الفصل الرابع: في ذكر أسماء الذين شاهدوا الإمام (عليه السلام) و رأوا دلائله و خرج إليهم توقيعاته و بعضهم وكلاؤه: الشيخ أبو جعفر قدّس اللّه روحه عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي أنّه ذكر عدد من انتهى إليه ممّن وقف على معجزات صاحب الزمان (عليه السلام) و رآه: من الوكلاء ببغداد العمري و ابنه، و حاجز و البلالي و العطّار و من الكوفة العاصمي و من أهل الأهواز محمّد بن إبراهيم بن مهزيار و من أهل قم محمّد بن إسحاق و من أهل همدان محمّد بن صالح و من أهل الري البسامي و الأسدي يعني نفسه و من أهل آذربيجان القاسم بن العلاء و من نيسابور محمّد بن شاذان و من غير الوكلاء من أهل بغداد أبو القاسم بن أبي حابس، و أبو عبد اللّه الكندي، و أبو عبد اللّه الجنيدي، و هارون القزّاز، و النيلي، و أبو القاسم بن رئيس، و أبو عبد اللّه بن فرّوخ، و مسرور الطبّاخ مولى أبي الحسن (عليه السلام)، و أحمد و محمّد ابنا الحسن، و إسحاق الكاتب من بني نوبخت، و صاحب الفراء، و صاحب الصرّة المختومة. و من همدان محمّد بن كشمرد، و جعفر بن حمدان و من الدينور حسن بن هارون، و أحمد أخوه، و أبو الحسن و من أصفهان بن باذشالة و من الصميرة زيدان و من قم الحسن بن نصر، و محمّد بن محمّد، و علي بن محمّد بن إسحاق و أبوه، و الحسن بن يعقوب و من أهل الري القاسم بن موسى و ابنه، و ابن محمّد بن هارون، و صاحب الحصاة، و علي بن محمّد، و محمّد بن محمّد الكليني، و أبو جعفر الرقا و من قزوين مرداس، و علي بن أحمد و من فارس رجلان و من شهرزور ابن الحال و من قدس المجروح و من مرو صاحب الألف دينار، و صاحب المال، و الرقعة البيضاء، و أبو ثابت و من نيسابور محمّد بن شعيب بن صالح و من اليمن الفضل بن يزيد و الحسن ابنه، و الجعفري، و ابن الأعجمي، و الشمشاطي و من مصر صاحب المولدين، و صاحب المال بمكة، و أبو رجاء و من نصيبين أبو محمّد بن الوجناء و من أهل الأهواز الحصيني. [السنة التي يقوم فيها الإمام القائم عليه السلام و نبذ من سيرته عند قيامه] الباب الرابع: في ذكر علامات قيام القائم (عليه السلام) و مدّة أيّام ظهوره و طريقه و أحكامه و سيرته عند قيامه و صفته و حليته و هو أربع فصول: أوّل: في ذكر علامات خروجه (عليه السلام): ذكر رحمه اللّه في هذا الفصل بعض ما تقدّم ذكره من العلامات التي أوردوها متقدمة على ظهوره. الفصل الثاني: في ذكر السنة التي يقوم فيها الإمام القائم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يخرج القائم إلّا في وتر من السنين سنة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع. و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ينادى باسم القائم في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان، و يقوم يوم عاشوراء، و هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام)، كأنّي به يوم السبت العاشر من المحرّم، قائم بن الركن و المقام، جبرئيل (عليه السلام) بين يديه ينادي بالبيعة، ليمضينّ إليه شيعته من أطراف الأرض، تطوى لهم طيّا حتّى يبايعوه، فيملأ اللّه به الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا. الفصل الثالث: في ذكر نبذ من سيرته عند قيامه و طريقة أحكامه و وصف زمانه و مدّة أيّامه (عليه السلام): ذكر رحمه اللّه في هذا الفصل ما تقدم ذكره من خروجه و وصف وصوله النجف و الملائكة معه، و إنفاذه الجنود إلى الأمصار، و دخوله الكوفة و بها الرايات و اضطرابها و أنّها تصفو له (عليه السلام)، و يأتي المنبر فلا يدرى ما يقول من البكاء، و يحيط مسجدا على الغري فيصلّي بالناس الجمعة، و قد تقدم ذكر ذلك مفصّلا. و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: القائم منّا منصور بالرعب، مؤيّد بالنصر، تطوى له الأرض و تظهر له الكنوز و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب و يظهر اللّه دينه على الدين كلّه و لو كره المشركون، فلا يبقى على وجه الأرض خراب إلّا عمّر و ينزل روح اللّه عيسى بن مريم فيصلّي خلفه. قال الراوي: فقلت له: يا بن رسول اللّه و متى يخرج قائمكم؟ قال: إذا تشبّه الرجال بالنساء و النساء بالرجال، و اكتفى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و ركب ذوات الفروج السروج، و قبلت شهادات الزور، و ردّت شهادات العدول، و استخفّ الناس بالرياء، و ارتكاب الزنا، و أكل الربا، و اتّقي الأشرار مخالفة ألسنتهم، و خرج السفياني من الشام، و اليماني من اليمن، و خسف بالبيداء، و قتل غلام من آل محمّد بين الركن و المقام، اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكية، و جاءت صيحة من السماء بأنّ الحق معه و مع شيعته فعند ذلك خروج قائمنا. فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة و اجتمع إليه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، فأوّل ما ينطق به هذه الآية: بقيّة اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين ثمّ يقول: أنا بقيّة اللّه و خليفته و حجّته عليكم، فلا يسلّم عليه مسلّم إلّا قال: السّلام عليك يا بقيّة اللّه في الأرض، فإذا اجتمع له العقد عشرة آلاف رجل فلا يبقى في الأرض معبود من دون اللّه من صنم إلّا وقعت فيه نار فاحترق، و ذلك بعد غيبة طويلة ليعلم اللّه من يطيعه بالغيب و يؤمن به، و قد تقدّم هذا و أمثاله. الفصل الرابع: في ذكر صفة القائم و حليته (عليه السلام): روى في ذلك ما أوردناه آنفا كسؤال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عن اسمه و صفته. [مسائل أهل الخلاف في غيبة صاحب الزمان ع] الباب الخامس: في ذكر مسائل يسأل عنها أهل الخلاف في غيبة صاحب الزمان و حلّ الشبهات فيها بواضح الدليل و لائح البرهان و هي سبع مسائل: مسألة: قالوا: ما الوجه في غيبته (عليه السلام) عن الاستمرار و الدوام حتّى صار ذلك سببا لإنكار وجوده و نفي ولادته؟ و كيف يجوز أن يكون إماما للخلق و هو لم يظهر قط لأحد منهم، و آباؤه (عليهم السلام)، و إن لم يظهروا الدعاء إلى نفوسهم فيما يتعلّق بالإمامة فقد كانوا ظاهرين يفتون في الأحكام لا يمكن أحدا نفي وجودهم و إن نفى إمامتهم! الجواب: قد ذكر الأجل المرتضى قدّس اللّه روحه في ذلك طريقا و لم يسبقه إليها أحد من أصحابنا، فقال: إنّ العقل إذا دلّ على وجوب الإمامة فإن كلّ زمان كلّف فيه المكلّفون الذين يقع منهم القبيح و الحسن و تجوز عليهم الطاعة و المعصية لا يخلو من إمام لأنّ خلوّه من الإمام إخلاف بتمكينهم و قادح في حسن تكليفهم، ثمّ دلّ العقل على أنّ ذلك الإمام لا بدّ أن يكون معصوما من الخطأ مأمونا من كلّ قبيح، و ثبت أنّ هذه الصفة التي دلّ العقل على وجوبها لا توجد إلّا فيمن تدّعي الإماميّة إمامته و يعرى منها كلّ من تدّعي له الإمامة سواه. فالكلام في علّة غيبته و سببها واضح بعد أن تقرّرت إمامته، لأنّا إذا علمنا أنّه الإمام دون غيره و رأيناه غائبا عن الأبصار علمنا أنّه لم يغب مع عصمته، و تعيّن فرض الإمامة فيه و عليه، إلّا لسبب اقتضى ذلك و مصلحة استدعته، و ضرورة حملت عليه، و إن لم يعلم وجهه على التفصيل، لأنّ ذلك ممّا لا يلزم علمه، و جرى الكلام في الغيبة و وجهها مجرى العلم بمراد اللّه تعالى من الآيات المتشابهات في القرآن التي ظاهرها الجبر و التشبيه، فإنّا نقول إذا علمنا حكم اللّه سبحانه و أنّه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات علمنا على الجملة أنّ لهذه الآيات وجوها صحيحة بخلاف ظاهرها و تطابق مدلول أدلّة العقل و إن غاب عنّا العلم بذلك مفصّلا، فإن تكلّفنا الجواب عن ذلك و تبرّعنا بذكره فهو فضل منّا غير واجب علينا، و كذلك الجواب لمن سأل عن الوجه في إيلام الأطفال وجهة المصلحة في رمي الجمار و الطواف و ما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل و التعيين، فإنّا إذا عوّلنا على حكمة القديم سبحانه و أنّه لا يجوز أن يفعل قبيحا فلا بدّ من وجه حسن في جميع ذلك و إن جهلناه بعينه، فليس يجب علينا بيان ذلك الوجه، و في هذا سدّ الباب على مخالفينا في سؤالاتهم، و قطع التطويلات عليهم و الإسهابات إلّا أنّا نتبرّع بإيراد الوجه في غيبته (عليه السلام) على سبيل الاستظهار و بيان الاقتدار و إن كان ذلك غير واجب علينا في حكم النظر و الاعتبار، فنقول: الوجه في غيبته هو خوفه على نفسه، و من خاف على نفسه احتاج إلى الاستتار، فأمّا لو كان خوفه على ماله أو على الأذى في نفسه لوجب عليه أن يحمل ذلك كلّه ليروح عليه المكلّفون في تكليفهم و هذا كما نقوله في النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أنّه يجب عليه أن يحمل كلّ أذى في نفسه حتّى يصحّ منه الأداء إلى الخلق ما هو لطف لهم، و إنّما يجب عليه الظهور، و إن أدّى إلى قتله كما ظهر كثير من الأنبياء، و إن قتلوا لأنّ هناك كان في المعلوم أنّ غير ذلك النبي يقوم مقامه في تحمّل أعباء النبوّة، و ليس كذلك حال إمام الزمان (عليه السلام)، فإنّ اللّه تعالى علم أنّه ليس بعده من يقوم مقامه في باب الإمامة و الشريعة على ما كانت عليه و اللطف بمكانه لم يتغيّر، فلا يجوز ظهوره إذا أدّى إلى القتل، و إنّما كان آباؤه (عليهم السلام) ظاهرين بين الناس بعيونهم يعاشرونهم، و لم يظهر هو لأنّ خوفه (عليه السلام) أكثر، لأنّ الأئمّة الماضين من آبائه (عليهم السلام) أسندوا إلى شيعتهم أنّ صاحب السيف هو الثاني عشر منهم، و أنّه الذي يملأ الأرض عدلا، و شاع ذلك في مذهبهم حتّى ظهر ذلك القول بين أعدائهم، فكان السلاطين الظلمة يتوقّفون عن إتلاف آبائه، لعلمهم بأنّهم لا يخرجون و يتشوّقون إلى حصول الثاني عشر ليقتلوه و يبيدوه. أ لا ترى أنّ السلطان في الوقت الذي توفّي فيه الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) و كلّ بداره و جواره من يتفقّد حملهنّ لكي يظفر بولده و بقيّته، كما أنّ فرعون موسى لمّا علم أنّ ذهاب ملكه على يد موسى (عليه السلام) منع الرجال من أزواجهم، و وكّل بذوات الأحمال منهنّ ليظفر به، و كذلك نمرود لمّا علم أنّ ملكه يزول على يد إبراهيم (عليه السلام)، و كلّ بالحبالى من نساء قومه و فرّق بين الرجال و أزواجهم، فستر اللّه ولادة إبراهيم و موسى (عليهما السلام) كما ستر ولادة القائم (عليه السلام)، لما علم في ذلك من التدبير، و أمّا كون غيبته سببا لنفي ولادته فإنّ ذلك لضعف البصيرة و التقصير عن النظر، و على الحق فيه دليل واضح لمن أراده ظاهر لمن قصده. قال الفقير إلى اللّه تعالى على بن عيسى أثابه اللّه تعالى: و ممّا يؤيّد ما ذكره الشيخ عن السيّد رحمهما اللّه تعالى أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) احتمل الأذى في نفسه الكريمة و كذب فيما ادّعاه، و بالغ كفّار قريش و اليهود في ذمّه و الوقيعة فيه بأنواع من الأذى، حتّى قال: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، و كان يحتمل ذلك و يصبر عليه، فلمّا أرادوا قتله و إعدامه أمره اللّه بالهجرة ففرّ إلى الغار و نام علي (عليه السلام) على فراشه، و إنّما لم يصبر و لو قتل كما صبر غيره من الأنبياء و قتلوا، لأنّه كان (عليه السلام) خاتم الأنبياء، و لم يكن له بعده من يقوم مقامه في تأدية الرسالة و التبليغ، فلهذا غاب عنهم و هذه أشبه الأحوال بحال الإمام (عليه السلام) في غيبته، و العجب إخلال السيّد رحمه اللّه به مع دلالته على ما أصله. مسألة ثانية قالوا: إذا كان الإمام غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق و لا ينتفع به فما الفرق بين وجوده و عدمه؟ و إلّا جاز أن يميته اللّه أو يعدمه حتّى إذا علم أنّ الرعية تمكنه و تسلّم له أوجده و أحياه، كما جاز أن يبيحه الاستتار حتّى يعلم منهم التمكين له فيظهره. الجواب: أوّل ما نقوله: إنّا لا نقطع على أنّ الإمام لا يصل إليه أحد، فهذا أمر غير معلوم، و لا سبيل إلى القطع به، ثمّ إنّ الفرق بين وجوده غائبا عن أعدائه للتقيّة و هو في أثناء تلك الغيبة منتظرا أن يمكّنوه فيظهر و يتصرّف و بين عدمه واضح و هو أنّ الحجّة لازمة للّه تعالى و هاهنا الحجّة لازمة للبشر لأنّه إذا أخيف فغيب شخصه عنهم كان ما يفوتهم من المصلحة عقيب فعل كانوا هم السبب فيه، منسوبا إليهم فيلزمهم في ذلك الذم، و هم المؤاخذون به الملومون عليه، و إذا أعدمه اللّه تعالى كان ما يفوت من مصالحهم و يحرمونه من لطفهم و انتفاعهم به منسوبا إلى اللّه تعالى، و لا حجّة فيه على العباد، و لا لوم يلزمهم، لأنّه لا يجوز أن يكون إخافتهم إيّاه لا يجوز فعلا للّه تعالى. قال الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عيسى أثابه اللّه و عفى عنه: إن قال قال قائل: كيف يقول الطبرسي رحمه اللّه تعالى: إنّا لا نقطع على أنّ الإمام لا يصل إليه أحد إلى آخره، و يلزمه القطع بذلك لأنّه قال قبل هذا بقليل فيما حكاه عن توقيعاته (عليه السلام): فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذّاب مفتر، و الذي أراه أنّه كان يراه أحد فقد علم منهم أنّهم لا يدّعون رؤيته و مشاهدته، و إنّ الذي يدّعيها كذّاب فلا مناقضة إذا و اللّه أعلم. مسألة ثالثة قالوا: فالحدود التي تجب على الجناة في حال الغيبة ما حكمها؟ فإن قلتم تسقط عن أهلها فقد صرّحتم بنسخ الشريعة و إن كانت ثابتة فمن الذي يقيمها و الإمام مستتر غائب؟ الجواب: الحدود المستحقّة ثابتة في حياته فإن ظهر الإمام و مستحقّوها باقون أقامها عليهم بالبيّنة و الإقرار، فإن فات ذلك بموتهم كان الإثم في تفويت إقامتها على المخيفين للإمام، المحوجين له إلى الغيبة، و ليس هذا بنسخ للشريعة لأنّ الحد إنّما يمكن إقامته مع التمكّن و زوال الموانع و سقوط فرض إقامته مع الموانع، و زوال التمكّن لا يكون نسخا للشرع المقرّر، لأنّ الشرع في الوجوب لم يحصل و إنّما يكون نسخا لو سقط فرض إقامتها من الإمام مع تمكّنه على أنّ هذا يلزم مخالفينا إذا قيل لهم كيف الحكم في الحدود في الأحوال التي لا يتمكّن فيها أهل الحل و العقد من اختيار الإمام و نصبه و هل يبطل أو يثبت تعذّر إقامتها و هل يقتضي هذا القدر نسخ الشريعة؟ فكلّما أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه. قال الفقير إلى اللّه تعالى علي بن عيسى أثابه اللّه تعالى: لا معنى لإيرادهم الحدود و إقامتها في زمانه (عليه السلام) دون أزمنة آبائه (عليهم السلام) فإنّهم كانوا حاضرين مشاهدين و أيديهم مكفوفة عن الامور و لم يكن كفّ أيديهم قدحا فيهم، و لا قال قائل إنّ سكوتهم عن إقامتها نسخ الشريعة، فكيف يقال عنه و هو أشدّ خوفا من آبائه عليه و (عليهم السلام)، و علي (عليه السلام) في أيّام خلافته و أمره لم يتمكّن من كثير من إراداته، فليسع المهدي (عليه السلام) من العذر ما وسعهم، فإنّه لا ينسب إلى الساكت قول و هذا واضح. مسألة رابعة: فإن قالوا: فالحق مع غيبته كيف يدرك؟ فإن قلتم لا يدرك و لا يوصل إليه فقد جعلتم الناس في حيرة و ضلالة مع الغيبة، و إن قلتم لا يدرك الحق إلّا من جهة الأدلّة المنصوص بها عليه فقد صرّحتم بالاستغناء عن الإمام بهذه الأدلّة و هذا يخالف مذهبكم؟! الجواب: إنّ الحق على ضربين: عقلي و سمعي؛ فالعقلي يدرك بالعقل و لا يؤثّر ادّعاء المشاهدة على طريق السفارة و الوكالة كمحمّد بن عثمان العمري و غيره لا المشاهدة و لو لغير هذه الجهة ككثير من الأعلاء و المرضى و غيرهم ممّن التجئوا إليه صلوات اللّه عليه في حاجتهم و رأوه بالعيان و قد ذكر بعض قصّتهم المؤلّف رحمه اللّه قبل ذلك أيضا و الشاهد على ذلك أنّ هذا التوقيع إنّما ورد منه (عليه السلام) عند انقضاء السفارة و النيابة الخاصة و سيأتي كلام الشريف المرتضى (قدس سره) في ذلك. فيه وجود الإمام و لا فقده، و السمعي عليه أدلّة منصوبة من أقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نصوصه و أقوال الأئمّة الصادقين (عليهم السلام)، و قد بيّنوا ذلك و أوضحوه غير أنّ ذلك و إن كان على ما قلناه فالحاجة إلى الإمام مع ذلك ثابتة، لأنّ وجه الحاجة إليه المستمرّة في كلّ عصر و على كلّ حال هو كونه لطفا لنا في فعل الواجب العقلي من الإنصاف و العدل، و اجتناب الظلم و البغي، و هذا ممّا لا يقوم غيره مقامه فيه، فأمّا الحاجة إليه من جهة الشرع فهي أيضا ظاهرة، لأنّ النقل الوارد عن النبي و الأئمّة (عليهم السلام) يجوز أن يغفل الناقلون عن ذلك إمّا بتعمّد أو اشتباه، فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقله حجّة و لا دليلا، فيحتاج حينئذ إلى الإمام ليكشف ذلك و يبيّنه، و إنّما يثق المكلّفون بما نقل إليهم، و إنّه جميع الشرع لعلمهم بأنّ وراء هذا النقل إماما متى اختلّ سدّ خلله، و بيّن المشتبه فيه، فالحاجة إلى الإمام ثابتة مع إدراك الحق في أحوال الغيبة من الأدلّة الشرعية، على أنّا إذا علمنا بالإجماع أنّ التكليف لازم لنا إلى يوم القيامة و لا يسقط بحال علمنا أنّ النقل الشرعية لا ينقطع في حال تكون تقيّة الإمام فيها مستمرّة، و خوفه من الأعداء باقيا و لو اتّفق ذلك لما كان إلّا في حال يتمكّن فيها الإمام من البروز و الظهور و الإعلام و الإنذار. مسألة خامسة: قالوا: إذا كانت العلّة في غيبته خوفه من الظالمين و اتّقاؤه من المخالفين، فهذه العلّة منفية عن أوليائه، فيجب أن يكون ظاهرا لهم، أو يجب أن يسقط عنهم التكليف الذي إمامته لطف فيه. الجواب: إنّه قد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأجوبة: أحدها: إنّ الإمام ليس في تقيّة عن أوليائه و غاب عنهم كغيبة عن أعدائه لخوفه من إيقاعهم الضرر به، و علمه أنّه لو ظهر لهم لسفكوا دمه و غيبته عن أوليائه لغير هذه العلّة، و الاحتجاج بوجوده فيؤدّي ذلك إلى علم أعدائه بمكانه فيعقّب علمهم بذلك ما ذكرناه من وقوع الضرر به. و ثانيها: أنّ غيبته عن أعدائه للتقيّة منهم و غيبته عن أوليائه للتقيّة عليهم و الإشفاق من إيقاع الضرر بهم، إذا لو ظهر للقائلين بإمامته و شاهده بعض أعدائه و أذاع خبره، و طولب أولياؤه به، فإذا فات الطالب بالاستتار أعقب ذلك عظيم الضرر بأوليائه و هذا معروف في العادات. و ثالثها: أنّه لا بدّ أن يكون في المعلوم أنّ في القائلين بإمامته من لا يرجع عن الحق من اعتقاد إمامته و القول بصحّتها على حال من الأحوال فأمره اللّه تعالى بالاستتار ليكون المقام على الإقرار بإمامته مع الشبهة في ذلك و شدّة المشقّة أعظم ثوابا من المقام على الإقرار بإمامته، و المشاهدة له فكانت غيبته عن أوليائه لهذا الوجه و لم تكن للتقيّة منهم. و رابعها: و هو الذي عوّل عليه المرتضى قدّس اللّه روحه قال: نحن أوّلا لا نقطع على أنّه لا يظهر لجميع أوليائه، فإنّ هذا أمر مغيّب عنّا و لا يعرف كلّ منّا إلّا حال نفسه، فإذا جوّزنا ظهوره لهم كما جوّزنا غيبته عنهم فنقول: العلّة في غيبته عنهم أنّ الإمام عند ظهوره من الغيبة إنّما يميز شخصه و تعرف عينه بالمعجز الذي يظهر على يديه، لأنّ النصوص الدالة على إمامته لا تميز شخصه من غيره، كما ميّزت أشخاص آبائه، و المعجز إنّما يعلم دلالته بضرب من الاستدلال، و الشبه تدخل في ذلك فلا يمتنع أن يكون كلّ من لم يظهر له من أوليائه، فإنّ المعلوم من حاله أنّه متى ظهر له قصر. على أنّ أولياء الإمام و شيعته منتفعون به في حال غيبته، لأنّهم مع علمهم بوجوده بينهم و قطعهم بوجوب طاعته عليهم، لا بدّ أن يخافوه في ارتكاب القبيح، و يرهبوا من تأديبه و انتقامه و مؤاخذته، فيكثر منهم فعل الواجب، و يقلّ ارتكاب القبيح، أو يكونوا إلى ذلك أقرب فيحصل لهم اللطف به مع غيبته، بل ربّما كانت الغيبة في هذا الباب أقوى، لأنّ المكلّف إذا لم يعرف مكانه و لم يقف على موضعه جوّز فيمن لا يعرفه أنّ الإمام يكون إلى فعل الواجب أقرب منه إلى ذلك لو عرفه، لو لم يجوّز فيه كونه إماما. فإن قالوا: إنّه هذا تصريح منكم بأنّ ظهور الإمام كاستتاره في الانتفاع به و الخوف منه. فالقول: إنّ ظهوره لا يجوز أن يكون في المنافع كاستتاره، و كيف يكون ذلك و في ظهوره و قوّة سلطانه انتفاع الولي و العدو، و المحب و المبغض، و لا ينتفع به في حال غيبته إلّا وليّه دون عدوّه، و أيضا فإنّ في انبساط يده منافع كثيرة لأوليائه و غيرهم، و لأنّه يحمي حوزتهم و يسدّ ثغورهم، و يؤمّن طرقهم فيتمكّنون من التجارات و المغانم و يمنع الظالمين من ظلمهم فتتوفّر أموالهم و تصلح أحوالهم غير أنّ هذه منافع دنيويّة لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها و المنافع الدينيّة الواجبة في كلّ حال بالإمامة قد بيّنّا أنّها ثابتة لأوليائه مع الغيبة، فلا يجب سقوط التكليف بها.
كشف الغمة — ذكر النبي ص للمهدي و أنه من ولد الحسين ع · ذكر أسماء الذين شاهدوا الإمام (عليه السلام)