وفي ذلك الكتاب الشريف قال: أخبرني به بعض الأفاضل الكرام، والثقات الأعلام، قال: أخبرني بعض من أثق به يرويه عمّن يثق به، ويطريه انّه قال: لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية الافرنج، جعلوا واليها رجلا من المسلمين، ليكون أدعى إلى تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب، وله وزير أشدّ نصباً منه يُظهر العداوة لأهل البحرين لحبّهم لأهل البيت (عليهم السلام) ويحتال في اهلاكهم واضرارهم بكلّ حيلة. 1- في الترجمة (وقوع العافية وبعداً الوفاة). 2- سقطت من الترجمة. 3- البحار: ج 52، ص 176 ـ 177. فلمّا كان في بعض الأيام دخل الوزير على الوالي وبيده رمّانة فأعطاها الوالي فاذا كان مكتوباً عليها " لا اله الّا الله محمد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ خلفاء رسول الله ". فتأمّل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون صناعة بشر، فتعجّب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بيّنة وحجة قويّة على إبطال مذهب الرافضة فما رأيك في أهل البحرين. فقال له: أصلحك الله انّ هؤلاء جماعة متعصّبون، ينكرون البراهين وينبغي لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمانة، فانْ قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، وإن أبوا الّا المقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث: امّا أن يؤدّوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وأولادهم وتأخذ بالغنيمة أموالهم. فاستحسن الوالي رأيه وأرسل إلى العلماء والأفاضل الأخيار والنجباء والسادة الأبرار من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة، وأخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف، من القتل والأسر وأخذ الأموال أو أخذ الجزية على وجه الصَّغار كالكفّار، فتحيّروا في أمرها ولم يقدروا على جواب وتغيّرت وجوههم وارتعدت فرائصهم. فقال كبراؤهم: أمهلنا أيّها الأمير ثلاثة أيّام لعلّنا نأتيك بجواب ترتضيه والّا فاحكم فينا ما شئت، فأمهلهم، فخرجوا من عنده خائفين، مرعوبين، متحيّرين، فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك، فاتفق رأيهم على أن يختاروا من صلحاء البحرين وزهّادهم عشرة، ففعلوا ثم اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لأحدهم: اخرج الليلة إلى الصحراء وأعبد الله فيها واستغث بامام زماننا وحجة الله علينا، لعلّه يبيّن لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء. فخرج وبات طول ليلته متعبّداً خاشعاً داعياً باكياً يدعو الله ويستغيث بالامام (عليه السلام) حتى أصبح ولم يَرَ شيئاً، فأتاهم وأخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم. فأحضروا الثالث وكان تقياً فاضلا اسمه محمد بن عيسى، فخرج الليلة الثالثة حافياً حاسر الرأس إلى الصحراء وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى وتوسّل إلى الله تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البليّة عنهم، واستغاث بصاحب الزمان. فلمّا كان في آخر الليل إذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمد بن عيسى! ما لي أراك على هذه الحالة، ولماذا خرجت إلى هذه البريّة؟ فقال له: أيّها الرجل! دعني فانّي خرجت لأمر عظيم وخطب جسيم، لا أذكره الّا لإمامي، ولا أشكوه الّا إلى من يقدر على كشفه عنّي. فقال: يا محمد بن عيسى أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك، فقال: إن كنت هو فأنت تعلم قصّتي ولا تحتاج إلى أن أشرحها لك، فقال له: نعم، خرجت لما دهمكم من أمر الرمانة وما كتب عليها وما أوعدكم الأمير به، قال: فلمّا سمعت ذلك توجّهت إليه وقلت له: نعم يا مولاي، قد تعلم ما أصابنا وأنت امامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنّا. فقال (صلوات الله عليه): يا محمد بن عيسى! انّ الوزير لعنه الله في داره شجرة رمّان، فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئاً من الطين على هيئة الرّمانة وجعلها نصفين وكتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعهما على الرمانة وشدّهما عليها وهي صغيرة فأثّر فيها وصارت هكذا. فاذا مضيتم غداً إلى الوالي فقل له: جئتك بالجواب ولكنّي لا أبديه الّا في دار الوزير، فاذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك ترى فيها غرفة، فقل للوالي: لا أجيبك الّا في تلك الغرفة، وسيأبى الوزير عن ذلك، وأنت بالغ في ذلك ولا ترضَ الّا بصعودها، فاذا صعد فاصعد معه ولا تتركه وحده يتقدّم عليك، فاذا دخلت الغرفة رأيت كوّة فيها كيس أبيض، فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جليّة الحال. وأيضاً يا محمد بن عيسى قل للوالي: انّ لنا معجزة اُخرى ; وهي أنّ هذه الرمانة ليس فيها الّا الرماد والدخان، وإن أردت صحة ذلك فأمر الوزير بكسرها، فاذا كسرها طار الرماد والدخّان على وجهه ولحيته. فلمّا سمع محمد بن عيسى ذلك من الامام فرح فرحاً شديداً وقبّل الأرض بين يدي الامام (صلوات الله عليه) وانصرف إلى أهله بالبشارة والسرور. فلمّا أصبحوا مضوا إلى الوالي، ففعل محمد بن عيسى كلّ ما أمره الامام وظهر كلّ ما أخبره، فالتفت الوالي إلى محمد بن عيسى وقال له: من أخبرك بهذا؟ فقال: امام زماننا وحجة الله علينا، فقال: ومن امامكم؟ فأخبره بالائمة واحداً بعد واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الأمر(صلوات الله عليه). فقال الوالي: مدّ يدك فأنا اشهد أن لا إلـه الّا الله وانّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، ثم أقرّ بالائمة (عليهم السلام) إلى آخرهم وحسن ايمانه، وأمر بقتل الوزير، واعتذر إلى أهل البحرين وأحسن اليهم وأكرمهم. قال: وهذه القصة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسى عندهم معروف يزوره الناس. يقول المؤلف: لعلّ الوزير كان قد رأى أو سمع بأنّ الشيعة كانوا يجدون أحياناً بعض من انواع الأحجار النفيسة وغير النفيسة التي نقش عليها بيد الصنع الالهي اشياء تدلّ على أحقيّة مذهبهم، فأراد في مقابل صنع الله تعالى أن ينقش نقشاً واضحاً فيُخفي الحق بالباطل { ويأبى الله الّا أن يتمّ نوره }. وقد ذكر في مجموعة شريفة جميعها بخط الشيخ شمس الدين صاحب الكرامات محمد بن علي الجباعي جدّ الشيخ البهائي، وأولها القصائد السبعة لابن ابي الحديد، وبعدها مختصر الجعفريات وغيره ; انّه وجد عقيق احمر كتب عليه: أنا درّ من السماء نثروني يوم تزويج والد السبطين كنت أنقى من اللجين ولكن صبغوني دماء (دم) نحر الحسين. ورؤي في دُرّ نجفي اصفر: صفرة لوني ينبئك عن حزني لسيد الأوصياء أبي الحسن. ورؤي على جوهر أسود: لست من الحجارة بل جوهر الصدف حال لوني لفرط حزني على ساكن النجف ونقل الشيخ الأستاذ وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني طاب ثراه، انّه ذهب إلى الحلّة وقطع بالمنشار شجرة إلى نصفين فرأى في باطن كل نصف كتابة بخط النسخ: لا إلـه الّا الله. ويوجد حالياً في طهران عند أحد أقارب أعيان رجال الدولة العليّة الايرانيّة قطعة الماس صغيرة بمقدار عدسة نقش في باطنها (علي) بياء معكوسة، مع كلمة اُخرى يحتمل انها (يا). وقال المحدّث النبيل السيد نعمة الله الشوشتري في كتاب زُهر الربيع: " ووجدنا في نهر تستر صخرة صغيرة صفراء أخرجها الحفّارون من تحت الأرض وعليها مكتوب بخطّ من لونها: باسم الله الرّحمن الرّحيم، لا إلـه الّا الله، محمّد رسول الله، علي وليّ الله، لمّا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب، بأرض كربلاء كتب دمه على أرض حصباء وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ". 1- زهر الرّبيع (السيّد نعمة الله الجزائري): ج 1، ص 15. ونقل العالم الجليل الأمير محمّد حسين سبط العلامة المجلسي وامام الجمعة في اصفهان أرسلت تلك الصخرة الى حضرة السّلطان سليمان.... وقد رآها اكثر الحذاق من الحكاكين وأصحاب الصّناعات وأهل الفطانة، وبالجملة فقد شاهدها اكثر النّاس، وتأمّلوا في نقشها، فلم يجدوها الّا مجبولة على تلك الحال، لم يكن لِتَصَنُّعِ الصّانعين فيها مجال... ثمّ أمر السّلطان بنصبها على الفضّة وتزيينها ببعض الزّينة ليعلّقها على عضده. ولا يقتضي المقام هنا تقصّي جميع القضايا التي من هذا القبيل، والّا فهي كثيرة، تلك التي من هذا النوع وهي مشتتة في كتب الأخبار والتأريخ خصوصاً تلك التي تتعلّق بما ظهر فيها من آثار لدماء سيّد الشّهداء (عليه السلام) المبارك من شجر وحجر وغيره.
النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية التاسعة والأربعون: