الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)
كشف الغمة

مجدهم، و إن كنت مقصّرا عمّا يجب لعبدهم أو لأحد من أهل ودّهم. أيّها الراكب المجدّ قف العيش إذا ما حللت في أرض طوسا لا تخف من كلالها ودع التأد يب دون الوقوف و التعريسا و الثم الأرض إن رأيت ثرى مشهد خير الورى علي بن موسى و ابلغنه تحيّة و سلاما كشذى المسك من علي بن عيسى قل سلام الإله في كلّ وقت يتلقّى ذاك المحلّ النفيسا منزل لم يزل به ذاكر اللّه يتلو التسبيح و التقديسا دار عزّ ما انفكّ قاصدها يزجي إليها آماله و العيسا بيت مجد ما زال وقفا عليه الحمد و المدح و الثناء حبيسا ما عسى أن يقال في مدح قوم أسّس اللّه مجدهم تأسيسا ما عسى أن أقول في مدح قوم قدّس اللّه ذكرهم تقديسا هم هداة الورى و هم أكرم الناس أصولا شريفة و نفوسا إن عرت أزمّة تندوا غيوثا أودجت شبهة تبدوا شموسا شرّفوا الخيل و المنابر لمّا افترعوها و الناقة العنتريسا معشر حبّهم يجلي هموما و مزاياهم تجلى طروسا كرموا مولدا و طابوا أصولا و زكوا محتدا و طالوا غروسا ليس يشقى بهم جليس و من كان ابن شورى إذا أرادوا جليسا قمت في نصرهم بمدحي لمّا فاتني أن أجر فيه خميسا ملأوا بالولاء قلبي رجاء و بمدحي لهم ملأت الطروسا فتراني لهم مطيعا حنينا و على غيرهم أبيا شموسا يا علي الرضا ابثك ودّا غادر القلب بالغرام وطيسا مذهبي فيك مذهبي و بقلبي لك حب أبقى جوى و رسيسا لا أرى داءه بغيرك يشفي لا و لا جرحه بغيرك يوسى أتمنّى لو زرت مشهدك العالي و قبلت ربعك المأنوسا و إذا عزّ أن أزورك يقظان فزرني في النوم و اشف السيسا أنا عبد لكم مطيع إذا ما كان غيري مطاوعا إبليسا قد تمسّكت منكم بولاء ليس يلقى القشيب منه دريسا أ ترجى به النجاة إذا ما خاف غيري في الحشر ضرّا و بؤسا فأراني و الوجه منّي طلق و أرى أوجه الشناة عبوسا لا أقيس الأنام منكم بشسع جلّ مقدار مجدكم أن أقيسا من عددنا من الورى كان مر ءوسا و منكم من عد كان رئيسا فغدا العاملون مثل الذنابي و غدوتم للعالمين رؤسا ذكر الإمام التاسع أبي جعفر القانع محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين [ولادته و نسبه و اسمه و عمره و مناقبه ع] قال الشيخ كمال الدين محمّد بن طلحة رحمه اللّه تعالى: الباب التاسع في ذكر أبي جعفر محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم (عليهم السلام)، هذا أبو جعفر محمّد الثاني فإنّه تقدّم في آبائه (عليهم السلام) أبو جعفر محمّد و هو الباقر بن علي (عليهما السلام)، فجاء هذا باسمه و كنيته و اسم أبيه، فعرف بأبي جعفر الثاني، فهو و إن كان صغير السن فهو كبير القدر، رفيع الذكر. فأمّا ولادته ففي ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان، سنة مائة و خمس و تسعين للهجرة، و قيل: عاشر رجب منها. و أمّا نسبه أبا و أمّا؛ فأبوه أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم و قد تقدم ذلك مبسوطا، و أمّه أم ولد يقال لها سكينة المرسية و قيل الخيزران. و أمّا اسمه فمحمّد، و أمّا كنيته فأبو جعفر بكنية جدّه محمّد الباقر، و له لقبان: القانع و المرتضى. و أمّا مناقبه فما اتّسعت له حلبات مجالها، و لا امتدّت له أوقات آجالها، بل قضت عليه الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا بحكمها و أسجالها، فقلّ في الدنيا مقامه، و عجّل القدوم عليه لزيارة حمامه، فلم تطل بها مدّته، و لا امتدّت فيها أيّامه، غير أنّ اللّه جلّ و علا خصّه بمنقبة متألّفة في مطالع التعظيم، بارقة أنوارها، مرتفعة في معارج التفضيل، قيّمة أقدارها، بادية لأبصار ذوي البصائر، بيّنة منارها، هادية لعقول أهل المعرفة آية آثارها، و هي و إن كانت صورتها واحدة فمعانيها كثيرة، و صيغتها و إن كانت صغيرة فدلالتها كبيرة. و هي أنّ هذا أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام)، لمّا توفّي والده علي الرضا و قدم الخليفة المأمون إلى بغداد بعد وفاته لسنة، اتّفق أنّه خرج يوما إلى الصيد فاجتاز بطرف البلد في طريقه، و الصبيان يلعبون و محمّد واقف معهم و كان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها، فلمّا أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين و وقف أبو جعفر محمّد (عليه السلام) فلم يبرح مكانه، فقرب منه الخليفة فنظر إليه و كأنّ اللّه عزّ و علا قد ألقى عليه مسحة من قبول، فوقف الخليفة و قال له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟ فقال له محمّد مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي، و لم تكن لي جريمة فأخشاها، و ظنّي بك حسن أنّك لا تضر من لا ذنب له فوقفت. فأعجبه كلامه و وجهه، فقال له: ما اسمك؟ قال: محمّد، قال: ابن من أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا ابن علي الرضا، فترحّم على أبيه و ساق إلى وجهته. و كان معه بزاة، فلمّا بعد عن العمارة أخذ بازيا فأرسله إلى دراجة فغاب عن عينه غيبة طويلة، ثمّ عاد من الجو و في منقاره سمكة صغيرة، و بها بقايا الحياة، فتعجّب الخليفة من ذلك غاية التعجّب، ثمّ أخذها في يده و عاد إلى داره في الطريق الذي أقبل منه، فلمّا وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم، فانصرفوا كما فعلوا أوّل مرّة و أبو جعفر لم ينصرف و وقف كما وقف أوّلا، فلمّا دنا منه الخليفة قال: يا محمّد، قال: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: ما في يدي؟ فألهمه اللّه عزّ و علا أن قال: يا أمير المؤمنين إنّ اللّه تعالى خلق بمشيّته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك و الخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل بيت النبوّة، فلمّا سمع المأمون كلامه عجب منه و جعل يطيل نظره إليه و قال: أنت ابن الرضا حقّا، و ضاعف إحسانه إليه. و في هذه الواقعة منقبة تكفيه عن غيرها، و يستغني بها عن سواها. ولده ابو الحسن علي و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. و أمّا عمره فإنّه مات في ذي الحجّة من سنة مأتين و عشرين للهجرة في خلافة المعتصم، و قد تقدم ذكر ولادته في سنة مائة و خمس و تسعين فيكون عمره خمسا و عشرين سنة، و قبره ببغداد في مقابر قريش (آخر كلام كمال الدين ابن طلحة). أقول: إنّي رأيت في كتاب لم يحضرني الآن اسمه، و لعلّي أراه بعد هذا أنّ البزاة عادت و في أرجلها حيّات خضر، و أنّه سأل بعض الأئمّة (عليهم السلام) فقال قبل أن يفصح عن السؤال: إنّ بين السماء و الأرض حيات خضراء تصيدها بزاة شهب يمتحن بها أولاد الأنبياء، و ما هذا معناه و اللّه أعلم. قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي رحمه اللّه: أبو جعفر محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أمّه ريحانة و قيل الخيزران، ولد سنة خمس و تسعين و مائة، و يقال: ولد بالمدينة في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و مائة، و قبض ببغداد في آخر ذي الحجة سنة عشرين و مأتين، و هو يومئذ ابن خمس و عشرين سنة، و أمّه أم ولد يقال لها خيزران، و كانت من أهل مارية القبطية، و قبره ببغداد في مقابر قريش في ظهر جدّه موسى (عليه السلام). قال محمّد بن سعيد: سنة ست و عشرين و مأتين فيها توفي محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد ببغداد، و كان قدمها فتوفي بها يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة يعني سنة عشرين و مأتين، مولده سنة خمس و تسعين و مائة، فيكون عمره خمسا و عشرين سنة، قتل في زمن الواثق باللّه، قبره عند جدّه موسى بن جعفر و ركب هارون بن إسحاق فصلّى عليه عند منزله أوّل رحبة أسوار بن ميمون ناحية قنطرة البردان، و حمل و دفن في مقابر قريش، يلقّب بالجواد. [بعض أخباره ع] حدّثنا أحمد بن علي بن ثابت قال: محمّد بن علي بن موسى أبو جعفر بن الرضا قدم من المدينة إلى بغداد وافدا على أبي إسحاق المعتصم و معه امرأته أم الفضل بنت المأمون، و توفي ببغداد و دفن في مقابر قريش عند قبر جدّه موسى بن جعفر، و دخلت امرأته أم الفضل إلى قصر المعتصم، فجعلت مع الحرم، و ذكر أخبارا رواها الجواد (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام)، قال: بعثني النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى اليمن فقال لي و هو يوصيني: يا علي ما حار من استخار، و لا ندم من استشار، يا علي عليك بالدلجة فإنّ الأرض تطوى في الليل ما لا تطوى بالنهار، يا علي أغد باسم اللّه فإن اللّه بارك لأمّتي في بكورها، و قال (عليه السلام): من استفاد أخا في اللّه فقد استفاد بيتا في الجنّة. و عنه (عليه السلام) و قد سئل عن حديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللّه ذريّتها على النار، فقال: خاص للحسن و الحسين. و عنه عن علي (عليه السلام) قال: في كتاب علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّ ابن آدم أشبه شيء بالمعيار إمّا راجح بعلم- و قال مرّة بعقل- أو ناقص بجهل. و عنه قال علي (عليه السلام) لأبي ذر رضي اللّه عنه: إنّما غضبت للّه عزّ و جلّ فارج من غضبت له إنّ القوم خافوك على دنياهم و خفتهم على دينك و اللّه لو كانت السماوات و الأرضون رتقا على عبد، ثمّ اتّقى اللّه لجعل اللّه له منها مخرجا، لا يؤنسنّك إلّا الحق و لا يوحشنّك إلّا الباطل. و عنه عن علي (عليهما السلام) أنّه قال لقيس بن سعد و قد قدم عليه من مصر: يا قيس إنّ للمحن غايات لا بدّ أن ينتهى إليها، فيجب على العاقل أن ينام لها إلى أدبارها فإنّ مكايدتها بالحيلة عند إقبالها زيادة فيها. و عنه عنه (عليه السلام) قال: من وثق باللّه أراه السرور، و من توكّل عليه كفاه الامور، و الثقة باللّه حصن لا يتحصّن فيه إلّا مؤمن أمين، و التوكّل على اللّه نجاة من كلّ سوء و حرز من كلّ عدو، و الدين عزّ، و العلم كنز، و الصمت نور، و غاية الزهد الورع، و لا هدم للدين مثل البدع، و لا أفسد للرجال من الطمع، و بالراعي تصلح الرعية، و بالدعاء تصرف البلية، و من ركب مركب الصبر اهتدى إلى مضمار النصر، و من عاب عيب، و من شتم أجيب، و من غرس أشجار التقى اجتنى ثمار المنى. و قال (عليه السلام): أربع خصال تعين المرء على العمل: الصحة، و الغنى، و العلم، و التوفيق. و قال (عليه السلام): إنّ للّه عبادا يخصّهم بالنعم، و يقرّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها عنهم و حوّلها إلى غيرهم. و قال: ما عظمت نعمة اللّه على عبد إلّا عظمت عليه مئونة الناس، فمن لم يحتمل تلك المؤنة فقد عرض النعمة للزوال. و قال (عليه السلام): أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه، لأنّ لهم أجره و فخره و ذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنّما يبدأ فيه بنفسه، فلا يطلبنّ شكر ما صنع إلى نفسه من غيره. و قال (عليه السلام): من أمل إنسانا فقد هابه، و من جهل شيئا عابه، و الفرصة خلسة، و من كثر همّه سقم جسده، و المؤمن لا يشتفي غيظه، و عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه، و قال في موضع آخر: عنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه. و قال (عليه السلام): من استغنى باللّه افتقر الناس إليه، و من اتّقى اللّه أحبّه الناس و إن كرهوا. و قال (عليه السلام): عليكم بطلب العلم، فإنّ طلبه فريضة، و البحث عنه نافلة، و هو صلة بين الإخوان، و دليل على المروّة، و تحفة في المجالس، و صاحب في السفر، و أنس في الغربة. و قال (عليه السلام): العلم علمان: مطبوع و مسموع؛ و لا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع، و من عرف الحكمة لم يصبر على الازدياد منها، الجمال في اللسان، و الكمال في العقل. و قال (عليه السلام): العفاف زينة الفقر، و الشكر زينة الغنى، و الصبر زينة البلاء، و التواضع زينة الحسب، و الفصاحة زينة الكلام، و العدل زينة الإيمان، و السكينة زينة العبادة، و الحفظ زينة الرواية، و خفض الجناح زينة العلم، و حسن الأدب زينة العقل، و بسط الوجه زينة الحلم، و الإيثار زينة الزهد، و بذل المجهود زينة النفس، و كثرة البكاء زينة الخوف، و التقلّل زينة القناعة، و ترك المنّ زينة المعروف، و الخشوع زينة الصلاة، و ترك ما لا يعني زينة الورع. و قال (عليه السلام): حسب المرء من كمال المروّة، و تركه ما لا يحمل به، و من حيائه أن لا يلقى أحدا بما يكره، و من عقله حسن رفقه، و من أدبه أن لا يترك ما لا بدّ له منه، و من عرفانه علمه بزمانه، و من ورعه غضّ بصره و عفّة بطنه، و من حسن خلقه كفّه أذاه، و من سخائه برّه بمن يجب حقّه عليه، و إخراجه حقّ اللّه من ماله، و من إسلامه تركه ما لا يعنيه، و تجنّبه الجدال و المراء في دينه، و من كرمه إيثاره على نفسه، و من صبره قلّة شكواه، و من عقله إنصافه من نفسه، و من حلمه تركه الغضب عند مخالفته، و من إنصافه قبوله لحقّ إذا بان له، و من نصحه نهيه عمّا لا يرضاه لنفسه، و من حفظه جوارك تركه توبيخك عند إساءتك مع علمه بعيوبك، و من رفقه تركه عذلك عند غضبك بحضرة من تكره، و من حسن صحبته لك إسقاطه عنك مئونة أذاك، و من صداقته كثرة موافقته و قلّة مخالفته، و من صلاحه شدّة خوفه من ذنوبه، و من شكره معرفة إحسان من أحسن إليه، و من تواضعه معرفته بقدره، و من حكمته علمه بنفسه، و من سلامته قلّة حفظه لعيوب غيره، و عنايته بإصلاح عيوبه. و قال (عليه السلام): لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتّى يؤثر دينه على شهوته، و لن يهلك حتّى يؤثر شهوته على دينه. و قال (عليه السلام): الفضائل أربعة أجناس: أحدها الحكمة و قوامها في الفكرة، و الثاني العفّة و قوامها في الشهوة، و الثالث القوّة و قوامها في الغضب، و الرابع العدل و قوامه في اعتدال قوى النفس. و قال (عليه السلام): العامل بالظلم و المعين له و الراضي به شركاء. و قال (عليه السلام): يوم العدل على الظالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم. و قال (عليه السلام): أقصد العلماء للمحجّة الممسك عند الشبهة، و الجدل يورث الرياء، و من أخطأ وجوه المطالب خذلته الحيل، و الطامع في وثاق الذلّ، و من أحبّ البقاء فليعد للبلاء قلبا صبورا. و قال (عليه السلام): العلماء غرباء لكثرة الجهّال بينهم. و قال (عليه السلام): الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها. و قال (عليه السلام): التوبة على أربع دعائم: ندم بالقلب، و استغفار باللسان، و عمل بالجوارح، و عزم أن لا يعود. و ثلاث من عمل الأبرار: إقامة الفرائض، و اجتناب المحارم، و احتراس من الغفلة في الدين. و ثلاث يبلغن بالعبد رضوان اللّه: كثرة الاستغفار، و خفض الجانب، و كثرة الصدقة. و أربع من كنّ فيه استكمل الإيمان: من أعطى للّه، و منع في اللّه، و أحبّ للّه، و أبغض فيه. و ثلاث من كنّ فيه لم يندم: ترك العجلة، و المشورة، و التوكّل عند العزم على اللّه عزّ و جلّ. و قال (عليه السلام): لو سكت الجاهل ما اختلف الناس. و قال (عليه السلام): مقتل الرجل بين لحييه، و الرأي مع الأناة، و بئس الظهير الرأي الفطير. و قال (عليه السلام): ثلاث خصال تجتلب بهنّ المحبّة: الإنصاف في المعاشرة، و المواساة في الشدّة، و الانطواع و الرجوع إلى قلب سليم. و قال (عليه السلام): فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء، و صلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء، و الخلق أشكال فكلّ يعمل على شاكلته، و الناس إخوان فمن كانت إخوته في غير ذات اللّه فإنّها تحوز عداوة و ذلك قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ. و قال (عليه السلام): من استحسن قبيحا كان شريكا فيه. و قال (عليه السلام): كفر النعمة داعية المقت، و من جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر ممّا أخذ منك. و قال (عليه السلام): لا يفسدك الظن على صديق و قد أصلحك اليقين له، و من وعظ أخاه سرّا فقد زانه، و من وعظ علانية فقد شانه، استصلاح الأخيار بإكرامهم، و الأشرار بتأديبهم، و المودّة قرابة مستفادة، و كفى بالأجل حرزا، و لا يزال العقل و الحمق يتغالبان على الرجل إلى ثمانية عشر سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه، و ما أنعم اللّه عزّ و جلّ على عبد نعمة فعلم أنّها من اللّه إلّا كتب اللّه جلّ اسمه له شكرها قبل أن يحمده عليها، و لا أذنب ذنبا فعلم أنّ اللّه مطّلع عليه إن شاء عذّبه و إن شاء غفر له إلّا غفر اللّه له قبل أن يستغفره. و قال (عليه السلام): الشريف كلّ الشريف من شرفه علمه، و السؤدد حقّ السؤدد لمن اتّقى اللّه ربّه، و الكريم (كلّ الكريم- ظ) من أكرم عن ذلّ النّار وجهه. و قال (عليه السلام): من أمل فاجرا كان أدنى عقوبته الحرمان. و قال (عليه السلام): اثنان عليلان أبدا: صحيح محتم و عليل مخلط، موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، و حياته بالبر أكثر من حياته بالعمر. و قال (عليه السلام): لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، و لا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم، و ارحموا ضعفاءكم و اطلبوا الرحمة من اللّه بالرحمة لهم. (هذا آخر ما أردت نقله من كتاب الجنابذي رحمه اللّه تعالى) و قد نقل أشياء رايقة و فوائد فائقة و آدابا نافعة و فقرا ناصعة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ممّا رواه الإمام محمّد الجواد بن الإمام علي بن موسى الرضا عن آبائه عنه (عليهم السلام). و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى: باب ذكر الإمام بعد أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) و تاريخ مولده و دلايل إمامته و طرف من أخباره و مدّة إمامته و مبلغ سنّه و ذكر وفاته و سببها و موضع قبره و عدد أولاده و مختصر من أخباره: و كان الإمام بعد الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) ابنه محمّد بن علي المرتضى بالنص عليه و الإشارة إليه و تكامل الفضل فيه، و كان مولده (عليه السلام) في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة، و قبض ببغداد في ذي القعدة سنة عشرين و مأتين و له يومئذ خمس و عشرون سنة، و كانت مدّة خلافته لأبيه و إمامته من بعده سبع عشرة سنة، و أمّه أم ولد يقال لها سبيكة النوبية. [إثبات إمامته و النص عليه من أبيه ع] باب ذكر طرف من النص على أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) بالإمامة و الإشارة إليه بها من أبيه إليه (عليهما السلام)، فممّن روى النص عن أبي الحسن الرضا على ابنه أبي جعفر (عليهما السلام) بالإمامة علي بن جعفر بن محمّد بن الصادق، و صفوان بن يحيى، و معمر بن خلاد، و الحسين بن بشار، و ابن أبي نصر البزنطي، و الحسن بن الجهم، و أبو يحيى الصنعاني، و الخيراني، و يحيى بن حبيب الزيات في جماعة كثيرة يطول بذكرهم الكتاب. قال: كان علي بن جعفر بن محمّد يحدّث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال في حديثه: لقد نصر اللّه أبا الحسن الرضا لمّا بغى عليه إخوته و عمومته و ذكر حديثا طويلا حتّى انتهى إلى قوله: فقمت و قبضت على يد أبي جعفر محمّد بن علي الرضا، و قلت له: أشهد أنّك إمام عند اللّه، فبكى الرضا (عليه السلام) و قال: يا عم أ لم تسمع أبي و هو يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة، يكون من ولده الطريد الشريد الموتور بأبيه و جدّه صاحب الغيبة فيقال: مات أو هلك و أيّ واد سلك؟ فقلت: صدقت جعلت فداك. و عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (عليه السلام): قد كنّا نسألك قبل أن يهب اللّه لك أبا جعفر فكنت تقول: يهب اللّه لي غلاما، و قد و هبك اللّه و أقرّ عيوننا فلا أرانا اللّه يومك، فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى ابي جعفر و هو قائم بين يديه، فقلت له: جعلت فداك و هذا ابن ثلاث سنين؟ قال: و ما يضرّه من ذلك و قد قام عيسى بالحجّة و هو ابن أقل من ثلاث سنين؟! و عن معمّر بن خلاد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول:- و قد ذكر شيئا- فقال: و ما حاجتكم إلى ذلك هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي و صيّرته مكاني، و قال: إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة. و كتب ابن قياما الواسطي إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتابا يقول فيه: كيف تكون إماما و ليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن (عليه السلام): و ما علمك أن لا يكون لي ولد؟ و اللّه لا تنقضي الأيّام و الليالي حتّى يرزقني اللّه ولدا يفرق بين الحقّ و الباطل. و عن (ابن ظ) أبي نصر البزنطي قال: قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبك؟ فأحب أن تسأله حتّى أعلم، فدخلت على الرضا (عليه السلام) فأخبرته فقال: الإمام بعدي ابني، ثمّ قال: هل يجترئ أحد أن يقول: ابني و ليس له ولد و لم يكن ولد أبو جعفر (عليه السلام) فلم تمض الأيّام حتّى ولد. و عن ابن قياما الواسطي- و كان واقفيا- قال: دخلت على علي بن موسى فقلت له: أ يكون إمامان في (عصر ظ)؟ قال: لا إلّا أن يكون أحدهما صامتا، فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت؟ فقال لي: و اللّه ليجعلنّ اللّه منّي ما يثبت به الحقّ و أهله و يمحق به الباطل و أهله، و لم يكن في الوقت له ولد، فولد له أبو جعفر (عليه السلام) بعد سنة. و عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) جالسا فدعا بابنه و هو صغير فأجلسه في حجري و قال لي: جرّده و انزع قميصه، فنزعته، فقال لي: انظر بين كتفيه، قال: فنظرت فإذا في إحدى كتفيه شبه الخاتم داخل في اللحم، ثمّ قال لي: أ ترى هذا مثله في هذا الموضع كان في أبي (عليه السلام). و عن أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فجيء بابنه أبي جعفر و هو صغير فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه. عن الخيراني عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بخراسان، فقال قائل: يا سيّدي إن كان كون فإلى من؟ قال: إلى أبي جعفر ابني، فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر، فقال أبو الحسن (عليه السلام): إنّ اللّه بعث عيسى بن مريم رسولا نبيّا صاحب شريعة، مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر (عليه السلام). و عن يحيى بن حبيب الزيّات قال: أخبرني من كان عند أبي الحسن (عليه السلام) جالسا، فلمّا نهض القوم قال لهم الرضا (عليه السلام): القوا أبا جعفر فسلّموا عليه، و جدّدوا به عهدا، فلمّا نهض القوم التفت إليّ و قال: رحم اللّه المفضّل إنّه كان ليقنع بدون هذا. و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى: باب ذكر طرف من الأخبار عن مناقب أبي جعفر (عليه السلام) و دلايله و معجزاته، و كان المأمون قد شغف بأبي جعفر (عليه السلام) لما رأى من فضله مع صغر سنّه، و بلوغه في الحكمة و العلم و الأدب و كمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوّجه ابنته أم الفضل، و حملها معه إلى المدينة، و كان موفرا على إكرامه و تعظيمه و إجلال قدره. [مسألة يحيى بن أكثم و علمه ع] عن الريان بن شبيب قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمّد بن علي، (عليهما السلام)، بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم ذلك و استنكروه، و خافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا (عليه السلام)، فخاضوا في ذلك و اجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا له: ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن نقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنّا نخاف أن تخرج به عنّا أمرا قد ملّكناه اللّه، و تنزع عنّا عزّا قد ألبسناه اللّه، و قد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا، و ما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم و التصغير بهم، و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتّى كفانا اللّه المهم من ذلك، فاللّه اللّه أن تردّنا إلى غم قد انحسر عنّا و اصرف رأيك عن ابن الرضا و اعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره. فقال لهم المأمون: أمّا ما بينكم و بين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، و لو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، و أمّا ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان قاطعا للرحم، أعوذ باللّه من ذلك، و و اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا و لقد سألته أن يقوم بالأمر و أنزعه من نفسي فأبى و كان أمر اللّه قدرا مقدورا. و أمّا أبو جعفر محمّد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم و الفضل، مع صغر سنّه و الاعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه، فقالوا: إنّ هذا الصبي و إن راقك منه هديه فإنّه صبي لا معرفة له و لا فقه، فأمهله ليتأدّب و يتفقّه في الدين ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم: و يحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، و إنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه و موادّه و إلهامه، و لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين و الأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يبيّن لكم ما وصفت من حاله، قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن اصابك في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصة و العامة سديد رأي أمير المؤمنين، و إن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب من ذلك- في معناه- فقال لهم المأمون: شأنكم و ذلك متى أردتم. فخرجوا من عنده و أجمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم و هو يومئذ قاضي الزمان، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب عنها، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك، و عادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك و اجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه، و حضر معهم يحيى بن أكثم، و أمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست و يجعل له فيه مسورتان، ففعل ذلك، و خرج أبو جعفر (عليه السلام) يومئذ و هو ابن تسع سنين و أشهر، فجلس بين المسورتين، و جلس يحيى بن أكثم بين يديه، و قام الناس في مراتبهم، و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر (عليه السلام)، فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم، فقال: تأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام): سل إن شئت. قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام)؟ قتله في حلّ أو حرم؟ عالما كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرّا كان المحرم أم عبدا؟ صغيرا كان أو كبيرا؟ مبتديا كان بالقتل أو معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيد أو من غيرها؟ من صغار الصيد كان أو من كباره؟ مصرّا على ما فعل أو نادما؟ ليلا كان قتله الصيد أو نهارا؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟ فتحيّر يحيى بن أكثم و بان في وجهه العجز و الانقطاع، و لجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون: الحمد للّه على هذه النعمة و التوفيق لي في هذا الرأي. ثمّ نظر إلى أهل بيته و قال لهم: أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر فقال له: اخطب يا أبا جعفر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: أخطب جعلت فداك لنفسك، فقد رضيتك لنفسي و أنا مزوّجك أم الفضل ابنتي، و إن رغم قوم لذلك. فقال أبو جعفر (عليه السلام): الحمد للّه إقرار بنعمته، و لا إله إلّا اللّه إخلاصا لوحدانيّته، و صلّى اللّه على محمّد سيّد بريّته، و الأصفياء من عترته، أمّا بعد؛ فقد كان من فضل اللّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ثمّ إنّ محمّد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد اللّه المأمون و قد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد (عليهما السلام) و هو خمس مائة درهم جيادا فهل زوّجتنيها يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور فقال المأمون: نعم قد زوّجتك أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ قال أبو جعفر: قد قبلت و رضيت به. فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصّة و العامة، قال الريان: و أخرج الخدم مثل السفينة من فضة و فيها الغالية فتطيب الخاصة و العامة و وضعت الموائد فأكلوا و فرّقت الجوايز على قدر المراتب، و انصرف الناس و بقي من الخاصة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه و نستفيده. فقال ابو جعفر (عليه السلام): نعم، إنّ المحرم …

كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب مولد الرضا (عليه السلام) من كتاب عيون أخباره

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.