الأقسامكشف الغمة في معرفة الأئمةذكر النبي ص للمهدي و أنه من ولد الحسين ع
كشف الغمة

إلى من هو أعلم أمّتنا بالكتاب و السنّة و جميع ما تسأل عنه و هو ذاك، و أومأ بيده إلى علي (عليه السلام)، و ساق الحديث إلى أن قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سل عمّا بدا لك، فقال: أخبرني عن ثلاث و ثلاث و واحدة؟ فقال له علي: لم لم تقله سبعة؟ فقال له اليهودي: إنّك إن أخبرتني بالثلاث سألتك عن البقيّة، و إلّا كففت. ثمّ قال: أخبرني عن أوّل حجر وضع على وجه الأرض؟ و أوّل شجرة غرست في الأرض؟ و أوّل عين نبعت على وجه الأرض؟ فأخبره أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ قال اليهودي: أخبرني عن هذه الامّة كم يكون لها من إمام هدى؟ و أخبرني عن نبيّكم محمّد أين منزله في الجنّة؟ و من يسكن معه في منزله؟ فقال له (عليه السلام): إنّ لهذه الامّة اثنا عشر إماما من ذريّة نبيّها و هم منّي، و أمّا منزلة نبيّنا في الجنّة فهي أفضلها و أشرفها جنّة عدن، و أمّا من يسكن معه في منزله فهؤلاء الاثنا عشر من ذريّته، و أمّهم و جدّتهم أم أمّهم و ذراريهم لا يشركهم فيها أحد (الخبر بتمامه) و أعاد هذا الخبر ثانية بألفاظ أتم من هذه، و الموضع المطلوب سؤال اليهودي عن عدّة الأئمّة (عليهم السلام) فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عيّنها كما تقدّم و أسلم اليهودي. و عن أبي حمزة قال: سمعت الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: إنّ اللّه تعالى خلق محمّدا و اثنى عشر من أهل بيته من نور عظمته، و أقامهم أشباها في ضياء نوره يعبدونه و يسبّحونه و يقدّسونه، و هم الأئمّة من بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من آل محمّد اثنا عشر إماما كلّهم محدّث، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و علي هما الوالدان. و عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم اللّه فهمي و علمي و حلمي، و خلقهم من طينتي، فويل للمتكبّرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، مالهم لا أنالهم اللّه شفاعتي. و عن سيّد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الأئمّة من بعدي اثنا عشر، أوّلهم أنت يا علي، و آخرهم القائم الذي يفتح اللّه على يديه مشارق الأرض و مغاربها. و عن الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الأئمّة من بعدي اثنا عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب، و آخرهم القائم هم خلفائي و أوصيائي و أوليائي، و حجج اللّه على أمّتي، المقرّ بهم مؤمن و المنكر لهم كافر. و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي الاثنى عشر، أوّلهم أخي و آخرهم ولدي، قيل: يا رسول اللّه من أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب، قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت جورها و ظلما، و الذي بعثني بالحق بشيرا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، و ينزل روح اللّه عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، و تشرق الأرض بنور ربّها و بلغ سلطانه المشرق و المغرب، و الأخبار في هذا الفن كثيرة، فلنقتصر على ما أوردناه ففيه كفاية و مقنع فيما نحوناه. و أمّا الضرب الثاني ذكر في هذا الضرب حديث اللوح الذي كان عند فاطمة (عليها السلام) فيه أسماء الأئمّة واحدا بعد واحد على التعيين، و هو من طرق أصحابنا و الذي أراه أنّ هذه الأحاديث لا فائدة في ذكرها طائلة لأنّه إن كان المراد بها إثبات أسمائهم و حصرهم في هذه العدة عند الشيعة فذلك أمر مفروغ منه، ثابت لا يحتاج إلى دليل و لا يفتقر إلى برهان و يكفي فيه عندهم النقل الذي تداولوا، و إن كان المراد به ثبوته عند المخالفين فهذه الأحاديث عندهم لا تنصر دعوى و لا تثبت حجّة، و قد أوردت أنا في تضاعيف هذا الكتاب من طرقهم ما فيه بلاء و لا يسع العقلاء إنكاره إلّا من أراد الجدال و كان في طبعه عناد أو نشأ على أمر و يضعف طبعه عن مفارقته و العدول عنه إلى ضدّه، و في ذلك صعوبة على الأنفس الضعيفة، و قد أجاد أبو الطيّب في قوله: يراد من القلب نسيانكم و تأبى الطباع على الناقل و روي عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عبد اللّه بن جعفر الطيّار يقول: كنّا عند معاوية أنا و الحسن و الحسين و عبد اللّه بن عباس و عمر بن أبي سلمة و أسامة بن زيد، فذكرنا حديثا جرى بينه و بين معاوية، و أنّه قال لمعاوية: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي علي (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و ستدركه يا علي، ثمّ ابني محمّد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و ستدركه يا حسين، ثمّ تكمله اثنا عشر إماما تسعة من ولد الحسين. قال عبد اللّه: ثمّ استشهدت الحسن و الحسين و عبد اللّه بن عباس و عمر بن أبي سلمة و أسامة بن زيد فشهدوا عند معاوية. قال سليم بن قيس الهلالي: و قد كنت سمعت من سلمان و أبي ذر و المقداد و أسامة بن زيد أنّهم سمعوا ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه قال: دخلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإذا الحسين على فخذيه و هو يقبّل عينينه و يلثم فاه و هو يقول: أنت سيّد بن سيّد أبو سادة، أنت إمام بن إمام أبو أئمّة، أنت حجّة بن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم. و عن الصادق عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين عن أبيه (عليهما السلام) قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي، فقيل له: من العترة؟ فقال: أنا و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديّهم و قائمهم، لا يفارقون كتاب اللّه و لا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حوضه. و عن عبد اللّه بن عباس قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: أنا و علي و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون. و عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنا سيّد النبيّين و علي بن أبي طالب سيّد الوصيّين، و إنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) و آخرهم القائم. و عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري يقول: لمّا أنزل اللّه تعالى على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قلت: يا رسول اللّه عرفنا اللّه و رسوله فمن أولى الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟ فقال عليه و آله السلام: هم خلفائي من بعدي يا جابر، و أئمّة الهدى بعدي، أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي المعروف في التوراة بالباقر و ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ سميّي و كنيّي حجّة اللّه في أرضه، و بقيّته في عباده: محمّد بن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح اللّه عزّ و جلّ على يديه مشارق الأرض و مغاربها، و ذلك الذي يغيب عن شيعته و أوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن اللّه قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اي و الذي بعثني بالحق، إنّهم ليستضيئون بنوره و ينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس، و إن علاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ اللّه و مخزون علم اللّه، فاكتمه إلّا عن أهله، إلى آخر الخبر. و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ اللّه تبارك و تعالى أطلع إلى الأرض اطلاعة ثمّ اختارني منها فجعلني نبيّا، ثمّ أطلع الثانية فاختار منها عليا و جعله إماما، ثمّ أمرني أن أتّخذه أخا و وصيّا و خليفة و وزيرا، فعلي منّي و أنا من علي، و هو زوج ابنتي و أبو السبطين الحسن و الحسين، ألا و إنّ اللّه تبارك و تعالى جعلني و إيّاهم حججا على عباده، و جعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري و يحفظون وصيّتي التاسع منهم قائم أهل بيتي، و مهدي أمّتي، أشبه الناس بي في شمائله و أقواله و أفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة و حيرة مضلّة فيعلن أمر اللّه و يظهر دين اللّه و يؤيّده بنصر اللّه و ينصر بملائكة اللّه، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما. و عن أبي حمزة الثمالي عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال: من علم أن لا إله إلّا أنا وحدي و أنّ محمّدا عبدي و نبيّي، و أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، و أنّ الأئمّة من ولده حججي أدخلته الجنّة برحمتي، و نجّيته من النّار بعفوي، و أبحت له جواري، و أوجبت له كرامتي، و أتممت عليه نعمتي، و جعلته خاصّتي، و خالصتي، إن ناداني لبّيته، و إن دعاني أجبته، و إن سألني أعطيته، و إن سكت ابتدأته، و إن أساء رحمته، و إن فرّ منّي دعوته، و إن شهد بذلك و لم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ الأئمّة من ولده و حججي فقد جحد نعمتي و صغر عظمتي، و كفر بآياتي و كتبي، إن قصدني حجبته، و إن سألني حرمته، و إن ناداني لم أسمع نداءه، و إن دعاني لم أجب دعاءه، و إن رجاني خيّبته، و ذلك جزاؤه منّي، و ما أنا بظلّام للعبيد. فقال جابر بن عبد اللّه الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه و من الأئمّة من ولد علي بن أبي طالب؟ فقال: الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ سيّد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثمّ الباقر محمّد بن علي، ثمّ الكاظم موسى بن جعفر، ثمّ الرضا علي ابن موسى، ثمّ التقي محمّد بن علي، ثمّ النقي علي بن محمّد، ثمّ الزكي الحسن بن علي، ثمّ ابنه القائم مهدي أمّتي الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، هؤلاء يا جابر خلفائي و أوصيائي و أولادي و عترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، و من عصاهم فقد عصاني، و من أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، و بهم يحفظ اللّه الأرض أن تميد بأهلها. و عن أبي حمزة الثمالي عن الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عن الحسين بن علي قال: دخلت أنا و أخي على جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأجلسني على فخذه و أجلس أخي الحسن على فخذه الاخرى، ثمّ قال لنا: بأبي أنتما من إمامين صالحين اختاركما اللّه منّي و من أبيكما و أمّكما، و اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة تاسعهم قائمهم كلّهم في الفضل و المنزلة سواء. قال محمّد بن عمران: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: نحن اثنا عشر محدّثا، فقال له أبو بصير: تاللّه لقد سمعت ذلك من أبي عبد اللّه (عليه السلام)؟ فحلف مرّة أو مرّتين أنّه سمعه منه، فقال أبو بصير: لكنّي سمعته من أبي جعفر (عليه السلام). قال: و أمثال هذه الاخبار كثيرة لا يحتمل هذا الكتاب أكثر ممّا ذكرناه، و قد ذكر كثيرا منها الشيخ أبو جعفر بن بابويه في كتاب كمال الدين و تمام النعمة في إثبات الغيبة و كشف الحيرة، فمن أراد الزيادة فليطلب من هناك، و قد صنّف الشيخ المفيد أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان في ذلك كتابا مفردا ذكر فيه الأخبار الواردة في هذا المعنى بأسانيدها. الفصل الثالث من القسم الأوّل: في ذكر جمل من الدلائل على إمامة أئمّتنا (عليهم السلام) سوى ما ذكرناه فيما تقدّم من الكتاب: أحد الدلائل على إمامتهم (عليهم السلام) ما ظهر عنهم من العلوم التي تفرّقت في فرق العالم، فحصل في كلّ فرقة منهم فن و اجتمعت فنونها و سائر أنواعها في آل محمّد (عليهم السلام)، أ لا ترى إلى ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أبواب التوحيد و الكلام الباهر المفيد من الخطب و علوم الدين، و أحكام الشريعة و تفسير القرآن و غير ذلك ما زاد على جميع كلام الخطباء و العلماء و الفصحاء و الحكماء و البلغاء، حتّى أخذ عنه المتكلّمون و الفقهاء و المفسّرون، و نقل عنه أهل العربية أصول الإعراب و معاني اللغات، و قال في الطب ما استفاد منه الأطبّاء، و في الحكم و الوصايا و الآداب ما أربى على جميع كلام الحكماء، و في النجوم و علم الآثار ما استفاده من جهته جميع أهل الملل و الآراء، ثمّ قد نقلت الطوائف عمّن ذكرناه من عترته و أبنائه (عليهم السلام) مثل ذلك من العلوم في جميع الأنحاء و لم يختلف في فضله و علوّ درجتهم في ذلك من أهل العلم اثنان، فقد ظهر عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) من الفتاوي في الحلال و الحرام و المسائل و الأحكام، و روى الناس عنهما من علوم الكلام و تفسير القرآن و قصص الأنبياء و المغازي و السير و أخبار العرب و ملوك الامم ما سمّي أبو جعفر (عليه السلام) لأجله باقر العلم. و روى عن الصادق (عليه السلام) من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان و صنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الاصول رواها أصحابه و أصحاب أبيه و أصحاب ابنه موسى (عليه السلام) و لم يبق فن من فنون العلم إلّا روي عنه (عليه السلام) فيه أبواب، و كذلك كانت حالة ابنه موسى من بعده في إظهار العلوم حتّى حبسه الرشيد، و منعه من ذلك، و قد انتشر للرضا (عليه السلام) و ابنه أبي جعفر من ذلك ما شهرة جملته تغني عن تفصيله، و كذلك كانت سبيل أبي الحسن و أبي محمّد العسكريين (عليهما السلام) و إنّما كانت الرواية عنهما أقل لأنّهما كانا محبوسين في عسكر السلطان، ممنوعين من الانبساط في الفتيا، و إن يلقاهما كلّ أحد من الناس. و إذا ثبت بما ذكرناه بينونة أئمّتنا (عليهم السلام) بما وصفناه عن جميع الأنام و لم يكن أحد أن يدّعي أنّهم أخذوا العلم عن رجال العامّة، أو يلقنوه من رواتهم و فقهائهم، لأنّهم لم يروا قط مختلفين إلى أحد من العلماء في تعلّم شيء من العلوم، و لأنّ ما نقل عنهم من العلوم فإنّ أكثره لا يعرف إلّا منهم و لم يظهر إلّا عنهم، فعلمنا أنّ هذه العلوم بأسرها قد انتشرت عنهم مع غناهم عن ساير الناس، و تيقنا زيادتهم في ذلك على كافتهم، و نقصان جميع العلماء عن رتبتهم. فثبت أنّهم أخذوها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاصّة و أنّه أفردهم بها ليدلّ على إمامتهم و افتقار الناس إليهم فيما يحتاجون إليه، و غناهم عنهم ليكونوا مفزعا لامّته في الدين، و ملجأ لهم في الأحكام، و جروا في هذا التخصيص مجرى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في تخصيص اللّه سبحانه له بإعلامه أحوال الامم السالفة و إفهامه ما في الكتب المتقدّمة من غير أن يقرأ كتابا أو يلقى أحدا من أهله. هذا و قد ثبت في العقول أنّ الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من المفضول و قد بيّن اللّه ذلك في كتابه بقوله: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى و قوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و دلّ بقوله سبحانه في قصّة طالوت: وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ و أنّ التقدم في العلم و الشجاعة موجب للتقدم في الرئاسة، و إذا كانت أئمّتنا (عليهم السلام) أعلم الامّة بما ذكرناه فقد ثبت أنّهم أئمّة الإسلام الذين استحقّوا الرئاسة على الأنام بما قلناه. دلالة أخرى: و ممّا يدلّ على إمامتهم (عليهم السلام) إجماع الامّة على طهارتهم، و ظاهر عدالتهم، و عدم التعلّق عليهم أو على أحد منهم بشيء يشينه في ديانته مع اجتهاد أعدائهم و ملوك أزمنتهم في الغض منهم و الوضع من أقدارهم و التطلّب لعثراتهم حتّى أنّهم كانوا يقربون من يظهر عداوتهم، و ينفقون و يقتلون من يتحقّق بولايتهم، و هذا أمر ظاهر عند من سمع بأخبار الناس فلولا أنّهم (عليهم السلام) كانوا على صفات الكمال من العصمة و التأييد من اللّه تعالى و أنّه سبحانه منع بلطفه كلّ أحد من أن يتحرّص عليهم باطلا أو يقول فيهم لمّا سمعوا (عليهم السلام) من ذلك على الوجه الذي شرحناه، لا سيّما و قد ثبت أنّهم لم يكونوا ممّن لا يؤبه بهم، و لا ممّن لا يدعو الداعي إلى البحث عن أخبارهم و انقطاع آثارهم، بل كانوا على مرتبة من تعظيم الخلق إيّاهم و في الرتبة العالية و الدرجة الرفيعة التي يحسدهم عليها الملوك و يتمنّونها لأنفسهم، لأنّ شيعتهم مع كثرتها في الخلق و غلبتها في أكثر البلاد اعتقدت فيهم الإمامة التي تشارك النبوّة، و ظهرت عليهم الآيات و المعجزات و العصمة عن الزلازل حتّى أنّ الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوّة و الإلهيّة و كان أحد أسباب اعتقادهم ذلك فيهم حسن آثارهم و علوّ أحوالهم و كمالهم في صفاتهم، و قد جرت العادة فيمن حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم من ألسنة أعدائه و نسبتهم إيّاه إلى بعض العيوب القادحة في الديانة و الأخلاق، فإذا ثبت أنّ أئمّتنا (عليهم السلام) نزّههم اللّه عن ذلك ثبت أنّه سبحانه هو المتولّي لجميع الخلائق على ذلك بلطفه جميل صنعه ليدلّ على أنّهم حججه على عباده و السفراء بينه و بين خلقه، و الأركان لدينه و الحفظة لشرعه، و هذا واضح لمن تأمّله. دلالة أخرى: و ممّا يدلّ أيضا على إمامتهم (عليهم السلام) ما حصل من الاتّفاق على برّهم و عدالتهم، و علوّ قدرهم و طهارتهم، و قد ثبتت معرفتهم (عليهم السلام) بكثير ممّن يعتقد إمامتهم و يدين اللّه تعالى بعصمتهم و النص عليهم و يشهد بالمعجز لهم و وضع أيضا اختصاص هؤلاء بهم و ملازمتهم إيّاهم و نقلهم الأحكام و العلوم عنهم و حملهم الزكوات و الأخماس إليهم من أنكر هذا أو دفع كان مكابرا دافعا للعيان، بعيدا عن معرفة أخبارهم، و قد علم كلّ محصل بطريق الأخبار أنّ هشام بن الحكم و أبا بصير و زرارة بن أعين و حمران و بكر ابني أعين، و محمّد بن النعمان الذي يلقبه العامة شيطان الطاق، و بريد بن معاوية العجلي، و أبان بن تغلب، و محمّد بن مسلم الثقفي و معاوية بن عمّار الدهني و غير هؤلاء ممّن قد بلغوا الجمع الكثير و الجم الغفير من أهل العراق و الحجاز و خراسان و فارس كانوا في وقت جعفر بن محمّد (عليهم السلام) رؤساء الشيعة في الفقه و رواية الحديث و الكلام، و قد صنّفوا الكتب و جمعوا المسائل و الروايات و أضافوا أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه و إلى أبيه محمّد الباقر (عليهما السلام)، لكلّ إنسان منهم أتابع و تلامذة في المعنى الذي يتفرّدوا به و أنّهم كانوا يدخلون من العراق إلى الحجاز في كلّ عام إذا كثروا أو قلّوا، ثمّ يرجعون و يحكون عنه الأقوال و يسندون إليه الدلالات و كانت حالهم في وقت الكاظم و الرضا على هذه الصفة و كذلك إلى وقت وفاة أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، و حصل العلم باختصاص هؤلاء بأئمّتنا (عليهم السلام)، كما يعلم اختصاص أبي يوسف و محمّد بن الحسن بأبي حنيفة، و كما يعلم اختصاص المزني و الربيع بالشافعي، و اختصاص النظّام بأبي الهذيل، و الجاحظ و الأسواري بالنظّام. و لا فرق بين من دفع الإمامة عمّا ذكرناه و بين من دفع من سمّيناه عمّن وصفناه في الجهل بالأخبار و العناد و الإنكار، و إذا كان الأمر على ما ذكرناه لم تخل الإماميّة في شهاداتها من أن تكون كاذبة أو صادقة؛ فإن كانت محقّة صادقة في نقل النص عنهم من خلفائهم (عليهم السلام) مصيبة فيما اعتقدته فيهم من العصمة و الكمال، فقد ثبتت إمامتهم على ما قلناه، و إن كانت كاذبة في شهاداتها مبطلة في عقيدتها، فإن يكون كذلك ألا و من سمّيناهم من أئمّة الهدى (عليهم السلام) ضالّون برضاهم بذلك فاسقون بترك النكير عليهم، مستحقّون للبراءة منهم من حيث تولّوا الكذّابين، مضلّون لتقريبهم إيّاهم و اختصاصهم بهم من بين الفرق كلّها ظالمون في أخذ الزكوات و الأخماس عنهم، و هذا ما لا يطلقه مسلم فيمن يقول بإمامته، و إذا كان الإجماع المقدم ذكره حاصلا على طهارتهم و عدالتهم و وجوب إمامتهم، ثبتت إمامتهم بتصديقهم لمن أثبت عندهم ذلك و بمن ذكرنا من اختصاصهم بهم و هذا واضح و المنّة للّه. دلالة أخرى: و ممّا يدلّ أيضا على إمامتهم (عليهم السلام) و أنّهم أفضل الخلق بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذكر في هذا الفصل كلاما طويلا أنا ألخّصه و أذكر معناه، قال ما معناه:- إنّ اللّه غرس لهم في القلوب من الإجلال و التعظيم ما كان يعظمهم لأجله الولي و العدو مع اختلاف الأهواء و تباين الآراء، فلا يجحد عدوّهم شرفهم و علوّ مكانهم و عظم مقدارهم، هذا معاوية مع مبارزته لأمير المؤمنين (عليه السلام) و نصبه له العداوة و ما جرى بينهم من الوقائع لم يمكنه يوما أن يدفع شرفه و لا يضع منزلته و لا يقدح في حال من أحواله و أمر من أموره و قد كان يسمع من أصحابه (عليه السلام) و من ابن عباس رضي اللّه عنه و من الوافدين عليه و الوافدات ما يقذى عينه و يصمّ سمعه من تفضيل علي (عليه السلام) عليه و عدّ مناقبه و وصف خلاله و ذكر مآثره، فما نقل أنّه أنكر ذلك و لا أمكنه ردّه، و لا النكير على قائله مع محاربته له و منازعته إيّاه الخلافة و سبّه إيّاه على المنابر، فكان كما قيل: فأخرجه إلى السفه العياء. و قد أجاد مهيار في قوله: ما لقريش ما ذقتك عهدها ودا محبّتك ودّها على دخل و طالبتك بقديم حقدها بعد أخيك بالتراب و الذحل و كيف ضمّوا أمرهم و اجتمعوا و استوردوا الرأي و أنت منعزل و ليس منهم قادح بريبة فيك و لا فاض عليك بوهل و كذا كانت الحال مع ناكثي بيعته، فإنّهم لم يتمكّنوا من إنكار فضله و مجد شرفه، و كذا كانت أحوال الحسن و الحسين (عليهما السلام) بعده من تعظيم الناس لهم و اعترافهم لهم بعلوّ المنزلة حتّى أنّ يزيد بن معاوية لقّاه اللّه غب أفعاله الوخيمة و جزاه بما يستحقّه على أعماله الذميمة فلم يسعه أن يقول في الحسين (عليه السلام) ما يغضّ من شرفه أو يطعن في ثغرة مجده و لم يحفظ عنه ذمّة و لا استزادته و كان همّه الدنيا و طلب الولاية، فلها ترك الصواب و عليها دخل النار من كلّ الأبواب، و كان يظهر الحزن عليه و الندم على قتله و إنكار أنّه أمر بذلك أو رضي به و ما زال يعظم زين العابدين (عليه السلام)، و لمّا أنفذ مسلم بن عقبة و جرت وقعة الحرّة أوصاه باحترامه (عليه السلام) و إكرامه و صيانة جانبه معهم و معرفتهم بحقّه و قدره. و الصادق (عليه السلام) كان مكرما معظما عند بني مروان و بمثل ذلك عامله السفاح و المنصور. و موسى بن جعفر (عليهما السلام) كان مراعى الحال معروف القدر و المكانة رفيع المنزلة و المحل الذي جرى في حقّه من الرشيد كان ينكره و يعتذر منه، و ما زال في حال حياته في زمن الهادي و الرشيد على أتمّ ما ينبغي، إلى أن جرى له (عليه السلام) ما جرى و أحضر الرشيد الشهود يشهدون أنّه مات موتا، و لم يقتل كلّ ذلك تفصّيا من قتله، و إنكار أن يكون أمر به. و حال المأمون مع الرضا (عليه السلام) مشهورة فيما كان يعامله به من الإعزاز التام به و الإكرام البالغ حتّى زوّجه بابنته و أوصى له بولاية عهده، و أسخط لأجله أهل بيته و أولاده، و بني أبيه و بني عمّه، و بذلك عامل ابنه أبا جعفر (عليه السلام) مع صغر سنّه، حتّى زوّجه بابنته أم الفضل و عرف محلّه و كان يشيد بذكر أبيه و ذكره و يعلى ما أعلى اللّه من قدر ابيه و قدره، و يرفعه في مجلسه على أهله و بني عمّه و أولاده و قضاته. و كان المتوكّل يعظم علي بن محمّد (عليه السلام) مع عداوته لعلي أمير المؤمنين و مقته له، و طعنه على آل أبي طالب. و كذلك كان المعتمد مع أبي محمّد (عليه السلام) في إكرامه و المبالغة فيه، هذا و الأئمّة الذين عددناهم في قبضة من عددنا من الملوك على الظاهر، و تحت طاعتهم و قد اجتهدوا كلّ الاجتهاد في أن يعثروا لهم على عيب يتعلّقون به في الحط من منازلهم، و أمعنوا في البحث عن أسرارهم و أحوالهم في خلواتهم فعجزوا و لم يظفروا بشيء أصلا. فعلمنا أنّ تعظيمهم إيّاهم مع ظاهر عداوتهم لهم و شدّة محبّتهم للغض منهم و إجماعهم على ضدّ مرادهم من إكرامهم و تبجيلهم منحة من اللّه سبحانه لهم ليدلّ بذلك على اختصاصهم منه جلّت قدرته بالمعنى الذي يوجب طاعتهم على جميع الأنام و ما هذا إلّا كالامور الغير المألوفة و الأشياء الخارقة للعادة. و يؤيّد ما ذكرناه تسخير اللّه سبحانه الخلق لتعظيم من ذكرناه من الطوائف المختلفة و الفرق المتباينة في المذاهب و الآراء، و أجمعوا على تعظيم قبورهم و قصد مشاهدهم حتّى أنّهم يقصدونها من البلاد الشاسعة و يلمّون بها و يتقرّبون إلى اللّه بزيارتها و يستنزلون عندها من اللّه الأرزاق، و يستفتحون الأغلاق، و يطلبون ببركتها الحاجات و يستدفعون الملمّات، و هذا هو المعجز الخارق للعادة و إلّا فما الحامل للفرقة المنحازة عن هذه الجبهة المخالفة لها على ذلك و لم يفعلوا بعض ذلك بمن ذكرناه ممّن يعتقدون إمامته و فرض طاعته و هو موافق لهم مساعد غير مخالف. أ لا ترى أنّ ملوك بني أميّة و خلفاء بني العباس مع كثرة شيعتهم و كونهم أضعاف أضعاف شيعة أئمّتنا (عليهم السلام) و كون أكثر الدنيا في أيديهم ما حصل لهم من تعظيم الجمهور في حياتهم و السلطنة على العالمين، و الخطبة على المنابر في شرق الأرض و غربها لهم بإمرة المؤمنين لم يلم أحد من شيعتهم و أوليائهم فضلا عن أعدائهم بقبورهم بعد وفاتهم، و لا قصد أحد تربة لهم متقرّبا بذلك إلى ربّه و لا نشط لزيارتهم، و هذا لطف من اللّه سبحانه بخلقه في الإيضاح عن حقوق أئمّتنا (عليهم السلام)، و دلالة على علوّ منزلتهم منه أجل اسمه لا سيّما و دواعي الدنيا و رغباتها معدومة عند هذه الطائفة و موجودة عند أولئك، فمن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، و لا يقال أنّهم فعلوه للتقيّة، لأنّ التقيّة ليست مذهبا لهم، و لا يخافونهم فيتّقونهم، فلم يبق إلّا دواعي الدين. و هذا هو الأمر العجيب الذي لا ينفذ فيه إلّا قدرة القادر القاهر الذي يذلّل الصعاب، و يسبّب الأسباب، ليوقظ به الغافلين، و يقطع عنه عذر المتجاهلين، و أيضا فقد شارك أئمّتنا (عليهم السلام) من غيرهم أولاد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في نسبهم و حسبهم و قرابتهم، و كان لكثير منهم عبادات ظاهرة و زهد و علم و لم يحصل من الإجماع على تعظيمهم و زيارة قبورهم ما وجدناه قد حصل لهم (عليهم السلام)، فإنّ من عداهم من صلحاء العترة يميل إليهم فريق من الامّة و يعرض عنهم فريق، و لا يبلغ بهم من التعظيم الغاية التي تعامل بها أئمّتنا (عليهم السلام)، و هذا يدلّ على أنّ اللّه سبحانه خرق في أئمّتنا (عليهم السلام) العادات، و قلّب الحالات للإبانة عن علوّ درجتهم، و التنبيه على شرف مرتبتهم، و الدلالة على إمامتهم. قال الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عيسى أثابه اللّه تعالى: حكى لي بعض الأصحاب أنّ الخليفة المستنصر رحمه اللّه تعالى مشى مرّة إلى سرّ من رأى و زار العسكريّين (عليهما السلام) و خرج فزار التربة التي دفن فيها الخلفاء من آبائه و أهل بيته و هم في قبّة خربة يصيبها المطر و عليها زرق الطيور، و أنا رأيتها على هذه الحال، فقيل له: أنتم خلفاء الأرض و ملوك الدنيا و لكم الأمر في العالم و هذه قبور آبائكم بهذه الحال؛ لا يزورها زائر و لا يخطر بها خاطر و ليس فيها أحد يميط عنها الأذى، و قبور هؤلاء العلويين كما ترونها بالستور و القناديل …

كشف الغمة — ذكر النبي ص للمهدي و أنه من ولد الحسين ع · ذكر قصتين من أمر المهدي ع

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.