الأقسامالنجم الثاقبالباب السّابع
النجم الثاقب

وفيها ذكر تأثير رقعة استغاثة العالم الصالح التقي المرحوم السيد محمد بن جناب السيد عباس الذي ما زال على قيد الحياة يسكن في قرية جب شيث من قرى جبل (عامل)، وهو من بني اعمام جناب السيد النبيل والعالم المتبحّر الجليل السيد صدر الدين العاملي الاصفهاني صهر شيخ فقهاء عصره الشيخ جعفر النجفي أعلى الله تعالى مقامهما. 1- هكذا في المطبوع، والظاهر انّه (اللاجئين) والله اعلم. 2- قال المؤلف (رحمه الله): " مخفف جب شيث نبي الله، بئر هناك نسب لهذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ". 3- الظاهر سقوطها من المطبوع. وكان السيد المذكور قد توارى عن وطنه لتعدي حكام الجور لأنهم كانوا يريدون أن يدخلوه في السلك العسكري، بدون بضاعة ولم يكن عنده يوم خرج من جبل عامل إلاّ قمري واحد وهو عشر القِران، ولم يسأل أحداً أبداً، وقد ساح مدّة من الزمن. وقد رأى أيام سياحته عجائب كثيرة في اليقظة والمنام، وأخيراً جاور في النجف الأشرف وسكن في الصحن المقدّس من الحجرات الفوقانيّة جهة القبلة، وكان مضطرباً جداً، ولم يطّلع على حاله الّا اثنان أو ثلاثة حتى توفي، وقد كانت المدّة من حين خروجه من وطنه إلى وفاته خمس سنوات، وكان أحياناً يمّر عليّ، وكان كثير العفّة والحياء والقناعة يحضر عندي أيام اقامة التعزية، وربّما استعار منّي بعض كتب الأدعية. ربما انه كثيراً من الأوقات لم يتمكّن من الحصول على شيء سوى بعض تُميرات وماء بئر الصحن الشريف، لهذا كان يواظب بشدّة على الأدعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئاً من الأذكار المرويّة والأدعية المأثورة. فكان مشغولا في ذلك اغلب لياليه وأيامه. واشتغل مدّة بكتابة عريضة إلى الامام الحجة (عليه السلام) وعزم على أن يواظب عليها مدّة أربعين يوماً، ويخرج كلّ يوم قبل طلوع الشمس من البلد ويقترن بفتح الباب الصغير إلى جهة البحر، ويبعد عن طرف اليمين مقدار فرسخ أو أزيد بعيداً عن القلعة بحيث لا يراه أحد ثمّ يضع عريضته في بندقة من الطين ويودّعها أحد نوّابه (سلام الله عليه) ويرميها في الماء، إلى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً. قال: فرجعت يوماً عن محل رمي الرقاع وكنت مطأطئاً رأسي وأنا في ضيق، فالتفتّ فاذا أنا برجل كأنّه قد لحق بي من ورائي وكان في زي عربي (وكفية وعقال) فسلّم، فأجبت في ضيق بأقل ما يردّ ولم التفت إليه لأنه لم يكن لي رغبة في الكلام مع أحد، فماشاني مقداراً من الطريق، وبقيت أنا بنفس الحالة السابقة. فقال بلهجة أهل جبل عامل: سيد محمد ما حاجتك؟ لك تسعة وأو ثمانية وثلاثون يوماً تخرج قبل طلوع الشمس وتذهب الى المكان الفلاني في البحر وترمي العريضة في الماء، اتظنّ انّ امامك لم يطلع على حاجتك؟ فقال سيد محمد: فتعجّبت، لأنه لم يطّلع أحد على ما أفعله وبالأخص في هذه الأيام، ولم يرني احد بجنب البحر، ولا يوجد أحد من أهل جبل عامل هنا لا أعرفه، وبالخصوص فانّه ليس من العادة لبس الكفية والعقال في جبل عامل. فاحتملت انّي اعطيت النعمة الكبرى ونيل المقصود والتشرّف بحضور الغائب المستور امام العصر (عليه السلام) أرواحنا له الفدى. وبما انّي كنت قد سمعت في جبل عامل انّ يده المباركة (عليه السلام) في النعومة بحيث لا تبلغها يد أحد، فقلت في نفسي أصافحه فاذا أحسست بهذا فعندها أصنع ما يحق بحضرته، فمددت يدي وأنا على حالي فصافحته فمدّ يده المباركة (عليه السلام) فصافحني فاذا بي أجدها ناعمة ولطيفة جداً فتيقّنت حصولي على النعمة العظمى والموهبة الكبرى، فوجهت له وجهي، وأردت تقبيل يده المباركة، فلم أر أحداً. يقول المؤلف: يظهر من هذه الحكاية انّ يده المباركة ناعمة، وذلك لما تقدّم في أوّل الباب الثالث انّ شمائله (عليه السلام) شمائل جدّه، وهو أشبه الخَلْق في الخَلْق والخُلُق به (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويؤيده الخبر الذي رواه الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن احمد بن علي القمي نزيل الري في كتاب المسلسلات عن الحسين بن جعفر قال: قال محمد بن عيسى بن عبد الكريم الطرطوسي في دمشق، قال: قال عمر بن سعيد بن يسار المنجي، قال: قال احمد بن دهقان، قال: قال خلف بن تميم، قال: دخلت على أبي هرمز أعوده فقال: دخلت على أنس بن مالك أعوده، فقال: صافحت بهذه الكفّ كفّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فما مَسَسْت قطّ خزّاً ولا حريراً ألين من كفّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال ابو هرمز: فقلت لأنس بن مالك فصافحني بالكف التي صافحت بها كفّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصافحني، وقال: السلام عليكم. قال خلف بن تميم: قلت لأبي هرمز: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ انس بن مالك. فصافحني، وقال: السلام عليكم. قال احمد بن دهقان: قلت لخلف بن تميم: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ أبي هرمز. فصافحني وقال: السلام عليكم. قال عمر بن سعيد: قلت لأحمد بن دهقان، صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ خلف بن تميم، فصافحني وقال: السلام عليكم. قال محمد بن عيسى بن عبد الكريم: قلت لعمر بن سعيد: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ احمد بن دهقان، فصافحني وقال: السلام عليكم. قال حسين بن جعفر: قلت لمحمد بن عيسى: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ عمر بن سعيد، فصافحني وقال: السلام عليكم. قال مصنّف هذا الكتاب أبو محمد جعفر بن احمد بن علي الرازي: قلت لحسين بن جعفر: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ محمد بن عيسى، فصافحني وقال: السلام عليكم. 1- روى ابن الجوزي في (الوفا بأحوال المصطفى): ج 2، ص 398، الباب التاسع عشر في صفة كفيه صلى الله عليه [ وآله] وسلّم. عن أنس قال: " ما مسستُ قطّ... الخ " ـ عن مارية قالت: بايعت النّبي صلى الله عليه [ وآله]وسلّم فما مسست قطّ ألين من يده صلى الله عليه [ وآله] وسلّم. 2- لعدم وجود الكتاب المذكور عندنا حالياً فقد قمنا بترجمة النص. ويؤيده قول الصاحب بن عباد في كتاب (محيط اللغة) شثن الكفّين، وهو معروف في حديث شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونقله الخاصة والعامة بأسانيد معتبرة، وورد بالتاء في نقطتين فوقانية، وضبط: بمعنى ناعم، كما يقال هناك: " الشتون اللينة من الثياب الواحد الشتن " وروي في الحديث في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه كان شتن الكفّ بالتاء، ومن رواه بالثاء فقط صحف، انتهى. ولكن سائر المحدّثين وشراح الأخبار وأهل اللغة ضبطوه بالثاء، بل قيل ان كلام صاحب المحيط من الغرائب. ويقول الشيخ الصدوق في كتاب معاني الأخبار بعد نقل الخبر: " سألت أبا احمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر فقال (إلى أن يقول في تفسير): (شثن الكفين) معناه خشن الكفّين، والعرب تمدح الرجال بخشونة الكف، والنساء بنعومة الكف ". ويقول ابن الأثير الجزري في النهاية: " أي انهما يميلان إلى الغلظ والقصر. وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشدّ لقبضهم ويذم في النساء ". ويؤيد كلامه ما جاء في شمائل أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه كانت كفّه خشنة. وروى الشيخ المفيد في الارشاد: " ولمّا توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر 1- لا يوجد لدينا المصدر، فأرجعنا الفارسية إلى العربية. 2- معاني الأخبار (الصدوق): ص 84 و87. 3- النهاية (الجزري): ج 2، ص 444. 4- في الترجمة: " إلى قتال أهل البصرة وخرج من المدينة ونزل الربذة... ". الحاج، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه... " إلى أن قال ابن عباس بعد أن دخل عليه في خيمته: " فتأذن لي أن أتكلم، فإنْ كان حسناً كان منك، وإنْ كان غير ذلك كان منّي؟ قالا: لا، أنا أتكلم. (قال ابن عباس:) ثم وضع يده في صدري، وكان شثن الكفّين فآلمني... ". وروي في كمال الدين عن يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو جالس على دكّان في الدار وعن يمينه بيت وعليه ستر مسبل. فقلت له: يا سيدي مَنْ صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر ; فرفعته، فخرج الينا غلامٌ خماسيّ (ثم ذكر شمائله (عليه السلام)) شثن الكفين.. 1- هذه الزيادة في الترجمة ولا توجد في المصدر المطبوع. 2- هكذا في الترجمة، وفي المصدر المطبوع (الكفّ) بدل (الكفين). 3- قال المؤلف (ره): " ولا وجه الّا أن تكون النسخة بالثاء، فإنّ نعومة اليد لا تسبب ألماً ". 4- الارشاد (المفيد): ص 247 ـ 248. 5- قال المؤلف (رحمه الله): " ابن خمس سنين ". أقول: وكأنما ترجم (الخماسي) بذلك. وقال ابن الأثير في النهاية، ج 2، ص 79: " الخماسيان: طول كل واحد منهما خمسة أشبار ". وقال الطريحي في مجمع البحرين، ج 4، ص 67: " والغلام الخماسي: الذي سنّه خمس سنين، أو لطوله خمسة أشبار... ". وقال ابن منظور في لسان العرب، ج 4، ص 216: " غلام خماسي ورباعي، طال خمسة أشبار وأربعة أشبار، وانما يقال خماسي ورباعي فيمن يزداد طولا... ". ولعلّ هذا المعنى يناسب المقام، خصوصاً انّ الراوي يصفه (له عشر أو ثمان أو نحو ذلك) والواضح انّ هذا الوصف اشارة إلى عمره وسنّه، ولا يتصوّر به (عليه السلام) بذلك العمر طوله خمسة أشبار فانّه طبيعي لا يوصف لمن كان بذلك السن من غيره، فيكون المقصود والله اعلم انّه يزداد طولا. 6- كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 436 ـ 437. وقد ضبطت في النسخ بالثاء. وفسّره المجلسي في البحار بالغلظة.

النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية السابعة:

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.