ولا يخفى انّ الشيخ زين الدين علي بن فاضل سأل السيد شمس الدين في تحليله (عليه السلام) الخمس للشيعة في أيام الغيبة، وتصديق السيّد ذلك الخبر، وليس المراد من ذلك على الظاهر سقوط مطلق الخمس من سهم الامام (عليه السلام) وسهم السادة كما نقل عن سلار والمحقق السبزواري وصاحب الحدائق وبعض معاصريه. وليس المراد سقوط سهم الامام (عليه السلام) في أيام الغيبة كما قاله صاحب المدارك والمحدّث الكاشاني نظراً لظاهر جملة من الأخبار التي تقول انّا أحللنا الخمس لشيعتنا لتطيب نطفهم. وبهذا المضمون وقريب منه أخبار كثيرة، لكنّها تخالف ظاهر الكتاب والأخبار المعتبرة الصريحة ببقاء القسمين، بل التشديد والتأكيد عليه والتهديد والوعيد في التسامح فيه، ويكفي في ذلك التوقيع الشريف الذي ورد عن امام العصر (عليه السلام) على يد أبي جعفر محمد بن عثمان النائب الثاني ـ كما رواه الصدوق في كمال الدين ـ ويشتمل ذلك التوقيع الجواب على جملة من المسائل أحدها: " وأمّا ما سألت عنه مِنْ أمر مَنْ يستحل ما في يده من أموالنا، ويتصرّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): المستحل من عترتي ما حرّم الله ملعون على لساني، 1- وردت مجموعة من الأخبار بهذا المضمون، راجع الوسائل: كتاب الخمس، أبواب الأنفال وما يختص بالامام، الباب الرابع ـ وكذلك مستدرك الوسائل: كتاب الخمس، أبواب الأنفال وما يختص بالامام (عليه السلام)، الباب 4 (اباحة حصة الامام (عليه السلام) من الخمس للشيعة مع تعذر ايصالها إليه وعدم احتياج السادات...)، ج 1، ص 555، الطبعة الحجرية. ولسان كلّ نبي. فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين، وكان لعنة الله عليه لقوله تعالى: { أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينِ }. وفي موضع من هذا التوقيع: " ومن أكل من أموالنا شيئاً فانّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً ". وفي توقيع آخر عنه (عليه السلام): " بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على مَنْ استحلّ من مالنا درهماً ". قال أبو الحسين الأسدي (رضي الله عنه): [ فوقع في نفسي انّ ذلك فيمن استحلّ من مال الناحية درهماً دون مَنْ أكل منه غير مستحلّ له]. وقلت في نفسي: انّ ذلك في جميع مَنْ استحلّ محرّماً، فأيّ فضل في ذلك للحجة (عليه السلام) على غيره؟ قال:[ فو الّذي بعث محمداً بالحق بشيراً] لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما وقع في نفسي: " بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على مَنْ أكل مِنْ مالنا درهماً حراماً ". 1- كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 520 ـ 521. 2- كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 521. 3- في الترجمة زيادة (الخ، قال راوي التوقيع أبو الحسين...). 4- سقطت (رضي الله عنه) من الترجمة. 5- سقطت من الترجمة. 6- في الترجمة زيادة شرح (العذاب والتهديد). 7- سقطت من الترجمة، واثبت بدلها القسم بالله عزوجل. 8- كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 523. وفي بعض الأخبار انّه يقسم ليسألنّهم الله يوم القيامة عن أكلهم الخمس سؤالا حثيثاً. وغير ذلك. ولهذا رفع المحققون الفقهاء (رضوان الله عليهم) أيديهم عن ظاهر تلك الطائفة من الأخبار، وحملوها على محامل لكلّ منها شواهد من الأخبار، مثل حمل البعض على اقاصي الأرض، وبعضها بعنوان الخمس، وبعضها بعنوان الأنفال التي هي مال الامام (عليه السلام)، ويحلّ للشيعة التصرّف في أيام الغيبة مثل خمس الأرض التي يسيطر عليها المسلمون من الكفّار بالقوة باذن النبي أو الامام (صلوات الله عليهما). ومنها الأرض الموات. وكلّ ما يؤخذ بدون اذن، أو هلك أهله وتواروا. وقمم الجبال، وسيف البحر، والآجام وغير ذلك. وبعضها على ما يكون حلالا من الخمس الذي يتعلّق بمال كان بيد الكفار أو 1- من جملتها ما في (الوسائل): كتاب الخمس، ابواب الأنفال وما يختص بالامام، باب3، ح1، الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) إذ دخل عليه صالح بن محمّد بن سهل وكان يتولّى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة الآف درهم في حلّ، فانّي قد انفقتها. فقال: انت في حلّ. فلمّا خرج صالح، قال أبو جعفر (عليه السلام): أحدهم ليثب على أموال [ حق خ.ل] آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم فيأخذه، ثم يجيء، فيقول: اجعلني في حلّ، أتراه ظنّ انّي أقول: لا افعل، والله ليسألنّهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثاً. 2- أي وغير ذلك من الأخبار التي دلت على ذلك المعنى. 3- يعود على أوّل المطلب حيث قال (رحمه الله): " ولكن بما انها تخالف ظاهر الكتاب والأخبار المعتبرة الصريحة ببقاء القسمين... الخ ". 4- فقد حمل الفقهاء في أحد الوجوه التي حملوا بها مداليل تلك الأخبار المحلة للخمس على اباحة حصة الامام (عليه السلام) من الخمس للشيعة مع تعذر ايصالها إليه، وعدم احتياج السادات، وجواز تصرّف الشيعة في الانفال والفيء وسائر حقوق الامام مع الحاجة وتعذّر الايصال. المخالفين وقد وقع بيد الشيعة بالمبادلة أو الهبة وأمثالها. ومثل الخمس المتعلّق بعين مال فيحل لهم شراؤه من تجار تلك الطوائف الذين لا يؤدون الخمس أبداً. وشراء الغنائم التي يغنمها المخالفون من الكفار في الحروب التي هي جميعها ملك الامام (عليه السلام) وقد أحلّت للشيعة. وبعضها على جواز التصرّف في مال تعلّق الخمس بعينه، وقبل أن يخرج الخمس يضمنه في ذمّته، ثم يتصرّف في ذلك المال. والخلاصة: فبعد التأمل في الأخبار فلا يبقى خافياً انّ الأمر في الخمس وخصوصاً سهم الامام (عليه السلام) شديد، بل لابدّ أن يراعى غاية الاحتياط في صرف القسم الثاني إلى مستحقّيه، وذلك بأن يصرفه صاحبه باذن الفقيه المأمون، أو يعطيه إلى الحاكم المطاع في الدين المأمون الأمين ليوصله إلى أهله، فلا طريق في التصرّف في مال الامام (عليه السلام) الّا بشاهد الحال القطعي. وليس له (عليه السلام) علاقة أو تعلّق بذلك المال، بل بجميع الدنيا وما فيها ليلزم حفظه بدفنه كحفظ أموال الغائبين، ويوصى به من يد إلى يد حتى ظهوره المبارك، كما قال به بعض العلماء. بل مع وجود الضعفاء والعجزة والأرامل والأيتام من السادات وغيرهم وشدّة احتياجهم واستغنائه (عليه السلام) عنه فمن الطبيعي يكون راضياً بصرف تلك الأموال على هؤلاء. ولكن المشكل في تشخيص محلّه، وأي صنف وطبقة تعطى ذلك المال من الشيعة، المطيعون والعاصون والمقصّرون، والعارفون بحقهم والمستضعف والمستبصر وامثالهم؟ وأي مقدار يعطى لكل منهم؟ والمتيقّن هو ما يكون راضياً (عليه السلام) في العطاء للمحتاجين بما يعطيه هو في حكمه وغلبته. وسيرته وسلوكه (عليه السلام) وأصحابه مثل سيرة جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالاعراض عن فضول المعاش والقناعة باللباس الخشن، والطعام الجشب. روى الشيخ المقدّم محمد بن ابراهيم النعماني في كتاب الغيبة بعدّة أسانيد عن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال: " فو الله ما لباسه الّا الغليظ، ولا طعامه الّا الجشب، وما هو الّا السيف، والموت تحت ظل السيف ". وفي رواية اُخرى قال: " وما طعامه الّا الشعير الجشب ". وروي ايضاً عن [ معمر] بن خلاد قال: ذكر القائم عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: انتم اليوم أرخى بالا منكم يومئذ. قالوا: وكيف؟ قال: لو خرج قائمنا (عليه السلام) لم يكن الّا العلق والعرق، والنوم على السروج، وما لباس القائم (عليه السلام) الّا الغليظ، وما طعامه الّا الجشب ". وروي في دعوات الراوندي عن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لو كان هذا الأمر اليكم لعشنا معكم. فقال: والله لو كان هذا الأمر الينا لما كان الّا أكل الجشب، ولبس الخشن. وقال (عليه السلام) للمفضّل بن عمر: لو كان هذا الأمر الينا لما كان الّا عيش 1- راجع الغيبة (النعماني): ص 233، الباب 13، ح 20. 2- راجع الغيبة (النعماني): ص 234، الباب 13، ح 21. 3- سقطت من الترجمة. 4- قال المؤلف (رحمه الله): " الدم ". 5- قال المؤلف (رحمه الله): " يعني من كثرة القتل والذبح ". 6- الغيبة (النعماني): ص 285، باب 15، ح 5. 7- الدعوات (الراوندي): ص 296 ـ وعنه في البحار: ج 52، ص 340. رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام). وروى الشيخ النعماني عن المفضل، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالطواف فنظر إليّ، وقال لي: يا مفضل! ما لي أراك مهموماً متغيّر اللون؟ قال: فقلت له: جعلت فداك، نظري إلى بني العباس، وما في أيديهم من هذا الملك والسلطان والجبروت، فلو كان ذلك لكم لكنّا فيه معكم. فقال: يا مفضل! أما لو كان ذلك لم يكن الّا سياسة الليل، وسياحة النهار، وأكل الجشب، ولبس الخشن شبه أمير المؤمنين (عليه السلام)، والّا فالنار، فزوي ذلك عنّا، فصرنا نأكل ونشرب، وهل رأيت ظلامة جعلها الله نعمة مثل هذا؟ وروى عن عمرو بن شمر قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) في بيته، والبيت غاصٌّ بأهله، فأقبل الناس يسألونه، فلا يُسأل عن شيء الّا أجاب فيه، فبكيت من ناحية الدار ; فقال: ما يبكيك يا عمرو؟ قلت: جعلت فداك، وكيف لا أبكي، وهل في هذه الأمة مثلك، والباب مغلق عليك، والستر لمرخىً عليك؟!! فقال: لا تبكِ يا عمرو، نأكل اكثر الطيب، ونلبس الليّن، ولو كان الذي نقول لم يكن الّا أكل الجشب، ولبس الخشن، مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والّا فمعالجة الاغلال في النار. وروى الشيخ عن حماد بن عثمان قال الامام أبو عبد الله (عليه السلام): "... انّ قائمنا 1- الدعوات (الراوندي): ص 296 ـ وعنه البحار: ج 52، ص 340. 2- قال المؤلف (رحمه الله): " يعني السلطنة ". 3- قال المؤلف (رحمه الله): " تلك السلطنة ". 4- راجع الغيبة (النعماني): ص 287، الباب 15، ح 7. 5- راجع الغيبة (النعماني): ص 287 و288، الباب 15، ح 8. أهل البيت إذا قام لبس ثياب علي (عليه السلام) وسار بسيرة علي (عليه السلام) ". وفي هذا المضمون أخبار كثيرة. ولعلّ غناه وعدم احتياجه لقناعته وتركه للدنيا واقتصاره على القدر الضروري للحياة من المأكول والملبوس والمشروب، والمسكن والنكاح، وعدم احتياجه لشيء اكثر من ذلك ليرفع حاجته. وهكذا ورد إنّ صاحب الزكاة وغيرها من الحقوق ـ في الدولة الحقة ـ ويسير في البلاد، ويطلب مستحقها فلا يجد من يأخذها. وليس المقصود من غناهم بكثرة المال والمنال والضياع والعقار فانها تنافي غرض بعثته (عليه السلام) الذي هو دعوة الخلق الى الله تبارك وتعالى ويكملهم بالعلم والعمل ; فاذا كان عمله نفسه (عليه السلام) هكذا فكيف يرضى أن يصرف ماله في فضول المعاش وزخارف الدنيا والأمتعة النفيسة والأطعمة اللذيذة، والألبسة الفاخرة، والمساكن العالية، حاشا أن يحصل منه مثل هذا الرضا. فعلى المعطي والآخذ لسهم الامام (عليه السلام) أن يضع أمام عينيه سيرته وسلوكه 1- راجع الكافي ـ الأصول ـ (الكليني): ج 1، ص 411، ح 4 ـ وعنه الحر العاملي في (الوسائل): ج 3، ص 348، باب 2، ح 7 ـ والسيد هاشم البحراني في (حلية الأبرار): ج 1، ص 341، باب 26 ـ والمجلسي في (البحار): ج 40، ص 336، باب 98، ح 18 ـ وفي البحار: ج 47، ص 54 و55، باب 26، ح 92. ونسبة الرواية للشيخ لعلّها ناشئة من خطأ مطبعي أو من النساخ بسقوط كلمة (الكليني). 2- في غيبة النعماني: ص 150، باب 10، ح 8، عن الكاهلي عن أبي عبد الله (عليه السلام) من جملة حديث قال: "... ليأتينّ عليكم وقت لا يجد أحدكم لديناره ودرهمه موضعاً ". " يعني لا يجد عند ظهور القائم (عليه السلام) موضعاً يصرفه فيه لاستغناء الناس جميعاً بفضل الله وفضل وليّه... ". والظاهر انّ المقطع الثاني للنعماني (رحمه الله) شرحاً للحديث والله العالم. 3- يقصد: هكذا بالزهد وترك الدنيا. (عليه السلام) وسيرة جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا يتخطاها، والّا فليعدّ الجواب، والله العاصم.
النجم الثاقب — الباب السّابع · تنبيه شريف: