جعلتها في كمّي و ركبت، و كان الحمار يتخرّق في الشوارع و الأسواق يمرّ حيث يشاء، إلى أن صرت إلى باب دار، فوقف الحمار، فجهدت أن يزول فلم يزل، فقلت للغلام: سل لمن هذه الدار؟ فسأل، فقيل: دار ابن الرضا، فقلت: اللّه أكبر دلالة و اللّه مقنعة، قال: فإذا خادم أسود قد خرج فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟ قلت: نعم، قال: فانزل، فأقعدني في الدهليز و دخل، فقلت: هذه دلالة أخرى؛ من أين عرف اسمي و اسم أبي و ليس في البلد من يعرفني و لا دخلته قط؟ فخرج الخادم فقال: المائة دينار التي في كمّك في الكاغذ هاتها، فناولته إيّاها و قلت: هذه ثالثة، و جاء فقال: ادخل، فدخلت و هو وحده، فقال: يا يوسف ما آن لك؟ فقلت: يا مولاي قد بان لي من البرهان ما فيه كفاية لمن اكتفى، فقال: هيهات إنّك لا تسلم و لكن سيسلم ولدك فلان و هو من شيعتنا، يا يوسف إنّ أقواما يزعمون أنّ ولايتنا لا تنفع أمثالك، كذبوا و اللّه إنّها لتنفع، امض فيما وافيت له فإنّك سترى ما تحب، فمضيت إلى باب المتوكل فنلت كلّما أردت و انصرفت. قال هبة اللّه: فلقيت ابنه بعد هذا و هو مسلم حسن التشيّع، فأخبرني أنّ أباه مات على النصرانية، و أنّه أسلم بعد موت أبيه، و كان يقول: أنا مؤمن ببشارة مولاي (عليه السلام). و منها ما قال أبو هاشم الجعفري أنّه ظهر برجل من أهل سرّ من رأى برص فتنغّص عيشه، فأشار إليه أبو علي الفهري بالتعرّض لأبي الحسن، و أن يسأله الدعاء، فجلس له يوما فرآه فقام إليه فقال: تنحّ عافاك اللّه- و أشار إليه بيده- تنحّ عافاك اللّه- ثلاث مرّات- فانخذل و لم يجسر أن يدنو منه، فانصرف و لقى الفهري و عرّفه ما قال له، قال: قد دعا لك قبل أن تسأله، فاذهب فإنّك ستعافى، فذهب و أصبح و قد برأ. و عن زرافة حاجب المتوكل قال: وقع مشعبذ هندي يلعب بالحقة لم ير مثله، و كان المتوكل لعّابا، فأراد أن يخجل عليّا (عليه السلام)، فقال المتوكل: إن أخجلته فلك ألف دينار، قال: فتقدم أن يخبز رقاق خفاف تجعل على المائدة و أنا إلى جنبه، ففعل و حضر علي (عليه السلام) للطعام و جعل له مسورة عليها صورة أسد، و جلس اللاعب إلى جنب المسورة، فمدّ علي (عليه السلام) يده إلى رقاقة فطيّرها اللاعب، كذا ثلاث مرّات، فتضاحكوا، فضرب علي (عليه السلام) يده على تلك الصورة و قال: خذه، فوثبت الصورة من المسورة و ابتلعت الرجل و عادت إلى المسورة فتحيّروا و نهض علي بن محمّد، فقال له المتوكل: سألتك باللّه إلّا جلست و رددته فقال: و اللّه لا يرى بعدها، أ تسلّط أعداء اللّه على أوليائه؟ و خرج من عنده و لم ير الرجل بعدها. و أتاه رجل من أهل بيته اسمه معروف، و قال: جئتك و ما أذنت لي، قال: ما علمت بك و أخبرت بعد انصرافك، و ذكّرتني بما لا ينبغي، فحلف ما فعلت، و علم أبو الحسن أنّه كاذب، فقال: اللهمّ إنّه حلف كاذبا فانتقم منه فمات من الغد. و منها قال أبو هاشم الجعفري: كان للمتوكّل بيت فيه شباك و فيه طيور مصوتة فإذا دخل إليه أحد لم يسمع، و لم يسمع، فإذا دخل علي (عليه السلام) سكتت جميعا، فإذا خرج عادت إلى حالها. و روى حديث زينب الكذابة التي ذكرناها في أخبار الرضا (عليه السلام) عن الهادي (عليه السلام) و اللّه أعلم. و منها ما روى ابن أرومة قال: خرجت إلى سرّ من رأى أيّام المتوكل فدخلت إلى سعيد الحاجب و دفع المتوكل أبا الحسن (عليه السلام) إليه ليقتله، فقال لي: أ تحب أن تنظر إلى إلهك؟ فقلت: سبحان اللّه إلهي لا تدركه الأبصار! فقال: الذي تزعمون أنّه إمامكم؟ قلت: ما أكره ذلك، قال: قد أمرت بقتله و أنا فاعله غدا، فإذا خرج صاحب البريد فادخل عليه، فخرج و دخلت و هو جالس و هناك قبر يحفر، فسلّمت عليه و بكيت بكاء شديدا، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ما أرى؟ قال: لا تبك إنّه لا يتمّ لهم ذلك، و إنّه لا يلبث أكثر من يومين حتّى يسفك اللّه دمه و دم صاحبه، فو اللّه ما مضى غير يومين حتّى قتل. و منها أنّ أبا محمّد الطبري قال: تمنّيت أن يكون لي خاتم من عنده (عليه السلام)، فجاءني نصر الخادم بدر همين فصنعتهما خاتما، و دخلت على قوم يشربون الخمر فتعلّقوا بي فشربت قدحا و قدحين و كان ضيّقا في إصبعي لا يمكنني إدارته للوضوء، فأصبحت و قد افتقدته، فتبت إلى اللّه تعالى. و منها أنّ المتوكل عرض عسكره و أمر أنّ كلّ فارس يملأ مخلاة فرسه طينا و يطرحوه في موضع واحد، فصار كالجبل و اسمه تلّ المخالي، و صعد هو و أبو الحسن (عليه السلام) و قال: إنّما طلبتك لتشاهد خيولي، و كانوا لبسوا التجافيف و حملوا السلاح، و قد عرضوا بأحسن زينة و أتمّ عدّة و أعظم هيئة، و كان غرضه كسر قلب من يخرج عليه، فقال له أبو الحسن: فهل أعرض عليك عسكري؟ قال: نعم، فدعا اللّه سبحانه فإذا بين السماء و الأرض من المشرق إلى المغرب ملائكة مدجّجون، فغشي على المتوكل، فلمّا أفاق قال له أبو الحسن: نحن لا ننافسكم في الدنيا فإنّا مشغولون بالآخرة فلا عليك شيء ممّا تظن. و منها روي عن محمّد بن الفرج قال: قال لي علي بن محمّد: إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها، وضع الكتاب تحت مصلّاك، ودعه ساعة ثمّ أخرجه و انظر فيه، قال: ففعلت فوجدت جواب المسألة موقعا فيه. و منها ما رواه أبو سعيد سهل بن زياد قال: حدّثنا أبو العباس فضل بن أحمد بن إسرائيل الكاتب و نحن بداره بسرّمنرأى، فجرى ذكر أبي الحسن (عليه السلام)، فقال: يا أبا سعيد أحدّثك بشيء حدّثني به أبي، قال: كنّا مع المنتصر و أبي كاتبه، فدخلنا و المتوكل على سريره، فسلّم المنتصر و وقف و وقفت خلفه، و كان إذا دخل رحّب به و أجلسه، فأطال القيام و جعل يرفع رجلا و يضع أخرى، و هو لا يأذن له في القعود، و رأيت وجهه يتغيّر ساعة بعد ساعة، و يقول للفتح بن خاقان: هذا الذي يقول فيه ما تقول، و يردّ عليه القول و الفتح يسكنه و يقول: هو مكذوب عليه و هو يتلظّى و يستشيط و يقول: و اللّه لأقتلنّ هذا المرائي الزنديق، و هو الذي يدّعي الكذب و يطعن في دولتي، ثمّ طلب أربعة من الخزر أجلافا، و دفع إليهم أسيافا، و أمرهم أن يقتلوا أبا الحسن إذا دخل و قال: و اللّه لأحرقنّه بعد قتله، و أنا قائم خلف المنتصر من وراء الستر. فدخل أبو الحسن و شفتاه يتحرّكان و هو غير مكترث و لا جازع، فلمّا رآه المتوكّل رمى بنفسه عن السرير إليه و انكبّ عليه يقبّل بين عينيه و يديه و احتمل شقّه بيده و هو يقول: يا سيّدي يا بن رسول اللّه يا خير خلق اللّه يا بن عمّي يا مولاي يا أبا الحسن، و أبو الحسن (عليه السلام) يقول: أعيذك يا أمير المؤمنين باللّه من هذا، فقال: ما جاء بك يا سيّدي في هذا الوقت؟ قال: جاءني رسولك، قال: كذب ابن الفاعلة، ارجع يا سيّدي، يا فتح يا عبيد اللّه يا منتصر شيّعوا سيّدكم و سيّدي، فلمّا بصر به الخزر خرّوا سجّدا، فدعاهم المتوكّل و قال: لم لم تفعلوا ما أمرتكم به؟ قالوا: شدّة هيبته و رأينا حوله أكثر من مائة سيف لم نقدر أن نتأمّلهم، و امتلأت قلوبنا من ذلك، فقال: يا فتح هذا صاحبك و ضحك في وجهه و قال: الحمد للّه الذي بيّض وجهه و أنار حجّته (انتهى ما أردت نقله من كتابه رحمه اللّه تعالى). [ما ذكره الطبرسي في إعلام الورى في تأريخه و فضائله و أخباره ع] و قال الطبرسي في كتابه إعلام الورى: الباب التاسع في ذكر الإمام النقي أبو الحسن علي بن محمّد بن موسى (عليهم السلام)، و فيه أربعة فصول: الفصل الأول في ذكر مولده و مبلغ سنّه و وقت وفاته و موضع قبره (عليه السلام) ولد (عليه السلام) بصريا من المدينة في النصف من ذي الحجة سنة اثنتى عشرة و مائتين، و في رواية ابن عياش يوم الثلاثاء الخامس من رجب، و قبض بسرّمنرأى في رجب سنة أربع و خمسين و مائتين، و له يومئذ أحد و أربعون سنة و أشهر، و كان المتوكّل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة بن أعين من المدينة إلى سرّ من رأى فأقام بها حتّى مضى لسبيله، و مدّة إمامته ثلاث و ثلاثون سنة، و أمّه أم ولد يقال لها سمانة. و ألقابه النقي، و العالم، و الفقيه، و الأمين، و الطيب، و يقال له أبو الحسن الثالث، و كانت في أيّام إمامته بقيّة ملك المعتصم، ثمّ ملك الواثق خمس سنين و سبعة أشهر، و ملك المتوكّل أربع عشرة سنة، ثمّ ملك ابنه المنتصر ستّة أشهر، ثمّ ملك المستعين و هو أحمد بن محمّد بن المعتصم سنتين و تسعة أشهر، ثمّ ملك المعتزّ و هو الزبير بن المتوكل ثماني سنين و ستة أشهر، و في آخر ملكه استشهد ولي اللّه علي بن محمّد (عليهما السلام) و دفن في داره بسرّمنرأى. الفصل الثاني في طرف من النص الدال على إمامته (عليه السلام) و ذكر أخبارا قد تقدّمت تتضمّن النص من أبيه (عليهما السلام)، و قال: و الأخبار في هذا الباب كثيرة و في إجماع العصابة على إمامته و عدم من يدّعيها لغيره غنى عن إيراد الأخبار في ذلك، و ضرورة أئمّتنا (عليهم السلام) في هذه الأزمنة في خوفهم من أعدائهم و تقيّتهم أحوجت شيعتهم في معرفة نصوصهم على من بعدهم إلى ما ذكرنا من الاستخراج، حتّى أن أوكد الوجوه عندهم في ذلك دلائل العقول الموجبة للإمامة، و ما اقترن إلى ذلك من حصولها لولد الحسن (عليه السلام)، و فساد أقوال ذوي النحل الباطلة و باللّه التوفيق. الفصل الثالث في ذكر طرف من دلائله (عليه السلام) و معجزاته و بيّناته قد ذكر في هذا الفصل شيئا ممّا أوردته، و أنا أذكر من قوله ما انفرد بروايته. فمنها قال أبو هاشم الجعفري: كنت بالمدينة حين مرّ بها بغاء أيّام الواثق (في طلب الأعراب) فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخرجوا بنا حتّى ننظر إلى تعبية هذا التركي، فخرجنا فمرّ بنا تعبيته و مرّ بنا تركي، فكلّمه أبو الحسن بالتركية، فنزل عن فرسه و قبّل حافر دابّته، قال: فقلت للتركي: ما قال: لك؟ قال: أ نبيّ هو؟ قلت: لا، قال: دعاني باسم سمّيت أمّي به في صغري في بلاد الترك، ما علمه أحد إلى الساعة. و عنه قال: دخلت إلى أبي الحسن (عليه السلام) فكلّمني بالهندية، فلم أحسن أن أرد عليه، و كان بين يديه حصا فأخذ حصاة و تركها في فمه و مصّها ثلاث مصّات و دفعها إليّ فوضعتها في فمي، فو اللّه ما برحت من عنده حتّى تكلّمت بثلاثة و سبعين لسانا، أوّلها الهندية. و عنه قال: خرجت معه (عليه السلام) إلى ظاهر سرّ من رأى يتلقّى بعض الطالبيين فأبطأ، فطرحت له غاشية السرج فجلس عليها، و نزلت فجلست بين يديه و هو يحدّثني، فشكوت إليه قصور يدي، فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالسا، فناولني منه أكفّا و قال: اتّسع بهذا يا أبا هاشم، أكتم ما رأيت، فخبأته معي و رجعنا فأبصرته فإذا هو يتّقد كالنيران ذهبا أحمر، فدعوت صائغا إلى منزلي و قلت له: اسبك لي هذا سبيكة فسبكه، و قال: ما رأيت ذهبا أجود من هذا، و هو كالرمل فمن أين لك هذا فما رأيت أعجب منه؟ قلت: هذا لنا من قديم مدّخر. و حدّث أبو طاهر الحسين بن عبد القاهر الطاهري قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الأشتر العلوي، قال: كنت على باب المتوكل و أنا صبي في جمع من الناس ما بين طالبي إلى عباسي إلى جندي، و كان إذا جاء أبو الحسن ترجّل الناس كلّهم حتّى يدخل، فقال بعضهم لبعض: لم نترجّل لهذا الغلام و ما هو بأشرفنا و لا بأكبرنا سنّا! و اللّه لا ترجّلنا له، فقال له أبو هاشم الجعفري: و اللّه لتترجلنّ له صاغرين إذا رأيتموه، فما هو إلّا أقبل حتّى ترجّلوا أجمعين، فقال أبو هاشم: أ ليس زعمتم أنّكم لا تترجّلون؟ فقالوا: و اللّه ما ملكنا أنفسنا حتّى ترجّلنا. قال: و أولم بعض أولاد الخلفاء وليمة، فدعا أبا الحسن و دعا الناس، فلمّا رأوه أنصتوا إجلالا له، و جعل شاب في المجلس لا يوقّره و يتحدّث و يضحك، فأقبل عليه و قال: يا هذا أ تضحك بملء فيك و تذهل عن ذكر اللّه و أنت بعد ثلاث من أهل القبور؟ قال: فقلنا: هذا دليل ننظر ما يكون، فأمسك الفتى و كفّ و طعمنا و خرجنا، فلمّا كان بعد يوم اعتلّ الفتى و مات في اليوم الثالث و دفن فيه. و قال سعيد: اجتمعنا فى وليمة لبعض أهل سرّ من رأى و أبو الحسن معنا، فجعل رجل يعبث و يمزح و لا يرى له جلالة، فأقبل على جعفر و قال: أمّا إنّه لا يأكل من هذا الطعام و سيرد عليه من خبر أهله ما ينغص عيشه، فلمّا قدّمت المائدة قال جعفر: ليس بعد هذا خبر، فو اللّه لقد غسل الرجل يده و أهوى إلى الطعام فدخل غلامه و هو يبكي و يصرخ و قال: الحق أمّك فقد وقعت من السطح و هي في الموت، قال جعفر: فقلت: و اللّه لا وقفت بعد هذا فيه و قطعت عليه، و الروايات في هذا الباب كثيرة و فيما أوردناه كفاية. الفصل الرابع في ذكر طرف من خصائصه (عليه السلام) و أخباره ذكر في هذا الفصل حديث إشخاصه من المدينة و حديث خان الصعاليك الذي أنزل فيه عند قدومه سرّ من رأى، قال: و كان المتوكّل يجتهد في إيقاع حيلة به فلا يتمكّن من ذلك و له معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب فيها آيات و دلالات ذكرنا بعضها، و في إيراد جميعها خروج عن الغرض في الإيجاز. و له من الأولاد ابنه أبو محمّد الحسن الإمام بعده، و الحسين، و محمّد، و جعفر الملقّب بالكذّاب، و ابنته غالية، و كان مقامه بسرّمنرأى إلى أن توفّي (عليه السلام) عشرين سنة و أشهرا. قال أفقر عباد اللّه تعالى إلى رحمته علي بن عيسى أغاثه اللّه في الدنيا و الآخرة برحمته: شرف مولانا الهادي (عليه السلام) قد ضرب على المجرة قبابه، و مدّ على النجوم أطنابه، و وصل بأسباب السماء أسبابه، فما تعدّ منقبة إلّا و له نخيلتها و لا تذكر كريمة إلّا و له فضيلتها، و لا تورد حسنة إلّا و له تفصيلها و جملتها، و لا تستعظم حالة سنيّة إلّا و تظهر عليه أدلّتها استحقّ ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرّد بخصائصه، و مجد حكم فيه على طبعه الكريم، فحفظه من الشوب حفظة الراعي لقلائصه فكانت نفسه مهذبة، و أخلاقه مستعذبة، و سيرته عادلة و خلاله فاضلة، و مباره إلى العفاة واصلة، و رباع العرف بوجوده و جودة أهله جرى من الوقار و السكينة و السكون و الطمأنينة، و العفة و النزاهة و الخمول في النباهة، و الشفقة و الرأفة، و الحزم و الحصافة، و الحنو على الأقارب و الأباعد، و الحدب على الولي و الحاسد، على وتيرة نبوية و شنشنة علوية و نفس قدسيّة، لا يقاربها أحد من الأنام و لا يدانيها، و طريقة لا يشاركه فيها خلق و لا يطمع فيها. إنّ السرى إذا سرى بنفسه و ابن السرى إذا سرىأسراهما إذا قال بذّ الفصحاء، و حيّر البلغاء، و أسكت العلماء، إن جاد بخل الغيث، و إن صال جبن الليث، و إن فخر أذعن كلّ مساجل، و سلّم إليه كلّ مناضل، و أقرّ لشرفه كلّ شريف، و إن طاول الأفلاك و نافر الأملاك، و اعترف أنّه ليس هناك، و إن ذكرت العلوم فهو (عليه السلام) موضح أشكالها و فارس جلادها و جدالها و ابن نجدتها و صاحب أقوالها، و اطلاع نجادها، و ناصب أعلام أعقالها. هذه صفاته التي تتعلّق بذاته، و علاماته الدالة على معجز آياته، فإن أتى الناس بآبائهم أتى بقوم أخبر بشرفهم هل أتى، و دلّت على مناصبهم آية المباهلة، و إن عتا عن قبولها من عتا، و نطق القرآن الكريم بفضلهم، و نبّه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على نبلهم، و لم يسأل على التبليغ أجرا إلّا ودّهم، و بالغ في العهد بأحسنوا خلافتي في أهلي، فما حفظوا عهده و لا عهدهم، فهم (عليهم السلام) أمناء اللّه و خيرته، و خلفاؤه على بريّته و صفوته، المشار إليهم بآداب القرآن المجيد، المخاطبون ب إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ الذين هم على أولياء اللّه أرقّ من الماء، و على أعدائه أقسى من الحديد، و أجواد و السحاب باخل، أيقاظ في اللقاء و الليث ذاهل، قلوبهم حاضرة، و وجوههم ناضرة، و ألسنتهم ذاكرة، و إذا كان لغيرهم دنيا فلهم دنيا و آخرة، صلّى اللّه عليهم صلاة يقتضيها كرم اللّه، و استحقاقهم الكامل، و هذان سببان يوجبان الحصول لوجود الفاعل و القابل، و قد مدحت مولانا أبا الحسن (عليه السلام) بما أرجو ثوابه في العاجل و الآجل، و أنا معترف بالتقصير و اللّه عند لسان كلّ قائل، و هو: يا أيّهذا الرايح الغادي عرّج على سيّدنا الهادي و اخلع إذا شارفت ذاك الثرى فعل كليم اللّه في الوادي و قبّل الأرض وسف تربة فيها العلى و الشرف العادي و قل سلام اللّه وقف على مستخرج من صلب أجواد مؤيد الأفعال ذو نائل في المحل يروى غلة الصادي يفوق في المعروف صوب الحيا الساري بابراق و ارعاد في البأس يردى شافه المعتدى بصولة كالأسد العادي و في الندى يجري إلى غاية بنفس مولى العرف معتاد يعفو عن الجاني و يعطى المنى في حالتي وعد و إيعاد كأنّ ما يحويه من ماله دراهم في كفّ نقّاد مبارك الطلعة ميمونها و ماجد من نسل أمجاد من معشر شادوا بناء العلى كبيرهم و الناشي الشادي كأنّما جودهم واقف لمبتغى الجود بمرصاد عمّت عطاياهم و إحسانهم طلاع أغوار و أنجاد في السلم أقمار و إن حاربوا كانت لهم نجدة آساد ولاؤهم من خير ما نلته و خير ما قدّمت من زاد إليهم سعيي و في حبّهم و مدحهم نصّي و إسنادي يا آل طه أنتم عدّتي و وصفكم بين الورى عادي و شكركم دأبي و ذكري لكم همّي و تسبيحي و أورادي و يعجب الشيعة ما قلته فيكم و يستحلون إيرادي بدأتم بالفضل و ارتحتم إلى العلى و الفضل للبادي ولي أمان فيكم جمّة تقضى بإقبالي و إسعادي و واجب في شرع إحسانكم أنالني الخير و إمدادي لا زال قلبي لكم مسكنا في حالتي قرب و إبعادي ذكر الإمام الحادي عشر أبي محمّد الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن الصادق جعفر بن محمّد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين [مولده و اسمه و نسبه و عمره و مناقبه ع] قال الشيخ كمال الدين محمّد بن طلحة رحمه اللّه تعالى: الباب الحادي عشر في أبي محمّد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمّد القانع بن علي الرضا (عليهم السلام). مولده سنة إحدى و ثلاثين و مأتين للهجرة. و أمّا نسبه أبا و أمّا؛ فأبوه أبو الحسن علي المتوكل بن محمّد القانع بن علي الرضا و قد تقدّم القول في ذلك، و أمّه أم ولد يقال لها سوسن. و أمّا اسمه فالحسن، و كنيته أبو محمّد، و لقبه الخالص. و أمّا مناقبه: فاعلم أنّ المنقبة العليا، و المزيّة الكبرى التي خصّه اللّه جلّ و علا بها، فقلّده فريدها، و منحه تقليدها، و جعلها صفة دائمة لا يبلى الدهر جديدها، و لا تنسى الألسن تلاوتها و ترديدها أنّ المهدي من نسله المخلوق منه، و ولده المنتسب إليه، و بضعته المنفصلة عنه، و سيأتي في الباب الذي يتلو هذا الباب شرح مناقبه و تفصيل أحواله إن شاء اللّه تعالى. و كفى أبا محمّد الحسن تشريفه من ربّه أن جعل محمّد المهدي من كسبه، و أخرجه من صلبه، و جعله معدودا من حزبه، و لم يكن لأبي محمّد ولد ذكر سواه، و حسبه ذلك منقبة و كفاه، لم تطل من الدنيا أيّام مقامه و مثواه و لا امتدّ أمد حياته فيها ليظهر للناظرين مآثره و مزاياه. و أمّا عمره فإنّه توفّي في الثامن من ربيع الأوّل من سنة ستّين و مأتين للهجرة في خلافة المعتمد، و قد تقدّم ذكر ولادته في سنة إحدى و ثلاثين و مأتين فيكون عمره تسعا و عشرين سنة، كان مقامه مع أبيه ثلاثا و عشرين سنة و أشهرا، و بقي بعد أبيه خمس سنين و شهورا و قبره بسرّمنرأى (آخر كلام كمال الدين). و أنا أعجب من كونه من فضله و مكانه من العلم و ميله إلى تصنيف هذا الكتاب لم ينقب عن فضائلهم، و لم يبالغ في إيضاح أخبارهم و دلايلهم، فاقتصر على هذا القدر من ذكره و ذكر أبيه من قبله، و اعتذر بقصر عمره عن عدّ فضله، و لو طلب ذلك و اجتهد لحصل ما أراد و وجد، و سعى إلى حيث لا أمد، فإنّ مناقبهم (عليهم السلام) لا تدخل تحت العدد، و هي متزايدة مع الأبد، واضحة الجدد. و قال الحافظ عبد العزيز الجنابذي رحمه اللّه تعالى: أبو محمّد الحسن بن علي ابن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) يلقّب بالعسكري، مولده سنة إحدى و ثلاثين و مائتين، توفي سنة ستّين و مائتين، فيكون عمره تسعا و عشرين سنة في زمن المعتز، و قبره بسامرّاء، و قيل: مولده سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، و قبض بسرّمنرأى لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين و كان سنّه يومئذ ثمان و عشرين سنة، و أمّه أم ولد يقال لها حربية، و قبره إلى جانب قبر أبيه بسرّمنرأى. و روى عن رجاله قال القاضي أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن هارون الضبى إملاء قال: وجدت في كتاب والدي، حدّثنا جعفر بن محمّد بن حمزة العلوي، قال: كتبت إلى أبي محمّد الحسن بن علي بن محمّد بن الرضا أسأله لم فرض اللّه تعالى الصوم؟ فكتب إليّ فرض اللّه تعالى الصوم لمجد الغنى مسّ الجوع، ليحنو على الفقير. و روى عن رجاله عن الحافظ البلاذري: حدّثنا الحسين بن علي بن محمّد بن علي بن موسى إمام عصره عند الإماميّة بمكة، قال: حدّثني أبي علي بن محمّد المفتي، قال: حدّثني أبي محمّد بن علي السيّد المحجوب، قال: حدّثني أبي علي بن موسى الرضا، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر المرتضى قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد الصادق، قال: حدّثني أبي محمّد بن علي الباقر، قال: حدّثني أبي علي بن الحسين السجّاد زين العابدين، قال: حدّثني أبي الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنّة، قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب سيّد الأوصياء، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه سيّد الأنبياء قال: حدّثني جبرئيل سيّد الملائكة، قال: قال اللّه عزّ و جلّ سيّد السادات: إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، فمن أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني، و من دخل حصني أمن من عذابي و قال الحاكم: و لم نكتبه إلّا عن هذا الشيخ (تمّ كتاب معالم العترة و الحمد للّه). قال شيخنا المفيد رحمه اللّه تعالى في إرشاده: باب ذكر القائم بعد أبي الحسن علي بن محمّد (عليهما السلام) و تاريخ مولده و دلايل إمامته و النص عليه من أبيه و مبلغ سنّه و مدّة خلافته و ذكر وفاته و موضع قبره و طرف من أخباره. و كان الإمام بعد أبي الحسن علي بن محمّد ابنه أبا محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) لاجتماع خلال الفضل فيه و تقدّمه على كافة أهل عصره فيما يوجب له الإمامة و يقتضي له الرئاسة من العلم و الزهد و كمال العقل و العصمة و الشجاعة و الكرم و كثرة الأعمال المقربة إلى اللّه جلّ اسمه ثمّ لنصّ أبيه (عليه السلام) عليه و إشارته بالخلافة إليه، و كان مولده بالمدينة في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، و قبض يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين، و له يومئذ ثمان و عشرون سنة، و دفن في داره بسرّمنرأى في البيت الذي دفن فيه أبوه (عليهما السلام)، و أمّه أم ولد يقال لها حديثة، و كانت مدّة خلافته ست سنين. باب ذكر طرف من الخبر الوارد بالنص عليه من أبيه (عليهما السلام) و الإشارة إليه بالإمامة من بعده. عن يحيى بن يسار العنبري قال: أوصى أبو الحسن علي بن محمّد إلى ابنه الحسن (عليهما السلام) قبل مضيّه بأربعة أشهر، و أشار إليه بالأمر من بعده، و أشهدني على ذلك و جماعة من الموالي. و عن علي بن عمرو النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في صحن داره، فمرّ بنا محمّد ابنه فقلت له: جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: لا، صاحبكم بعدي الحسن. و عن عبد اللّه بن محمّد الأصفهاني قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): صاحبكم بعدي الذي يصلّي عليّ، قال: و لم نعرف أبا محمّد قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمّد بعد وفاته فصلّى عليه. و عن علي بن جعفر قال: كنت حاضرا أبا الحسن (عليه السلام) لمّا توفي ابنه محمّد فقال للحسن: يا بني أحدث للّه شكرا، فقد أحدث فيك أمرا. و عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن مروان قال: كنت حاضرا عند مضي أبي جعفر محمّد بن علي، فجاء أبو الحسن (عليه السلام) فوضع له كرسي فجلس عليه و حوله أهل بيته، و أبو محمّد (عليه السلام) قائم في ناحية، فلمّا فرغ من أمر أبي جعفر التفت إلى أبي محمّد (عليه السلام) فقال مثله. و عن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن كان كون و أعوذ باللّه فإلى من؟ قال: عهدي إلى الأكبر من ولدي يعني الحسن (عليه السلام). و عن علي بن عمرو العطّار قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) و ابنه أبو جعفر بحياة و أنا أظنّ أنّه الخلف من بعده فقلت له: جعلت فداك من أخصّ من ولدك؟ فقال: لا تخصّوا أحدا حتّى يخرج إليكم أمري قال: فكتبت إليه بعد فيمن يكون هذا الأمر؟ قال: فكتب إليّ: في الأكبر من ولدي، و كان أبو محمّد (عليه السلام) أكبر من أبي جعفر. و عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس أنّهم حضروا يوم توفي محمّد بن علي بن محمّد في دار أبي الحسن (عليه السلام) و قد بسط له في صحن داره و الناس حوله جلوس، فقالوا: قدّرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب و بني العباس و قريش مائة و خمسون رجلا سوى مواليه و ساير الناس، إذ نظر إليّ الحسن بن علي بعد ساعة من قيامه و قد جاء مشقوق الجيب وقف على يمينه و نحن لا نعرفه، فقال له: يا بني أحدث للّه شكرا فقد أحدث اللّه فيك أمرا، فبكى الحسن (عليه السلام) و استرجع فقال: الحمد للّه ربّ العالمين و إيّاه أسأل تمام نعمه علينا و إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، فسألنا عنه، فقيل لنا: هذا الحسن بن علي ابنه، و قدّرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة و نحوها، فيومئذ عرفناه و علمنا أنّه أشار إليه بالإمامة و أقامه مقامه. و عن محمّد بن يحيى قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) بعد مضي أبي جعفر ابنه فعزّيته عنه و أبو محمّد جالس، فبكى أبو محمّد فأقبل عليه أبو الحسن (عليه السلام) فقال: إنّ اللّه قد جعل فيك خلفا منه فاحمد اللّه. و عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) بعد ما مضى ابنه أبو جعفر و إنّي لافكّر في نفسي أريد أن أقول كأنّهما- أعني أبا جعفر و أبا محمّد- في هذا الوقت كأبي الحسن موسى و إسماعيل ابني جعفر بن محمّد (عليهم السلام) و إنّ قصّتهما كقصّتهما، فأقبل عليّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا للّه في أبي محمّد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، و هو كما حدّثتك نفسك و إن كره المبطلون، أبو محمّد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه و معه آلة الإمامة. و عن أبي بكر الفهفكي قال: كتب أبو الحسن (عليه السلام) إليّ أبو محمّد ابني أصح آل محمّد غريزة و أوثقهم حجة و هو الأكبر من ولدي، و هو خليفتي و إليه تنتهي عرى الإمامة و أحكامها، فما كنت سائلي عنه فاسأله عنه فعنده ما تحتاج إليه. و عن شاهويه بن عبد اللّه قال: كتب إليّ أبو الحسن (عليه السلام) في كتاب أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر، و قلقت لذلك: فلا تقلق فإنّ اللّه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون، صاحبك أبو محمّد و عنده ما تحتاجون إليه، يقدّم اللّه ما يشاء و يؤخّر و ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها و في هذا بيان و إقناع لذي عقل يقظان. و عن داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: و لم جعلني اللّه فداك؟ فقال: إنّكم لا ترون شخصه، و لا يحلّ لكم ذكره باسمه، فقلت: فكيف نذكره؟ قال: قولوا: الحجّة من آل محمّد (عليهم السلام)، و الأخبار في هذا الباب كثيرة يطول بها الكتاب.
كشف الغمة — ذكر الإمام الخامس أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) · باب طرف من دلايل أبي الحسن علي بن محمّد و أخباره و براهينه و بيّناته: