يقول العالم الفاضل علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة: وحدّثني بهما جماعة من ثقات اخواني كان في البلاد الحلية شخص يقال له اسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها هرقل، مات في زماني وما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين قال: حكى لي والدي انّه خرج فيه ـ وهو شباب ـ على فخذه الأيسر توثة مقدار قبضة الانسان، وكانت في كل ربيع تشقق ويخرج منها دم وقيح، ويقطعه ألَمها عن كثير من أشغاله ; وكان مقيماً بهرقل، فحضر الحلة يوماً 1- راجع كفاية المهتدي في معرفة المهدي (عليه السلام) (السيد مير لوحي): ص 189 ـ مخطوط. 2- في المطبوع سنة ومن المقطوع به السقط فاحتملنا سقوط رقم من بداية التاريخ والله تعالى العالم ; علماً ان تاريخ النسخة التي اعتمدنا عليها قد كتب هكذا في آخر النسخة: " قد فرغ كتابته في يوم السبت من عشر الثالث من شهر الحادي عشر في سنة الاحدى من عشر الثاني من مائة الثانية بعد الألف الأول من الهجرة النبويّة المصطفويّة(صلوات الله عليه) وعلى آله... " نقلناه كما هو بدون تصحيح مع كثرة الأخطاء. فيكون التاريخ: يوم السبت، العشر الثالث / 11 / 1111 هـ. 3- التوثة: بثرة متقرحة. ودخل إلى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاووس (رحمه الله) وشكا إليه ما يجده منها، وقال: أريد أن أداويها فأحضر له أطباء الحلة وأراهم الموضع، فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الأكحل وعلاجها خطر ومتى قطعت خيف أن ينقطع العرق فيموت، فقال له السعيد رضي الدين قدّس الله روحه: أنا متوجّه إلى بغداد وربّما كان أطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء فاصحبني فاصعد معه وأحضر الأطباء فقالوا كما قال اُولئك فضاق صدره، فقال له السعيد: ان الشرع قد فسح لك في الصلوة في هذه الثياب وعليك الاجتهاد في الاحتراس، ولا تغرر بنفسك فالله تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله، فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك وقد وصلت إلى بغداد فأتوجّه إلى زيارة المشهد الشريف بسرّ من رأى على مشرفه السلام، ثم أنحدر إلى أهلي فحسّن له ذلك، فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجّه، قال: فلمّا دخلت المشهد وزرت الائمة (عليهم السلام) ونزلت في السّرداب واستغثت بالله تعالى وبالامام (عليه السلام) وقضيت بعض الليل في السّرداب وبتّ في المشهد الى الخميس، ثم مضيت إلى دجلة واغتسلت ولبست ثوباً نظيفاً، وملأت ابريقاً كان معي، وصعدت أريد المشهد، فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور، وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم فالتقينا فرأيت شابّين أحدهما عبد مخطوط وكل واحد منهم متقلد بسيف، وشيخاً منقباً بيده رمح والآخر متقلّد بسيف، وعليه فرجية ملوّنة فوق السيف وهو متحنّك بعذبته ; فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق ووضع كعبه في الأرض، ووقف الشابان عن يسار الطريق ; وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثمّ سلّموا عليه فردّ (عليهم السلام)، فقال له صاحب الفرجية: أنت غداً تروح إلى أهلك؟ فقال: نعم، فقال له تقدم حتى أبصر ما يوجعك؟ قال: فكرهت ملامستهم، وقلت في نفسي أهل البادية ما يكادون 1- الفرجية نوع من أنواع الملابس. يحترزون من النجاسة: وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول، ثمّ انّي بعد ذلك تقدّمت إليه فلزمني بيده ومدّني إليه وجعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده، فأوجعني ثم استوى في سرجه كما كان، فقال لي الشيخ: أفلحت يا اسماعيل، فعجبت من معرفته باسمي، فقلت: أفلحنا وأفلحتم إن شاء الله ; قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الامام، قال: فتقدّمت إليه فاحتضنته وقبّلت فخذه. ثمّ إنّه ساق وأنا أمشي معه محتضنة، فقال: ارجع، فقلت: لا أفارقك أبداً، فقال: المصلحة رجوعك، فأعدت عليه مثل القول الأوّل ; فقال الشيخ: يا اسماعيل ما تستحيي، يقول لك الامام مرّتين ارجع وتخالفه؟ فجبهني بهذا القول، فوقفت فتقدّم خطوات والتفت إليّ وقال: إذا وصلت بغداد فلابدّ أن يطلبك أبو جعفر يعني الخليفة المستنصر (رحمه الله)، فاذا حضرت عنده وأعطاك شيئاً فلا تأخذه وقل لولدنا الرضي ليكتب لك إلى علي بن عوض، فإنّني أوصيه يعطيك الذي تريد، ثمّ سار وأصحابه معه، فلم أزل قائماً أبصرهم إلى أن غابوا عنّي، وحصل عندي أسف لمفارقته فقعدت إلى الأرض ساعة ثم مشيت إلى المشهد، فاجتمع القوّام حولي وقالوا نرى وجهك متغيّراً أوجعك شيء؟ قلت: لا، قالوا: أخاصمك أحد؟ قلت: لا، ليس عندي ممّا تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم، فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم، فقلت: لا، بل هو الامام (عليه السلام)، فقالوا: الامام هو الشيخ أو صاحب الفرجية، فقلت: هو صاحب الفرجية، فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده وأوجعني ; ثم كشفت رجلي فلم أَر لذلك المرض أثراً، فتداخلني الشك من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أرَ شيئاً، فانطبق الناس عليّ ومزّقوا قميصي فأدخلني القوّام خزانة ومنعوا الناس عنّي، وكان ناظراً بين النهرين بالمشهد، فسمع الضجة وسأل عن الخبر فعرّفوه، فجاء إلى الخزانة 1- فجبهني: نكس رأسه. وسألني عن اسمي وسألني منذ كم خرجت من بغداد فعرّفته إنّي خرجت في أوّل الأسبوع، فمشى عنّي، وبتُّ في المشهد وصلّيت الصبح وخرجت وخرج الناس معي إلى أن بعدت عن المشهد، ورجعوا عنّي ووصلت إلى اوانا فبتّ بها وبكرت منها أريد بغداد فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه ونسبه وأين كان ; فسألوني عن اسمي ومن أين جئت، فعرّفتهم فاجتمعوا عليّ ومزّقوا ثيابي ولم يبقَ لي في روحي حكم، وكان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد وعرّفهم الحال ثمّ حملوني إلى بغداد وازدحم الناس عليّ وكادوا يقتلونني من كثرة الزحام، وكان الوزير القمي (رحمه الله) تعالى قد طلب السعيد رضي الدين (رحمه الله)، وتقدّم أن يعرّفه صحة هذا الخبر. قال: فخرج رضي الدين ومعه جماعة فوافينا باب النوبى، فردّ أصحابه الناس عنّي، فلمّا رآني قال: أعنك يقولون؟ قلت: نعم، فنزل عن دابّته وكشف عن فخذي فلم يرَ شيئاً، فغشي عليه ساعة وأخذ بيدي وأدخلني على الوزير وهو يبكي ويقول: يا مولانا هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي، فسألني الوزير عن القصة فحكيت له، فأحضر الأطباء الذين أشرفوا عليها وأمرهم بمداواتها فقالوا: ما دوائها الّا القطع بالحديد ومتى قطعها مات، فقال لهم الوزير: فبتقدير أن تقطع ولا يموت في كم تبرأ؟ فقالوا: في شهرين، وتبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسألهم الوزير متى رأيتموه، قالوا: منذ عشرة أيام، فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم وهي مثل أختها ليس فيها أثر أصلا، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح، فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها. ثم انّه أحضر عند الخليفة المستنصر (رحمه الله) تعالى، فسأله عن القصة فعرّفه بها كما جرى، فتقدّم له بألف دينار، فلمّا حضرت قال: خذ هذه فأنفقها، فقال: ما أجسر 1- اوانا: بلدة كثيرة البساتين نزهة من نواحي دجيل بغداد بينها وبين بغداد عشرة فراسخ. آخذ منه حبّة واحدة، فقال الخليفة: ممن تخاف؟ فقال: من الذي فعل معي هذا، قال: لا تأخذ من أبي جعفر شيئاً؟ فبكى الخليفة وتكدر، وخرج من عنده ولم يأخذ شيئاً. قال: أفقر عباد الله تعالى إلى رحمته علي بن عيسى عفا الله عنه: كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة لجماعة عندي ; وكان هذا شمس الدين محمد ولده عندي، وأنا لا أعرفه فلمّا انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه، فعجبت من هذا الاتّفاق وقلت: هل رأيت فخذه وهي مريضة؟ فقال: لا لأنّي أصبو عن ذلك، ولكنّي رأيتها بعدما صلحت ولا أثر فيها، وقد نبت في موضعها شعر، وسألت السيد صفي الدين محمد بن محمد بن بشر العلوي الموسوي، ونجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما الله تعالى، وكانا من أعيان الناس وسراتهم وذوي الهيئات منهم، وكانا صديقين لي وعزيزين عندي، فأخبراني بصحّة هذه القصة، وانهما رأياها في حال مرضها وحال صحّتها، وحكى لي ولده هذا انّه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه (عليه السلام)، حتى انّه جاء إلى بغداد وأقام بها في فصل الشتاء، وكان كلّ أيّامه يزور سامراء ويعود إلى بغداد فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعاً أن يعود له الوقت الذي مضى أو يقضى له الحظ بما قضى، ومن الذي أعطاه دهره الرضا، أو ساعده بمطالبه صرف القضا، فمات (رحمه الله) بحسرته، وانتقل إلى الآخرة بغصّته، والله يتولاّه وإيّانا برحمته بمنّه وكرامته. يقول المؤلف: يقول الشيخ الحرّ العاملي في كتاب (أمل الآمل): " الشيخ محمد بن اسماعيل بن الحسن بن أبي الحسين بن علي الهرقلي: كان فاضلا عالماً من تلامذة العلامة، رأيت المختلف بخطّه، ويظهر منه انّه كتبه في زمان مؤلفه وانّه قرأ عليه، أو على ولده " 1- كشف الغمة (علي بن عيسى الأربلي): ج 2، ص 493 ـ 497. وقد نقلها المؤلف (رحمه الله) باختصار وارتأينا نقلها كاملة. 2- قال المؤلف (رحمه الله): " يعني فخر المحققين ". 3- أمل الآمل (الحر العاملي): ج 2، ص 245، رقم الترجمة 721. انتهى. وقد أخذه الحقير، ووقفت على نسخة من الشرائع بخطّ الشيخ محمد المذكور وهي في مجلّد واحد وقرئ على المحقق الأول والمحقق الثاني وتوجد اجازة بخط الاجلّين عليه وحالياً في بلدة الكاظمين عند سماحة العالم الجليل والسيد النبيل السيد محمد آل حيدر دام تأييده. وصورة آخر الملجد الأول هكذا: " فرغ من كتابته العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن اسماعيل بن حسن بن أبي الحسن بن علي الهرقلي غفر الله له ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات آخر نهار الخميس خامس عشر رمضان سنة سبعين وستمائة حامداً ومصلياً مستغفراً، والحمد لله ربّ العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل ". وصورة خط المحقق في محاذاته: " انهاه أيده الله قراءة وبحثاً وتحقيقاً في مجالس آخرها الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة من سنة إحدى وسبعين وستمائة بحضرة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كتبه جعفر بن سعيد ". واجازة المحقق الثاني في المجلّد الأول للشيخ شرف الدين قاسم بن الحاج الشهير بابن غدافة في سنة 933. وفي آخر المجلد الأول والثاني موجودة بخطّه ايضاً. ونسخة اُخرى من المواهب الالهية عند الحقير في مجلّدين وقرئت عند المحقق الثاني وابن فهد والشيخ يحيى المتقي الكركي وغيرهم. وجميع الخطوط موجودة عليها، واكثر حواشيها بخط ابن فهد.
النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية الخامسة: