الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)
كشف الغمة

إذا قتل صيدا في الحل و كان الصيد من ذوات الطير و كان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، و إذا قتل فرخا فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الحمل قيمة الفرخ، و إن كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و إن كان نعامة كان عليه بدنة، و إن كان ظبيا فعليه شاة، فإن قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، و إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه و كان إحرامه للحج نحره بمنى، و إن كان إحرامه للعمرة نحره بمكة، و جزاء الصيد على العالم و الجاهل سواء، و في العمد له المأثم و هو موضوع عنه في الخطأ، و الكفّارة على الحر في نفسه و على السيّد في عبده، و الصغير لا كفّارة عليه، و هي على الكبير واجبة، و النادم يسقط عنه ندمه عقاب الآخرة، و المصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة. فقال له المأمون: أحسنت أبا جعفر أحسن اللّه إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) ليحيى: أسألك؟ قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه و إلّا استفدته منك. فقال له أبو جعفر: خبّرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلمّا ارتفع النّهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت عشاء الآخرة حلّت عليه، فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة و بما ذا حلّت و حرمت عليه؟ فقال له يحيى بن أكثم: لا و اللّه لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال، و لا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أوّل النهار، فكان نظره إليها حراما عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت عشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان نصف الليل طلّقها واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له. قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب؟ و يعرف القول فيما تقدّم من السؤال؟ قالوا: لا و اللّه إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى، فقال لهم: و يحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من بين الخلق بما ترون من الفضل، و إنّ صغر السن لا يمنعهم من الكمال، أ ما علمتم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو ابن عشر سنين، و قبل منه الإسلام و حكم له به، و لم يدع أحدا في سنّه غيره، و بايع الحسن و الحسين و هما أبناء دون الست سنين، و لم يبايع صبيا غيرهما؟ أ فلا تعلمون الآن ما اختصّ اللّه به هؤلاء القوم و أنّهم ذريّة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم؟ قالوا: صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين، ثمّ نهض القوم. فلمّا كان من الغد أحضر الناس و حضر أبو جعفر (عليه السلام) و صار القوّاد و الحجّاب و الخاصّة و العمّال لتهنية المأمون و أبي جعفر، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضّة و فيها بنادق مسك و زعفران معجون في أجواف تلك البنادق، و رقاع مكتوبة بأموال جزيلة و عطايا سنية و إقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها و التمسه فأطلق له، و وضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد و غيرهم، و انصرف الناس و هم أغنياء بالجوائز و العطايا، و تقدّم المأمون بالصدقة على كافّة المسلمين و لم يزل مكرما لأبي جعفر (عليه السلام) معظما لقدره مدّة حياته يؤثره على ولده و جماعة أهل بيته. [معجزاته و فضائله ع] و قد روى الناس أنّ أم الفضل كتبت إلى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر و تقول: إنّه يتسرّى عليّ و يغيرني، فكتب إليها المأمون: يا بنية إنّا لم نزوّجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالا، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها. و لمّا توجّه أبو جعفر (عليه السلام) من بغداد منصرفا من عند المأمون و معه أم الفضل قاصدا بها المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة و معه الناس يشيّعونه، فانتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس، فنزل و دخل المسجد و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة، و قام فصلّى بالناس صلاة المغرب فقرأ في الاولى الحمد و إذا جاء نصر اللّه و الفتح، و قرأ في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد، و قنت قبل ركوعه فيها و صلّى الثلاثة و تشهّد و سلّم، ثمّ جلس هنيئة يذكر اللّه تعالى و قام من غير أن يعقّب فصلّى النوافل أربع ركعات، و عقّب بعدها و سجد سجدتي الشكر، فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس و قد حملت حملا حسنا، فتعجّبوا من ذلك و أكلوا منها فوجدوه نبقا حلواء لا عجم له، و ودّعوه و مضى (عليه السلام) من وقته إلى المدينة، فلم يزل بها إلى أن أشخصه المعتصم في أوّل سنة عشرين و مأتين إلى بغداد، فاقام بها حتّى توفّي في آخر ذي القعدة من هذه السنة و دفن في ظهر جدّه أبي الحسن موسى (عليهما السلام). و عن علي بن خالد قال: كنت بالعسكر فبلغني أنّ هناك رجلا محبوسا أتي به من الشام مكبولا و قالوا إنّه تنبّأ، قال: فأتيت الباب و دفعت شيئا للبوّابين حتّى وصلت إليه، فإذا رجل له فهم و عقل، فقلت له: يا هذا ما قضيّتك؟ قال: إنّي كنت رجلا بالشام أعبد اللّه في الموضع الذي يقال أنّه نصب فيه رأس الحسين (عليه السلام)، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر اللّه تعالى إذ رأيت شخصا بين يدي فنظرت إليه فقال لي: قم، فقمت معه، فمشى بي قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد؟ فقلت: نعم، هذا مسجد الكوفة، قال: فصلّى و صلّيت معه، ثمّ انصرف و انصرفت معه و مشى قليلا فإذا نحن بمسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فسلّم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صلّى و صلّيت معه، ثمّ خرج و خرجت معه فمشى قليلا و إذا نحن بمكّة، فطاف بالبيت و طفت معه، ثمّ خرج فمشى قليلا فإذا أنا بموضعي الذي كنت فيه أعبد اللّه بالشام، و غاب الشخص عنّي، فبقيت متعجّبا حولا ممّا رأيت. فلمّا كان فى العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به، فدعاني فأجبته ففعل كما فعل في العام الماضي، فلمّا أراد مفارقتي بالشام قلت له: سألتك بالحق الذي أقدرك على ما رأيت منك إلّا أخبرتني من أنت؟ فقال: أنا محمّد بن علي بن موسى بن جعفر، فحدّثت من كان يصير إليّ خبره، فرقى ذلك إلى محمّد بن عبد الملك الزيات، فبعث إليّ من أخذني و كبّلني في الحديد، و حملني إلى العراق و جلست كما ترى و ادّعى عليّ المحال. فقلت له: فأرفع عنك قصّة إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات و شرحت أمره فيها و دفعتها إلى محمّد، فوقّع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة و منها إلى المدينة و منها إلى مكة و منها إلى الشام أن يخرجك من حبسك هذا. قال علي بن خالد: فغمّني ذلك من أمره و رفقت له و انصرفت محروما عليه، فلمّا كان من الغد باكرت الحبس لأعلمه بالحال و آمره بالصبر و العزاء، فوجدت الجند و أصحاب الحرس و صاحب السجن و خلقا عظيما من الناس يهرجون، فسألت عن حالهم؟ فقيل: إنّ المحمول من الشام المتنبّى افتقد البارحة من الحبس، فلا ندري أخسفت به الأرض أو اختطفته الطير، و كان هذا الرجل أعني علي بن خالد زيديا، فقال بالإمامة لمّا رأى ذلك و حسن اعتقاده. و عن محمّد بن علي الهاشمي قال: دخلت على أبي جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) صبيحة عرسه ببنت المأمون، و كنت تناولت من الليل دواء، فأوّل من دخل عليه في صبيحته أنا، و قد أصابني العطش و كرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفر (عليه السلام) في وجهي و قال: أراك عطشان؟ قلت: أجل، قال: يا غلام اسقنا ماء، فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماء مسموم و اغتممت لذلك، فأقبل الغلام و معه الماء، فتبسّم في وجهي ثمّ قال: يا غلام ناولني الماء، فتناول فشرب، ثمّ ناولني و تبسّم فشربت، و أطلت عنده فعطشت، فدعا بالماء ففعل كما فعل في المرّة الاولى و شربت، ثمّ ناولني و تبسّم. قال محمّد بن حمزة: فقال لي محمّد بن علي الهاشمي: و اللّه إنّي لأظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة. و عن المطرفي قال: مضى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) ولي عليه أربعة آلاف درهم لم يكن يعرفها غيري و غيره، فأرسل إليّ أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان في الغد فأتني، فأتيته فقال لي: مضى أبو الحسن و لك عليه أربعة آلاف درهم؟ فقلت: نعم، فرفع المصلّى فإذا تحته دنانير فدفعها إليّ، فكان قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم. و عن معلى بن محمّد قال: خرج عليّ أبو جعفر (عليه السلام) حدثان موت أبيه فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا، فقعد ثمّ قال: يا معلّى إنّ اللّه احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة فقال: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. و عن داود بن القاسم الجعفري قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و معي ثلاث رقاع غير معنونة، و اشتبهت عليّ فاغتممت، فتناول أحدها و قال: هذه رقعة ريّان بن شبيب، ثمّ تناول الثانية فقال: هذه رقعة فلان، فبهتّ أنظر إليه، فتبسّم و أخذ الثالثة فقال: هذه رقعة فلان، فقلت: نعم جعلت فداك، فأعطاني ثلاث مائة دينار، و أمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه، ثمّ قال: أمّا إنّه سيقول لك: دلّني على حريف يشتري لي بها متاعا، فدلّه عليه، قال: فأتيته بالدنانير، فقال لي: يا أبا هاشم دلّني على حريم يشتري لي بها متاعا، فقلت: نعم و كلّمني في الطريق جمال سألني أن أخاطبه في إدخاله مع بعض أصحابه في أموره، فدخلت عليه لاكلّمه فوجدته يأكل و معه جماعة فلم أتمكّن من كلامه، فقال: يا أبا هاشم كل و وضع بين يدي ما أكل منه، ثمّ قال ابتداء من غير مسألة: يا غلام انظر الجمال الذي أتانا به ابو هاشم، فضمّه إليك. قال أبو هاشم: و دخلت معه يوما بستانا فقلت له: جعلت فداك إنّي مولع بأكل الطين فادع اللّه لي، فسكت ثمّ قال لي بعد أيّام ابتداء منه: يا أبا هاشم قد أذهب اللّه عنك أكل الطين، قال أبو هاشم: فما من شيء أبغض إلى عنه اليوم، و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و فيما أثبتناه منها كفاية فيما قصدناه إن شاء اللّه.

كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب مولد الرضا (عليه السلام) من كتاب عيون أخباره

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.