أعوانك. ثم اعلم أنه ليس شئ بأدعى لحسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم و تخفيفه المؤونات عليهم وقلة استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن في ذلك أمر يجتمع لك به حسن ظنك برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وأحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده. فاعرف هذه المنزلة لك وعليك لتزدك بصيرة في حسن الصنع واستكثار حسن البلاء عند العامة مع ما يوجب الله بها لك في المعاد. ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة واجتمعت بها الالفة وصلحت وقوله: " فيما يكون منك " أى يقع ويصدر. أى لا يساعدك على ما كره الله حال كونه نازلا من ميلك إليه. ومن قوله (عليه السلام) " ثم ليكن " على هنا تنبيه على من ينبغى أن يتخذ عونا ووزيرا وميزه باوصاف أخص. رضهم اى عودهم على أن لا يطروك أى يزيدوا في مدحك من أطرى إطراء: أحسن الثناء وبالغ في المدح. ولا يبجحوك أى ولا يفرحوك بنسبة عمل إليك. قوله: " تدنى " أى تقرب. والزهو: العجب. والغرة - بالكسر -: الحمية والانفة. وهذا كله أمر بأن يلازم أهل الورع والصدق منهم ثم أن يروضهم ويؤدبهم بالنهى عن الاطراء له أو يوجبوا له سرورا بقول باطل ينسبونه فيه إلى فعل ما يفعله. والتدريب: الاعتياد والتجرى. وقوله: " وما ألزم نفسه " في مقابلة الاحسان أو الاساءة بمثلها. اى اختبارك عنده. () صفحة [131] عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشئ مما مضى من تلك السنن، فيكون الاجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء مثافنة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أهل بلادك وإقامة ما استقام به الناس من قبلك، فإن ذلك يحق الحق ويدفع الباطل ويكتفى به دليلا ومثالا لان السنن الصالحة هي السبيل إلى طاعة الله. ثم اعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة. ومنها قضاة العدل. ومنها عمال الانصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات. ومنها طبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حد فريضته في كتابه أو سنة نبيه (صلى الله عليه وآله). وعهدا عندنا محفوظا. فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبيل الامن والخفض وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يصلون به إلى جهاد عدوهم ويعتمدون عليه ويكون من وراء حاجاتهم ثم لا بقاء لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من الامور ويظهرون من الانصاف ويجمعون من المنافع ويؤمنون عليه من خواص الامور وعوامها. ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجمعون وفى بعض نسخ النهج [ ومنافثة] أى المحادثة. " مسلمة الناس " قال بعض شراح النهج: هذا تفصيل لاهل الخراج ويجوز أن يكون تفسير لاهل الجزية والخراج معا لان للامام أن يقبل أهل الخراج من سائر المسلمين وأهل الذمة. أراد (عليه السلام) بالسهم الذى سماه الله الاستحقاق لكل من ذوى الاستحقاق في كتابه إجمالا من الصدقات كالفقراء والمساكين وعمال الخراج والصدقة وفصله في سنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، وحده الذى وضع الله عليه عهدا منه أهل بيت نبيه هو مرتبته ومنزلته من أهل المدينة الذين لا يقوم الا بهم فان للجندى منزلة وحدا محدودا وكذلك العمال والكتاب والقضاة وغيرهم فان لكل منهم حدا يقف عنده وفريضة يلزمها عليها عهدا من الله محفوظا عند نبيه وأهل بيته (عليهم السلام). يعنى الراحة والسعة والعيش. () صفحة [132] من مرافقهم ويقيمون من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم وفي فئ الله لكل سعة ولكل على الوالي حق بقدر يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر فيما خف على وثقل. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك وأنقاهم جيبا وأفضلهم حلما وأجمعهم علما وسياسة ممن يبطئ عن الغضب ويسرع إلى العذر، ويرأف بالضعفاء وينبو على الاقوياء ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم الصق بذوي الاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف، يهدون إلى حسن الظن بالله والايمان بقدره. ثم تفقد أمورهم بما يتفقد الوالد من ولده ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به. ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة وحسن الظن بك. فلا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه. وأيضا: الصدر والقلب، يقال: فلان نقى الجيب أى أمين الصدر والقلب. وأيضا: الامين، يقال: رجل ناصح الجيب أى أمين لا غش فيه. النبو: العلو والارتفاع وينبو أى يشتد ويعلو عليهم ليكف أيديهم عن الظلم. والعنف - مثلث العين -: الشدة والمشقة، ضد الرفق. ويحتمل أن يكون بمعنى اللوم كما جاء في اللغة أيضا. أى مجموع منه. والعرف: المعروف. ومراده (عليه السلام) شرح أوصاف الذين يؤخذ منهم الجند ويكون منهم رؤساؤه. تفاقم الامر: عظم أى لا تعد ما قويتهم به عظيما ولا ما تلطفك حقيرا بل لكل موضع وموقع. () صفحة [133] وليكن آثر رؤوس جنودك من واساهم في معونته وأفضل عليهم في بذله ممن يسعهم ويسع من ورائهم من الخلوف من أهلهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو. ثم واتر إعلامهم ذات نفسك في إيثارهم والتكرمة لهم والارصاد بالتوسعة. وحقق ذلك بحسن الفعال والاثر والعطف، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك. وإن أفضل قرة العيون للولاة استفاضة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية لانه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم. ولا تصح نصيحتهم إلا بحوطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولتهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم. ثم لا تكلن جنودك إلى مغنم وزعته بينهم بل أحدث لهم مع كل مغنم بدلا مما سواه مما أفاء الله عليهم، تستنصر بهم به ويكون داعية لهم إلى العودة لنصر الله ولدينه. واخصص أهل النجدة في أملهم إلى منتهى غاية آمالك من النصيحة بالبذل وحسن الثناء عليهم ولطيف التعهد لهم رجلا رجلا وما أبلى في كل مشهد، فإن كثرة الذكر منك لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله. ثم لا تدع أن يكون لك من واساهم أى ساعدهم وعاونهم. وأفضل عليهم أى أفاض وأحسن إليهم، فلا يقتر عليهم في الفرض ولا ينقص منهم شيئا ويجعل البذل شاملا لمن تركوهم في الديار. والخلوف - مضمومتين جمع خلف بفتح فسكون -: من يخلف في الديار من النساء والعجزة. واتر: أمر من المواترة وهى إرسال الكتب بعضها أثر بعض والاعلام: الاطلاع. ويحتمل أن يكون وآثر بالثاء: أمر من الافعال أى أكرم وفضل. والاعلام: جمع علم: سيد القوم ورئيسهم. الاستفاضة: الانتشار والاتساع. وفى النهج [ الاستقامة]. الحوطة: الحيطة: مصدر حاطه بمعنى حفظه وتعهده أى بحفظهم على ولاتهم وحرصهم على بقائهم. استثقل الشئ: عده وجده ثقيللا. واستبطأ الشئ: عده اوجده بطيئا، فيعدون زمنهم قصيرا. النجدة: الشدة والبأس والشجاعة. والناكل: الجبان الضعيف والمراد هنا المتاخر القاعد. () صفحة [134] عليهم عيون من أهل الامانة والقول بالحق عند الناس فيثبتون بلاء كل ذي بلاء منهم ليثق أولئك بعلمك ببلائهم. ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون غاية بلائه وكاف كلام منهم بما كان منه واخصصه منك بهزة. ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ولا ضعة امرئ على أن تصغر من بلائه ما كان عظيما. ولا يفسدن امرءا عندك علة إن عرضت له ولا نبوة حديث له، قد كان له فيها حسن بلاء، فإن العزة لله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين. وإن استشهد أحد من جنودك وأهل النكاية في عدوك فاخلفه في عياله بما يخلف به الوصي الشفيق الموثق به حتى لا يرى عليهم أثر فقده، فإن ذلك يعطف عليك قلوب شيعتك ويستشعرون به طاعتك ويسلسون لركوب معاريض التلف الشديد في ولايتك. وقد كانت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)سنن في المشركين ومنا بعده سنن، قد جرت بها سنن وأمثال في الظالمين ومن توجه قبلتنا وتسمى بديننا. وقد قال الله لقوم أحب إرشادهم: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " ونبوة الزمان: خطبه وجفوته. يسلسون: ينقادون ويسهل عليهم. سورة النساء آية 62. سورة النساء آية 85. () صفحة [135] فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المتفرقة ونحن أهل رسول الله الذين نستنبط المحكم من كتابه ونميز المتشابه منه ونعرف الناسخ مما نسخ الله ووضع إصره. فسر في عدوك بمثل ما شاهدت منا في مثلهم من الاعداء وواتر إلينا الكتب بالاخبار بكل حدث يأتك منا أمر عام والله المستعان. ثم انظر في أمر الاحكام بين الناس بنية صالحة فإن الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم والاخذ للضعيف من القوي وإقامة حدود الله على سنتها و منهاجها مما يصلح عباد الله وبلاده. فاختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء ممن لا تضيق به الامور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في إثبات الزلة ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرما بمراجعة الخصوم وأصبرهم على تكشف الامور وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراق ولا يصغى للتبليغ. فول وفى بعض النسخ [ في انبات الزلة ولا يحصر من العى]. الاشراف على الشى: الاطلاع عليه من فوق. أى ينبغى له التامل في الحكم فلا يكتفى بما يبدو له باول فهم. التبرم: الضجر. والملل. وأصرمهم: أقطعهم للخصومة عند وضوح الحكم. لا يزدهيه: افتعال من الزهو: العجب والفخر. والاطراء: المبالغة في المدح أى لا تحمله على الكبر والعجب ولا يستخفه زيادة الثناء عليه. وفى النهج [ ولا يستميله اغراء]. () صفحة [136] قضاءك من كان كذلك وهم قليل. ثم أكثر تعهد قضائه وافتح له في البذل ما يزيح علته ويستعين به وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال إياه عندك. وأحسن توقيره في صحبتك وقربه في مجلسك وأمض قضاءه وأنفذ حكمه واشدد عضده واجعل أعوانه خيار من ترضى من نظرائه من الفقهاء وأهل الورع والنصيحة لله ولعباد الله، ليناظرهم فيما شبه عليه ويلطف عليهم لعلم ما غاب عنه ويكونون شهداء على قضائه بين الناس إن شاء الله. ثم حملة الاخبار لاطرافك قضاة تجتهد فيهم نفسه لا يختلفون ولا يتدابرون في حكم الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)فإن الاختلاف في الحكم إضاعة للعدل وغرة في الدين وسبب من الفرقة. وقد بين الله ما يأتون وما ينفقون وأمر برد ما لا يعلمون إلى من استودعه الله علم كتابه واستحفظه الحكم فيه، فإنما اختلاف القضاة في دخول البغى بينهم واكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون من فرض الله ولايته، ليس يصلح الدين ولا أهل الدين على ذلك. ولكن على الحاكم أن يحكم بما عنده من الاثر والسنة، فإذا أعياه ذلك رد الحكم إلى أهله، فإن غاب أهله عنه ناظر غيره من فقهاء المسلمين ليس له ترك ذلك إلى غيره وليس لقاضيين من أهل الملة أن يقيما على اختلاف في [ ال] حكم دون ما رفع ذلك إلى ولي الامر فيكم فيكون هو الحاكم بما علمه الله، ثم يجتمعان على حكمه فيما وافقهما أو خالفهما فانظر في ذلك نظرا بليغا فإن هذا الدين قد كان أسيرا بأيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا. واكتب إلى قضاة بلدانك فليرفعوا إليك كل حكم اختلفوا فيه على حقوقه. ثم تصفح تلك الاحكام فما وافق كتاب الله وسنة نبيه والاثر من إمامك فأمضه واحملهم عليه. وما اشتبه عليك فاجمع له الفقهاء وقيل الصحيح " ثم اختيار حملة الاخبار لاطرافك قضاة تجتهد فيه نفوسهم " وإن نعثر على نسخة مصححة بعد نشر إليها في آخر الكتاب. وفى دعائم الاسلام " واختر لاطرافك قضاة تجهد فيهم نفسك - إلخ " مع اختلاف كثير. الغرة - بالكسر -: الغفلة. أعياه: أعجزه ولم يهتد لوجه مراده. () صفحة [137] بحضرتك فناظرهم فيه ثم أمض ما يجتمع عليه أقاويل الفقهاء بحضرتك من المسلمين، فإن كل أمر اختلف فيه الرعية مردود إلى حكم الامام وعلى الامام الاستعانة بالله والاجتهاد في إقامة الحدود وجبر الرعية على أمره ولا قوة إلا بالله. ثم انظر إلى أمور عمالك واستعملهم اختبارا ولا تولهم امورك محاباة و أثرة، فإن المحاباة والاثرة جماع الجور والخيانة وإدخال الضرورة على الناس وليست تصلح الامور بالادغال فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام. فإنهم أكرم أخلاقا وأصح أعراضا وأقل في المطامع إشرافا وأبلغ في عواقب الامور نظرا من غيرهم فليكونوا أعوانك على ما تقلدت. ثم أسبغ عليهم في العمالات ووسع عليهم في الارزاق فإن في ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك ثم تفقد إعمالهم وابعث العيون عليهم من أهل الصدق والوفاء، فإن تعهدك في السر أمورهم حدوة لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة فوسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة. وتفقد ما يصلح أهل الخراج فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، فليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج فإن الجلب لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم له أمره إلا قليلا، فاجمع إليك أهل الخراج من كل بلدانك ومرهم فليعلموك حال بلادهم وما والاثرة - بالتحريك -: اختصاص المرء نفسه بأحسن الشئ دون غيره ويعمل كيف يشاء، يعنى استعمل عمالك بالاختبار والامتحان لا اختصاصا واستبدادا. الادغال: الافساد وإدخال في الامر بما يخالفه ويفسده. نقصوا وخانوا في أدائها وأحدثوا فيها. الحدوة: السوق والحث. في النهج [ وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله]. () صفحة [138] فيه صلاحهم ورخاء جبايتهم ثم سل عما يرفع إليك أهل العلم به من غيرهم، فان كانوا شكوا ثقلا أو علة من انقطاع شرب أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بهم العطش أو آفة خففت عنهم ما ترجو أن يصلح الله به أمرهم. وإن سألوا معونة على إصلاح ما يقدرون عليه بأموالهم فاكفهم مؤونته، فإن في عاقبة كفايتك إياهم صلاحا. فلا يثقلن عليك شئ خففت به عنهم المؤونات، فإنه ذخر يعودون به عليك لعمارة بلادك وتزيين ولايتك مع إقتنائك مودتهم وحسن نياتهم واستفاضة الخير وما يسهل الله به من جلبهم، فإن الخراج لا يستخرج بالكد والاتعاب مع أنها عقد تعتمد عليها إن حدث حدث كنت عليهم معتمدا لفضل قوتهم بما ذخرت عنهم من الجمام و الثقة منهم بما عودتهم من عدلك ورفقك ومعرفتهم بعذرك فيما حدث من الامر الذي اتكلت به عليهم فاحتملوه بطيب أنفسهم، فإن العمران محتمل ما حملته وإنما يؤتى خراب الارض لاعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لاسراف الولاة وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر. فاعمل فيما وليت عمل من يحب أن يدخر حسن الثناء من الرعية والمثوبة من الله والرضا من الامام. ولا قوة إلا بالله. ثم انظر في حال كتابك فاعرف حال كل امرئ منهم فيما يحتاج إليه منهم، فاجعل لهم منازل ورتبا، فول على امورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها () صفحة [139] مكيدتك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الادب ممن يصلح للمناظرة في جلائل الامور من ذوي الرأي والنصيحة والذهن، أطواهم عنك لمكنون الاسرار كشحا ممن لا تبطره الكرامة ولا تمحق به الدالة فيجترئ بها عليك في خلاء أو يلتمس إظهارها في ملاء، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد كتب الاطراف عليك وإصدار جواباتك على الصواب عنك وفيما يأخذ ويعطي منك ولا يضعف عقدا اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. وول ما دون ذلك من رسائلك وجماعات كتب خرجك ودواوين جنودك قوما تجتهد نفسك في إختيارهم، فإنها رؤوس أمرك أجمعها لنفعك وأعمها لنفع رعيتك. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن بهم، فإن الرجال يعرفون فراسات الولاة بتصنعهم وخدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة. ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا وأعرفهم فيها بالنبل والامانة، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره. ثم مرهم بحسن الولاية ولين الكلمة واجعل لرأس كل أمر من امورك رأسا منهم، لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها، ثم تفقد ما غاب عنك من حالاتهم وامور وطوى الحديث: كتمه. وطوى كحشا عنه أى أعرض عنه وقاطعه. وبطر الرجل يبطر بطرا - محركة - إذا دهش وتحير في الحق. وبالامر ثقل به. وبطره النعمة: أدهشه. والدالة: الجرأة. أى ولا تكون غفلته موجبة لتقصيره في اطلاعك على ما يرد من أعمالك ولا في اصدار الاجوبة عنه على وجه الصواب. الفراسة - بالكسر -: حسن النظر في الامور والاستنامة: السكون والاستيناس، أى لا يكون انتخاب الكتاب تابعا لميلك الخاص. وفى النهج [ بتصنعهم وحسن خدمتهم]. النبل - بالضم -: الذكاء و: النجابة والفضل. أى لا يقهره عظيم تلك الاعمال ولا يخرج عن ضبطه كثيرها. () صفحة [140] من يرد عليك رسله وذوي الحاجة وكيف ولايتهم وقبولهم وليهم وحجتهم فإن التبرم والعز والنخوة من كثير من الكتاب إلا من عصم الله وليس للناس بد من طلب حاجاتهم ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه الزمته أو فضل نسب إليك مع مالك عند الله في ذلك من حسن الثواب. ثم التجار وذوي الصناعات فاستوص وأوص بهم خيرا: المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق بيده فانهم مواد للمنافع وجلابها في البلاد في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها من من بلاد أعدائك من أهل الصناعات التي أجرى الله الرفق منها على أيديهم فاحفظ حرمتهم وآمن سلبهم وخذلهم بحقوقهم فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تحذر غائلته، أحب الامور إليهم أجمعها للامن وأجمعها للسلطان، فتفقد امورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع الاحتكار فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)نهى عنه. وليكن البيع والشراء بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا والتبرم: التضجر. تغابيت أى تغافلت عن عيب في كتابك يكون ذلك العيب لاصقا بك. المضطرب بماله: المتردد بأمواله في الاطرف والبلدان. والمترفق بيده: المكتسب به وأصله ما به يتم الانتفاع كالادوات. والجلاب: الذى يجلب الارزاق والمتاع إلى البلدان. يلتئم: يجتمع وينضم أى بحيث لا يمكن اجتماع الناس في مواضع تلك المرافق. و لا يجترئون أى ولا يكون لهم الجرأة على الاقدام من تلك الامكنة من بلاد الاعداء. والرفق - بالفتح النفع. البائقه: الداهية والشر. والغائلة: الفتنة والفساد والشر. أى فان التجار والصناع مسالمون ولا تخشى منهم فتنة ولا داهية. الضيق: عسر المعاملة. البياعات: جمع بياعة: ما يباع. السمحة: السهلة التى لا ضيق فيها وبيع السماح: ما كان فيه تساهل في بخس الثمن وفى الخبر " السماح رباح " أى المساهلة في الاشياء تربح صاحبها. () صفحة [141] تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك فنكل وعاقب في غير إسراف. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)فعل ذلك. ثم ألله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وذوي البؤس، والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا فاحفظ الله ما استحفظك من حقه فيها واجعل لهم قسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد، فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنى. وكلا قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم نظر، فإنك لا تعذر بتضييع الصغير لاحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم. ولا تصعر خدك لهم وتواضع لله يرفعك الله واخفض جناحك للضعفاء واربهم إلى ذلك منك حاجة وتفقد من امورهم ما لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك امورهم، ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء أحوج إلى الانصاف من غيرهم وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم والزمانة والرقة في السن ممن لا وصوافى الاسلام هى ارض الغنيمة. وغلات: جمع غلة وهى الدخل الذى يحصل من الزرع. والتمر واللبن والاجارة والبناء ونحو ذلك وغلات صوافى الاسلام: ثمراتها. في النهج [ بطر]. في بعض النسخ [ الكبير المهم]. " فلا تشخص " أى لا تصرف إهتمامك عن ملاحظه شؤونهم. والصعر: الميل في الخد إعجابا وكبرا أى لا تعرض بوجهك عنهم. كذا. وفى نسخة [ ارئهم]. تقتحمه العيون: تكره أن تنظر إليه احتقارا. " ففرغ " أى فاجعل للتفحص عنهم وعن حالهم اشخاصا ممن تثق بهم يتفرغون أنفسهم لمعرفة أحوالهم ويبذلون جهدهم فيهم. () صفحة [142] حيلة له. ولا ينصب للمسألة نفسه فاجر لهم أرزاقا فإنهم عباد الله فتقرب إلى الله بتخلصهم ووضعهم مواضعهم في أقواتهم وحقوقهم، فإن الاعمال تخلص بصدق النيات. ثم إنه لا تسكن نفوس الناس أو بعضهم إلى أنك قد قضيت حقوقهم بظهر الغيب دون مشافهتك بالحاجات وذلك على الولاة ثقيل. والحق كله ثقيل. وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا نفوسهم ووثقوا بصدق موعود الله لمن صبر واحتسب فكن منهم واستعن بالله. واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وذهنك من كل شغل، ثم تأذن لهم عليك وتجلس لهم مجلسا تتواضع فيه لله الذي رفعك. وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك تخفض لهم في مجلسك ذلك جناحك وتلين لهم كنفك في مراجعتك ووجهك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول في غير موطن: " لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع". ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنك الضيق والانف يبسط الله عليك أكناف رحمته و والشرط - بضم ففتح -: جمع شرطة - بضم فسكون - وهم طائفة من أعوان الولاة وسموا بذلك لانهم اعلموا أنفسهم بالعلامات يعرفون بها. وهم المعروفون الان بالضابطة. الكنف - بالتحريك - الجانب، الظل. التعتعة في الكلام: التردد فيه من عى أو عجز والمراد غير خائف منك ومن أعوانك وفى النهج [ غير متتعتع] في الموضعين ولعله أصح. الخرق - بالضم -: العنف. والعى - بالكسر -: العجز عن النطق أى اطق واصبر، لا تضجر من هذا ولا تغضب لذاك. المراد بالضيق: ضيق الصدر من هم أو سوء خلق. والانف - بالتحريك -: الاستكبار والترفع. أى بعد عن نفسك هذا وذاك. الاكناف: الاطراف. () صفحة [143] يوجب لك ثواب أهل طاعته، فأعط ما أعطيت هنيئا وامنع في إجمال وإعذار و تواضع هناك فإن الله يحب المتواضعين. وليكن أكرم أعوانك عليك الينهم جانبا و أحسنهم مراجعة وألطفهم بالضعفاء، إن شاء الله. ثم إن امورا من امورك لابد لك من مباشرتها، منها إجابة عمالك ما يعيى عنه كتابك. ومنها إصدار حاجات الناس في قصصهم. ومنها معرفة ما يصل إلى الكتاب والخزان مما تحت أيديهم، فلا تتوان فيما هنالك ولا تغتنم تأخيره واجعل لكل أمر منها من يناظر فيه ولاته بتفريغ لقلبك وهمك، فكلما أمضيت أمرا فأمضه بعد التروية ومراجعة نفسك ومشاورة ولي ذلك، بغير احتشام ولا رأي يكسب به عليك نقيضه. ثم أمض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه. واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الاقسام وإن كانت كلها لله إذا صحت فيها النية و سلمت منها الرعية. وليكن في خاص ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ما يجب، فإن الله جعل النافلة لنبيه خاصة دون خلقه فقال: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا "، فذلك أمر اختص الله به نبيه وأكرمه به ليس لاحد سواه وهو لمن سواه تطوع فإنه يقول: " ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم " فوفر ما تقربت به إلى الله وكرمه وأد فرائضه إلى الله كاملا غير مثلوب ولا منقوص بالغا ذلك من وفى النهج [ ووف ما تقربت]. المثلوب: المعيوب. وفى النهج [ المثلوم] أى المخدوش. وبالغا أى وإن بلغ من اتعاب بدنك أى مبلغ. () صفحة [144] بدنك ما بلغ. فإذا قمت في صلاتك بالناس فلا تطولن ولا تكونن منفرا ولا مضيعا فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله)حين وجهني إلى اليمن: كيف نصلي بهم؟ فقال: " صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما. وبعد هذا فلا تطولن احتجابك عن رعيتك. فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالامور. والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور وليست على القول سمات يعرف بها الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب فإنما أنت أحد رجلين: إما امرء سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك؟ من واجب حق تعطيه؟ أو خلق كريم تسديه؟، وإما مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مالا مؤونة عليك فيه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف. فانتفع بما وصفت لك واقتصر فيه على حظك ورشدك إن شاء الله. ثم إن للملوك خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الاشياء، ولا تقطعن لاحد من حشمك ولا حامتك قطيعة ولا تعتمدن في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك والمطلوب المتوسط. وفى النهج [ وأما بعد]. يشاب: يخلط. سمات: جمع سمة - بكسر السين -: العلامة. وفى النهج [ وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب]. الادخال في الحقوق: الافساد فيها. ومن المحتمل " الادغال في الحقوق ". الاستئثار: تقديم النفس على الغير. والتطاول: الترفع والتكبر. الحسم: القطع. والحشم - محركة -: الخدم. وفى النهج [ حاشيتك]. والحامة: الخاصة والقطيعة - من الاقطاع -: المنحة من الارض () صفحة [145] يحملون مؤونتهم على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. عليك بالعدل في حكمك إذا انتهت الامور إليك وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا، وافعل ذلك بقرابتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليه منه. فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك فإن في تلك رياضة منك لنفسك ورفقا منك برعيتك وإعذارا تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق في خفض وإجمال. لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك فيه رضى فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك. ولكن الحذر كل الحذر من مقاربة عدوك في طلب الصلح فإن العدو ربما قارب ليتغفل فخذ …
تحف العقول — باب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام · آدابه (عليه السلام) لاصحابه) (وهى أربعمائة باب للدين والدنيا