الأقسامالنجم الثاقبالباب السّابع
النجم الثاقب

قد تشرّف بزيارة النجف الأشرف جناب المستطاب التقي الصالح السيد احمد بن السيد هاشم بن السيد حسن الرشتي ساكن رشت أيّده الله، قبل سبعة عشر سنة تقريباً. وقد جائني إلى المنزل مع العالم الرّباني والفاضل الصمداني الشيخ علي الرشتي طاب ثراه ـ الذي سوف يأتي ذكره في الحكاية الآتية ان شاء الله ـ. فلمّا نهضنا للخروج نبّهني الشيخ إلى أن السيد احمد من الصلحاء المسددين ولمح اليّ انّ له قصّة عجيبة ولم يسمح المجال حينها في بيانها. 1- راجع جنة المأوى: ص 300. وبعد عدّة أيام من اللقاء قال لي الشيخ: انّ السيد قد ذهب، ثم نقل لي جملة من حالات وأحوال السيد مع قصّته، فتأسّفت لذلك كثيراً لعدم سماعي القصة منه شخصاً، ولو انّ مقام الشيخ (رحمه الله) أجل من أن ينقل شيئاً خلاف ما نقل له. وبقي هذا الموضوع في ذهني من تلك السنة وحتى جُمادى الآخرة من هذه السنة حيث كنت راجعاً من النجف الأشرف إلى الكاظمين فالتقيت بالسيّد الصالح المذكور وهو راجع من سامراء وكان عازماً على السفر إلى بلاد العجم، فسألته عن ما سمعته من أحواله ومن جملتها القصّة المعهودة، فنقل كل ذلك ما طابق النقل للأول، والقضية بما يلي ; قال: عزمت على الحج في سنة ألف ومائتين وثمانين فجئت من حدود رشت إلى تبريز ونزلت في بيت الحاج صفر علي التاجر التبريزي المعروف ولعدم وجود قافلة فقد بقيت متحيّراً إلى أن جهز الحاج جبار جلودار السدهي الاصفهاني قافلة الى (طربوزن) فاكتريت منه مركباً لوحدي وسافرت، وعندما وصلت إلى أوّل منزل التحق بي ـ وبترغيب الحاج صفر علي ـ ثلاثةُ أشخاص آخرين، أحدهم الحاج الملاّ باقر التبريزي الذي كان يحج بالنيابة وكان معروفاً لدى العلماء، والحاج السيد حسين التاجر التبريزي، ورجل يسمى الحاج علي وكان يشتغل بالخدمة. ثم ترافقنا بالسفر إلى أن وصلنا إلى (أرضروم)، وكنّا عازمين على الذهاب من هناك إلى (طربزون) وفي أحد تلك المنازل التي تقع بين هاتين المدينتين جائني الحاج جبار جلودار وقال: بأن هذا المنزل الذي قدامنا مخيف فعجّلوا حتى تكونوا مع القافلة دائماً، وذلك لأننا كنّا غالباً ما نتخلّف عن القافلة بفاصلة في سائر المنازل، فتحرّكنا سويّةً بساعتين ونصف، أو ثلاث ساعات بقيت إلى الصبح ـ على التخمين ـ وابتعدنا عن المنزل الذي كنّا فيه مقدار نصف أو ثلاثة أرباع الفرسخ فاذا بالهواء قد تغيّر واضلمت الدنيا وابتدأ الوفر بالتساقط، فحينئذ غطى كلّ واحد منّا من الرفقاء رأسه وأسرع بالسير. وقد فعلت أنا كذلك لألتحق بهم ولكنّي لم أتمكّن على ذلك فذهبوا وبقيت وحدي. ثم نزلت بعد ذلك من فرسي وجلست على جانب الطريق، وقد اضطربت اضطراباً شديداً لأنه كان معي قرابة ستمائة تومان لنفقة الطريق. وبعد أن فكّرت وتأملت بأمري قررت أن أبقى في هذا الموضع إلى أن يطلع الفجر، ثم ارجع إلى الموضع الذي جئت منه، وآخذ معي من ذلك الموضع عدّة اشخاص من الحرس فألتحق بالقافلة مرّة ثانية. وبهذه الأثناء رأيت بستاناً أمامي، وفي ذلك البستان فلاح بيده مسحاة يضرب بها الأشجار فيتساقط الوفر منها، فتقدّم اليّ بحيث بقيت فاصلة قليلة بينه وبيني، ثم قال: من أنت؟ قلت ذهب اصدقائي وبقيت وحدي ولا أعرف الطريق فتهت. فقال باللغة الفارسية: نافله بخوان تا راه پيدا كنى. (أي صلي النافلة ـ والمقصود منها صلاة الليل ـ لتعرف الطريق). فاشتغلت بصلاة النافلة وبعدما فرغت من التهجد، عاد إليّ مرّة اُخرى وقال: ألم تذهب بعد؟! قلت: والله لا أعرف الطريق. قال: جامعه بخوان (اقرأ الجامعة). ولم أكن احفظ الجامعة وما زلت غير حافظ لها مع انّي قد تشرّفت بزيارة العتبات المقدّسة مراراً.. ولكنّي وقفت مكاني وقرأت الجامعة كاملةً عن ظهر الغيب، ثمّ جاء وقال ألم تذهب بعد؟! فأخذتني العبرة بلا ارادة وبكيت وقلت: ما زلت موجوداً ولا أعرف الطريق. 1- هذه ترجمة كلامه واثبتنا الكلام الفارسي للاحتياط بنقل كلامه لاحتمال أن يكون صاحب الأمر (عجل الله فرجه)، وكذلك في أثناء المحاورة فاننا اثبتنا النصّ الفارسي لنفس السبب الذي ذكرناه. قال: عاشورا بخوان (اقرأ عاشوراء). وكذلك انّي لم أكن احفظ زيارة عاشوراء وما زلت غير حافظ لها، فقمت من مكاني واشتغلت بزيارة عاشوراء، من الحافظة عن ظهر غيب إلى أن قرأتها جميعاً وحتى اللعن والسلام ودعاء علقمة، فرأيته عاد اليّ مرّة اُخرى وقال: (نرفتى. هستى) ألم تذهب؟ بعدك؟! فقلت: لا، فإني موجود وحتى الصباح. قال: أنا أوصلك إلى القافلة الآن (من حالا ترا بقافله مى رسانم). ثم ذهب وركب على حمار ووضع مسحاته على عاتقه وجاء فقال: اصعد خلفي على حماري (برديف مَن بر الاغ مَن سوار شو). فركبت وأخذت بعنان فرسي فلم يطاوعني ولم يتحرّك، فقال: (جلو اسب را بمن ده) ناولني لجام الفرس. فناولته، فوضع المسحاة على عاتقه الأيسر وأخذ الفرس بيده اليمنى وأخذ بالسير، فطاوعه الفرس بشكل عجيب وتبعه. ثم وضع يده على ركبتي وقال: (شما چرا نافله نميخوانيد ; نافله، نافله، نافله..) لماذا لا تصلّوا النافلة: النافلة.. النافلة.. النافلة؟ قالها ثلاث مرّات. ثم قال: (شما چرا عاشورا نميخوانيد.. عاشورا.. عاشورا.. عاشورا) لماذا لا تقرءوا عاشوراء: عاشوراء.. عاشوراء.. عاشوراء..؟ ثلاث مرّات. ثم قال: (شما چرا جامعه نميخوانيد: جامعه.. جامعه.. جامعه..) لماذا لا تقرءوا الجامعة: الجامعة.. الجامعة.. الجامعة..؟ وعندما كان يطوي المسافة كان يمشي بشكل مستدير، وفجأة رجع وقال: (آنست رفقاى شما) هؤلاء اصحابك. وكانوا قد نزلوا على حافة نهر فيه ماء يتوضؤون لصلاة الصبح. فنزلت من الحمار لأركب فرسي فلم أتمكّن فنزل هو وضرب المسحاة في الوفر وأركبني وحول رأس فرسي إلى جهة أصحابي وبهذه الأثناء وقع في نفسي: من يكون هذا الانسان الذي يتكلّم باللغة الفارسية علماً ان أهل هذه المنطقة لا يتكلّمون الّا باللغة التركية، ولا يوجد بينهم غالباً الّا أصحاب المذهب العيسوي (المسيحيون) وكيف أوصلني إلى أصحابي بهذه السرعة؟! فنظرت ورائي فلم أَرَ أحداً ولم يظهر لي أثر منه، فالتحقت برفقائي. يقول المؤلف: فوائد وفضائل صلاة الليل خارجة عن حد البيان والوصف لما وصل من دقائق واسرار الكتاب والسنة في الجملة، لذلك جاء التأكيد عليها في بعض الأخبار بذكرها ثلاث مرّات. روى الشيخ الكليني والصدوق والشيخ البرقي عن الامام الصادق (عليه السلام) انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصايا وأمره بحفظها، ثم دعا الله تعالى أن يعينه عليها، ومن جملة ما قاله (صلى الله عليه وآله وسلم): " وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل ". وذكر في كتاب (فقه الرضا) (عليه السلام) قريباً من هذا المضمون. أمّا الزيارة الجامعة: فبتصريح جماعة من العلماء انّها أحسن وأكمل الزيارات، قال العلامة المجلسي بعد شرح اجمالي لفقراتها الزائدة عمّا في سائر الزيارات: " انما بسطت الكلام في شرح تلك الزيارة قليلا وان لم استوف حقّها حذراً من الاطالة ; لأنها أصحّ الزيارات سنداً، وأعمّها مورداً، وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنىً، وأعلاها شأناً ". 1- راجع الوسائل: ج 5، ابواب بقية الصلوات المندوبة، باب 39، ح 1. 2- فقه الرضا: ص 137، الطبعة الحديثة ـ قال: " وعليك بالصلاة في الليل، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى علياً (عليه السلام) بها، فقال في وصيّته: (عليك بصلاة الليل) قالها ثلاثاً ". 3- البحار: ج 102، ص 144. وقال والده الماجد في شرح مَن لا يحضره الفقيه: " انّ هذه الزيارة... وانها أكمل الزيارات وأحسنها... وفي العتبات العاليات ما زرتهم الّا بهذه الزيارة ". ولا يخفى انّ لهذه الزيارة ثلاث نسخ: أوّلها: النسخة المعروفة المرويّة في الفقيه وتهذيب الشيخ الطوسي عن الامام الهادي (عليه السلام). الثانية: النسخة التي رواها الشيخ الكفعمي في كتاب (البلد الأمين) عنه (عليه السلام)، وفي كلّ فصل من فصولها فقرات زائدة غير موجودة في الجامعة المعروفة. ولعل المجموع اكثر من خمسها، ولم يلتفت المجلسي في البحار إليها لينقلها مع الزيارات التي رواها. الثالثة: النسخة التي نقلها في البحار عن بعض الكتب القديمة بدون اسنادها إلى المعصوم وهي طويلة جداً، بل هي ضعفا الزيارة الموجودة، وقد جعلها الزيارة الجامعة الثالثة. وأما زيارة عاشوراء: فيكفي في فضلها ومقامها انّها لاتسانخها سائر الزيارات التي هي بحسب الظاهر من انشاء المعصوم واملائه، ولو انّه لا يظهر من قلوبهم المطهّرة شيء الّا ما وصل إلى ذلك العالم الأرفع ; بل هي من سنخ الأحاديث القدسية، نزلت بهذا الترتيب من الزيارة واللعن والسلام والدعاء من الحضرة الأحدية جلت عظمته إلى جبرئيل الأمين ومنه إلى خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم). وبحسب التجربة فانّ المداومة عليها أربعين يوماً أو أقل لا نظير لها في قضاء الحاجات، ونيل المقاصد، ودفع الأعداء. 1- نقل المؤلف (رحمه الله) هذا القول للمجلسي الأول (رحمه الله) ملخصاً عن روضة المتقين: ج 5، ص 452. ولكن أحسن فائدة استفيد منها بالمواظبة عليها ما ذكرته في كتاب دار السلام، ومجمله انّه نقل الثقة الصالح المتقي الحاج الملاّ حسن اليزدي وهو من أحسن مجاوري النجف الأشرف وكان مشغولا دائماً بالعبادة والزيارة، عن الثقة الأمين الحاج محمد علي اليزدي. قال: كان رجل صالح فاضل في يزد مشتغلا في نفسه، ومواظباً لعمارة رمسه، يبيت في الليالي في مقبرة خارج بلدة يزد تعرف بالمزار، وفيها جملة من الصلحاء، وكان له جار نشأ معه منذ صغر سنّه عند المعلم وغيره إلى أن صار عشاراً في أول عمله وبقي كذلك إلى أن مات ودفن في تلك المقبرة قريباً من المحل الذي كان يبيت فيه المولى المذكور ; فرآه بعد موته بأقل من شهر في زيّ حسن وعليه نظرة النعيم، فتقدّم إليه وقال له: انّي أعلم بمبدئك ومنتهاك، وباطنك وظاهرك، ولم تكن ممن يحتمل في حقّه حسن في الباطن ليحمل فعله القبيح على بعض الوجوه الحسنة كالتقية أو الضرورة أو اعانة المظلوم وغيرها! ولم يكن عملك مقتضياً الّا للعذاب والنكال، فبمَ نلتَ هذا المقام؟! قال: نعم! الأمر كما قلت، كنت مقيماً في أشدّ العذاب من يوم وفاتي إلى أمس، وقد توفيت فيه زوجة الاستاد أشرف الحداد، ودفنت في هذا المكان، وأشار إلى طرف بينه وبينه، قريب من مائة ذراع، وفي ليلة دفنها زارها أبو عبد الله (عليه السلام) ثلاث مرّات، وفي المرّة الثالثة أمر برفع العذاب من هذه المقبرة، فصرت في نعمة وسعة، وخفض عيش ودعة. فانتبه متحيّراً، ولم تكن له معرفة باسم الحداد ومحلّه، فطلبه في سوق الحدادين، ووجده، فقال له: ألك زوجة؟ قال: نعم، توفيت بالأمس ودفنتها في المكان الفلاني.. وذكر الموضع الذي أشار إليه. قال: فهل زارت أبا عبد الله (عليه السلام)؟ قال: لا، قال: فهل كانت تذكر مصائبه؟ قال: لا، قال: فهل كان لها مجلس تُذكر فيه مصائبه؟ قال: لا، فقال الرجل: وما تريد من السؤال؟ فقصّ عليه رؤياه، وقال: أريد أن استكشف العلاقة بينها وبين الامام (عليه السلام). قال: كانت مواظبة على زيارة عاشوراء. ولا يخفى انّ السيد احمد صاحب القضية من الصلحاء والأتقياء مواظباً على الطاعات والعبادات والزيارات وأداء الحقوق وطهارة اللباس والبدن من النجاسات المشبوهة، ومعروفاً بالورع والسداد عند أهل البلد وغيره، ويأتيه نوادر الألطاف في كل زيارة ليس هنا مقام ذكرها.

النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية السبعون:

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.