عن إسماعيل بن مهران قال: لمّا خرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الاولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك إنّي أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكرّ بوجهه إليّ ضاحكا و قال: ليس حيث ظننت في هذه السنة، فلمّا استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتّى خضبت لحيته ثمّ التفت إليّ فقال: في هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني علي. و عن الخيراني عن أبيه أنّه قال: كنت ألزم باب أبي جعفر (عليه السلام) للخدمة التي وكّلت بها، و كان أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري يجيء في السحر من آخر كلّ ليلة لتعرف خبر علّة أبي جعفر (عليه السلام)، و كان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر و بين الخيراني إذا حضر قام أحمد و خلا به، قال الخيراني: فخرج ذات ليلة و قام أحمد بن عيسى عن المجلس و خلا بي الرسول و استدار أحمد، فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول: إنّ مولاك يقرأ عليك السلام و يقول لك: إنّي ماض و الأمر صائر إلى ابني علي، و له عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، ثمّ مضى الرسول و رجع أحمد إلى موضعه و قال: ما الذي قال لك؟ قال: خيرا، قلت: قد سمعت ما قال و أعاد عليّ ما سمع، فقلت له: قد حرّم اللّه عليك ما فعلت، لأنّ اللّه يقول: وَ لا تَجَسَّسُوا، فإذا سمعت فاحفظ الشهادة لعلّنا نحتاج إليها يوما ما، و إيّاك أن تظهرها إلى وقتها، قال: و أصبحت و كتبت نسخة الرسالة في عشر رقاع و ختمتها و دفعتها إلى عشرة من وجوه أصحابنا، و قلت: إن حدث بي حدث الموت قبل أن أطالبكم بها فافتحوها و اعملوا بما فيها. فلمّا مضى أبو جعفر (عليه السلام) لم أخرج من منزلي حتّى عرفت أنّ رؤساء العصابة قد اجتمعوا عند محمّد بن الفرج يتفاوضون في الأمر، فكتب إليّ محمّد بن الفرج يعلمني باجتماعهم عنده و يقول: لو لا مخافة الشهرة لصرت معهم إليك، فأحب أن تركب إليّ، فركبت و صرت إليه، فوجدت القوم مجتمعين عنده، فتجارينا في الباب فوجدت أكثرهم قد شكّوا، فقلت لمن عندهم الرقاع و هم حضور: أخرجوا تلك الرقاع، فأخرجوها، فقلت: هذا ما أمرت به، فقال بعضهم: كنّا نحب أن يكون معك في هذا الأمر آخر ليتأكّد القول، فقلت لهم: قد أتاكم اللّه بما تحبّون، هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة فاسألوه، فسأله القوم فتوقّف عن الشهادة، فدعوته إلى المباهلة فخاف منها و قال: قد سمعت ذلك و هي مكرمة كنت أحب أن تكون لرجل من العرب فأمّا مع المباهلة فلا طريق إلى كتمان الشهادة، فلم يبرح القوم حتّى سلّموا لأبي الحسن (عليه السلام). و الأخبار في هذا الباب كثيرة إن عملنا على إثباتها طال بها الكتاب، و في إجماع العصابة على إمامة أبي الحسن (عليه السلام) و عدم من يدّعيها سواه في وقته ممّن يلتبس الأمر فيه غنى عن إيراد الأخبار بالنصوص على التفصيل.
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب طرف من الخبر في النصّ عليه بالإمامة و الإشارة إليه بالخلافة: