من الوالد الفان المقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها إليهم غدا إلى المولود المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من [ قد] هلك، غرض الاسقام ورهينة الايام ورمية المصائب وعبد الدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا وأسير الموت وحليف الهموم وقرين الاحزان ونصب الآفات وصريع الشهوات وخليفة الاموات - أما بعد - فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الآخرة إلي ما يزعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما ورائي غير أنه حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدفني رأيي وصرفني هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب [ و] وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا [ لو] أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت. فإني اوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره وعمارة قلبك بذكره والاعتصام والرمية: الهدف والتاء لنقل الاسم من الوصفية إلى الاسمية الصرفة. الحليف: المحالف والحلف بالكسر: الحلف بالفتح: التعاقد والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. وقوله: " نصب الافات " يقال: فلان نصب عينى - بالضم - اى لا يفارقنى. والصريع: الطريح. جمح الفرس إذا غلب على صاحبه فلم يملكه. ويزعنى أى يمنعنى ولفظ " ما " اسم " إن ". صدفه: صرفه والضمير للرأى. والمحض: الخالص. وأفضى أى انتهى. والشوب المزج والخلط. " بل وجدتك كلى " اى عبارة عن كله اذ كان هو الخليفة له والقائم مقامه ووارث علمه وفضائله وكتب اليه هذه الوصية ليكون له ظهرا ومستندا يرجع إلى العمل بها في حالتى بقائه وفنائه عنه. () صفحة [69] بحبله وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن [ أنت] أخدت به. أحي قلبك بالموعظة وموته بالزهد وقوه باليقين وذلله بالموت وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والايام وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعما انتقلوا فإنك تجدهم انتقلوا عن الاحبة وحلوا دار الغربة وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك ثم قف على قبورهم فقل: أيتها الاجساد البالية والاعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها، أي بني وكأنك عن قلى قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلاله فإن الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الاهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بلسانك ويدك وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم وخض الغمرات إلى الحق حيث كان وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة وتفهم وصيتي ولا تذهبن [ عنها] صفحا، فإن خير القول ما نفع وبصره بالفجائع: جمع الفجيعة وهى المصيبة تفزع بحلولها. الفحش بمعنى الزيادة والكثرة. في بعض نسخ الحديث [ للحق] مكان " بالموت ". والغمرات: الشدائد. في النهج [ وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم الخلق التصبر]. والتصبر: تكلف الصبر. الكهف: الملجأ والحريز: الحصين. الاستخارة: اجالة الرأى في الامر قبل فعله لاختيار أفضل الوجوه. الصفح: الاعراض. وفى بعض النسخ [ لا تذهبن منك صفحا]. () صفحة [70] واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حين لا يقال به. أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن يعجل بي أجلي دون أن افضي إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك منه ما ربما أظلم علينا فيه. أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلى فقد نظرت في أعمالهم و فكت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلى من امورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميلة وصرفت عنك وذلك تنبيه على أن من العلوم ما لا خير فيه وهى التى نهت الشريعة عن تعلمها كالسحر والكهانة والنجوم والنيرنجات ونحوها. في النهج [ إنى لما رأيتنى قد بلغت سنا]. في النهج [ بادرت بوصيتى إليك وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى]. اشارة إلى أن الصبى اذا لم يؤدب الاداب في حداثته ولم ترض قواه لمطاوعة العقل وموافقته كان بصدد أن يميل القوى الحيوانية إلى مشتهياتها وينجذب في قياد هواه إلى الاشتغال بها فيفتنه ويصرفه عن الوجه الحقيقى وما ينبغى له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الابل. و وجه التشبيه أنه يعسر حمله على الحق وجذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور وتصريفه بحسب المنفعة. وذلك ليكون جد رأيك أى محققه وثابته مستعدا بقبول الحقائق التى وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها. والبغية بالكسر: الطلب. وفى بعض النسخ [ تعقله وتجربته]. استبان اى. ظهر وذلك لان العقل حفظ التجارب وإذا ضم رأيه إلى آرائهم ربما يظهر له ما لم يظهر لهم. النخيل: المختار المصفى. وتوخيت أى تحريت. () صفحة [71] مجهولة ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل بين ذي النقية والنية وأن أبدأك بتعليم كتاب الله وتأويله وشرائع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا اجاوز ذلك بك إلى غيره ثم أشفقت أن يلبسك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم مثل الذي لبسهم وكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك وأن يهديك لقصدك فعهدت إليك وصيتي هذه واحكم مع ذلك. أي بني إن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوي الله والاقتصار على ما افترض عليك والاخذ بما مضى عليه الاولون من آبائك والصالحون من أهل ملتك فإنهم لم يدعوا أن [ ي] نظروا لانفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم ما كانوا علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم لا بتورط الشبهات وعلق الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة إليه في توفيقك وترك كل شائبة أدخلت عليك شبهة وأسلمتك إلى ضلالة وإذا أنت أيقنت أن قد صفا [ لك] قلبك فخشع وتم رأيك فاجتمع وكان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك من فراغ فكرك " أن يكون " في محل النصب على أنه مفعول أول لرأيت و " يكون " هنا تامة والواو في قوله: " وأنت " للحال. في النهج [ وأنت مقبل العمر، مقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله]. وفى بعض نسخ الكتاب [ ذى الفئة]. في النهج [ أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذى التبس عليهم]. أى أنك وإن كنت تكره أن ينبهك أحد لما ذكرت لك فانى أعد إتقان التنبيه على كراهتك له أحب إلى من إسلامك إى ألقائك إلى امر تخشى عليك فيه الهلكة. في النهج [ أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة]. في بعض نسخ الحديث [ وفراغ نظرك وفكرك] وفى بعضها بالقاف. () صفحة [72] ونظرك فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء وليس طالب الدين من خبط ولا خلط والامساك عند ذلك أمثل. وإن أول ما أبدأ به من ذلك وآخره أني أحمد إليك إلهي وإلهك وإله آبائك الاولين والآخرين ورب من في السماوات والارضين بما هو أهله [ و] كما هو أهله وكما يحب وينبغي ونسأله أن يصلي عنا على نبينا (صلى الله عليه وآله)وعلى أهل بيته وعلى أنبياء الله ورسله بصلاة جميع من صلى عليه من خلقه وأن يتم نعمه علينا فيما وفقنا له من مسألته بالاجابة لنا فإن بنعمته تتم الصالحات. فتفهم أي بني وصيتي واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة وأن الخالق هو المميت وأن المفني هو المعيد وأن المبتلي هو المعافي وأن الدنيا لم تكن لتستقيم إلا على ما خلقها الله تبارك وتعالى عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد أو ما شاء مما لا نعلم، فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك به فإنك أول ما خلقت [ خلقت] جاهلا ثم علمت وما أكثر ما تجهل من الامر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك وليكن له تعمدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك. واعلم [ يا بني] أن أحدا لم ينبئ عن الله تبارك وتعالى كما أنبأ عنه نبينا (صلى الله عليه وآله)فارض به رائدا [ وإلى النجاة قائدا] فإني لم آلك نصيحة وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك [وإن اجتهدت مبلغ] نظري لك. واعلم [ يا بني] أنه لو كان لربك شريك لاتتك رسله ولرايت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت صفته واشعار لفظ الخبط له باعتبار أنه طالب للعلم من غير استكمال شرائط الطلب وعلى غير وجهه فهو متعسف، سالك على غير طريق المطلوب كالناقة العشواء. لان كف النفس عن الخبط والخلط في أمر الدين أقرب إلى الخير. في النهج [ تعبدك]. الرائد: هو الذى يذهب لطلب المنزل لصاحبه أو من ترسله في الكلاء ليتعرف موقعه والرسول قد عرف عن الله وأخبرنا، فهو رائد سعادتنا. أى لم اقصر في نصيحتك. () صفحة [73] وفعاله ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه وأنه خالق كل شئ وأنه أجل من أن يثبت لربوبيته بالاحاطة قلب أو بصر وإذا أنت عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في صغر خطرك وقلة مقدرتك وعظم حاجتك إليه أن يفعل مثله في طلب طاعته والرهبة له والشفقة من سخطه، فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح. أي بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها بأهلها وأنبأتك عن الآخرة وما اعد لاهلها فيها. وضربت لك فيهما الامثال، إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا [ وجنابا مريعا] فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون نفقة مغرما ولا شيئا أحب إليهم مما قربهم منزلهم، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصب فنبابهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه. وقرعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما، فإن ورد عليك شئ تعرفه أكبرت ذلك فإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل، فعد نفسه بذلك جاهلا فازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا، فما يزال للعلم طالبا وفيه راغبا وله مستفيدا ولاهله خاشعا مهتما وللصمت لازما وللخطأ حاذر ومنه مستحييا، وإن ورد عليه مالا يعرف لم ينكر ذلك لما قرر به نفسه من الجهالة، وإن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا فما يزال للعلماء مباعدا وعليهم زاريا ولمن خالفه مخطئا ولما لم يعرف من الامور مضللا، فإذا ورد عليه من الامور ما لم يعرفه أنكره وكذب به وقال بجهالته: وفى النهج [ من أن تثبت ربوبيته باحاطة قلب أو بصر] وهو الصواب. الجناب: الناحية. والريع: كثير العشب. ووعثاء الطريق: مشقته. في النهج [ خشونة السفر وجشوبة المطعم] والجشوبة بضم الجيم: الغلظ أو كون الطعام بلا أدم. هجم عليه أى انتهى اليه بغتة. () صفحة [74] ما اعرف هذا وما أراه كان وما أظن أن يكون وأنى كان؟ وذلك لثقته برأيه وقلة معرفته بجهالته، فما ينفك بما يرى مما يلتبس عليه رأيه مما لا يعرف للجهل مستفيدا وللحق منكرا وفي الجهالة متحيرا وعن طلب العلم مستكبرا. أي بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم وأحسن كما تحب أن يحسن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس لك ما ترضى به لهم منك ولا تقل بما لا تعلم، بل لا تقل كلما تعلم، ولا تقل مالا تحب أن يقال لك. واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب فإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك. واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة وأهوال شديدة وأنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقلا ووبالا عليك وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك في حال غناك و اجعل وقد قضائك في يوم عسرتك. واعلم أن أمامك عقبة كؤودا لا محالة مهبطا بك على جنة أو على نار، المخف () صفحة [75] فيها أحسن حالا من المثقل فارتد لنفسك قبل نزولك واعلم أن الذي بيده ملكوت خزائن الدنيا والآخرة قد أذن بدعائك وتكفل بإجابتك وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم، لم يجعل بينك وبينه ترجمانا. ولم يحجبك عنه. ولم يلجئك إلى من يشفع إليه لك. ولم يمنعك إن أسأت التوبة. ولم يعيرك بالانابة. ولم يعاجلك بالنقمة. ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة. ولم يناقشك بالجريمة. ولم يؤيسك من الرحمة. ولم يشدد عليك في التوبة فجعل النزوع عن الذنب حسنة. وحسب سيئتك واحدة. وحسب حسنتك عشرا. وفتح لك باب المتاب والاستيناف، فمتى شئت سمع نداءك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك وأنبأته عن ذات نفسك وشكوت إليه همومك واستعنته على امورك وناجيته بما تستخفي به من الخلق من سرك ثم جعل بيدك مفاتيح خزائنه فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه، فألحح ولا يقنطك إن أبطأت عنك الاجابة فإن العطية على قدر المسألة وربما اخرت عنك الاجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية وربما سألت الشئ فلم تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله [ أ] وينفى عنك وباله والمال لا يبقى له ولا تبقى له، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم. والمخف بالضم فالكسر: الذى خفف حمله، بعكس المثقل. وفى النهج [ المخف فيها أحسن حالا من المثقل والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أو على نار] وفى بعض النسخ [ مهبطها بك]. فارتد لنفسك أصله من راد يرود إذا طلب وتفقد وتهيأ مكانا لينزل اليها والمراد ابعث رائدا. التوبة مفعول لقوله (عليه السلام) " ولم يمنعك ". وفى النهج [ ولم يمنعك ان أسأت من التوبه]. والانابة الرجوع إلى الله. النزوع: الرجوع والكف. المتاب: التوبة. والاستئناف: الاخذ في الشئ وابتداؤه. وفى بعض النسخ [ استيتاب]. افضيت: ألقيت وأبلغت اليه. المناجاة: المكالمة سرا. يقال: ألح في السؤال: ألحف فيه وأقبل عليه مواظبا. () صفحة [76] واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة وأنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق إلى الآخرة، إنك طريد الموت الذي لا ينجو [ منه] هاربه ولابد أنه يدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك فيها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك. أي بني أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضى بعد الموت إليه واجعله أمامك حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ولا يأخذك على غرتك. وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الاليم، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك. وقد نبأك الله عنها ونعت لك نفسها وكشفت عن مساويها، فاياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها، وإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها وكبيرها صغيرها، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل وسلكت بهم طريق العمى وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب فتاهوا في حيرتها وغرقوا في فتنتها. واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها. فإياك يا بني أن تكون قد شانته كثرة عيوبها، نعم معقلة واخرى مهملة والبلغة: ما يبلغ به من العيش والمراد أنها دار تؤخذ فيها الكفاية للاخرة. الحذر - بالكسر -: الاحتراز والاحتراس. والغرة - بالكسر فالتشديد -: الغفلة. النعى: الاخبار بالموت والمراد أن الدنيا تخبر بحالها من التغير والتحول عن فنائها. التكالب، التواثب وتكالبهم عليها أى شديد حرصهم عليها. ضارية: مولعة بالافتراس. يهر أى يكره أن ينظر بعضها بعضا ويمقت. العمى والعماءة: الغواية. فتاهوا أى ضلوا الطريق. والحيرة: التحير والتردد. الشين: ضد الزين. أى إياك أن تكون الذى شانته كثرة عيوب الدنيا. وعقل البعير بالتشديد شد وظيفه إلى ذراعه. والنعم - محركة -: الابل أى أهلها على قسمين قسم كأبل منعها عن الشر عقالها وهم الضعفاء وأخرى مهملة تأتى من السوء ما تشاء وهم الاقوياء. () صفحة [77] قد أضلت عقولها وركبت مجهولها سروح عاهة بواد وعث ليس لها راع يقيمها. رويدا حتى يسفر الظلام كأن قد وردت الظعينة يوشك من أسرع أن يؤوب. واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير، أبى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة. أي بني فإن تزهد فيما زهدك الله فيه من الدنيا وتعزف نفسك عنها فهي أهل ذلك وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك وأنك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب وليس كل طالب بناج وكل مجمل بمحتاج. وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى رغبة، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا وما خير خير لا ينال إلا بشر والعاهة: الافة. والوعث: الطريق الغليظ العسر يصعب السير فيه. وفى النهج " ليس لها راع يقيمها ولا مقيم يسيمها ". رويدا مصدر أرود مصغرا تصغير الترخيم: مهلا. ويسفر أى يكشف. والمعنى عن قريب يكشف ظلام الجهل عما خفى من الحقيقة بحلول الموت. الظعينة: الهودج. عبر به (عليه السلام) عن المسافرين في طريق الدنيا إلى الاخرة كان حالهم أن وردوا على غاية سيرهم. وقوله: " يؤوب " أى يرجع. المطية: الدابة التى تركب. وفى بعض النسخ [ وإن كان واقفا لا يسير إلى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الاخرة]. فاخفض أى وأرفق من الخفض بمعنى السهل. وأجمل فيما تكتسب أى اسع سعيا جميلا لا بحرص ولا بطمع. الحرب - محركة -: سلب المال من حرب الرجل: سلبه ماله وتركه بلا شئ وأيضا بمعنى الهلاك والويل. الدنية: مونث الدنى، الساقط الضعيف، الخصلة المذمومة المحقورة وأيضا النقيصة. والمراد أن طلب المال لصيانة النفس وحفظه فلو أتعبت وبذلت نفسك لتحصيل المال فقد ضيعت ما هو المقصود منه فلا عوض لما ضيع. و " لن تعتاض " أى لن تجد عوضا. () صفحة [78] ويسر لا ينال إلا بعسر. وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة. وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك. وإن اليسير من الله تبارك وتعالى أكثر وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه. ولو نظرت - ولله المثل الاعلى - فيما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تصيب من الملوك افتخارا، وأن عليك في كثير ما تصيب من الدناة عارا فاقتصد في أمرك تحمد مغبة عملك. إنك لست بائعا شيئا من دينك وعرضك بثمن. والمغبون من غبن نصيبه من الله، فخذ من الدنيا ما أتاك واترك ما تولى، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب. وإياك ومقاربة من رهبته على دينك وباعد السلطان ولا تأمن خدع الشيطان وتقول: متى أرى ما أنكر نزعت، فإنه كذا هلك من كان قبلك من أهل القبلة وقد أيقنوا بالمعاد، فلو سمعت بعضهم بيع آخرته بالدنيا لم يطب بذلك نفسا، ثم قد يتخبله الشيطان بخدعه ومكره حتى يورطه في هلكته بعرض من الدنيا حقير والمطايا جمع المطية: وهى الدابة التى تركب. والمناهل جمع المنهل: موضع الشرب على الطريق وما ترده الابل ونحوها للشرب. الدناة: جمع الدانى أو الدنى وهو الخسيس. المغبة: عاقبة الشئ. الخدع جمع الخدعة. " فلو سمت " أى فلو عرضت للبيع، من سام السلعة يسوم أى عرضها وذكر ثمنها. والمعنى أنك لو عرضت ببعضهم بأن يبيع آخرته بالدنيا لم يرض بذلك ولم يطب نفسه بهذه التجارة. يورطه: يلقاه في الورطة ويوقعه فيما لا خلاص له منه وقوله: " بعرض من الدنيا " أى بحطام من الدنيا ومتاعها. يعنى إن الشيطان ما زال يسول له بشئ حقير من متاع الدنيا حتى يئس من رحمة الله ويخرجه منها فينجر الامر في متابعته إلى ما خالف الاسلام. () صفحة [79] وينقله من شر إلى شر حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط فيجد الوجه إلى ما خالف الاسلام وأحكامه، فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا وقرب السلطان فخالفت ما نهيتك عنه بما فيه رشدك، فاملك عليك لسانك فإنه لا ثقة للملوك عند الغضب ولا تسأل عن أخبارهم ولا تنطق عند إسرارهم ولا تدخل فيما بينك وبينهم. وفي الصمت السلامة من الندامة. وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك. ولا تحدث إلا عن ثقة فتكون كاذبا والكذب ذل. وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف وحزن اليأس خير من الطلب إلى الناس. والعفة مع الحرفة خير من سرور مع فجور والمرء أحفظ لسره. ورب ساع فيما يضره. من أكثر [ أ] هجر ومن تفكر أبصر. ومن خير حظ امرئ قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم وباين أهل الشر تبن عنهم ولا يغلبن عليك سوء الظن، فإنه لا يدع بينك وبين خليل صلحا. وقد يقال: من الحزم سوء الظن. بئس الطعام الحرام. وظلم الضعيف أفحش الظلم. والفاحشة كاسمها التصبر على والفرط: القصر والمراد أن سابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصر السكوت فسهل تداركه. والماء يحفظ في القربه بشد وكائها أى رباطها فكذلك اللسان. وفيه تنبيه عليه وجوب ترجيح الصمت على كثرة الكلام وذلك لان الكلام يسمع وينقل فلا يستطاع إعادته صمتا. أى ولا تقل إلا عن صدق وثقة. " مع الكفاف " أى بقدر الكفاية. وفى النهج " مرارة اليأس ". وفى النهج " والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور ". أى الاولى أن لا تبوح بسرك إلى أحد فانت احفظ من غيرك فان أذعته انتشر فلم تلم إلا نفسك لانك كنت عاجزا عن حفظ سر نفسك فغيرك أعجز إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذى يستودع السر أضيق. ربما كان الانسان يسعى فيما يضره لجهله أو سوء قصده. يقال: فلان أهجر في منطقه أى تكلم بالهذيان، وكثير الكلام لا يخلو من الاهجار. أى تبين عنهم والفعل مجزوم لجواب الشرط. () صفحة [80] المكروه نقص للقلب [ يعصم القلب ظ]، وإن كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا وربما كان الدواء داء والداء دواء. وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح. وإياك و الاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى وتثبط عن خير الآخرة والدنيا، ذك قلبك بالادب كما تذكى النار بالحطب. ولا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل. وكفر النعمة لؤم. وصحبة الجاهل شوم. والعقل حفظ التجارب. وخير ما جربت ما وعظك ومن الكرم لين الشيم بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. من الحزم العزم. من سبب الحرمان التواني. ليس كل طالب يصيب. ولا كل راكب يؤوب. ومن الفساد إضاعة الزاد ولكل أمر عاقبة. رب يسير أنمى من كثير. سوف يأتيك ما قدر لك. التاجر مخاطر ولا خير في معين مهين. لا تبيتن من أمر على غرر من حلم ساد. ومن تفهم أزداد. ولقاء أهل الخير عمارة القلوب. ساهل الدهر ما دل لك قعوده وإياك أن تجمح بك والمراد أنه إذا كان في مقام يلزمه العنف لمصلحة كمقام التأديب واجراء الحدود يكون إبداله بالرفق عنفا ويكون العنف في هذا المقام من الرفق، فلا يجوز وضع كل منهما موضع الاخر. المستنصح - اسم مفعول -: المطلوب منه النصح. المنى: جمع منية - بالضم فالسكون -: ما يتمناه الانسان لنفسه ويعلل نفسه باحتمال الوصول إليه. والبضائع: جمع بضاعة وهى من المال ما أعد للتجارة. والنوكى - كسكرى -: جمع الانوك أى الاحمق وأيضا المقهور والمغلوب والمراد هنا الضعيف النفس في الرأى والعمل. وفى النهج " الموتى " لان المتجر بها الموتى. والتثبط: التعويق. فاذا تمنيت فاعمل لامنيتك. يقال: " هو حاطب ليل " أى يخلط في كلامه. الشيم - بالكسر والفتح -: جمع شيمة وهى الخلق والطبيعة. والمراد به الاخلاق الحسنة. أى بنفسه وماله. والمهين إما بضم الميم بمعنى فاعل الاهانة ولا يصلح لان يكون معينا فيفسد ما يصلح، أو بفتحها بمعنى الحقير فانه أيضا لا يصلح لضعف قدرته. وفى النهج بعد هذا الكلام " ولا في صديق ظنين " والظنين - بالظاء: المتهم: - وبالضاد -: البخيل. الغرر منه - بالتحريك - المغرور به. وفى النهج " ولا تبين من أمر على غدر ". القعود - بالفتح -: من الابل ما يقتعده الراعى في كل حاجة أى يتخذ مركبا ويقال أيضا للابل: الفصيل من قياده. يقال: جمحت المطية: تغلب على راكبه وذهب به. وجمحت به أى طرحت به وحمله على ركوب المهالك. اللجاج - بالفتح - الخصومة. أى أنى أحذرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارها. () صفحة [81] مطية اللجاج وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة. ولا تخن من ائتمنك وإن خانك ولا تذع سره وإن أذاعة. ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه. واطلب فإنه يأتيك ما قسم لك، خذ بالفضل وأحسن البذل. وقل للناس حسنا. وأي كلمة حكم جامعة أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لها. إنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه أن تندم أو تتفضل عليه. واعلم أن من الكرم الوفاء بالذمم والدفع عن الحرم والصدود آية المقت و كثرة العلل آية البخل. ولبعض إمساكك عن أخيك مع لطف خير من بذل مع جنف. ومن التكرم صلة الرحم ومن يرجوك أو يثق بصلتك إذا قطعت قرابتك؟ والتحريم وجه القطيعة. احمل نفسك مع أخيك عند صرمه على الصلة وعند صدوده على اللطف والمسألة وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو وعند شدته على اللين وعند جرمه على الاعتذار حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك. وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه وأن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك ولا تعمل بالخديعة فإنها خلق اللئام. وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة. وساعده على كل حال وزل معه حيث زال. ولا تطلبن مجازاة أخيك ولو حثا والحرم - بضم الاول والثانى -: جمع الحريم -: ما يدافع عنه ويحمى. والصدود: الاعراض والميل عن الشئ. والمقت:شدة البغض. الجنف: الجور، ربما كان الامساك مع حسن الخلق خير من البذل مع الجور. قال الله تعالى في سورة البقرة آية 265: " قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ". في بعض نسخ الحديث [ ومن الكرم صلة الرحم]. ولعل قوله (عليه السلام) ومن يرجوك عطف على قوله: " الرحم " يعنى صلة من يرجوك الخ. والتحريم من الصلة سبب لقطع القرابة. في بعض نسخ الحديث [ احمل نفسك من أخيك]. والصرم - بالضم أو الفتح -: القطيعة. وقوله (عليه السلام): " على الصلة " متعلق باحمل نفسك. أى ألزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك. وهكذا بعده. والمراد بالجمود: البخل. () صفحة [82] التراب بفيك. وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحرى للظفر. وتسلم من الناس بحسن الخلق وتجرع الغيظ، فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب. ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك. ما أقبح عن القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد الاخاء والعداوة بعد المودة والخيانة لمن ائتمنك وخلف الظن لمن ارتجاك والغدر بمن استأمن إليك. فإن أنت غلبتك قطيعة أخيك فاستبق لها من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا ذلك له يوما [ ما] ومن ظن …
تحف العقول — باب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام · كتابه إلى ابنه الحسن (عليهما السلام