الأقسامالنجم الثاقبالباب السّابع
النجم الثاقب

حدّثني العالم النبيل، والفاضل الجليل، الصالح الثقة العدل الرضي الذي قلّ له النظير والبديل، الحاج المولى محسن الاصفهاني المجاور لمشهد أبي عبد الله (عليه السلام) وهو معروف في الأمانة والديانة والتثبّت والانسانية، وكان من أوثق أئمة الجماعة في ذلك البلد الشريف، قال: حدّثني السيد السند، والعالم العامل المؤيد، التقي الصفي السيد محمد بن السيد مال الله بن السيد معصوم القطيفي رحمهم الله، قال: قصدت مسجد الكوفة في بعض ليالي الجمع، وكان في زمان مخوف لا يتردّد إلى المسجد أحد الّا مع عدّة وتهيئة، لكثرة من كان في أطراف النجف الأشرف من القطّاع واللّصوص، وكان معي واحد من الطلاّب. فلمّا دخلنا المسجد لم نجد فيه الّا رجلا واحداً من المشتغلين فأخذنا في آداب المسجد، فلمّا حان وقت غروب الشمس، عمدنا إلى الباب فأغلقناه، وطرحنا خلفه من الأحجار والأخشاب والطوب والمدر إلى أن اطمأننّا بعدم امكان انفتاحه من الخارج عادة. ثمّ دخلنا المسجد واشتغلنا بالصلاة والدعاء فلمّا فرغنا جلست أنا ورفيقي في دكّة القضاء مستقبل القبلة، وذاك الرجل الصالح كان مشغولا بقراءة دعاء كميل في الدّهليز القريب من باب الفيل بصوت عال شجيّ، وكانت ليلة قمراء صاحية وكنت متوجّهاً نحو السماء. 1- راجع جنة المأوى: ص 257 ـ 258. فبينا نحن كذلك فاذا بطيب قد انتشر في الهواء، وملأ الفضاء أحسن من ريح نوافج المسك الأذفر، وأروح للقلب من النسيم اذا تسحّر، ورأيت في خلال أشعة القمر إشعاعاً كشعلة النّار، قد غلب عليها، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرّجل الداعي، فالتفتّ فاذا أنا بشخص جليل، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زيّ لباس الحجاز، وعلى كتفه الشريف سجّادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن، وكان يمشي في سكينة ووقار، وهيبة وجلال، قاصداً باب مسلم ولم يبقَ لنا من الحواسّ الّا البصر الخاسر واللبّ الطّائر، فلمّا صار بحذائنا من طرف القبلة سلّم علينا. قال (رحمه الله): أمّا رفيقي فلم يبقَ له شعور أصلا، ولم يتمكّن من الرّد وأمّا أنا فاجتهدت كثيراً إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقّة، فلمّا دخل باب المسجد [ في ساحة مقبرة مسلم] وغاب عنّا تراجعت القلوب إلى الصّدور، فقلنا: من كان هذا ومن أين دخل؟ فمشينا نحو ذلك الرّجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين، فسألناه عن حقيقة الحال، فقال: واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلباً للتشرّف بلقاء خليفة العصر (عليه السلام)، وناموس الدّهر عجّل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الأربعين ولم أتزوّد من لقائه ظاهراً، غير انّي حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فاذا به (عليه السلام) واقفاً على رأسي فالتفتّ إليه (عليه السلام) فقال: " چه مى كنى؟ " أو " چه مى خوانى؟ " أي ما تفعل؟ أو ما تقرأ؟ والترديد من الفاضل المتقدّم، ولم أتمكّن من الجواب، فمضى عنّي كما شاهدتموه، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه، فرجعنا شاكرين متحسّرين. يقول المؤلف: سمعت مراراً الاستاذ السند وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني أعلى الله 1- راجع جنة المأوى: ص 263 ـ 264. مقامه يمدح جناب السيد المذكور ويثني عليه ويجزيه خيراً ويقول: كان (رحمه الله) عالماً تقياً وشاعراً ماهراً وأديباً بليغاً، وكان غارقاً في محبة أهل بيت العصمة (عليهم السلام) بحيث كان اكثر ذكره وفكره فيهم ولهم، وكثيراً ما كنّا نلتقي به في الصحن الشريف، فسأله عن مسألة في علوم الآداب فيجيب عنها مستشهداً لمقصوده ببيت من الأشعار التي أنشدت في المصائب، أمّا له، أو لغيره، فتتغيّر حاله، فيشرع في ذكر مصائبهم على أحسن ما ينبغي وينقلب مجلس الشعر والأدب إلى مجلس مصيبة وكرب. وله قصائد رائقة كثيرة في المصائب دائرة على ألسن القراء رحمة الله عليه.

النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية التاسعة والثمانون:

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.