الأقسامالنجم الثاقبالباب السّابع
النجم الثاقب

قضية الصالح الصفي التقي الحاج علي البغدادي الموجود حالياً في وقت تأليف هذا الكتاب وفّقه الله، وهي تناسب الحكاية السابقة، ولو لم يكن في هذا الكتاب الشريف الّا هذه الحكاية المتقنة الصحيحة التي فيها فوائد كثيرة، وقد حدثت في وقت قريب، لكفت في شرفه ونفاسته. وتفصيلها كما يلي: في شهر رجب السنة الماضية كنت مشغولا بتأليف رسالة جنّة المأوى فعزمت 1- في الكلم الطيّب: (يا ودود) كررت ثلاث مرّات. 2- قال في الترجمة (يا مغيث أغثني) ثلاث مرّات. وقال السيد عليخان (رحمه الله) في الكلم الطيّب بعد يا مغيث اغثني الثالثة: " انتهى ما نقلته من خط جدّنا المذكور قدّس الله سرّه، وكان وفاته سنة خمس عشر بعد الألف (رحمه الله) تعالى ". على السفر إلى النجف الأشرف لزيارة المبعث، فجئت الكاظمين ووصلت بخدمة جناب العالم العامل والفقيه الكامل السيد السند والحبر المعتمد الآقا السيد محمد ابن العالم الأوحد السيد احمد ابن العالم الجليل والدوحة النبيل السيد حيدر الكاظميني أيّده الله وهو من تلامذة خاتم المجتهدين وفخر الاسلام والمسلمين الاستاذ الأعظم الشيخ مرتضى أعلى الله تعالى مقامه، ومن أتقياء علماء تلك البلدة الشريفة، ومن صلحاء أئمة جماعة الصحن والحرم الشريف، وكان ملاذاً للطلاب والغرباء والزوار، وأبوه وجدّه من العلماء المعروفين، وما زالت تصانيف جدّه سيد حيدر في الأصول والفقه وغيرهما موجودة. فسألته إذا كان رأى أو سمع حكاية صحيحة في هذا الباب أن ينقلها، فنقل هذه القضية، وكنت قد سبقتها سابقاً ولكنّي لم أضبط أصلها وسندها فطلبت منه أن يكتبها بخطّ يده. فقال: سمعتها من مدّة وأخاف أن أزيد فيها أو أنقص، فعليَّ أن ألتقي به واسئله ومن ثمّ اكتبها، ولكن اللقاء به والأخذ منه صعب فانّه من حين وقوع هذه القضية قلّ اُنسه بالناس وسكناه في بغداد وعندما يأتي للتشرّف بالزيارة فانّه لا يذهب إلى مكان ويرجع بعد أن يقضي وطراً من الزيارة، فيتفق أن لا أراه في السنة الّا مرّة أو مرّتين في الطريق، وعلى ذلك فانّ مبناه على الكتمان الّا على بعض الخواص ممن يأمن منه الافشاء والاذاعة خوف استهزاء المخالفين المجاورين المنكرين ولادة المهدي (عليه السلام) وغيبته، وخوفاً من أن ينسبه العوام إلى الفخر وتنزيه النفس. قلت: انّي أطلب منك أن تراه مهما كان وتسأله عن هذه القضية إلى حين رجوعي من النجف، فالحاجة كبيرة والوقت ضيق. ففارقته لساعتين أو ثلاث ثمّ رجع اليّ وقال: من أعجب القضايا انّي عندما ذهبت إلى منزلي جائني شخص مباشرة وقال جاؤوا بجنازة من بغداد ووضعوها في الصحن الشريف وينتظرونك للصلاة عليها. فقمت وذهبت وصلّيت فرأيت الحاج المذكور بين المشيّعين فأخذته جانباً، وبعد امتناعه سمعت هذه القضية، فشكرت الله على هذه النعمة السنية، فكتبت القصة بكاملها وثبّتها في جنّة المأوى. وقد تشرّفت بعد مدّة مع جماعة من العلماء الكرام والسادات العظام بزيارة الكاظمين (عليهما السلام) وذهبت من هناك إلى بغداد لزيارة النوّاب الأربعة (رضوان الله عليهم) فبعد أداء الزيارة وصلت بخدمة جناب العالم العامل والسيد الفاضل الآقا سيد حسين الكاظميني، وهو أخ جناب الآقا السيد محمد المذكور، وكان يسكن في بغداد وعليه مدار الأمور الشرعية لشيعة بغداد أيدهم الله، وطلبت منه أن يحضر الحاج علي المذكور، وبعد أن حضر، طلبت منه أن ينقل القضية في ذلك المجلس، فأبى، وبعد الاصرار رضي أن ينقلها ولكن في غير ذلك المجلس، وذلك بسبب حضور جماعة من أهل بغداد، فذهبنا إلى مكان خال ونقل القضية، وكان الاختلاف في الجملة في موضعين أو ثلاثة وقد اعتذر عن ذلك بسبب طول المدّة. وكانت تظهر من سيمائه آثار الصدق والصلاح بنحو واضح، بحيث ظهر لجميع الحاضرين مع كثرة تدقيقهم في الأمور الدينية والدنيوية القطع بصدق الواقعة. نقل الحاج المذكور أيده الله: اجتمع في ذمّتي ثمانون توماناً من مال الامام (عليه السلام) فذهبت إلى النجف الأشرف فأعطيت عشرين توماناً منه لجناب علم الهدى والتقى الشيخ مرتضى أعلى الله مقامه وعشرين توماناً إلى جناب الشيخ محمد حسين المجتهد الكاظميني وعشرين توماناً لجناب الشيخ محمد حسن الشروقي وبقي في ذمّتي عشرون توماناً، كان في قصدي أن أعطيها إلى جناب الشيخ محمد حسن الكاظميني آل ياسيني أيده الله عند رجوعي. فعندما رجعت إلى بغداد كنت راغباً في التعجيل بأداء ما بقي في ذمّتي، فتشرّفت في يوم الخميس بزيارة الامامين الهمامين الكاظمين (عليهما السلام) وبعد ذلك ذهبت إلى خدمة جناب الشيخ سلّمه الله وأعطيته مقداراً من العشرين توماناً وواعدته بأني سوف أعطي الباقي بعد ما أبيع بعض الأشياء تدريجياً، وأن يجيزني أن أوصله إلى أهله، وعزمت على الرجوع إلى بغداد في عصر ذلك اليوم، وطلب جناب الشيخ منّي أن أتأخر فاعتذرت بأن عليّ أن أوفي عمّال النسيج أجورهم، فانّه كان من المرسوم أن أسلّم أجرة الأسبوع عصر الخميس، فرجعت وبعد أن قطعت ثلث الطريق تقريباً رأيت سيداً جليلا قادماً من بغداد من أمامي، فعندما قرب منّي سلّم عليّ وأخذ بيدي مصافحاً ومعانقاً وقال: أهلا وسهلا وضمني إلى صدره وعانقني وقبّلني وقبّلته، وكانت على رأسه عمامة خضراء مضيئة مزهرة، وفي خدّه المبارك خال أسود كبير، فوقف وقال: حاج علي على خير، على خير، أين تذهب؟ قلت: زرت الكاظمين (عليهما السلام) وأرجع إلى بغداد. قال: هذه الليلة ليلة الجمعة فارجع. قلت: يا سيدي لا أتمكّن. فقال: في وسعك ذلك، فارجع حتى أشهد لك بأنّك من موالي جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن موالينا، ويشهد لك الشيخ كذلك، فقد قال تعالى: { واستشهدوا شهيدين }. وكان ذلك منه اشارة إلى مطلب كان في ذهني أن ألتمس من جناب الشيخ أن يكتب لي شهادة بأنّي من موالي أهل البيت (عليه السلام) لأضعها في كفني. فقلت: أي شيء تعرفه، وكيف تشهد لي؟ قال: من يوصل حقّه إليه، كيف لا يعرف من أوصله؟ قلت: أيُّ حق؟ قال: ذلك الذي أوصلته إلى وكيلي. قلت: من هو وكيلك. 1- الآية 282 من سورة البقرة. قال: الشيخ محمد حسن. قلت: وكيلك؟ قال: وكيلي. وكان قد قال لجناب الآقا السيد محمد، وكان قد خطر في ذهني ان هذا السيد الجليل يدعوني باسمي مع أنّي لا أعرفه، فقلت في نفسي لعلّه يعرفني وأنا نسيته. ثمّ قلت في نفسي ايضاً: انّ هذا السيد يريد منّي شيئاً من حقّ السادة، وأحببت أن اُوصل إليه شيئاً من مال الامام (عليه السلام) الذي عندي. فقلت: يا سيد بقي عندي شيءٌ من حقّكم فرجعت في أمره إلى جناب الشيخ محمد حسن لأؤدّي حقّكم يعني السادات بأذنه. فتبسّم في وجهي وقال: نعم قد أوصلت بعضاً من حقّنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف. فقلت: هل قبل ذلك الذي أدّيته؟ فقال: نعم. خطر في ذهني أن هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام (وكلائنا) فاستعظمت ذلك، فقلت: العلماء وكلاء في قبض حقوق السادات وغفلت. (انتهى). ثم قال: ارجع زُر جدّي. فرجعت وكانت يده اليمنى بيدي اليسرى فعندما سرنا رأيت في جانبنا الأيمن نهراً ماؤه أبيض صاف جار، وأشجار الليمون والنارنج والرمان والعنب وغيرها كلّها مثمرة في وقت واحد مع انّه لم يكن موسمها، وقد تدلت فوق رؤوسنا. 1- إلى هنا ينتهي ما نقله المؤلف (رحمه الله) عن السيد محمد المذكور عن الحاج علي البغدادي، والذي لم يسمعه من الحاج علي مباشرة، بل كان قد نسيه كما أشار إليه المؤلف (رحمه الله) في اثناء القصة. قلت: ما هذا النهر وما هذه الأشجار؟ قال: انها تكون مع كل من يزورنا ويزور جدّنا من موالينا. فقلت: أريد أن أسئلك؟ قال: اسأل. قلت: كان الشيخ المرحوم عبد الرزاق رجلا مدرساً فذهبت عنده يوماً فسمعته يقول: لو أن أحداً كان عمره كلّه صائماً نهاره قائماً ليله وحج أربعين حجة وأربعين عمرة ومات بين الصفا والمروة ولم يكن من موالي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فليس له شيء؟ قال: نعم، والله ليس له شيء. فسألته عن بعض أقربائي هل هو من موالي أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: نعم، هو وكلّ من يرتبط بك. فقلت: سيدنا! لي مسئلة. قال: اسأل. قلت: يقرأ قرّاء تعزية الحسين (عليه السلام) ان سليمان الأعمش جاء عند شخص وسأله عن زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) فقال: بدعة. فرأى في المنام هودجاً بين الأرض والسماء، فسأل مَنْ في الهودج؟ فقيل له: فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى (عليهما السلام). فقال: إلى أين تذهبان؟ فقيل: إلى زيارة الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة فهي ليلة الجمعة، ورأى رقاعاً تتساقط من الهودج مكتوب فيها: " أمان من النار لزوّار الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة ". فهل هذا الحديث صحيح؟ قال: نعم، صحيح وتام. قلت: سيدنا يقولون: من زار الحسين (عليه السلام) ليلة الجمعة فهي له أمان. قال: نعم والله. (وجرت الدموع من عينيه المباركتين وبكى). قلت: سيدنا مسألة. قال: اسأل. قلت: زرنا الامام الرضا (عليه السلام) سنة تسع وستين ومائتين وألف والتقينا بأحد الأعراب الشروقيين من سكّان البادية في الجهة الشرقية من النجف الأشرف في درود، واستضفناه وسألناه كيف هي ولاية الرضا (عليه السلام)؟ قال: الجنة. ولي خمسة عشر يوماً آكل من مال مولاي الامام الرضا (عليه السلام) فكيف يجرؤ منكر ونكير أن يدنيا منّي في قبري وقد نبت لحمي ودمي من طعامه (عليه السلام) في مضيفه؟! فهل هذا صحيح انّ علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يأتي ويخلّصه من منكر ونكير؟ فقال: نعم والله، انّ جدّي هو الضامن. قلت: سيدنا أريد أن أسألك مسألة صغيرة؟ قال: اسأل. قلت: وهل زيارتي للامام الرضا (عليه السلام) مقبولة؟ قال: مقبولة إن شاء الله. قلت: سيدنا مسألة؟ قال: بسم الله. قلت: انّ الحاج محمد حسين القزاز (بزاز باشي) ابن المرحوم الحاج احمد القزاز (بزاز باشي) هل زيارته مقبولة أم لا (وقد كان رفيقنا في السفر وشريكنا في الصرف في طريق مشهد الرضا (عليه السلام))؟ قال: العبد الصالح زيارته مقبولة. قلت: سيدنا مسألة؟ قال: بسم الله. قلت: انّ فلاناً من أهل بغداد ـ وكان رفيقنا في السفر ـ هل زيارته مقبولة؟ فسكت. قلت: سيدنا مسألة؟ قال: بسم الله. قلت: هل سمعت هذه الكلمة أم لا؟ فهل انّ زيارته مقبولة أم لا؟ فلم يجبني. ونقل الحاج المذكور انّه كان ذلك الشخص وعدّة نفر من أهل بغداد المترفين قد انشغلوا في السفر باللهو واللعب، وكان ذلك الشخص قد قتل أمه. فوصلنا في الطريق إلى مكان واسع على طرفيه بساتين مقابل بلدة الكاظمين الشريفة، وكان موضع من ذلك الطريق متصلا ببساتين من جهته اليمنى لمن يأتي من بغداد وهو ملك لبعض الأيتام السادة وقد أدخلته الحكومة ظلماً في الطريق، وكان أهل التقوى والورع من سكنة هاتين البلدتين يجتنبون دائماً المرور من تلك القطعة من الأرض. ورأيته (عليه السلام) يمشي في تلك القطعة فقلت: يا سيدي هذا الموضع ملك لبعض الأيتام السادة ولا ينبغي التصرّف فيه. قال: هذا الموضع ملك جدّنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وذرّيته وأولادنا ويحلّ لموالينا التصرّف فيه. وكان في القرب من ذلك المكان على الجهة اليسرى بستان ملك لشخص يقال له الحاج الميرزا هادي، وهو من أغنياء العجم المعروفين، وكان يسكن في بغداد ; قلت: سيدنا هل صحيح ما يقال بأن أرض بستان الحاج ميرزا هادي ملك الامام موسى بن جعفر (عليه السلام)؟ قال: ما شأنك بهذا؟ وأعرض عن الجواب. فوصلنا إلى ساقية ماء فُرِّعت من شط دجلة للمزارع والبساتين في تلك المنطقة، وهي تمرّ في ذلك الطريق، وعندها يتشعّب الطريق إلى فرعين باتّجاه البلدة ; أحد الطريقين سلطاني، والآخر طريق السادة، فاختار (عليه السلام) طريق السادة. فقلت: تعال نذهب من هذا الطريق، يعني الطريق السلطاني. قال: لا، نذهب من طريقنا. فما خطونا الّا عدّة خطوات فوجدنا أنفسنا في الصحن المقدّس عند موضع خلع الأحذية (كفش دارى) من دون أن نمر بزقاق ولا سوق. فدخلنا الايوان من جهة باب المراد التي هي الجهة الشرقية مما يلي الرجل. ولم يمكث (عليه السلام) في الرواق المطهر، ولم يقرأ اذن الدخول، ودخل، ووقف على باب الحرم، فقال: زُر. قلت: إنّي لا أعرف القراءة. قال: أقرأ لك؟ قلت: نعم. فقال: أأدخل يا الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، وهكذا سلّم على كلّ امام من الائمة (عليهم السلام) حتى بلغ في السلام إلى الامام العسكري (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا أبا محمد الحسن العسكري، ثم قال: تعرف امام زمانك؟ قلت: وكيف لا أعرفه؟ قال: سلّم على امام زمانك. 1- الظاهر انّ المقصود منه انّه حكومي. فقلت: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان يا ابن الحسن. فتبسّم وقال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فدخلنا في الحرم المطهّر وأنكببنا على الضريح المقدّس، وقبّلناه، فقال لي: زُر. قلت: لا أعرف القراءة. قال: أقرأ لك الزيارة؟ قلت: نعم. قال: أي زيارة تريد؟ قلت: زورني بأفضل الزيارات. قال: زيارة أمين الله هي الأفضل. ثم أخذ بالقراءة وقال: السلام عليكما يا أميني الله في أرضه وحجتيه على عباده... الخ. وأضيئت في هذه الأثناء مصابيح الحرم فرأيت الشموع مضاءة ولكن الحرم مضاء ومنوّر بنور آخر مثل نور الشمس والشموع تضيء مثل المصباح في النهار في الشمس. وكنت قد أخذتني الغفلة بحيث لم انتبه إلى هذه الآيات. فعندما انتهى من الزيارة جاء إلى الجهة التي تلي الرجل فوقف في الجانب الشرقي خلف الرأس، وقال: هل تزور جدّي الحسين (عليه السلام)؟ قلت: نعم أزوره فهذه ليلة الجمعة. فقرأ زيارة وارث، وقد فرغ المؤذنون من اذان المغرب، فقال لي: صلِّ والتحق بالجماعة، فجاء إلى المسجد الذي يقع خلف الحرم المطهّر وكانت الجماعة قد انعقدت هناك، ووقف هو منفرداً في الجانب الأيمن لإمام الجماعة محاذياً له، ودخلت أنا في الصفّ الأول حيث وجدت مكاناً لي هناك. فعندما انتهيت لم أجده، فخرجت من المسجد وفتّشت في الحرم فلم أره، وكان قصدي أن ألاقيه وأعطيه عدّة قرانات واستضيفه في تلك الليلة، ثمّ جاء بذهني: من يكون هذا السيد؟! وانتبهت للآيات والمعجزات المتقدّمة ومن انقيادي لأمره في الرجوع مع ما كان لي من الشغل المهم في بغداد، وتَسْمِيَتُهُ لي باسمي، مع أنّي لم أكن قد رأيته من قبل، وقوله (موالينا) وانّي اشهد، ورؤية النهر الجاري والأشجار المثمرة في غير الموسم، وغير ذلك مما تقدّم مما كان سبباً ليقيني بأنّه الامام المهدي (عليه السلام)، وبالخصوص في فقرة اذن الدخول وسؤاله لي بعد السلام على الامام العسكري (عليه السلام)، هل تعرف امام زمانك؟ فعندما قلت اعرفه، قال: سلّم، فعندما سلّمت، تبسّم وردّ السّلام. فجئت عند حافظ الأحذية وسألت عنه، فقال: خرج.. وسألني: هل كان هذا السيد رفيقك؟ قلت: نعم. فجئت إلى بيت مضيفي وقضيت الليلة، فعندما صار الصباح، ذهبت إلى جناب الشيخ محمد حسن ونقلت له كلّما رأيت. فوضع يده على فمي ونهاني عن اظهار هذه القصة وافشاء هذا السر، وقال: وفقك الله تعالى. فأخفيت ذلك ولم أظهره لأحد إلى أن مضى شهر من هذه القضية، فكنت يوماً في الحرم المطهر، فرأيت سيداً جليلا قد اقترب منّي وسألني ماذا رأيت؟ وأشار إلى قصة ذلك اليوم! قلت: لم أَرَ شيئاً. فأعاد عليّ ذلك الكلام. وانكرت بشدّة. فاختفى عن نظري ولم أَرَهُ بعد ذلك. " نقل الثقة الصالح الحاج علي المذكور زيد توفيقه انّه في سفره إلى المشهد المقدّس وقبل أن يصل إلى مشهد بسبعة أو ثمانية منازل، مات أحد رفاقنا في تلك السفرة، فتكلّمت مع المكاري في حمل جنازته، فقال: آخذ أربعة عشر توماناً، وكنّا قد جمعنا بيننا سبعة تومانات، وطلبنا أن يأخذه بذلك المبلغ فلم يرضَ، فكان لأحد رفاقنا حمار فوضع الجنازة عليه وقال: لابدّ أن نأخذ الجنازة على أي نحو كان، فلم نمشِ الّا قليلا ـ وكان ذلك المؤمن في ضيق وتعب ـ وإذا بفارس يظهر من جهة المشهد، فعندما وصل الينا، سأل عن الجنازة، فذكرنا له ما تقدّم، فقال: أنا آخذه بذلك المبلغ، وكان فرسه جيداً وعليه سرج قاجاري، فوضع الجنازة عليه وشدّها بقوّة، فأردنا أن نعطيه ذلك المبلغ، قال: آخذه في المشهد، وجرى، وقلنا له: لا تدفنه حتى نصل، ولم نكن قد غسّلنا ذلك الميّت. ولم نَرَهُ بعد ذلك، حتى وصلنا المشهد بعد اسبوع وكان يوم الخميس فرأينا ان ذلك الميّت قد غُسّل وكُفّن ووُضع في الايوان المطهّر، وعند رأسه جميع ملابسه ولم نَرَ أحداً، وبعد فحصنا علمنا أنّ الجنازة وصلت إلى المشهد المقدّس في ذلك اليوم الذي أعطيناها له، ولم يظهر منه بعد ذلك أثر. يقول المؤلف: إنّ الحاج علي المذكور هو ابن الحاج قاسم الكرادي البغدادي من التجّار والعوام. وكل مَنْ سألته من العلماء وسادات الكاظمين وبغداد المعظّمين عن حاله، مدحوه بالخير والصلاح والصدق والأمانة واجتناب عادات أهل زمانه السيئة. وقد شاهدت آثار هذه الأوصاف فيه عند رؤيتي له وتكلّمي معه. وكان يتأسّف أثناء كلامه على عدم معرفته له (عليه السلام) بشكل تظهر فيه آثار الصدق والاخلاص والحبّ. فهنيئاً له. وأمّا الخبر الذي ورد في زيارة ابي عبد الله (عليه السلام) في ليلة الجمعة الذي سُئل عن صحّته فهو الخبر الذي رواه الشيخ محمد بن المشهدي في مزاره الكبير عن الأعمش قال: كنت نازلا بالكوفة وكان لي جار كثيراً ما كنت أقعد إليه وكان ليلة الجمعة فقلت له: ما تقول في زيارة الحسين (عليه السلام)؟ فقال لي: بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.. فقمت من بين يديه وأنا ممتلئ غضباً، وقلت: إذا كان السحر أتيته وحدّثته من فضائل أمير المؤمنين ما يسخن الله به عينيه. قال: فأتيته وقرعت عليه الباب فاذا أنا بصوت من وراء الباب: انّه قد قصد الزيارة في أوّل الليل، فخرجت مسرعاً فأتيت الحير فاذا أنا بالشيخ ساجد لا يملّ من السجود والركوع، فقلت له: بالأمس تقول لي: بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار، واليوم تزوره؟! فقال لي: يا سليمان لا تلمني، فانّي ما كنت أثبت لأهل هذا البيت إمامة حتى كانت ليلتي هذه، فرأيت رؤيا أرعبتني. فقلت: ما رأيت ايها الشيخ؟ قال: رأيت رجلا لا بالطويل الشّاهق ولا بالقصير اللاّصق، لا اُحسن أصفه من حسنه وبهائه، معه أقوام يحفّون به حفيفاً ويزفّونه زفّاً، بين يديه فارس على فرس له ذَنوب، على رأسه تاج، للتاج أربعة أركان، في كلّ ركن جوهرة تضيء مسيرة ثلاثة أيام. فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (عليه السلام)، فقلت: والآخر؟ فقالوا: وصيّه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثمّ مددت عيني فاذا أنا بناقة من نور عليها هودج من نور تطير بين السماء والأرض. فقلت: لمن الناقة؟ قالوا: لخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. قلت: والغلام؟ قالوا: الحسن بن علي. قلت: فأين يريدون؟ قالوا: يمضون بأجمعهم إلى زيارة المقتول ظلماً الشهيد بكربلاء الحسين بن علي، ثمّ قصدت الهودج وإذا أنا برقاع تَساقط من السماء أماناً من الله جلّ ذكره لزوّار الحسين بن علي ليلة الجمعة، ثمّ هتف بنا هاتف أَلاَ إنّا وشيعتنا في الدّرجة العليا من الجنة، والله يا سليمان لا أفارق هذا المكان حتى تفارق روحي جسدي. ونقل الشيخ الطريحي آخر الخبر هكذا: " وإذا أنا برقاع مكتوبة تَساقط من السماء، فسألت: ما هذه الرقاع؟ فقال: فيها أمان من النار لزوّار الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة. فطلبت منه رقعة، فقال لي: انّك تقول زيارته بدعة، فانّك لا تنالها حتى تزور الحسين وتعتقد فضله وشرفه، فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً، وقصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة سيدي الحسين (عليه السلام) ".

النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية الحادية والثلاثون:

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.