حدّثني جماعة من الأفاضل والصلحاء والعلماء القاطنين في النجف الأشرف والحلّة منهم السيّد السند والحبر المعتمد، زبدة العلماء [ الأعلام، وعمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل والأدب، وحائز معالي الحسب والنسب] وقدوة الألباء الآميرزا صالح دام علاه ابن سيّد المحقّقين ونور مصباح المجاهدين، وحيد عصره [ وفريد دهره سيّدنا المعظّم] السيد مهدي المتقدّم ذكره أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد اعلامه وقد كنت طلبت منه سلّمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الثلاث الآتية المنسوبة إلى والده المعظّم أعلى الله مقامه التي سمعت بعضها منه بلا واسطة، ولكن بما اني سمعتها في وقت لم أكن بصدد تسجيلها فطلبت من جناب الميرزا صالح أن يكتبها لي بما سمعه من المرحوم، فانّ أهل البيت أدرى بما فيه، اضافة إلى ما هو عليه من الاتقان والحفظ والضبط والصّلاح والسّداد والاطلاع، وقد صاحبته في طريق مكّة المعظمة ذهاباً وإياباً فوجدته ـ أيّده الله ـ بحراً لا ينزح وكنزاً لا ينفد، فكتب إليّ مطابقاً لما سمعته من تلك الجماعة. وكتب أخوه العالم النحرير، وصاحب الفضل المنير، السيّد الأمجد السيّد محمّد سلّمه الله تعالى في آخر ما كتبه: سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعاً من لفظ الوالد 1- راجع كتاب دار السلام: ج 2، ص 201 ـ 203. المرحوم المبرور عطّر الله مرقده. صورة ما كتبه: بسم الله الرحمن الرحيم، حدّثني بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلّة قال: خرجت غدوة من داري قاصداً داركم لأجل زيارة السيّد أعلى الله مقامه فصار ممرّي في الطريق على المقام المعروف بقبر السيّد محمد ذي الدّمعة فرأيت على شباكه الخارج الى الطّريق شخصاً بهيّ المنظر يقرأ فاتحة الكتاب، فتأمّلته فاذا هو غريب الشكل، وليس من أهل الحلّة. فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب، ونحن أهل البلد نمرّ ولا نفعل ذلك، فوقفت وقرأت الفاتحة والتوحيد، فلمّا فرغت سلّمت عليه، فردّ السلام، وقال لي: يا عليّ أنت ذاهب لزيارة السيّد مهديّ؟ قلت: نعم، قال: فانّي معك. فلمّا صرنا ببعض الطريق قال لي: يا عليّ لا تحزن على ما أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة، فانّك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤدّياً للحقّ وقد قضيت ما فرض الله عليك، وأمّا المال فانّه عرض زائل يجيء ويذهب. وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطّلع عليه أحد مخافة الكسر، فاغتممت في نفسي وقلت: سبحان الله كسري قد شاع وبلغ حتّى إلى الأجانب، الّا انّي قلت له في الجواب: الحمد لله على كلّ حال، فقال: انّ ما ذهب من مالك سيعود اليك بعد مدّة، وترجع كحالك الأوّل، وتقضي ما عليك من الدّيون. قال: فسكتّ وأنا مفكّر في كلامه حتّى انتهينا إلى باب داركم، فوقفت ووقف، فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي: أدخل أنت أنا صاحب الدّار، فامتنعت فأخذ بيدي وأدخلني أمامه فلمّا صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطّلبة جلوساً ينتظرون خروج السيّد قدّس سرّه من داخل الدار لأجل البحث، ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراماً له، وفيه كتاب مطروح. فذهب الرجل، وجلس في الموضع الذي كان السيّد قدّس سرّه يعتاد الجلوس فيه ثمّ أخذ الكتاب وفتحه، وكان الكتاب شرائع المحقّق قدّس سرّه ثمّ استخرج من الكتاب كراريس مسوّدة بخطّ السيّد قدّس سرّه، وكان خطّه في غاية الضعف لا يقدر كلّ أحد على قراءته، فأخذ يقرأ في تلك الكراريس ويقول: للطلبة: ألا تعجبون من هذه الفروع وهذه الكراريس؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الافهام في شرح شرائع الاسلام وهو كتاب عجيب في فنّه لم يبرز منه ا لّا ستّ مجلّدات من أوّل الطهارة إلى أحكام الأموات. قال الوالد أعلى الله درجته: لمّا خرجت من داخل الدّار رأيت الرجل جالساً في موضعي فلمّا رآني قام وتنحّى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه، ورأيته رجلا بهيّ المنظر، وسيم الشّكل في زيّ غريب، فلمّا جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه وبشاشة، وسؤال عن حاله واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه؟ ثمّ شرعت في البحث فجعل الرّجل يتكلّم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنّه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة: اسكت ما أنت وهذا، فتبسّم وسكت. قال (رحمه الله): فلمّا انقضى البحث قلت له: من أين كان مجيؤك إلى الحلّة؟ فقال: من بلد السليمانيّة، فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالأمس خرجت منها، وما خرجت منها حتّى دخلها نجيب باشا فاتحاً لها عنوة بالسيف وقد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلّب عليها، وأقام مقامه أخاه عبد الله باشا، وقد كان أحمد باشا المتقدّم قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادّعى السلطنة لنفسه في السليمانيّة. قال الوالد قدّس سرّه: فبقيت متفكّراً في حديثه وانّ هذا الفتح وخبره لم يبلغ إلى حكّام الحلّة، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلّة وبالأمس خرجت من السليمانيّة، وبين الحلّة والسليمانيّة ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجدّ. ثمّ انّ الرجل أمر بعض خدمة الدّار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الإناء ليغترف به ماء من الحبّ فناداه: لا تفعل! فانّ في الإناء حيواناً ميّتاً فنظر فيه، فاذا فيه سامّ أبرص ميّت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلمّا شرب قام للخروج. قال الوالد قدّس سرّه فقمت لقيامه فودّعني وخرج فلمّا صار خارج الدّار قلت للجماعة هلاّ أنكرتم على الرّجل خبره في فتح السليمانيّة؟ فقالوا: هلاّ أنكرت عليه؟ قال: فحدّثني الحاج عليّ المتقدّم بما وقع له في الطريق وحدّثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسوّدة، واظهار العجب من الفروع التي فيها. قال الوالد أعلى الله مقامه: فقلت: اطلبوا الرجل وما أظنّكم تجدونه هو والله صاحب الأمر روحي فداه، فتفرّق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عيناً ولا أثراً فكأنّما صعد في السماء أو نزل في الأرض. قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانيّة فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلّة بعد عشرة أيّام من ذلك اليوم، وأعلن ذلك عند حكّامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر، عند ذوي الدولة العثمانية. يقول المؤلف: الموجود فيما عندنا من كتب الأنساب أنّ اسم (ذا الدّمعة) حسين ويلقّب أيضاً بذي العبرة، وهو ابن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين (عليهما السلام) ويكنّى بأبي عاتقة، وانما لقّب بذي الدمعة لبكائه في تهجّده في صلاة الليل، وربّاه الصادق (عليه السلام) فورّثه علماً جمّاً وكان زاهداً عابداً وتوفّي سنة خمس وثلاثين ومائة وزوج ابنته للمهدي الخليفة العباسي، وله أعقاب كثيرة، ولكنّه سلّمه الله أعرف بما كتب.
النجم الثاقب — الباب السّابع · الحكاية الثالثة والتسعون: