الأقسامالنجم الثاقبالباب السّابع
النجم الثاقب

الأستاذ، إنّا روينا في الأخبار المأثورة عن السلف انّ المعمّر المغربي إذا دخل مدينة السلام افتتنت وخربت وزال الملك فلا تحمله وردّه إلى المغرب، فسألنا مشايخ أهل المغرب ومصر فقالوا: لم نزل نسمع من آبائنا ومشايخنا يذكرون اسم هذا الرجل واسم البلد الذي هو مقيم فيه طنجة، وذكروا انّه كان يحدّثهم بأحاديث قد ذكرنا بعضها في كتابنا هذا. قال أبو محمد العلوي: فحدّثنا هذا الشيخ أعني عليّ بن عثمان المغربي بدو خروجه من بلده من حضرموت، وذكر انّ أباه خرج هو وعمّه وأخرجا به معهما يريدون الحجّ وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرجوا من بلادهم من حضرموت وساروا أياماً ثمّ أخطأوا الطريق وتاهوا عن المحجّة فأقاموا تائهين ثلاثة أيّام وثلاث 1- العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الذي بينها وبين الذقن. 2- في المصدر (المكبرية). 3- سقطت من المصدر المطبوع. 4- في المصدر (فنيت). ليال على غير محجّة، فبينا هم كذلك إذ وقعوا في جبال رمل يقال له: رمل عالج، يتّصل برمل إرم ذات العماد فبينا نحن كذلك إذ نظرنا إلى أثر قدم طويل فجعلنا نسير على أثرها فأشرفنا على واد وإذا برجلين قاعدين على بئر أو على عين. قال: فلمّا نظرا الينا قام أحدهما فأخذ دلواً فأدلاه فاستقى فيه من تلك العين أو البئر واستقبلنا فجاء إلى أبي فناوله الدلو، فقال أبي: قد أمسينا ننيخ على هذا الماء ونفطر ان شاء الله فصار إلى عمّي فقال: اشرب فردّ عليه كما ردّ عليه أبي فناولني فقال لي: اشرب فشربت، فقال لي: هنيئاً لك فانّك ستلقى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأخبره ايّها الغلام بخبرنا وقل له الخضر والياس يقرآنك السلام، وستعمّر حتّى تلقى المهدي وعيسى بن مريم (عليهما السلام) فاذا لقيتهما فاقرأهما السلام، ثمّ قالا: ما يكون هذان منك فقلت: أبي وعمّي، فقالا: أمّا عمّك فلا يبلغ مكّة، وأمّا أنت وأبوك فستبلغان ويموت أبوك فتعمّر أنت، ولستم تلحقون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه قد قرب أجله ثمّ مرّا، فو الله ما أدري أين مرّا أفي السماء أو في الأرض، فنظرنا وإذا لا أثر ولا عين ولا ماء، فسرنا متعجّبين من ذلك إلى أن رجعنا الى نجران فاعتلّ عمّي ومات بها، وأتممت أنا وأبي حجّنا ووصلنا إلى المدينة فاعتلّ بها أبي ومات، وأوصى إلى عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) فأخذني وكنت معه أيّام أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته حتّى قتله ابن ملجم لعنه الله. وذكر انّه لمّا حوصر عثمان بن عفّان في داره دعاني فدفع إليّ كتاباً [ ونجيباً وأمرني بالخروج إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وكان غائباً بينبع في ماله وضياعه فأخذت الكتاب وصرت إلى موضع يقال له جدار أبي عباية. سمعت قرآناً فاذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) يسير مقبلا من ينبع وهو يقول: { أَفَحَسِبْتُمْ اِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَانَّكُمْ اِلَيْنَا لاَ ترْجَعُون }. فلمّا نظر إليّ قال: أبا الدّنيا ما وراك؟ قلت: هذا كتاب أمير المؤمنين فأخذه 1- في البحار (مثلا). فقرأه فاذا فيه: فإن كنتُ مأكولا فكن أنت آكلي وإلّا فأدركني ولمّا اُمزَّق فلمّا قرأه قال: سر، فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفّان فمال إلى حديقة بني النجار وعلم النّاس بمكانه فجاؤا إليه ركضاً وقد كانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة بن عبيد الله، فلمّا نظروا إليه ارفضّوا إليه ارفضاض الغنم شدّ عليها السبع فبايعه طلحة ثمّ الزبير ثمّ بايع المهاجرون والأنصار. فأقمت معه أخدمه] فحضرت معه الجمل وصفّين وكنت بين الصفّين واقفاً عن يمينه إذ سقط سوطه من يده فأكببت آخذه وأرفعه إليه وكان لجام دابّته حديداً مزجّجاً فرفع الفرس رأسه فشجّني هذه الشجّة التي في صدغي فدعاني أمير المؤمنين فتفل فيها وأخذ حفنة من تراب فتركه عليها فو الله ما وجدت لها ألماً ولا وجعاً، ثمّ أقمت معه حتّى قتل (صلوات الله عليه) وصحبت الحسن بن عليّ (عليه السلام) حتّى ضرب بساباط المدائن، ثمّ بقيت معه بالمدينة أخدمه وأخدم الحسين (عليه السلام) حتّى مات الحسن (عليه السلام) مسموماً [ سمّته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكنديّ لعنها الله دسّاً من معاوية] ثمّ خرجت مع الحسين بن عليّ (عليه السلام) حتى حتى حضر كربلاء وقتل (عليه السلام) وخرجت هارباً من بني أميّة، وأنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي وعيسى بن مريم (عليهما السلام). قال أبو محمد العلويّ رضي الله عنه: ومن عجيب ما رأيت من هذا الشيخ عليّ بن عثمان وهو في دار عمّي طاهر بن يحيى رضي الله عنه وهو يحدّث بهذه الأعاجيب وبدو خروجه فنظرت إلى عنفقته وقد احمرّت ثمّ ابيضّت فجعلت أنظر إلى ذلك لأنّه لم يكن في لحيته ولا في رأسه ولا في عنفقته بياض [ البتّة]. 1- سقط هذا المقطع كلّه من الترجمة. 2- سقط هذا المقطع من الترجمة. 3- هذه الزيادة في البحار. قال: فنظر إلى نظري إلى لحيته وعنفقته فقال: ما ترون؟ انّ هذا يصيبني إذا جعت فاذا شبعت رجعت إلى سوادها، فدعا عمّي بطعام وأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت واحدة بين يدي الشيخ وكنت أنا أحد من جلس عليها فأكلت معه ووضعت المائدتان في وسط الدار وقال عمّي للجماعة: بحقّي عليكم الّا أكلتم وتحرّمتم بطعامنا فأكل قوم وامتنع قوم، وجلس عمّي على يمين الشيخ يأكل ويلقي بين يديه فأكل أكل شابّ وعمّي يخلف عليه وأنا أنظر إلى عنفقته وهي تسودّ حتى عادت إلى سوادها حين شبع! فحدّثنا علي بن عثمان بن خطّاب قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وذكر الخبر المتقدّم في مدح أهل اليمن. قصة الشيخ المذكور بنحو ثالث: قال العلامة الكراجكي في كنز الفوائد: " حدّثني الشريف أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني بمصر في شوال سنة سبع وأربعمائة، قال: أخبرنا الشريف ابو القاسم ميمون بن حمزة الحسيني قال: رأيت المعمّر المغربي وقد اُتي به إلى الشريف ابي عبد الله محمد بن اسماعيل سنة عشر وثلاثمائة واُدخل إلى داره ومن معه وهم خمسة رجال واُغلقت الدار وازدحم الناس، وحرصت في الوصول إلى الباب فما قدرت لكثرة الزّحام فرأيت بعض غلمان الشريف أبي عبد الله محمد بن اسماعيل وهما قنبر وفرج فعرفتهما انّي اشتهي انظره فقالا لي: دُرْ إلى باب الحمّام بحيث لا يدرى بك فصرت إليه ففتحا لي سرّاً ودخلت واُغلق الباب، وحصلت في مسلخ الحمّام وإذا قد فُرش له ليدخل الحمام فجلست 1- في البحار زيادة (اذا). 2- راجع كمال الدين (الصدوق): ج2، ص544 - 547 ـ والبحار: ج 51، ص 229 - 233. يسيراً فاذا به قد دخل رجل نحيف الجسم ربع من الرّجال خفيف العارضين ادم اللون إلى القصير أقرب ما هو أسود الشّعر يقدّر الانسان انّ له نحواً من أربعين سنة وفي صدغة اثر كأنّه ضربة فلمّا تمكّن من الجلوس والنفر معه وأراد خلع ثيابه قلت ما هذه الضربة؟ فقال: أردت أناول مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) السّوط يوم النهروان فنفض الفرس رأسه فضربني اللجام وكان مدمجاً فشجّني فقلت له أَدَخَلْتَ هذه البلدة قديماً، قال: نعم، وكان موضع جامعكم السّفلاني مبقلة وفيها بئر فقلت: هؤلاء أصحابك، فقال: ولدي وولد ولدي، ثمّ دخل الحمام فجلست حتى خرج ولبس ثيابه فرأيت عنفقته قد ابيضّت فقلت له كان بها صباغ، قال: لا ولكن إذا جعت ابيضّت وإذا شبعت اسودّت، فقلت: قم ادخل الدّار حتى تأكل فدخل الباب. ثم نقل أبي محمد العلوي المذكور سابقاً قال: " فما سمعت من حديثه الذي حدّث الناس به انّه قال: خرجت من بلدي أنا وأبي وعمّي نريد الوفود على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنّا مشاة في قافلة فانقطعنا عن الناس واشتدّ بنا العطش وعدمنا الماء وزاد بأبي وعمّي الضعف فأقعدتهما إلى جانب شجرة ومضيت التمس لهما ماءً فوجدت عيناً حسنة وفيها ماء صاف في غاية البرد والطيبة فشربت حتى ارتويت ثمّ نهضت لآتي بأبي وعمّي إلى العين فوجدت أحدهما قد مات وتركته بحاله، وأخذت الآخر ومضيت به في طلب العين فاجتهدت أن أراها فلم أرها ولا عرفت موضعها، وزاد العطش به فمات، فحرصت في أمره حتى واريته وعدت الى الآخر فواريته ايضاً، وسرت وحدي إلى أن انتهيت الطريق ولحقت بالناس ودخلنا المدينة، 1- مدمجاً: أي مستحكماً. 2- كنز الفوائد (الكراجكي): ص 262 ـ 263. 3- في الترجمة (سمعت من الشيخ الذي كان في بيت عمّي طاهر بن يحيى من حديثه الذي حدّث به الناس... الخ). وكان دخولي إليها في اليوم الذي قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأيت الناس منصرفين من دفنه، فكانت أعظم الحسرات دخلت بقلبي، ورآني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحدّثته حديثي فأخذني... إلى آخر ما تقدّم برواية الصدوق. ثمّ قال الكراجكي: " حدّثني القاضي أبو الحسن أسد بن ابراهيم السلمي الحرّاني، وأبو عبد الله الحسين بن محمد الصيرفي البغدادي، قالا جميعاً: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد المعروف بالمفيد لقراءتي عليه بجرجرايا. وقال الصيرفي: سمعت منه املاءاً سنة خمس وستين وثلاثمائة. قال: حدّثنا علي بن عثمان بن الخطّاب بن عوام البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها: مزيدة يعرف بأبي الدنيا الأشجّ المعمّر، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [ يقول]: كلمة الحق ضالّة المؤمن حيث وجدها فهو أحقّ بها... ". وقد نقل اثني عشر خبراً بهذا السند، ثم قال: " قال أبو بكر المعروف بالمفيد: رأيت أثر الشجّة في وجهه، وقال: أخبرت أمير المؤمنين (عليه السلام) بحديثي وقصّتي في سفري وموت أبي وعمّي والعين التي شربت منها وحدي، فقال: هذه عين لم يشرب منها أحد الّا عمّر عمراً طويلا، فأبشر فانّك تعمّر ما كنت لتجدها بعد شربك منها ". وقال الكراجكي: 1- راجع كنز الفوائد (الكراجكي): ص 264. 2- سقطت من المصدر، واُثبتت في الترجمة. 3- راجع كنز الفوائد (الكراجكي): ص 265. 4- راجع كنز الفوائد (الكراجكي): ص 266. " فأما الأحاديث التي رواها عن الأشج أبو محمد الحسن بن محمد الحسيني مما لم يروه أبو بكر محمد بن احمد الجرجرائي فهي: قال الشريف أبو محمد: حدّثني علي بن عثمان المعمر الأشج... " ثمّ نقل الخبر الذي في مدح اليمن، ونقل الشريف خبراً آخر. يقول المؤلف: انّ الهدف من هذه الاطالة هو دفع وهم تعدد هذا المغربي مع ذلك المغربي الذي نقلناه عن مجالس الشيخ، فانّه قد يبدو تعدّده في البداية، وقد عنونّاه نحن بعناوين، بل قال المحدّث الجليل السيد عبد الله سبط المحدّث الجزائري في اجازته الكبيرة بعد العبارة التي نقلناها في صدر هذه الحكاية: " وأما ما نقله الشيخ في مجالسه عن أبي بكر الجرجاني: انّ المعمّر المقيم ببلدة طنجة توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فليس بمناف شيئاً لأنّ الظاهر انّ احدهما غير الآخر لتغاير اسميهما وقصتيهما وأحوالهما المنقولة ". ولكن الحق اتّحادهما ; أما تغاير الاسم فقد علمت انّ الكراجكي نقل عن نفس هذا المفيد الجرجرائي انّ اسمه (علي بن عثمان بن خطاب) ; وعليه فيعرف إنّه سقط من مجالس الشيخ اوّل نسب علي، والاختلاف في بعض الأجداد في مثل هذه الحكايات كثير. وإذا كان اختلاف القصّة سبباً لتعدّدها وذلك لأنهم كانوا أربعة أشخاص ; فان اتحادهما بالاسم والأب والبلد ـ وهي المغرب، ولعلّ مزيدة من توابع طنجة ـ وشرب ماء الحياة، وشجّ رأسه من دابة أمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفين أو النهروان، وقرب عصر ملاقاته، وموت أبيه في الطريق وغير ذلك، فانها لا يمكنها 1- كنز الفوائد (الكراجكي): ص 266. 2- الاجازة الكبيرة (السيد عبد الله الجزائري): ص 109 ـ 110. أن تعطي احتمال تعدّدهما. ويظهر من العلامة الكراجكي القطع باتحادهما كما هو الظاهر من كلامه المنقول. ونقل خبر وفاته عن الجرجراني أيضاً، ويعلم انّه اشتباه من الجرجرائي ايضاً أو من رواة مجالس الشيخ. وما ذكرناه غير خاف على المتأمل ان شاء الله تعالى. وكذلك فانّ (الجرجاني) في كلام السيد اشتباه ايضاً، والصواب (الجرجراني) كما ضبط في محلّه. توضيح جواب الاشكال وتلخيص المقال المقتدّم: ان استبعاد طول عمر الامام المهدي (صلوات الله عليه) لا يخلو من هذه الجهات: الاولى: الاستحالة العقلية. فلم يدّعِ ذلك صاحب عقل، ولا منطق بإمكانه حسب منطق أصحاب الشرائع، وان وقوع طول العمر موجود في الأمم السالفة كما في كتب اليهود والنصارى، ووقوعه في هذه الأمة باتفاق المسلمين كاف في رفع هذه الدعوى ان وجدت. الثانية: الحديث المعروف المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: " أعمار أمتي بين الستين والسبعين ". وهو محمول على الأغلب، والّا يلزم تكذيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) والعياذ بالله. ويؤيد هذا الحمل انّه ورد هذا الحديث في بعض النسخ (اكثر أعمار أمتي)، ولذلك عرفت ما بين الستين والسبعين بالعشرة المشؤومة، ولو انّ عمر الانسان لا يتعدى في هذه الأزمنة المائة والعشرين ولا دليل عليه الّا الاستقراء والتجربة. الثالثة: القاعدة الطبيعيّة التي يقول بها الأطباء انّ سنّ الكمال إلى أربعين سنة، وسن النقصان ضعف ذلك أي ثمانين سنة، فيكون المجموع مائة وعشرون سنة. وذكروا وجهين معتبرين في تعليل ذلك ; احدهما: من جهة المادة، والأخرى: من جهة الغاية. أما من جهة المادة ; وذلك انّ العادة في سن الشيخوخة اليبوسة فتمسك الصورة وتحفظها. وأما من جهة الغاية ; وذلك انّ الطبيعة تبادر إلى الأفضل وهو بقاء العمر وحفظه وإن يبعد الفساد عن الأنقص، وتبقى تلك الرطوبة الغريزية في سنّ الشيخوخة، ولذلك يكون سنّ النقصان مضاعف سنّ الكمال. وهذان الوجهان لا يفيان لإثبات المدّعى المذكور، كما نقل التصريح بضعف هذا الدليل في شرح القطب الشيرازي على كليات القانون. وأما ما ذكروه وأقاموا له الحجة بأن لهذه الحياة نهاية ولا مناص من تجرّع شربة الأجل فلا يفي لتحديد مقدار معين للعمر، وتعيين سنّ في مقدار معلوم. وحاصل هذا البرهان انّ الموت حتمي، ولا ينكر احدٌ ذلك، وبقوله تعالى: { كُلُّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت } فلا حاجة إلى ذلك البرهان المزعوم. الرابعة: قواعد أصحاب النجوم. وعلى حسب قواعدهم فلا يرون اثر في هذا العالم الّا النفوس الفلكية، أو انّهم يعدونها مؤثرة مستقلة بنفسها، وينسبون لها جميع الكون والفساد والتغيير والتبديل لهذا العالم، ويقولون: قوام هذا العالم بالشمس وعطاؤه الأكبر في السن المائة والعشرين سنة. 1- الآية 185 من سورة آل عمران. والجواب انّه من الجائز أن ينظم ذلك عند أرباب النجوم بعطاء الشمس ولعل هناك أسباب اُخرى يضاعف تلك العطية. وتوضيح هذا الاجمال: انّ لهم اصطلاحات في هذا المقام ; احدهما: (هيلاج) والثاني: (كد خداه)، والاثنان يكونان في صورة زايجة طالع المولود دليلين لعمره، وعليهما يحكمون بالنقيصة والزيادة للعمر. وأحد هذين الاثنين يتعلّق بالجسم، والآخر بالروح، وفي تعيين ذلك خلاف، وفي بعض رسائلهم هكذا: دليل العمر على نوعين ; احدهما: دليل الجسم يقال له الهيلاج، والثاني: دليل الروح ويسمّونه (كد خداه)، والاثنان بمنزلة الهيولى والصورة لأسباب العمر. ولكن المعروف عكس هذا، فللهيلاج في صورة الطالع دلائل تدل على نفس المولود، والكدخداه يدل على بدن المولود. وكثرة الهيلاج يدل عندهم على طول العمر. وكثرة الكدخداه يدل على سعادة الحياة. والهيلاج عندهم خمسة أشياء: الشمس، والقمر، وسهم السعادة، وجزء مقدم الاجتماع أو الاستقبال، ودرجة الطالع. والكدخداه كوكب صاحب خط ناظر إلى الهيلاج. وشرط بعضهم في الكدخداه استيلاءه على موضع الهيلاج. واكتفى بعضهم في هذا المقام بالنظر إلى البرج، وقد يكون النظر الى الدرجة أقوى، فاذا كانت الشمس أو القمر في شرفه فسوف يكون سعيداً بـ (كدخداه). وقال قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب: يبطل صلاح الهيلاج بالكسوف والخسوف والمحاق وتحت الشعاع، ويكون 1- انّ هذه الاصطلاحات في علم الفلك، وما زالوا يستخدمونها بدون تعريب. الكدخداه صاحب خط في موضع الهيلاج، وإذا لم ينظر اليهما أو إلى الدرجة فيجوز النظر إلى البرج بشرط أن يكون بحد الاتصال أو مساوياً لها عند موضع التناظر في درجات المطالع أو في طول النهار، وعندما يكون كدخداه الشمس أقل من ست درجات فلا يكون الكدخداه في حدّ الاحتراق، ولكن كدخداه ثلاثة اعطيات ; أحدها: الكبرى، وهي إذا كان الكدخداه في درجة الوتد، وثانيها: الوسطى، إذا كان مائلا إلى المركز، وثالثها: الصغرى، إذا زاد على المركز. وعندما عرفت هذه المقدّمة فمن الجائز أن يتّفق في طالع كثرة هيلاجات وكدخداهات ويكون جميعها في أوتاد الطالع. وينظر إلى تلك البيوتات فينظر بنظر التثليث والتسديس نظر السعادة ويسقط منها النحوسات، وفي نفس الوقت يحكمون على صاحب الطالع بطول العمر وتأخير الأجل حتى يكون أحد المعمّرين السابقين. ونقل الفاضل المذكور عن أبي ريحان البيروني انّه قال في كتابه المسمّى بالآثار الباقية عن القرون الخالية انّه انكر بعض الحشوية ما وصفناه من طول الأعمار وبالخصوص ما ذكر بعد زمان ابراهيم (عليه السلام) ولم يعتمدوا على هذا الكلام الّا ما أخذوه من اصحاب الأحكام من أكثر عطايات الكواكب في المواليد بما كانت عليه الشمس في ذلك الهيلاج والكداخدائي، يعني بما كان عليه في بيته أو شرفه في الوتد والربح والمركز الموافق فيعطي سنينه الكبرى وهي مائة وعشرين سنة. ويزيد القمر عليه خمسة وعشرين سنة، وعطارد عشرين سنة، والزهرة ثمانين سنة، والمشتري اثني عشرة سنة، وهذه السنين هي صغرى كل واحد منها، لأنه لا اكثر منها. وإذا نظر نظر موافقة وتحسين فيسقط منها ما نقص منها، ويكون الرأس في البرج معها وبعيداً عن الحدود الكسوفية، وكلّما كان كذلك يزيد عليه ربع عطيته وهي ثلاثون سنة، فيجتمع من ذلك مائتان وخمسة وعشرون سنة، وقالوا: هذا اقصى العمر الذي يصل إليه الانسان. ثمّ ردّ عليهم الاستاذ أبو ريحان وحكى عن ماشاءالله المصري انّه قال في أول كتاب مواليده: يمكن للانسان أن يعيش بسنة القران الأوسط إذا اتّفقت ولادته في وقت تحويل القران من المثلثة إلى المثلثة والطالع في أحد بيتي زحل أو المشتري ويكون هيلاج الشمس في النهار، وهيلاج القمر في الليل في غاية القوة. ومن الممكن أن يتّفق مثل هذا في وقت تحويل القران إلى الحمل ومثلثاته، ويدل على نحو ما ذكرناه أن المولود يبقى سنين القران الأعظم وهي تسعمائة وستين سنة بالتقريب حتى يرجع القران إلى موضعه. وحكى ايضاً عن أبي سعيد بن شاذان انّه ذكر في كتاب مذاكراته مع ابي معشر في (الأسرار) التي أرسلت عند أبي معشر انّه كان مولد ابن ملك سرانديب وطالعه الجوزاء وزحل في السرطان، والشمس في الجدي، فحكم أبو معشر انّه يعيش في زحل الأوسط وقال انّ أهل ذلك الاقليم حكموا عنده بطول الأعمار له وإن صاحبه زحل، ثم قال أبو معشر: وقد وصلني ان أي انسان منهم مات قبل أن يصل إلى الدور الأوسط لزحل فانّه يتعجب من سرعة موته. قال أبو ريحان فدلّت هذه الأقوال على اعتراف هؤلاء المنجّمين بإمكان وجود هذه الأعمار. ونقل الشيخ الكراچكي في كنز الفوائد عن (ماشاءالله المصري) معلم هذه الطائفة المقدّم واستاذهم المفضل، قريباً من العبارة السابقة: انّ النظر إلى هيلاج المولود يمكن أن يصل عمره إلى تسعمائة وخمسين سنة. 1- (الأسرار) من مؤلفات أبي معشر الفلكي. 2- راجع كنز الفوائد (الكراجكي): ص 246 ـ 247. قال: " اني وجدت في كتاب أحد علمائهم وهو الكتاب المعروف (بابا) لابن هبلي حكاية ذكرها عن معلمهم المقدّم واستاذهم المفضل الذي يعوّلون عليه في الأحكام ويستندون إلى كلامه، وما يدعيه وهو المعروف بماشاءالله، انا موردها ففيها اكبر حجة عليهم في هذه المسألة التي خالفونا فيها. قال ماشاءالله: " الباب الأعظم من الهيلاج الذي يدل على العمر الكثير فانّه يكون المولود في مثلثة إلى مثلثة وطالعه بيوت أحد الكوكبين العلويين زحل والمشتري وصاحب الطالع الكدخداه فان كان المولود ليليا والهيلاج القمر فان كان فوق الشمس في برج اُنثى وان كان نهارياً فيكون الشمس في برج ذكر فانّه حينئذ يدل على بقاء المولود باذن الله تعالى حتى يتحوّل القران عن مثلثة إلى أخرى وذلك مائتان وأربعون سنة. قال: فأمّا في الزمن الاوّل فان مثل هذه الدلالة كان تدل على بقائه حتى يعود القران إلى مكانه، وذلك بعد ستمائة وخمسين سنة والله اعلم ". وقال السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب (فرج المهموم): " ذكر بعض اصحابنا في كتاب الأوصياء وهو كتاب معتمد عند الأولياء... رواه الحسن بن جعفر الصيمري، ومؤلفه علي بن محمد بن زياد الصيمري وكانت له مكاتبات إلى الهادي والعسكري (عليهما السلام) وجوابهما إليه، وهو ثقة معتمد عليه، فقال ما هذا لفظه: حدّثني أبو جعفر القمي ابن أخي احمد ابن اسحاق بن مصقلة، انّه كان بقم منجم يهودي موصوفاً بالحذق في الحساب، فأحضره احمد بن اسحاق وقال له: قد ولد مولود في وقت كذا وكذا فخذ الطالع واعمل له ميلاداً، فأخذ الطالع ونظر فيه وعمل عملا له، فقال لأحمد: لستُ أرى النجوم تدلني على شيء لك من هذا المولود بوجه الحساب، انّ هذا المولود ليس لك ولا يكون مثل هذا المولود إلّا لنبي، أو وصي نبي، وان النظر فيه يدلني على انّه يملك الدنيا شرقاً وغرباً وبراً وبحراً وسهلا وجبلا حتى لا يبقى على وجه الأرض أحدٌ إلّا دان له وقال بولايته. ونقل الشيخ الجليل زين الدين علي بن يونس العاملي في الصراط المستقيم عن العلماء المنجّمين: " ان دور الشمس ألف وأربعمائة واحدى وخمسون سنة، وهو عمر عوج بن عنق، عاش من نوح إلى موسى. 1- في المصدر المطبوع (فصل فيما نذكره من دلالة النجوم على مولانا المهدي ابن الحسن (صلوات الله عليهما) ذكرها بعض أصحابنا... الخ). 2- راجع السيد ابن طاووس (فرج المهموم): ص 36 ـ 37. ودور القمر الأعظم ستمائة واثنان وخمسون، وهو عمر شعيب بعث إلى خمس أمم. ودور زحل الأعظم مائتان وخمسة وخمسون، قيل وهو عمر السامري من بني اسرائيل. ودور المشتري الأعظم اربعمائة وأربعة وعشرون، قيل وهو عمر سلمان الفارسي. ودور الزهرة الأعظم ألف ومائة واحدى وخمسون، قيل: وهو عمر نوح. ودور عطارد الأعظم اربعمائة وثمانون، قيل: وهو عمر فرعون. وقد كان في اليونان مثل بطليموس. وفي الفرس مثل الضحاك عاش الف سنة وأقل وأكثر. وقد حكي عن سام إذا مضى من ألف السمكة سبعمائة سنة يكون العدل ببابل. وعن سابور البابلي نحو ذلك ". وقال الخواجة ملا نصر الله الكابلي المتعصب العنيد في المطلب الرابع عشر من المقصد الرابع من كتاب الصواعق في الرد على الاماميّة وهو مملوء بالأكاذيب والمزخرفات: " اختلفوا فيه، فقال بعض انّه ولد صبح ليلة البراءة يعني النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين بعد مضي عدّة أشهر من القران الأصغر الرابع من القران الأكبر الواقع في قوس وطالع الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان، وقد رجع زحل في الدقيقة الثانية من السرطان، ورجع المشتري فيها أيضاً، والمريخ في الدقيقة الرابعة والثلاثين من درجة الجوزاء العشرين، وكانت الشمس في الدقيقة الثامنة والعشرين من درجة الأسد الرابعة، والقمر في الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة 1- راجع الصراط المستقيم: ج 2، ص 245. التاسعة والعشرين من الدلو، وعلى رأس الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة الثامنة والعشرين من الحمل، وكان الذنب في الدقيقة التاسعة والخمسين من الدرجة الثامنة والعشرين من الميزان. وقال بعض: ولد صبح الثالث والعشرين من شعبان من السنة المذكورة، وكان الطالع في الدقيقة السابعة والثلاثين من الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان، وكانت الشمس في الدقيقة الثامنة والعشرين من الدرجة العاشرة من الأسد، وكان عطارد في الدقيقة الثامنة والثلاثين من الدرجة الحادية والعشرين من الأسد، وزحل في الدقيقة الثامنة عشرة من الدرجة الثامنة من العقرب، وهكذا المشتري. والقمر في الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة الثلاثين من الدلو. والمريخ في الدقيقة الرابعة والثلاثين من الدرجة العشرين من الحمل. والزهرة في الدقيقة السابعة عشرة من الدرجة الخامسة والعشرين من الجوزاء. وهذه الاختلافات نص على ان ما يزعمونه افتراء بدون ريبة " انتهى. وقال قبل أن ينقل هذه الكلمات: " وأمّا ما ذكره أهل النجوم مثل أبي معشر البلخي، وأبي الريحان البيروني، وماشاءالله المصري، وابن شاذان، والمسيحي وغيرهم من المنجّمين: إذا اتّفق ميلاد من المواليد عند تحويل القران الأكبر وكان الطالع في أحد بيوت زحل أو المشتري، وكان هيلاج الشمس في النهار، والقمر في الليل، والخمسة المتحيّرة قوى الحال وفي الأوتاد، وكان الناظر إلى الهيلاج أو الكدخداه نظر موده، فمن الممكن أن يعيش المولود مدّة سنة القران الأكبر وهو ثمانون وتسعمائة سنة شمسيّة تقريباً. وإذا دلّت الأسباب الفلكية على غير ذلك، فيمكن أن يعيش أقلّ من ذلك أو أكثر. 1- قال المؤلف (رحمه الله): " يعني الاماميّة ". فاذا كان ذلك صحيحاً فلا يفيد ذلك لأنّه لم تكن ولادة م ح م د بن الحسن ((عليه السلام)) في أحد هذه القرانات الأربعة: الأعظم، والأكبر، والأوسط، والأصغر كما هو مذكور في كتب مواليد الائمة (عليهم السلام) مثل كتاب أعلام الورى وغيره، واختلفوا... إلى آخر ما تقدّم ". ولم ير لحدّ الآن في كتب مواليد الائمة (عليهم السلام) وبالخصوص أعلام الورى بل في كتب الغيبة صورة طالع ولادته (عليه السلام)، ولا أدري من أين أخذه هذا الكابلي، بالاضافة إلى نسبته إلى جماعة، وإلى جماعة اُخرى بنحو آخر، فيتخيّل الناظر انّ هذا الرجل متتبع خبير، والظاهر انّه من جعلياته نفسه الذي هو مبنى الكتاب عليه. وعلى فرض صحة النسبة فلا يضرّ ذلك شيئاً لأن المقصود من نقل كلمات هذه الطائفة وجود أسباب سماوية وأوضاع نجومية لطول العمر بزعمهم حسب ما اطلعوا عليه. ويحتمل كثير منها لم يطلعوا عليها ولا يمكن أن يدّعوا انحصارها فيما علموه. ولا يبقى مخفياً أو مستوراً بأننا اقتصرنا في نقل الحكايات على ما رأيناه في الكتب المعتبرة أو سمعناه من الثقات، والعلماء، وتركنا نقل كثير من الوقائع التي لم تصل الينا بسند معتبر، أو انها موجودة في كتب جماعة يتسامحون في نقل مثل هذه القصص، أو جمعوها من كلّ شخص في أي مكان رأوه أو سمعوا منه، ولظهور علائم الكذب ببعضها سقط الباقي عن درجة الاعتبار. ومن المناسب أن نختم هذا الباب بذكر كلام الفاضل المتتبع الميرزا محمد النيسابوري في كتاب ذخيرة الألباب المعروف بدوائر العلوم في الفائدة الحادية عشرة من الباب الرابع عشر، وهذه الفائدة في ذكر اسماء من رأى الامام القائم (عليه السلام) في حياة أبيه (عليه السلام) وفي الغيبة الصغرى والكبرى، ونحن نذكرها في هذا الباب مع زيادات كثيرة الّا ما في آخر تلك الفائدة ذكر اسمائهم ولم نقف على حكاياتهم: الأول: الحاج عبد الهادي الطبيب الهمداني. الثاني: شيخنا موسى بن علي المعجراني. الثالث: السيد الكريم العين الذي نهاه عن شرب القليان. الرابع: العالم الذي كان مصاحباً له. الخامس: الشيخ حسن بن محمد الحلّي. السادس: سعيد بن عبد الغني الاحسائي. السابع: الملاّ عبد الله الشيرازي. الثامن: استاذنا المولى محمد باقر بن محمد أكمل الاصفهاني، ونقل قصة لي، وقد ذكرت القصة كلّها في مظانّها، انتهى. وقال في الفائدة الثانية عشرة من الفصل الخامس من الباب الثامن عشر بعد ذكر شطر من أحواله (عليه السلام): عاصر أوّل امامته (عليه السلام) المعتمد (العباسي)، ولد (عليه السلام) في سامراء ليلة الجمعة من شعبان، وقيل: ومن (وياكح) من شهر رمضان في (رنه يارنو) وكان مع والده. وكانت الغيبة الصغرى بعد والده (عليه السلام) وكان بدوها من سنة (رس) إلى (شل) وهو بداية الغيبة الكبرى …

النجم الثاقب — الباب السّابع · فصل: في ذكر جملة من المعمرين

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.