الأقسامالنجم الثاقبالباب السّابع
النجم الثاقب

يرجع بعد أن يقسمه على أهل تلك الجزيرة. ولم يخفَ خافياً انّ اسم والد المحقق حسن وهو ابن يحيى بن سعيد الهذلي الحلي، وقد حرف في القصة المذكورة، أو انّ اسماعيل ذلك اسم شخص جليل من أجداده ينسب إليه هناك. وأما الفضل بن يحيى راوي أصل الحكاية فهو من العلماء المعروفين، قال الشيخ الحرّ في أمل الآمل: " الشيخ مجد الدين الفضل بن يحيى [ بن علي] بن المظفر الطيبي الكاتب بواسط. فاضل، عالم جليل، يروي كتاب كشف الغمة عن مؤلفه علي بن عيسى الأربلي، كتبه بخطّه، وقابله، وسمعه من مؤلفه، وله منه اجازة سنة ستمائة وواحد وتسعون. وسمع منه جماعة قد ذكرناهم بأماكنهم، وهم اثنا عشر رجلا... ". وقال الفاضل الميرزا عبد الله الاصفهاني في رياض العلماء: " [ ورأيت] في 1- سقطت من الترجمة، واثبتت في المصدر المطبوع. 2- في الترجمة زيادة (وله من علي بن عيسى). 3- قال المؤلف (رحمه الله): " يعني هذا الكتاب ". 4- أمل الآمل (الحر العاملي): ج 2، ص 217 ـ 218. نسخة عتيقة من كشف الغمّة انّ الفضل المذكور قد قابل الشيخ فضل بن يحيى المذكور في مستهل المحرم من سنة تسع وتسعين وستمائة بواسط صورة خط المأمون في ولاية عهده للرضا (عليه السلام) وما كتبه الرضا على ظهره مع خط المأمون وخط الرضا ". ولا يخفى انّ الكلام في هذه الحكاية وشبهة الاستبعاد من وجود مثل هذه البلاد العظيمة على وجه الأرض وعدم اطّلاع أحد عليها مع كثرة السفر والمجيء والذهاب. وتقدّم في ذيل الحكاية الثانية انّه لا استبعاد في وجودها وحجبها عن أنظار الخلائق مع عموم قدرة الله تعالى. وأعجب من ذلك سدّ الاسكندر ذي القرنين، وكهف اصحاب الكهف فانّهما موجودان بصريح القرآن، ولم يخبر أحد عنهما. ونقل في مجلد السماء والعالم من البحار عن كتاب (قسمة أقاليم الأرض وبلدانها) تأليف أحد علماء أهل السنة، قال: " بلد المهدي مدينة حسنة حصينة بناها المهدي الفاطمي، وجعل لها أبواباً من حديد، في كل باب ما يزيد على المائة قنطار، ولمّا بناها وأحكمها، قال: الآن أمنت على الفاطميين ". وروى الشيخ المقدّم أحمد بن محمد بن عياش في الجزء الأول من كتاب (مقتضب الأثر) باسناده إلى الشعبي انّه قال: انّ عبد الملك بن مروان دعاني فقال: يا أبا عمرو انّ موسى بن نصير العبدي كتب إليّ ـ وكان عامله على المغرب ـ يقول: بلغني انّ مدينة من صفر كان ابتناها نبيّ الله تعالى سليمان بن داود (عليه السلام)، أمر الجن أن يبنوها له، فاجتمعت العفاريت من الجن على بنائها وانّها من عين القطر التي ألانها الله لسليمان بن داود (عليه السلام) وانّها في 1- رياض العلماء: ج 4، ص 375 ـ 376. 2- البحار: ج 60، ص 229. مفازة الأندلس، وانّ فيها من الكنوز التي استودعها سليمان (عليه السلام) وقد أردت أن اتعاطى الارتحال إليها، فأعلمني العلام بهذا الطريق انّه صعب لا يتمطى الّا بالاستعداد من الظهور، والازواد الكثيرة مع بُعد المسافة وصعوبتها، وانّ أحداً لم يهتم بها الاّ قصر عن بلوغها، الاّ دارا ابن دارا فلمّا قتله الاسكندر، قال: والله لقد جئت الأرض والأقاليم كلّها ودان لي أهلها، وما أرض الّا وقد وطئتها الّا هذه الأرض من الأندلس، فقد أدركها دارا ابن دارا، وانّي لجدير بقصدها كي لا أقصر عن غاية بلغها دارا، فتجهّز الاسكندر واستعدّ للخروج عاماً كاملا، فلمّا ظنّ انّه قد استعدّ لذلك، وقد كان بعث رواده فأعلموه انّ موانع دونها، فكتب عبد الملك بن مروان إلى موسى بن نصير يأمره بالاستعداد والاستخلاف على عمله، فاستعدّ وخرج فرآها وذكر أحوالها، فلمّا رجع كتب إلى عبد الملك بحالها وقال في آخر الكتاب: فلمّا مضت الأيام وفنيت الأزواد سرنا نحو بحيرة ذات شجر، وسرت مع سور المدينة فصرت إلى مكان من السور فيه كتاب بالعربيّة، فوقفت على قرائته وأمرت بانتساخه فاذا هو شعر: ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن يرجو الخلود وما حيّ بمخلود لو انّ خلقاً ينال الخلد في مهل لنال ذاك سليمان بن داود سالت له القطر عين القطر فائضة بالقطر منه عطاء غير مصدود فقال للجن ابنوا لي به أثراً يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودى فصيّروه صفاحاً ثم هيل له إلى السماء بأحكام وتجويد وأفرغ القطر فوق السور منصلتا فسار أصلب من صماء صيخود 1- في الترجمة (غير مردود). 2- في الترجمة (ولا يؤد). 3- الصماء: الصخرة التي ليس فيها خرق ولا صدع ـ وميخود: الصخرة الشديدة. وبثّ فيه كنوز الأرض قاطبة وسوف يظهر يوماً غير محدود وصار في قعر بطن الأرض مضطجعاً مصمّداً بطوابيق الجلاميد لم يبق من بعده للملك سابقة حتى يضمن رمساً غير أخدود هذا ليعلم انّ الملك منقطع الّا من الله ذي النعماء والجود حتى إذا ولدت عدنان صاحبها من هاشم كان منها خير مولود وخصّه الله بالآيات منبعثاً إلى الخليقة منها البيض والسود له مقاليد أهل الأرض قاطبة والأوصياء له أهل المقاليد هم الخلائف اثنا عشرة حججاً من بعده الأوصياء السادة الصيد حتى يقوم بأمر الله قائمهم من السماء إذا ما باسمه نودي فلما قرأ عبد الملك الكتاب وأخبره طالب بن مدرك وكان رسوله إليه بما عاين من ذلك، وعنده محمّد بن شهاب الزهري قال: ماذا ترى في هذا الأمر العجيب؟ فقال الزهري: أرى وأظنّ انّ جنّاً كانوا موكلين بما في تلك المدينة حفظة لها، يخيلون إلى من كان صعدها، قال عبد الملك: فهل علمت من أمر المنادي باسمه من السماء شيئاً؟ قال: الهَ عن هذا يا أمير المؤمنين! قال عبد الملك: وكيف ألهو عن ذلك وهو أكبر أوطاري؟ لتقولنّ بأشدّ ما عندك في ذلك سائني أم سرّني؟ فقال الزهري: أخبرني علي بن الحسين (عليه السلام) انّ هذا المهدي من ولد فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عبد الملك: كذبتما لا تزالان تدحضان في بولكما، وتكذبان في قولكما، ذلك رجل منّا! قال الزهري: أمّا أنا فرويته لك عن علي بن الحسين (عليه السلام) فإنْ شئت فاسأله عن ذلك ولا لوم عليّ فيما قلته لك، فإن يكُ كاذباً فعليه كذبه، وإن يكُ صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم، فقال عبد الملك: لا حاجة لي إلى سؤال 1- في الترجمة (وسوف تظهر). 2- الجلاميد جمع جلمود: وهو الصخر. أبي تراب، فخفض عليك يا زهري بعض هذا القول فلا يسمعه منك أحد، قال الزهري: لك عليّ ذلك. وكانت الأندلس بيد الافرنج لسنين طويلة، ومع شدّة اهتمامهم لمعرفة أوضاع الأرض وقدرتهم على ذلك فانّهم لم يكن عندهم خبر عن هذه المدينة. وليس عند جميع أهل الأديان طرق استبعاد وخصوصاً أهل الاسلام ـ الذين هم أكمل وأعلم جميع الأمم ببركة وجود خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكميله العباد في مراتب توحيد الذات وصفات وأفعال الباري ومصنوعات الحق جلّ وعلا العجيبة وآثاره الغريبة ـ بل انّ أهل السنة ومخالفينا اتّخذوا من أمثال الحكايات السابقة سببَ طعن واستهزاء بالطائفة الاماميّة. وكان ينبغي لهم قبول هذا النوع من الأخبار لأنها مؤيدة لبعض الأمثلة التي استشهدوا بها لدعاواهم. ولو انّها لا تؤيد أصل مذهبهم، فانّ الاشعرية ـ وقد استقرّ مذهب أهل السنة فيهم ـ يقولون في بيان قدرة الله عزوجل وعدم وجود اي سبب ومؤثر الّا ارادة ومشيئة الباري تعالى، فمن الممكن أن يكون في جبهتنا جبال شاهقة ارتفاعها من الأرض الى السماء متلألئة بألوان مختلفة، وليس هناك حجاب بيننا وبينهم، ويشع عليها نور الشمس وانها تتلألأ بتلألؤ شعاع الشمس، وتبقى العين وصاحب العين سالمين وليس في ذلك عيب ولا علّة وبينه وبين تلك الجبال أقل من شبر واحد، ومع ذلك فانّه لا يرى تلك الجبال. ويقولون: يجوز أن يكون في صحراء خالية من البشر طولها وعرضها مائة فرسخ بمائة فرسخ، وان تلك الصحراء ملوءة من الخلائق لا يعلم عدّتهم أحد، وهم مشغولون بمحاربة بعضهم البعض الآخر والمنازعة والمسابقة والرمي وهجوم بعضهم 1- راجع مقتضب الأثر (لابن عياش): ص 44 ـ 45، وهو في أول الجزء الثالث. على بعض بالسيوف وقد ركبوا على الخيل ولا حصر لهم، ويسافر الانسان في طول وعرض تلك الصحراء على شكل مستقيم أو معوج وبخطّ مستقيم أو مستدير بما يحيط سفره بجميع أجزاء تلك الصحراء ويجري فرسه، وانّه لا يسمع هناك أي حس وحركة من تلك الجماعة ولا يرى صورة أحد منهم، ولا يصادف في سيره ولا يصطدم بأحد منهم ولا بفرس من خيلهم، بل انّهم في جميع الأحوال يسيرون منحرفين عنه يميناً أو شمالا ويبتعدون عنه. ونظائر تلك الخرافات التي هي محتوى وحاصل تلك العقائد لجميع الأشعرية. وأمّا الاماميّة: فنقلوا في باب معاجز رسول الله وائمة الهدى (صلوات الله عليهم) نظير الحكاية المتقدّمة من هذا اللحاظ أخباراً كثيرة، كما أشير إليه سابقاً، بل نقلوا أخباراً كثيرة متواترة بحسب المعنى انّ في المشرق والمغرب مدينتين عظيمتين يقال لأحدهما جابلسا والأخرى جابلقا، بل مدن متعدّدة. وإنّ الذين في تلك المدن انّما هم من انصار القائم (عليه السلام) ويخرجون معه يسبقون فيها اصحاب السلاح ويدعون الله عزوجل أن يجعلهم ممن ينتصر بهم لدينه، ويتعاهدون الأوقات التي يأتي فيها الائمة (عليهم السلام) ويتعلّمون فيها معالم الدين، ويعلمونهم الحكمة الالهية الحقة، ولا يسأمون من العبادة ولا يفترون، يتلون كتاب الله عزوجل كما أنزل، ويتعلّمونه منهم، وان فيه ما لو تُلِيَ على الناس لكفروا به، وانكروه، ويسألون الائمة (عليهم السلام) عن الشيء إذا ورد عليهم من القرآن لا يعرفونه، فاذا أُخبروا به انشرحت صدورهم لما يستمعون منهم، وانهم أصحاب أسرار ومقدّسون وزهاد وصالحون مَنْ يراهم يرى الخشوع والاستكانة وطلب ما يقربهم إلى الله عزوجل، وعمر أحدهم ألف سنة، وفيهم الكهول والشبّان، فاذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم حتى يأمره، ينتظرون القائم (عليه السلام)، ويدعون الله عزوجل أن يكونوا معه. لهم طريق أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الامام (عليه السلام)، فاذا أمرهم الامام بأمر قاموا إليه أبداً حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره. لو أنّهم وردوا ما بين المشرق والمغرب من خلق لأفنوهم في ساعة واحدة. لا يختل فيهم الحديد، لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلا لقدّه حتى يفصله. ويغزو بهم الامام (عليه السلام) الهند، والديلم، والترك، والكرد، والروم، والبربر، وفارس. وبين جابرسا إلى جابلقا لا يأتون على أهل دين الّا دعوهم إلى الله عزوجل، وإلى الاسلام، والإقرار بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتوحيد، وولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فمن أجاب منهم ودخل في الاسلام تركوه وأمّروا عليه أميراً منهم، ومن لم يجب ولم يقر بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يقرّ بالاسلام ولم يُسلم قتلوه. منهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون القائم (عليه السلام). إذا احتبس الامام عنهم ظنّوا ذلك من سخط، يتعاهدون أوقات الامام التي يأتيهم بها. لا يشركون بالله شيئاً، ولم يعصوا قطّ، يتبرّؤون من فلان وفلان، وغير ذلك من حالات وصفات وأفعال تلك الجماعة وصفات ووضع مدينتهم فانّها مفصلة في الأخبار. وبحسب ظاهر الشرع المطهّر وطريقة أهل الشريعة فانّه لا يمكن حمل كل تلك التفاصيل على عالم المثال، أو المنازل القلبية لأهل الحال كما يفعله أهل التأويل. 1- الروايات في هذا المعنى متضافرة، راجع: بصائر الدرجات (محمد بن الحسن الصفار): ج10، الباب 14، ص 490 - 494 ـ وبحار الأنوار (المجلسي): ج 57، ص 327 وما بعدها. وقد أخذ المؤلف (رحمه الله) المعاني التي ذكرها من روايات الأبواب في الكتب التي ذكرناها، لم ننقلها لك خشية الإطالة. 2- قد أجاد العلامة المجلسي (رحمه الله) في تفصيل الكلام حول هذه المسألة والأقوال التي فيها في: بحار الأنوار: ج 57، ص 351 وما بعدها. وقد كان من الوضوح وجود هاتين المدينتين في الأرض أو في قطعات منفصلة عنها، كما احتمله بعض المحقّقين في السابق، بحيث إنّ سيد الشهداء (عليه السلام) احتجّ في مقام اتمام الحجة يوم عاشوراء وسط الميدان في جملة كلماته الشريفة: " والله ما بين جابلسا وجابلقا ابن نبي غيري " كما رأيته في خبر ولا استحضر مكانه الآن. وقال الفيروز آبادي في القاموس: " جابَلَص بفتح الباء واللام أو سكونها، بلد بالمغرب وليس وراءه إنسي، وجابلق بلد بالمشرق ". وروى الشيخ حسن بن سليمان الحلّي تلميذ الشهيد الأول، في كتاب المختصر خبراً شريفاً في كيفية اتّهام أحد المنافقين لأمير المؤمنين (عليه السلام) عند خروجه في بعض الليالي من المدينة، وقد راقبه ذلك المنافق في ليلة، فأخذه (عليه السلام) إلى إحدى المدن التي تبعد عن المدينة مسيرة سنة وتركه هناك، ورؤيته حالات تلك البلاد، وكان من جملتها اعتماد أهلها على لعن ذلك المنافق في الزرع وغيره، وذلك انهم عندما ينثرون البذور فبسبب لعنه تخضر فوراً وتحمل وينضح حملها، فيحصدونه، وبعد اُسبوع جاء (عليه السلام) وأخذه معه ورجع، والخبر طويل وكان الفرض متعلقاً بمجمل 1- لعدم عثورنا على مصدر الخبر حالياً فقد قمنا بترجمته. نعم، في بحار الأنوار: ج 57، ص329 رواية عن الامام الحسن (عليه السلام) قريب هذا المعنى نقلها عن البصائر باسناده عن أبي سعيد الهمداني قال: قال الحسن بن علي (عليهما السلام): انّ لله مدينة في المشرق، ومدينة في المغرب، على كلّ واحدة سور من حديد، في كلّ سور سبعون ألف مصراع، يدخل من كل مصراع سبعون ألف لغة آدمي ليس منها لغة الّا مخالف الأخرى، وما منها الّا وقد علمناها، وما فيهما وما بينهما ابن نبي غيري وغير أخي، وأنا الحجة عليهم ": مختصر بصائر الدرجات (الشيخ حسن الحلّي): ص 11 ـ 13. 2- القاموس المحيط (الفيروز آبادي): ج 2، ص 297. 3- القاموس المحيط (الفيروز آبادي): ج 3، ص 217. مضمونه. ونكتفي بهذا المقدار لرفع شبهة أهل الدين، بل قاطبة المليين.

النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية السابعة والثلاثون:

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.