده و شرائع الإسلام و سننه، و يجاهد بها عدوّه، فعلى خلفاء اللّه طاعته فيما استحفظهم و استرعاهم من دينه و عباده، و على المسلمين طاعة خلفائهم و معاونتهم على إقامة حقّ اللّه و عدله، و أمن السبيل و حقن الدماء و صلاح ذات البين و جمع الالفة، و في خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين و اختلالهم و اختلاف ملّتهم و قهر دينهم و استعلاء عدوّهم و تفرّق الكلمة و خسران الدنيا و الآخرة، فحقّ على من استخلفه اللّه في أرضه و ائتمنه على خلقه أن يجهد للّه نفسه و يؤثر ما فيه رضا اللّه و طاعته، و يعتد لما اللّه مواقفه عليه و مسائله عنه، و يحكم بالحق و يعمل بالعدل فيما حمله اللّه و قلّده، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول لنبيّه داود (عليه السلام): يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ و قال اللّه عزّ و جلّ: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ، و بلغنا أنّ عمر بن الخطّاب قال: لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني اللّه عنها، و أيم اللّه إنّ المسئول عن خاصّة نفسه، الموقوف على عمله فيما بينه و بين اللّه ليتعرّض على أمر كبير و على خطر عظيم، فكيف بالمسئول عن رعاية الامّة، و باللّه الثقة و إليه المفزع في التوفيق و العصمة، و التشديد و الهداية، إلى ما فيه ثبوت الحجّة و الفوز من اللّه بالرضوان و الرحمة. و أنظر الامّة لنفسه و أنصحهم للّه في دينه و عباده من خلايقه في أرضه من عمل بطاعة اللّه و كتابه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مدّة أيّامه و بعدها، و أجهد رأيه و نظره فيمن يولّيه عهده و يختاره لإمامة المسلمين و رعايتهم بعده، و ينصبه علما لهم و مفزعا في جميع ألفتهم و لمّ شعثهم، و حقن دمائهم و الأمن بإن اللّه من فرقتهم، و فساد ذات بينهم و اختلافهم، و رفع نزغ الشيطان و كيده عنهم، فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام و كماله، و عزّه و صلاح أهله، و ألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، و شملت فيه العافية، و نقض اللّه بذلك مكر أهل الشقاق و العداوة، و السعي في الفرقة و التربّص لفتنة. و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها و ثقل محملها و شدّة مئونتها، و ما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة اللّه و مراقبته فيما حمله منها، فانصبّ بدنه و أشهر عينه و أطال فكره فيما فيه عزّ الدين و قمع المشركين و صلاح الامّة، و نشر العدل و إقامة الكتاب و السنّة، و منعه ذلك من الخفض و الدعة و مهنّأ العيش علما بما اللّه سائله عنه، و محبّة أن يلقى اللّه مناصحا له في دينه و عباده، و مختارا لولاية عهده و رعاية الامّة من بعده أفضل من يقدر عليه في ورعه و دينه و علمه، و أرجاهم للقيام في أمر اللّه و حقّه، و مناجيا للّه تعالى بالاستخارة في ذلك و مسألته الهامة ما فيه رضاه و طاعته في آناء ليله و نهاره، معملا في طلبه و التماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه بن العباس و علي بن أبي طالب فكره و نظره مقتصرا لمن علم حاله و مذهبه منهم على علمه، و بالغا في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده و طاقته. حتّى استقصى أمورهم معرفة، و ابتلى أخبارهم مشاهدة، و استبرأ أحوالهم معاينة، و كشف ما عندهم مسائلة فكانت خيرته بعد استخارته للّه و إجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده و بلاده في البيتين جميعا علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لمّا رأى من فضله البارع، و علمه الناصع، و ورعه الظاهر، و زهده الخالص و تخليه من الدنيا، و تسلّمه من الناس، و قد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، و الألسن عليه متفقة، و الكلمة فيه جامعة، و لمّا لم يزل يعرفه من الفضل نافعا، و ناشئا و حدثا و مكتهلا، فعقد له بالعهد و الخلافة من بعده، واثقا بخيرة اللّه في ذلك إذ علم اللّه أنّه فعله إيثارا له و للدين و نظرا للإسلام و المسلمين، و طلبا للسلامة و ثبات الحق و النجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين. و دعا أمير المؤمنين ولده و أهل بيته و خاصّته و قوّاده و خدمه فبايعوا مسرعين مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللّه على الهوى في ولده و غيرهم، ممّن هو أشبك منه رحما، و أقرب قرابة و سمّاه الرضا إذ كان رضا عند أمير المؤمنين، فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين و من بالمدينة المحروسة من قوّاده و جنده، و عامّة المسلمين لأمير المؤمنين، و للرضا من بعده [كتب بقلمه الشريف بعد قوله: و للرضا من بعده، بل آل من بعده] علي بن موسى على اسم اللّه و بركته و حسن قضائه لدينه و عباده بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، و آثر طاعة اللّه و النظر لنفسه و لكم فيها، شاكرين للّه على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقّه في رعايتكم و حرصه على رشدكم و صلاحكم راجين عايدة ذلك في جمع ألفتكم، و حقن دماءكم، و لمّ شعثكم، و سدّ ثغوركم، و قوّة دينكم، و رغم عدوّكم، و استقامة أموركم، و سارعوا إلى طاعة اللّه و طاعة أمير المؤمنين فإنّه الأمن إن سارعتم إليه و حمدتم اللّه عليه، عرفتم الخط فيه إن شاء اللّه و كتب بيده يوم الإثنين بسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى و مائتين. صورة ما كان على ظهر العهد بخط الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الفعّال لما يشاء لا معقّب لحكمه و لا رادّ لقضائه يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و صلاته على نبيّه محمّد خاتم النبيّين و آله الطيّبين الطاهرين. أقول و أنا علي بن موسى الرضا بن جعفر: إنّ أمير المؤمنين عضده اللّه بالسداد و وفّقه للرشاد، عرف من حقّنا ما جهله غيره، فوصل أرحاما قطعت، و أمن نفوسا فزعت، بل أحياها و قد تلفت، و أغناها إذ افتقرت، مبتغيا رضا ربّ العالمين، لا يريد جزاء من غيره، و سيجزي اللّه الشاكرين، و لا يضيع أجر المحسنين، و أنّه جعل إليّ عهده و الإمرة الكبرى إن بقيت بعده، فمن حلّ عقدة أمر اللّه بشدّها، و فصم عروة أحبّ اللّه إيثاقها فقد أباح حريمه، و أحلّ محرّمه، إذ كان بذلك زاريا على الإمام منتهكا حرمة الإسلام بذلك جرى السالف، فصبر عنه على الفلتات، و لم يعترض بعدها على الغرمات، خوفا من شتات الدين و اضطراب حبل المسلمين، و لقرب أمر الجاهليّة، و رصد فرصة تنتهز، و بائقة تبتدر، و قد جعلت اللّه على نفسي أن استرعاني أمر المسلمين و قلّدني خلافته العمل فيهم عامة و في بني العباس بن عبد المطّلب خاصة بطاعته و طاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أن لا أسفك دما حراما، و لا أبيح فرجا و لا مالا إلّا ما سفكته حدود اللّه، و أباحته فرائضه، و أن أتخيّر الكفاة جهدي و طاقتي، و جعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكّدا يسألني اللّه عنه، فإنّه عزّ و جلّ يقول: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا و إن أحدثت أو غيّرت أو بدّلت كنت للغير مستحقّا، و للنكال متعرّضا و أعوذ باللّه من سخطه و إليه أرغب في التوفيق لطاعته، و الحول بيني و بين معصيته في عافية لي و للمسلمين. و الجامعة و الجفر يدلّا على ضد ذلك و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم، إن الحكم إلّا للّه يقضي بالحق و هو خير الفاصلين، لكنّي امتثلت أمر أمير المؤمنين و آثرت رضاه، و اللّه يعصمني و إيّاه، و أشهدت اللّه على نفسي بذلك و كفى باللّه شهيدا. و كتبت بخطي بحضرة أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، و الفضل بن سهل، و سهل ابن الفضل، و يحيى بن أكثم، و عبد اللّه بن طاهر، و ثمامة بن أشرس، و بشر بن المعتمر، و حمّاد بن النعمان، في شهر رمضان سنة إحدى و مأتين. [شهود العهد] الشهود على الجانب الأيمن شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب ظهره و بطنه، و هو يسأل اللّه أن يعرّف أمير المؤمنين و كافة المسلمين ببركة هذا العهد و الميثاق، و كتب بخطه في تاريخ المبين فيه، عبد اللّه بن طاهر بن الحسين أثبت شهادته فيه بتاريخه، شهد حمّاد بن النعمان بمضمونه ظهره و بطنه، و كتب بيده في تاريخه، بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك. الشهود على الجانب الأيسر رسم أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه قراءة هذه الصحيفة التي هي صحيفة الميثاق نرجو أن يجوز بها الصراط ظهرها و بطنها بحرم سيّدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بين الروضة و المنبر على رءوس الأشهاد، بمرأى و مسمع من وجوه بني هاشم و ساير الأولياء و الأجناد، بعد استيفاء شروط البيعة عليهم بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على جميع المسلمين، و لتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين، و ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، و كتب الفضل بن سهل بأمر أمير المؤمنين بالتاريخ فيه. [خطه (عليه السلام) جوابا عمّا كتبه إليه المأمون] قال الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عيسى أثابه اللّه: و رأيت خطه (عليه السلام) في واسط سنة سبع و سبعين و ستمائة جوابا عمّا كتبه إليه المأمون. بسم اللّه الرحمن الرحيم وصل كتاب أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه يذكر ما ثبت من الروايات، و رسم أن أكتب له ما صحّ عندي من حال هذه الشعرة الواحدة و الخشبة التي لرحى المد لفاطمة بنت محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليها و على أبيها و زوجها و بينها، فهذه الشعرة الواحدة شعرة من شعر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا شبهة و لا شك، و هذه الخشبة المد المذكورة لفاطمة (عليها السلام) لا ريب و لا شبهة، و أنا قد تفحّصت و تحدّبت و كتبت إليك فاقبل قولي فقد أعظم اللّه لك في هذا الفحص أجرا عظيما، و باللّه التوفيق، و كتب علي بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) و على سنة إحدى و مأتين من هجرة صاحب التنزيل جدّي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه بن علي بن عيسى أثابه اللّه: مناقب الإمام علي ابن موسى الرضا (عليه السلام) رضا في المناقب، و امداد فضله متوالية توالى المناقب، و موالاته محمودة المبادئ مباركة العواقب، و عجائب أوصافه من غرائب العجائب، و شرفه و نبله قد حلا من الشرف في الذروة و الغارب، وصيت سؤدده قد شاع و ذاع في المشارق و المغارب، فلمواليه السعد الطالع، و لشانيه النحس المغارب، أمّا شرف الآباء فأشهر من الصباح المنير، و أضوأ من عارض الشمس المستدير، و أمّا أخلاقه و سماته و سيرته و صفاته و دلايله و علاماته و نفسه الشريفة و ذاته فناهيك من فخار، و حسبك من علوّ منار، و قدّك من سموّ مقدار، يجاري الهواء كرم أخلاق، و يجاوز السماء طهارة أعراق، لو ولج السماء شريف ولجها بشرفه، أو طال الملائكة الكرام لطالهم بنفسه الزاكية و سلفه، و فضّلهم بولده و خلفه، نور مشرق من أنوار، و سلالة طاهرة من أطهار، و غصن فخر من سرحة فخار، و ثمرة جنية من الدوحة الكريمة العليا، و نبعة ناضرة قويمة من الشجرة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء. أخباره (عليه السلام) كلّها عيون، و سيرته السرية كاللؤلؤ الموصون، و مقالاته و مقاماته قيد القلوب و جلاء الأسماع و نزهة العيون، و معارفه الإلهيّة واحدة في العلم بما كان و ما يكون، محدث في خاطره الشريف بالسرّ المكتوم و العلم المكنون، ملهم بمعرفة الظاهر المشهور و الباطن المخزون، مطّلع على خفايا لا تتخيّلها الأفكار و لا تخيلها الظنون، جار من فضائله و فواضله على طريقة ورثها عن الآباء و ورثها عنه البنون، فهم جميعا في كرم الارومة و زكاء الجرثومة كأسنان المشط متعادلون، فشرفا لهذا البيت العظيم الرتبة، العلي المحلة، السامي المكانة، لقد طال السماء علاء و نبلا، و سما على الثوابت منزلة و محلّا، و استوفى صفات الكمال فما يستثني في شيء منه بغير، و لا إلّا انتظم هؤلاء الأئمّة (عليهم السلام) انتظام اللئالي، و تناسبوا في الشرف فاستوى المقدّم و التالي، و نالوا مرتبة مجد هلك دونها المقصّر و الغالي، و حين اقتسمت شمل مراتب السيادة كان لغيرهم السافل و لهم العالي، كم اجتهد الأعداء في خفض منارهم و اللّه يرفعه، و كم ركبوا الصعب و الذلول في تشتيت شمل عزّهم و اللّه يجمعه، و كم ضيّعوا من حقوقهم ما لا يهمله اللّه و لا يضيّعه، و مع كثرة عداتهم و تظاهر الناس عليهم، و غلبة شناتهم و مدّهم أيدي القهر إليهم، لم يزدادوا على الاختبار إلّا صبرا و احتسابا، و على القتل و التشريد إلّا إغراقا في الحمد و إطنابا، و تحصيلا للأجر و اكتسابا، و اعتزاء إلى أعلى منازل الطاعة و انتسابا، حتّى خلصوا خلوص الذهب من النار، و سلموا في أعراضهم و أديانهم من العاب و العار، فالولي و العدو يشهدان لهم بعلوّ المنصب و سمو المقدار. قال فيه البليغ ما قال ذو العي فكلّ بفضله منطيق و كذاك العدوّ لم يعد أن قال جميلا كما يقول الصديق و هذا الإمام الرضا هو للّه سبحانه رضى، و قد قضى من شرفه و مجده بما قضى، و نصبه دليلا لمن يأتي و على من مضى، فظهر من فضائله و أخباره، و اشتهر من صفاته و آثاره ما كان أمضى من السيف المنتضى، و أبى أن يكون هذا النعت الرضى إلّا لذلك السيّد المرتضى، و لم أزل مذ كنت حدثا أهشّ لذكره و اطرب لما يبلغني من خلاله و سجاياه، و سمو قدره، فرزقني اللّه و له الحمد أن أثبت شيئا من مناقبه، و شاهدت بعين الاعتبار جملة من عجائبه، و أعجبتني نفسي حين عرفت اختيارها في حالة الشباب، و سرّني أن عددت من واصفي فضله و فضل آبائه و أبنائه في هذا الكتاب، و المنّة للّه تعالى، فهو الذي أمدّ بالتوفيق و هدى إلى الطريق، و لا منّة عليهم (عليهم السلام)، فإنّ الواجب على العبد مدح سيّده و وصف فخاره و سؤدده، و الذب عنه بلسانه و يده، و قد سمح خاطري بشعر في مدحه موسوم، و بشريف اسمه و اسمي مرقوم، و أنا أعتذر إلى محلّه الشريف و مقامه العالي المنيف من التقصير عمّا يجب لقدره الخطير، و لكن لأمر ما جزع أنفه قصير، فإنّي أحب أن أكون من شعراء …
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب مولد الرضا (عليه السلام) من كتاب عيون أخباره