قد تقدّم القول في مولد أبي جعفر (عليه السلام) و ذكرنا أنّه ولد بالمدينة، و أنّه قبض ببغداد، و كان سبب وروده إليها إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد ببغداد لليلتين بقيتا من المحرّم سنة عشرين و مأتين، و توفي بها في ذي القعدة من هذه السنة، و قيل: إنّه مضى مسموما و لم يثبت بذلك عندي خبر فأشهد به. و دفن في مقابر قريش في ظهر جدّه أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام) و كان له يوم قبض خمسا و عشرين سنة و أشهرا، و كان منعوتا بالمنتجب و المرتضى، و خلّف بعده من الولد عليّا ابنه الإمام من بعده، و موسى، و فاطمة، و أمامة ابنتيه، و لم يخلّف ذكرا غير من سمّيناه (آخر كلامه). قال ابن الخشّاب: ذكر أبي جعفر المرتضى محمّد بن علي الرضا بن موسى الأمين بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي سيّد العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم: و بهذا الإسناد عن محمّد بن سنان قال: مضى المرتضى أبو جعفر الثاني محمّد ابن علي و هو ابن خمس و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و اثنى عشر يوما في سنة مأتين و عشرين من الهجرة، و كان مولده سنة مائة و خمس و تسعين من الهجرة، فكان مقامه مع ابيه سبع سنين و ثلاثة اشهر، و قبض في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من ذي الحجة سنة مأتين و عشرين، و في رواية أخرى أقام مع ابيه تسع سنين و أشهرا. ولد في رمضان ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت منه سنة خمس و تسعين و مائة، و قبض في يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة سنة عشرين و مأتين، أمّه أم ولد يقال لها سكينة مريسية، و يقال لها: حريان و اللّه أعلم، لقبه المرتضى و القانع، و قبره في بغداد بمقابر قريش، يكنّى بأبي جعفر. قلت: أخلّ الشيخ بذكر أولاده (عليهم السلام). و من كتاب الدلائل عن أميّة بن علي قال: كنت مع أبي الحسن بمكة في السنة التي حجّ فيها، ثمّ صار إلى خراسان، و معه أبو جعفر، و أبو الحسن يودّع البيت، فلمّا قضى طوافه عدل إلى المقام فصلّى عنده، فصار أبو جعفر على عنق موفق يطوف به، فصار أبو جعفر إلى الحجر فجلس فيه فأطال، فقال له موفق: قم جعلت فداك، فقال: ما أريد أن أبرح من مكاني هذا إلّا أن يشاء اللّه، و استبان في وجهه الغم، فأتى موفق أبا الحسن فقال له: جعلت فداك قد جلس أبو جعفر في الحجر و هو يأبى أن يقوم، فقام أبو الحسن فأتى أبا جعفر فقال: قم يا حبيبي، فقال: ما أريد أن أبرح من مكاني هذا، قال: بلى يا حبيبي، ثمّ قال: كيف أقوم و قد ودّعت البيت وداعا لا ترجع إليه؟ فقال له: قم يا حبيبي، فقام معه. و عن ابن بزيع العطّار قال: قال أبو جعفر: الفرج بعد المأمون بثلاثين شهرا، قال: فنظرنا فمات بعد ثلاثين شهرا. و عن معمر بن خلاد عن أبي جعفر- أو عن رجل عن أبي جعفر الشك من أبي علي- قال: قال أبو جعفر: يا معمر اركب، قلت: إلى أين؟ قال: اركب كما يقال لك، قال: فركبت فانتهيت إلى واد أو إلى وهدة- الشك من أبي علي- فقال لي: قف هاهنا، قال: فوقفت فأتاني، فقلت له: جعلت فداك أين كنت؟ قال: دفنت أبي الساعة و كان بخراسان. قال القاسم بن عبد الرحمن- و كان زيديا- قال: خرجت إلى بغداد فبينا أنا بهذا إذ رأيت الناس يتعادون و يتشرّفون و يقفون، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: ابن الرضا، فقلت: و اللّه لأنظرنّ إليه، فطلع على بغل أو بغلة فقلت: لعن اللّه أصحاب الإمامة حيث يقولون أنّ اللّه افترض طاعة هذا فعدل إلي و قال: يا قاسم بن عبد الرحمن: أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ فقلت في نفسي: ساحر و اللّه! فعدل إليّ فقال: أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ قال: فانصرفت و قلت بالإمامة، و شهدت أنّه حجّة اللّه على خلقه و اعتقدته. و عن عمران بن محمّد الأشعري قال: دخلت على أبي جعفر الثاني فقضيت حوائجي و قلت: إنّ أمّ الحسن تقرؤك السلام و تسألك ثوبا من ثيابك أجعله كفنا لها، فقال لي: قد استغنت عن ذلك، قال: فخرجت لست أدري ما معنى ذلك؟ فأتاني الخبر أنّها قد ماتت قبل ذلك بثلاثة عشر يوما أو أربعة عشر يوما. و عن دعبل بن علي أنّه دخل على الرضا (عليه السلام) فأمر له بشيء فأخذه و لم يحمد اللّه، فقال له: لم لم تحمد اللّه؟ قال: ثمّ دخلت بعده على أبي جعفر، فأمر له بشيء فقلت: الحمد للّه، فقال: تأدّبت! و عن علي بن إبراهيم عن أبيه قال: استأذن على أبي جعفر قوم من أهل النواحي فأذن لهم فدخلوا و سألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب و له عشر سنين. يشكل هذا بأنّه لو كان السؤال و الجواب عن كلّ مسئلة بيتا واحدا أعني خمسين حرفا لكان أكثر من ثلاث ختمات القرآن فكيف يمكن ذلك في مجلس واحد، و لو قيل: جوابه (عليه السلام) كان في الأكثر ب «لا و نعم» أو بالإعجاز في أسرع زمان فبقي السؤال لا يمكن ذلك، و يمكن الجواب بوجوه: و عن محمّد بن سنان قال: قبض أبو جعفر محمّد بن علي و هو ابن خمس و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و اثنى عشر يوما، توفي في يوم الثلاثاء لست خلون من ذي الحجة سنة عشرين و مأتين، عاش بعد أبيه تسع عشرة سنة إلّا خمسة و عشرين يوما. و عن أميّة بن علي القيسي قال: دخلت أنا و حمّاد بن عيسى على أبي جعفر بالمدينة لنودّعه، فقال لنا: لا تخرجا اليوم و أقيما إلى غد، فلمّا خرجنا من عنده قال لي حمّاد أنا أخرج فقد خرج ثقلي، فقلت: أمّا أنا فأقيم، فخرج حمّاد فجرى الوادي تلك الليلة فغرق فيه و قبره بسيالة (آخر ما نقلت من كتاب الدلائل). و قال الراوندي رحمه اللّه: الباب العاشر في معجزات محمّد التقي (عليه السلام): عن محمّد بن ميمون أنّه كان مع الرضا بمكّة قبل خروجه إلى خراسان قال: فقلت له إنّي أريد أن أتقدّم إلى المدينة فأكتب معي كتابا إلى أبي جعفر، فتبسّم و كتب الأوّل: إنّ الكلام محمول على المبالغة في كثرة الأسئلة و الأجوبة فإنّ عدّ مثل ذلك مستبعد جدّا. الثاني: يمكن أن يكون في خواطر القوم أسئلة كثيرة متفقة، فلمّا أجاب (عليه السلام) عن واحد فقد أجاب عن الجميع. الثالث: أن يكون إشارة إلى كثر ما يستنبط من كلماته الموجزة المشتملة على الأحكام الكثيرة و هذا وجه قريب. الرابع: أن يكون المراد بوحدة المجلس الوحدة النوعية أو مكان واحد كمنى و إن كان في أيّام متعددة. الخامس: أن يكون مبنيا على بسط الزمان الذي تقول به الصوفية لكنّه ظاهرا من قبيل الخرافات. السادس: أن يكون إعجازه أثر في سرعة كلام القوم أيضا، أو كان يجيبهم بما يعلم من ضمائرهم قبل سؤالهم. السابع: ما قيل أنّ المراد السؤال بعرض المكتوبات و الطومارات فوقع الجواب بخرق العادة (انتهى كلامه رفع مقامه). قلت: و أقرب الوجوه هو الوجه الثالث كما قرّبه رحمه اللّه أيضا فإنّه كثيرا ما نرى في أدلّة الأحكام دليلا واحدا يستنبط منه أحكام كثيرة و قد ورد في الحديث «إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول و عليكم أن تفرّعوا» و قد علّمنا ذلك الطريق في استنباط الأحكام مولانا الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الأعلى مولى آل سام في باب المسح على الجبائر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري و جعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ، قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فامسح عليه، و غير ذلك من الشواهد الكثيرة لهذا الوجه التي لا تخفى على المتتبع و لعلّه من هذا القبيل ما ورد في الأحاديث الكثيرة أنّ عليّا (عليه السلام) قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أسرّ إليّ ألف حديث في كلّ حديث ألف باب لكلّ باب ألف مفتاح. و في بعضها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علّم عليّا بابا يفتح له ألف باب كلّ باب يفتح له ألف باب. و صرت إلى المدينة و كان قد ذهب بصري، فأخرج الخادم أبا جعفر إلينا يحمله من المهد فناولته الكتاب، فقال لموفّق الخادم: فضّه و انشره، ففضّه و نشره بين يديه فنظر فيه ثمّ قال لي: يا محمّد ما حال بصرك؟ فقلت: يا بن رسول اللّه اعتلّت عيناي، فذهب بصري كما ترى، فمدّ يده فمسح بها على عيني فعاد إلى بصري كأصحّ ما كان، فقبّلت يده و رجله و انصرفت من عنده و أنا بصير. و روي عن حكيمة بنت الرضا (عليه السلام) قالت: لمّا توفي أخي محمّد بن الرضا، صرت يوما إلى امرأته أم الفضل لسبب احتجت إليها فيه، قالت: فبينا نحن نتذاكر فضل محمّد و كرمه و ما أعطاه اللّه من العلم و الحكمة إذ قالت امرأته أم الفضل: أخبرك عن أبي جعفر بعجيبة لم يسمع مثلها، قلت: و ما ذاك؟ قالت: إنّه ربّما كان أغارني مرّة بجارية و مرّة بتزويج، فكنت أشكوه إلى المأمون فيقول: يا بنية احتملي فإنّه ابن رسول اللّه، فبينا أنا ذات ليلة جالسة إذ أتت امرأة فقلت: من أنت؟ و كأنّها قضيب بان أو غصن خيزران، فقلت: من أنت؟ فقالت: أنا زوجة أبي جعفر بن الرضا و أنا امرأة من ولد عمّار بن ياسر، قالت: فدخل عليّ من الغيرة ما لم أملك نفسي! فنهضت من ساعتي فدخلت إلى المأمون و كان ثملا من الشراب و قد مضى من الليل ساعات، فأخبرته بحالي، و قلت: إنّه يشتمك و يشتمني و يشتم العبّاس و ولده، قالت: و قلت ما لم يكن، فغاظه ذلك فقام و تبعته و معه خادم، و جاء إلى أبي جعفر و هو نائم، فضربه بالسيف حتّى قطعه إربا إربا و ذبحه و عاد، فلمّا أصبح عرّفناه ما كان بدا منه و أنفذ الخادم فوجد أبا جعفر قائما يصلّي و لا أثر فيه، فأخبره أنّه سالم، ففرح و أعطى الخادم ألف دينار، و حمل إليه عشرة آلاف دينار، و اجتمعا و اعتذر إليه بالسكر، و أشار عليه بترك الشراب فقبل. و هذه القصّة عندي فيها نظر و أظنّها موضوعة، فإنّ أبا جعفر (عليه السلام) إنّما كان يتزوّج و يتسرّى حيث كان بالمدينة، و لم يكن المأمون بالمدينة فتشكو إليه ابنته، فإن قلت: إنّه جاء حاجّا، قلت: لم يكن ليشرب في تلك الحال، و أبو جعفر (عليه السلام) مات ببغداد و زوجته معه فأخته أين رأتها بعد موته، و كيف اجتمعتا و تلك بالمدينة و هذه ببغداد، و تلك الامرأة التي من ولد عمّار بن ياسر رضي اللّه عنه في المدينة تزوّجها فكيف رأتها أم الفضل، فقامت من فورها و شكت إلى أبيها، كلّ هذا يجب أن ينظر فيه و اللّه أعلم. و منها ما روي عن الشيخ أبي بكر بن إسماعيل قال: قلت لأبي جعفر بن الرضا: إنّ لي جارية تشتكي من ريح بها، قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها: ما تشكين يا جارية، قالت: ريحا في ركبتي، فمسح يده على ركبتها من وراء الثياب فخرجت و ما اشتكت وجعا بعد ذلك. و منها ما روي عن علي بن جرير قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) جالسا و قد ذهبت شاة لمولاه، فأخذوا بعض الجيران يجرّونهم إليه يقولون: أنتم سرقتم الشاة، فقال لهم أبو جعفر: ويلكم خلّوا عن جيراننا فلم يسرقوا شاتكم، الشاة في دار فلان فأخرجوها من داره، فخرجوا فوجدوها في داره فأخذوا الرجل و ضربوه و خرقوا ثيابه و هو يحلف أنّه لم يسرق هذه الشاة، إلى أن صاروا به إلى أبي جعفر (عليه السلام)، فقال: و يحكم ظلمتم الرجل، فإنّ الشاة دخلت داره و هو لا يعلم، ثمّ دعاه فوهب له شيئا بدل ما خرق من ثيابه و ضربه. و منها ما روي عن محمّد بن عمير بن واقد الرازي، قال: دخلت على أبي جعفر ابن الرضا و معي أخي و به بهر شديد فشكا إليه ذلك البهر، فقال: عافاك اللّه ممّا تشكو؟ فخرجنا من عنده و قد عوفي فما عاد إليه ذلك البهر إلى أن مات. قال محمّد بن عمير: كان يصيبني وجع في خاصرتي في كلّ أسبوع، و يشتدّ ذلك بي أيّاما، فسألته أن يدعو لي بزواله عنّي، فقال: و أنت فعافاك اللّه فما عاد إلى هذه الغاية. و منها ما روي عن القاسم بن المحسن قال: كنت فيما بين مكة و المدينة فمرّ بي أعرابي ضعيف الحال، فسألني شيئا فرحمته و أخرجت له رغيفا فناولته إيّاه، فلمّا مضى عنّي هبّت ريح شديدة زوبعة فذهبت بعمامتي من رأسي، فلم أرها كيف ذهبت و أين مرّت، فلمّا دخلت على أبي جعفر بن الرضا (عليهما السلام) فقال لي: يا قاسم ذهبت عمامتك في الطريق؟ قلت: نعم، قال: يا غلام أخرج إليه عمامته، فأخرج إليّ عمامتي بعينها، قلت: يا بن رسول اللّه، كيف صارت إليك؟ قال: تصدّقت على الأعرابي فشكر اللّه لك و ردّ عمامتك و إنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين. و منها ما روي عن إسماعيل بن عياش الهاشمي قال: جئت إلى أبي جعفر يوم عيد فشكوت إليه ضيق المعاش، فرفع المصلّى و أخذ من التراب سبيكة من ذهب فأعطانيها، فخرجت بها إلى السوق فكان فيها ستّة عشرة مثقالا من ذهب (هذا آخر ما نقلته من كتاب الراوندي رحمه اللّه). و قال الآبي في نثر الدر: محمّد بن علي بن موسى (عليه السلام) نذر المتوكّل في علّة إن وهب اللّه له العافية أن يتصدّق بمال كثير، فعوفي فأحضر الفقهاء و استفتاهم، فكلّ منهم قال شيئا، إلى أن قال محمّد: إن كنت نويت الدنانير فتصدّق بثمانين دينارا، و إن كنت نويت الدراهم فتصدّق بثمانين درهما، فقال الفقهاء: ما نعرف هذا في كتاب و لا سنة! فقال: بلى، قال اللّه عزّ و جلّ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ فعدّوا وقائع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ففعلوا فإذا هي ثمانون. و قال: هذه القصة إن كانت وقعت للمتوكّل فالجواب لعلي بن محمّد، فإنّ محمّدا لم يلحق أيّام المتوكّل، و يجوز أن يكون له مع غيره من الخلفاء. قال عبد اللّه علي بن عيسى أثابه اللّه تعالى: هذا لا أظنّه يصحّ عن أحد من الأئمّة (عليهم السلام) أن يجيب بهذا الجواب، لأنّ كلّ شيء له كثرة بحسبه؛ فمواطن القتال إذا كانت ثمانين بل خمسين بل عشرين كانت كثيرة- فكثيرا من الملوك العظماء لا يتّفق لهم ذلك عشر مرّات، فأمّا المال فلا تستكثر للملك الالوف الكثيرة أ لا ترى لو أنّا قلنا أنّ الملك له عشرون ألف فرس كانت تستكثر و لو قيل أنّ له خمسمائة ألف دينار لم يستعظم له ذلك، و على هذا و أمثاله فقس. و أتاه (عليه السلام) رجل فقال له: أعطني على قدر مروّتك، فقال: لا يسعني فقال: على قدري، قال: أمّا ذا فنعم، يا غلام أعطه مائة دينار. و قال أحمد بن حمدون: قال محمّد بن علي بن موسى: كيف يضيع من اللّه كافله، و كيف ينجو من اللّه طالبه، و من انقطع إلى غير اللّه وكله اللّه إليه، و من عمل على غير علم أفسد أكثر ممّا يصلح. و قال: القصد إلى اللّه تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال. قال الطبرسي رحمه اللّه في إعلامه: الباب الثامن في ذكر الإمام التقي أبي جعفر محمّد بن علي الرضا (عليهما السلام) و فيه أربعة فصول: الفصل الأوّل في تاريخ مولده و مدّة إمامته و وقت وفاته: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و مائة لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، و قيل للنصف منه ليلة الجمعة، و في رواية ابن عيّاش ولد يوم الجمعة لعشر خلون من رجب، و قبض (عليه السلام) ببغداد في آخر ذي القعدة سنة عشرين و مأتين، و له يومئذ خمس و عشرون سنة، و كانت مدّة خلافته و ولايته سبع عشرة سنة، و كانت في أيّام إمامته بقيّة ملك المأمون، و قبض في أوّل ملك المعتصم، و أمّه أم ولد يقال لها سبيكة، و يقال: درّة ثمّ سمّاها الرضا خيزران و كانت نوبية. و لقبه التقي و المنتجب و الجواد و المرتضى و يقال له أبو جعفر الثاني، و دفن (عليه السلام) بمقابر قريش في ظهر جدّه موسى بن جعفر (عليهما السلام). الفصل الثاني: في ذكر النصوص الدالّة على إمامته (عليه السلام): يدلّ على إمامته بعد طريقة الاعتبار و طريقة التواتر اللتين تقدّم ذكر هما في إمامة آبائه (عليهم السلام) ما ثبت من إشارة أبيه إليه بالإمامة، و رواية الثقات من أصحابه و أهل بيته، مثل عمّه علي بن جعفر الصادق (عليه السلام)، و عدد الجماعة الذين ذكرهم الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى، و النصوص التي رويت فيه عن أبيه (عليهما السلام). الفصل الثالث: في طرف من دلايله و معجزاته (عليه السلام): ذكر الطبرسي رحمه اللّه في هذا الفصل ما ذكره المفيد رحمه اللّه و زاد فيه ما أنا ذاكره: عن أميّة بن علي قال: كنت بالمدينة و كنت أختلف إلى أبي جعفر و أبو الحسن بخراسان، و كان أهل بيته و عمومة أبيه يأتونه و يسلّمون عليه، فدعا يوما بجارية فقال لها: قولي لهم يتهيّئوا للمأتم، فلمّا تفرّقوا قالوا: هلّا سألناه مأتم من؟ فلمّا كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا: مأتم من؟ قال: خير من على ظهرها، فأتانا خبر أبي الحسن بعد ذلك بأيّام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم. قال محمّد بن الفرج: كتب إليّ أبو جعفر: احملوا إليّ الخمس فإنّي لست آخذه منكم سوى عامي هذا، فقبض (عليه السلام) في تلك السنة، ذكر أنّ ذلك منقول من كتاب نوادر الحكمة. الفصل الرابع: في ذكر بعض مناقبه و فضائله (عليه السلام): كان (عليه السلام) قد بلغ في وقته من الفضل و العلم و الحكم و الآداب مع صغر سنّه منزلة لم يساوه فيها أحد من ذوي الأسنان من السادات و غيرهم، و لذلك كان المأمون مشغوفا به لما رأى من علوّ رتبته و عظيم منزلته في جميع الفضائل، فزوّجه ابنته أمّ الفضل و حملها معه إلى المدينة و كان متوافرا على إعظامه و توقيره و تبجيله، و ذكر بعد هذا مناظرته بين يدي المأمون و سؤال يحيى بن أكثم له و أمورا ذكرتها آنفا و قال: مضى (عليه السلام) إلى المدينة، و لم يزل بها حتّى أشخصه المعتصم إلى بغداد في أوّل سنة عشرين و مأتين، فأقام بها حتّى توفي في آخر ذي القعدة من السنة، و قيل: إنّه مضى (عليه السلام) مسموما، و خلّف من الولد عليّا ابنه الإمام موسى و فاطمة و أمامة ابنتيه و لم يخلّف غيرهم (انتهى كلامه). قال الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه علي بن عيسى عفى اللّه عنه بمنّه و كرمه: الجواد (عليه السلام) في كلّ أحواله جواد، و فيه يصدق قول اللغوي جواد من الجودة من أجواد، فاق الناس بطهارة العنصر و زكاء الميلاد، و افترع قلّة العلاء، فما قاربه أحد و لا كاد مجده عالى المراتب، و مكانته الرفيعة تسمو على الكواكب، و منصبه يشرف على المناصب، إذا أنس الوفد نارا قالوا ليتها ناره لا نار غالب، له إلى المعالي سمو، و إلى الشرف رواح و غدو، و في السيادة إغراق و علوّ، و على هام السماك ارتفاع و علو، و عن كلّ رذيلة بعد، و إلى كلّ فضيلة دنو، تتأرّج المكارم من أعطافه، و يقطر المجد من أطرافه، و تروى أخبار السماح عنه و عن أبنائه و أسلافه، فطوبى لمن سعى في ولائه، و الويل لمن رغب في خلافه، إذا اقتسمت غنائم المجد و المعالي و المفاخر كان له صفاياها، و إذا امتطيت غوارب السؤدد كان له أعلاها و أسماها، يباري الغيث جوادا و عطية، و يجاري الليث نجدة و حمية، و يبذّ السير سيرة رضية مرضية سرية، إذا عدّد آباءه الكرام و أبناءه (عليهم السلام) نظم اللئالي الإفراد في عدّه، و جاء بجماع المكارم في رسمه و حدّه، و جمع أشتات المعالي فيه و في آبائه من قبله، و في أبنائه من بعده، فمن له اب كأبيه أو جدّ كجدّه؟ فهو شريكهم في مجدهم و هم شركاؤه في مجده، و كما ملأوا أيدي العفاة برفدهم ملأ أيديهم برفده. بدور طوالع جبال فوارع غيوث هوامع سيول دوافع بها ليل لو عاينت فيض أكفهم تيقّنت أنّ الرزق في الأرض واسع إذا خففت بالبذل أرواح جودهم حداها الندى و استنشقتها المطامع بهم اتّضحت سبل الهدى، و بهم سلم من الردى، و بحبّهم ترجى النجاة و الفوز غدا، و هم أهل المعروف و أولو الندى، كلّ المدائح دون استحقاقهم، و كلّ مكارم الأخلاق مأخوذة من كريم أخلاقهم، و كلّ صفات الخير مخلوقة في عنصرهم الشريف و أعراقهم، فالجنّة في وصالهم، و النّار في فراقهم، و هذه الصفات تصدق على الجمع و الواحد، و تثبت للغائب منهم و الشاهد، و تتنزّل على الولد منهم و الوالد، حبّهم فريضة لازمة، و دولتهم باقية دائمة، و أسواق سؤددهم قائمة، و ثغور محبّيهم باسمة، و كفاهم شرفا أن جدّهم محمّد، و ابو هم علي و أمّهم فاطمة، فمن يجاريهم في الفخر أو من يسابقهم في علوّ القدر، و ما تركوا غاية عزّ إلّا انتهوا إليها سابقين، و لا مرتبة سؤدد إلّا ارتفقوها آمنين من اللاحقين، و هذا حقّ اليقين بل عين اليقين، الناس كلّهم عيال عيالهم، و منتسبون انتساب العبوديّة إليهم، عنهم أخذت المآثر، و منهم تعلّمت المفاخر، و بشرفهم شرف الأوّل و الآخر، و لو أطلت في صفاتهم لم آت بطائل، و لو حاولت حصرها نادتني أين الثريا من يد المتناول، و كيف تطيق حصر ما عجز عنه الأواخر و الأوايل، و هذا مقام يلبس فيه سحبان وائل فهاهة باقل فكففت عنان القلم، و كففت من انثيال الكلم و اتّبعت العادة في مدحه (عليه السلام) بشعر يزيد قدري و ينقص عن قدره، و يخلد ذكري بخلود ذكره و هو: حمّاد حمّاد للمثنى حمّاد على آلاء مولانا الجواد إمام هدى له شرف و مجد علا بهما على السبع الشداد إمام هدى له شرف و مجد أقرّ به الموالي و المعادي تصوب يداه بالجدوى فتغنّى عن الأنواء في السنة الجماد ببخل جود كفّيه إذا ما جرى في الجود منهل الغواد بنى من صالح الأعمال بيتا بعيد الصيت مرتفع العماد و شاد من المفاخر و المعالي بناء لم يشده قوم عاد فواضله و أنعمه غزار عهدن أبر من سحّ العهاد و يقدم في الوغى إقدام ليث و يجري في الندى جري الجواد فمن يرجو اللحاق به إذا ما أتى بطريف فخر أو تلاد من القوم الذين أقر طوعا بفضلهم الأصادق و الأعادي أياديهم و فضلهم جميعا قلائد محكمات في الهوادي بهم عرف الورى سبل المعالي و هم دلّوا الأنام على الرشاد و هم أهل المعالي و المعاني و هم أهل المطايا و الأيادي سموا في الحلم قيسا و ابن قيس و إن قالوا فمن قسّ الأيادي و هذا مذهب في الشعر جار و أين من الرّبى خفض الوهاد لهم أيد جبلن على سماح و أفعال طبعن على سداد و هم من غير ما شك و خلف إذا أنصفت سادات العباد أيا مولاي دعوة ذي ولاء إليكم ينتمي و بكم ينادي يقدّم حبّكم ذخرا و كنزا يعود إليه في يوم المعاد جرى بمديح مجدكم لساني فأصبح ديدني فيكم و عادي ففيكم رغبتي و على هواكم محافظتي و حبّكم اعتقادي إذا محض الوداد الناس قوما محضتكم و إن سخطوا ودادي و كيف يجوز عن قصد لساني و قلبي رايح بهواك غادي و ممّا كانت الحكماء قالت لسان المرء من خدم الفؤاد و قد قدمتكم زادا لسيري إلى الاخرى و عم الزاد زادي فأنتم عدّتي إن ناب دهر و أنتم إن عرى خطب عتادي ذكر الإمام العاشر أبي الحسن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا ابن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين [مولده و نسبه و ألقابه و مناقبه ع] قال كمال الدين بن طلحة رحمه اللّه تعالى: الباب العاشر في أبي الحسن علي المعروف بالعسكري الملقّب بالمتوكّل ابن أبي جعفر محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق صلوات اللّه عليهم و سلامه. أمّا مولده ففي رجب من سنة مأتين و أربع عشرة للهجرة. و أمّا نسبه أبا و أمّا؛ فأبوه أبو جعفر محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى و قد تقدّم ذكر ذلك مبسوطا، و أمّه أم ولد اسمها سمانة المغربية، و قيل غير ذلك، و أمّا اسمه فعلي. و أمّا ألقابه فالناصح، و المتوكّل، و الفتّاح، و النقي، و المرتضى، و أشهرها المتوكّل، و كان يخفي ذلك و يأمر أصحابه أن يعرضوا عنه لكونه كان لقب الخليفة أمير المؤمنين المتوكّل يومئذ. و أمّا مناقبه فمنها ما حلّ في الآذان محلّ حلاها بأشنافها، و اكتنفه شغفا به اكتناف اللآلي الثمينة بأصدافها، و أشهد لأبي الحسن أنّ نفسه موصوفة بنفائس أوصافها، و أنّها نازلة من الدوحة النبويّة ذرى أشرافها و شرفات أعرافها، و ذلك أنّ أبا الحسن (عليه السلام) كان يوما قد خرج من سرّ من رأى إلى قرية لمهمّ عرض له، فجاء رجل من الأعراب يطلبه، فقيل له: قد ذهب إلى الموضع الفلاني فقصده، فلمّا وصل إليه قال له: ما حاجتك؟ فقال: أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسّكين بولاء جدّك علي بن أبي طالب، و قد ركبني دين فادح أثقلني حمله، و لم أر من أقصده لقضائه سواك، فقال له أبو الحسن: طب نفسا و قرّ عينا، ثمّ أنزله. فلمّا أصبح ذلك اليوم قال له أبو الحسن: أريد منك حاجة، اللّه اللّه أن تخالفني فيها! فقال الأعرابي: لا أخالفك، فكتب أبو الحسن ورقة بخطّه معترفا فيها أنّ عليه للأعرابي مالا عيّنه فيها يرجّح على دينه، و قال: خذ هذا الخط فإذا وصلت إلى سرّ من رأى أحضر إليّ و عندي جماعة فطالبني به، و أغلظ القول عليّ في ترك إيفائك إيّاه، اللّه اللّه في مخالفتي، فقال: أفعل، و أخذ الخط، فلمّا وصل أبو الحسن إلى سرّ من رأى و حضر عنده جماعة كثيرون من أصحاب الخليفة و غيرهم، حضر ذلك الرجل و أخرج الخط و طالبه، و قال كما أوصاه، فألان أبو الحسن له القول و رفقه و جعل يعتذر إليه و وعده بوفائه و طيبة نفسه، فنقل ذلك إلى الخليفة المتوكل، فأمر أن يحمل إلى أبي الحسن ثلاثون ألف درهم، فلمّا حملت إليه تركها إلى أن جاء الرجل فقال: خذ هذا المال فاقض منه دينك و أنفق الباقي على عيالك و أهلك و أعذرنا، فقال له الأعرابي: يا بن رسول اللّه و اللّه إنّ أملي كان يقصر عن ثلث هذا، و لكن اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته، و أخذ المال و انصرف، و هذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الأخلاق، و قضى له بالمنقبة المحكوم بشرفها بالاتّفاق. ولده أبو محمّد الحسن و سيأتي ذكره بعده إن شاء اللّه تعالى. و أمّا عمره فإنّه مات في جمادي الآخر لخمس ليال بقين منه من سنة أربع و خمسين و مأتين في خلافة المعتز، و قد تقدم ذكر ولادته في سنة أربع عشرة و مأتين، فيكون عمره أربعين سنة غير أيّام، و كان مقامه مع أبيه ست سنين و خمسة أشهر، و بقي بعد وفاة أبيه ثلاثا و ثلاثين سنة و شهورا، و قبره بسرّمنرأى (آخر كلامه). و قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي رحمه اللّه: أبو الحسن علي بن محمّد ابن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) مولده سنة أربع عشرة و مأتين، و مات سنة أربع و خمسين و مأتين، فكان عمره أربعين سنة، قبره بسرّمنرأى، دفن بها في زمن المنتصر، يلقّب بالهادي، و أمّه سمانة، و يقال أنّه ولد بالمدينة للنصف من ذي الحجة سنة اثنتى عشرة و مأتين، و قبض بسرّمنرأى فى رجب سنة أربع و خمسين و مأتين، و له يومئذ إحدى و أربعون سنة و ستّة أشهر، و قبر بسرّمنرأى في داره. قال علي بن يحيى بن أبي منصور قال: كنت يوما بين يدي المتوكل و دخل علي بن محمّد بن علي بن موسى (عليهم السلام)، فلمّا جلس قال له المتوكّل: ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال: ما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل فرض اللّه تعالى طاعة نبيّه على خلقه، و فرض طاعته على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (انتهى كلامه). و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى: باب ذكر الإمام بعد أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) و تاريخ مولده و دلايل إمامته و مبلغ سنّه و ذكر وفاته و سببها و موضع قبره و عدد أولاده و مختصر من أخباره. و كان الإمام بعد أبي جعفر ابنه أبا الحسن علي بن محمّد (عليهما السلام)، لاجتماع خصال الإمامة فيه و تكامل فضله، و أنّه لا وارث لمقام أبيه سواه، و ثبوت النص عليه بالإمامة و بالإشارة إليه من أبيه بالخلافة، و كان مولده بصريا من مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للنصف من ذي الحجة سنة اثنتى عشرة و مأتين، و توفي بسرّمنرأى في رجب سنة أربع و خمسين و مأتين، و له يومئذ إحدى و أربعون سنة و أشهر، و كان المتوكّل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سرّ من رأى، فأقام بها حتّى مضى لسبيله، و كانت مدّة إمامته ثلاثا و ثلاثين سنة، و أمّه أم ولد يقال لها سمانة.
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب: ذكر وفاة أبي جعفر (عليه السلام) و موضع قبره و ذكر ولده: