السلام): أربعة من أخلاق الانبياء (عليهم السلام): البر والسخاء والصبر على النائبة والقيام بحق المؤمن. وقال (عليه السلام): لا تعدن مصيبة اعطيت عليها الصبر واستوجبت عليها من الله ثوابا بمصيبة، إنما المصيبة أن يحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها. () صفحة [376] وقال (عليه السلام): إن لله عبادا من خلقه في أرضه يفزع إليهم في حوائح الدنيا والآخرة اولئك هم المؤمنون حقا، آمنون يوم القيامة. ألا وإن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه. ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين. وقال (عليه السلام): إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا إخوانكم وبروا إخوانكم ولو بحسن السلام ورد الجواب. قال سفيان الثوري: دخلت على الصادق (عليه السلام) فقلت له: أوصني بوصية أخفظها من بعدك؟ قال (عليه السلام): وتحفظ يا سفيان؟ قلت: أجل يا ابن بنت رسول الله قال (عليه السلام): يا سفيان لا مروة لكذوب. ولا راحة لحسود. ولا إخاء لملوك. ولا خلة لمختال. ولا سؤدد لسيئ الخلق. ثم امسك (عليه السلام) فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني؟ فقال (عليه السلام): يا فيان ثق بالله تكن عارفا. وارض بما قسمه لك تكن غنيا. صاحب بمثل ما يصاحبونك به تزدد إيمانا، ولا تصاحب الفاجر فيعلمك من فجوره. وشاور في أمرك الذين يخشون الله عزوجل. ثم أمسك (عليه السلام) فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني؟ فقال (عليه السلام): يا سفيان من أراد عزا بلا سلطان وكثرة بلا إخوان وهيبة بلا مال فلينتقل من ذل معاصي الله إلى عز طاعته. ثم أمسك (عليه السلام) فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني؟ فقال (عليه السلام): يا سفيان أدبني أبي (عليه السلام) بثلاث ونهاني عن ثلاث: فأما اللواتي أدبني بهن فانه قال لي: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم. ومن لا يقيد ألفاظه يندم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم. قلت: يا ابن بنت رسول الله فما الثلاث اللواتي نهاك عنهن؟ قال (عليه السلام): نهاني أن اصاحب حاسد نعمة وشامتا بمصيبة أو حامل نميمة. () صفحة [377] وقال (عليه السلام): ستة لا تكون في مؤمن: العسر. والنكد. والحسد. واللجاجة والكذب. والبغي. وقال (عليه السلام): المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الله فيه. وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يمسي إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف. وقال (عليه السلام): من رضي بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل. ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته وزكت مكسبته وخرج من حد العجز. وقال سفيان الثوري: دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ فقال (عليه السلام): والله إني لمحزون وإني لمشتغل القلب فقلت له: وما أحزنك؟ وما أشغل قلبك؟ فقال (عليه السلام) لي: يا ثوري إنه من داخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه. يا ثوري ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل الدنيا إلا أكل أكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الدنيا دار زوال ودار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة. إن أهل التقوى أخف أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكروك أعلموك فأنزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شئ منه. فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه. وكم من تارك لامر قد سعد به حين أتاه. وقيل له: ما الدليل على الواحد؟ فقال (عليه السلام): ما بالخلق من الحاجة. وقال (عليه السلام): لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة. وقال (عليه السلام): المال أربعة آلاف واثنا عشر ألف درهم كنز.ولم يجتمع عشرون ألفا من حلال. وصاحب الثلاثين ألفا هالك. وليس من شيعتنا من يملك مائة ألف درهم. وقال (عليه السلام): من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله. ولا يحمدهم () صفحة [378] على ما رزق الله. ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن رزقه لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كره كاره. ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه قبل موته كما يدركه الموت. وقال (عليه السلام): من شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحنه أذنه ولا يمتدح بنا معلنا. ولا يواصل لنا مبغضا. ولا يخاصم لنا وليا ولا يجالس لنا عائبا. قال له مهزم: فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة؟ قال (عليه السلام): فيهم التمحيص وفيهم التمييز وفيهم التنزيل، تأتي عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم. واختلاف يبددهم. شيعتنا من لا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل وإن مات جوعا. قلت: فأين أطلب هؤلاء؟ قال (عليه السلام): اطلبهم في أطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا. وإن مرضوا لم يعادوا. وإن خطبوا لم يزوجوا. وإن رأوا منكرا أنكروا. وإن خاطبهم جاهل سلموا وإن لجأ إليهم ذو الحاجة منهم رحموا. وعند الموت هم لا يحزنون. لم تختلف قلوبهم وإن رأيتهم اختلفت بهم البلدان. وقال (عليه السلام): من أراد أن يطول عمره فليقم أمره. ومن أراد أن يحط وزره فليرخ ستره. ومن أراد أن يرفع ذكره فليخمل أمره. وقال (عليه السلام): ثلاث خصال هن أشد ما عمل به العبد: إنصاف المؤمن من نفسه ومواساة () صفحة [379] المرء لاخيه. وذكر الله على كل حال. قيل له: فما معنى ذكر الله على كل حال؟ قال (عليه السلام): يذكر الله عند كل معصية يهم بها فيحول بينه وبين المعصية. وقال (عليه السلام): الهمز زيادة في القرآن. وقال (عليه السلام): إياكم والمزاح، فإنه يجر السخيمة ويورث الضغينة وهو السب الاصغر. وقال الحسن بن راشد قال أبوعبدالله (عليه السلام): إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكرها لبعض إخوانك، فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية وإما معونة بجاه أو دعوة مستجابة أو مشورة برأي. وقال (عليه السلام): لا تكونن دوارا في الاسواق ولا تكن شراء دقائق الاشياء بنفسك، فإنه يكره للمرء ذي الحسب والدين أن يلي دقائق الاشياء بنفسه إلا في ثلاثة أشياء شراء العقار والرقيق والابل. وقال (عليه السلام): لا تكلم بما لا يعنيك ودع كثيرا من الكلام فيما يعنيك حتى تجد له موضعا. فرب متكلم تكلم بالحق بما يعنيه في غير موضعه فتعب. ولا تمارين سفيها ولا حليما، فإن الحليم يغلبك والسفيه يرديك. واذكر أخاك إذا تغيب بأحسن ما تحب أن يذكرك به إذا تغيبت عنه، فإن هذا هو العمل. واعمل عمل من يعلم أنه مجزي بالاحسان مأخوذ بالاجرام. وقال له يونس: لولائي لكم وما عرفني الله من حقكم أحب إلي من الدنيا راجع رجال النجاشى ترجمة أبان ابن تغلب. في بعض النسخ [ إياك]. هو الحسن بن راشد مولى بنى العباس بغدادى كوفى من اصحاب الصادق (عليه السلام) وادرك الكاظم (عليه السلام) وروى عنه أيضا. ويمكن أن يكون هو حسن بن راشد طفاوى من الصحاب الصادق (عليه السلام) له كتاب نوادر، حسن كثير العلم. دقائق الاشياء: محقراتها. والعقار: الضيعة، المتاع، وكل ما له أصل وقرار. والعقار في الاحاديث كل ملك ثابت له أصل كالارض والضياع والنخل. والرقيق: المملوك للذكر والانثى. الظاهر أنه ابوعلى يونس بن يعقوب بن قيس البجلى الكوفى من أصحاب الصادق والكاظم والرضا (عليه السلام)، ثقة، معتمد عليه من أصحاب الاصول المدونة ومن أعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والاحكام والفتيا وله كتاب وكان يتوكل لابى الحسن (عليه السلام). - امه منية بنت عمار بن أبى معاوية الدهنى اخت معاوية بن عمار - مات (رحمه الله) في ايام الرضا (عليه السلام) بالمدينة وبعث اليه ابوالحسن الرضا (عليه السلام) بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه. () صفحة [380] بحذافيرها. قال يونس: فتبينت الغضب فيه. ثم قال (عليه السلام): يا يونس قستنا بغير قياس ما الدنيا وما فيها هل هي إلا سد فورة، أو ستر عورة وأنت لك بمحبتنا الحياة الدائمة. وقال (عليه السلام): يا شيعة آل محمد إنه ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب ولم يحسن صحبة من صحبه ومرافقة من رافقه ومصالحة من صالحه ومخالفة من خالفه. يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.وقال عبدالاعلى: كنت في حلقة بالمدينة فذكروا الجود، فأكثروا، فقال رجل منها يكنى أبا دلين: إن جعفر أو إنه لو لا أنه - ضم يده - فقال لي أبوعبدالله (عليه السلام): تجالس أهل المدينة؟ قلت: نعم. قال (عليه السلام): فما حدثت بلغني؟ فقصصت عليه الحديث، فقال (عليه السلام): ويح أبا دلين إنما مثله مثل الريشة تمر بها الريح فتطيرها. ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل معروف صدقة وأفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من السفلى. ولا يلوم الله على الكفاف، أتظنون أن الله بخيل وترون أن شيئا أجود من الله. إن الجواد السيد من وضع حق الله موضعه. وليس الجواد من يأخذ المال من غير حله ويضع في غير حقه أما والله إني لارجو أن ألقى الله ولم أتناول ما لا يحل بي وما ورد علي حق الله إلا أمضيته وما بت ليلة قط ولله في مالي حق لم اؤده. مثله " خير الصدقة ما ابقيت غنى " أى أبقيت بعدها لك ولعيالك غنى والمراد نفس الغنى لكنه اضيف للايضاح والبيان كما قيل: ظهر الغيب والمراد نفس الغيب فالاضافة بيانية طلبا للتأكيد كما في حق اليقين والدار الاخرة. والمراد باليد العليا: المعطية المتعففة. واليد السفلى: المانعة أو السائلة. () صفحة [381] وقال (عليه السلام): لارضاع بعد فطام. ولا وصال في صيام ولا يتم بعد احتلام. ولا صمت يوم إلى الليل. ولا تعرب بعد الهجرة. ولا هجرة بعد الفتح. ولا طلاق قبل النكاح. ولا عتق قبل ملك. ولا يمين لولد مع والده. ولا للمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها. ولا نذر في معصية. ولا يمين في قطيعة. وقال (عليه السلام): ليس من أحد - وإن ساعدته الامور - بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه. ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الايام فرصته لان من شأن الايام السلب وسبيل الزمن الفوت. وقال (عليه السلام): المعروف زكاة النعم. والشفاعة زكاة الجاه. والعلل زكاة الابدان. والعفو زكاة الظفر. وما اديت زكاته فهو مأمون السلب. وكان (عليه السلام) يقول عند المصيبة: " الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني والحمد لله الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم مما كان كانت، والحمد لله على الامر الذي شاء أن يكون وكان ". صفحة [382] وقال (عليه السلام): يقول الله: من استنقذ حيرانا من حيرته سميته حميدا، وأسكنته جنتي. وقال (عليه السلام): إذا أقبلت دنيا قوم كسوا محاسن غيرهم وإذا أدبرت سلبوا محاسن أنفسهم. وقال (عليه السلام): البنات حسنات والبنون نعم، فالحسنات تثاب عليهن والنعمة تسأل عنها. () صفحة [383] وروى عن الامام الكاظم الامين أبى ابراهيم ويكنى أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في طوال هذه المعانى (وصيته (عليه السلام) لهشام وصفته للعقل) إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: " فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم اولو الالباب ". قال ابن النديم في الفهرست في شأنه: " إنه من متكلمى الشيعة وبطائنهم ومن دعا له الصادق (عليه السلام) فقال: اقول لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)لحسان: لا تزل مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وهو الذى فتق الكلام في الامامة وهذب المذهب وسهل طريق الحجاج فيه و كان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب. وكان اولا من أصحاب الجهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالامامة بالدلائل والنظر وكان منقطعا إلى البرامكة ملازما ليحيى بن خالد وكان القيم بمجالس كلامه ونظره ثم تبع الصادق (عليه السلام) فانقطع إليه وتوفى بعد نكبة البرامكة بمدة يسيرة وقيل: بل في خلافة المأمون. وان العامة طعنوا فيه وورد في الاخبار ذم له من جهة القول بالتجسم وان الاصحاب اخذوا في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك ووردت روايات في مدحه ودل على جلالته هذه الرواية المذكورة في المتن الجامعة لابواب الخير والفلاح. سورة الزمر آية 19. () صفحة [384] يا هشام بن الحكم إن الله عزوجل أكمل للناس الحجج بالعقول وأفضى إليهم بالبيان ودلهم على ربوبيته بالادلاء، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار " - إلى قوله - لآيات لقوم يعقلون ". يا هشام قد جعل الله عزوجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ". وقال: " حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " وقال: " ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي بعد الارض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ". يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: " وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ". وقال: " وما اوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خيرا وأبقى أفلا تعقلون ". يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال عزوجل: " ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ". يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم فقال: " وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ". يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " وقال: " إن () صفحة [385] شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ". وقال: " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون". ثم ذم الكثرة فقال: " وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ". وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون ".وأكثرهم لا يشعرون ". يا هشام ثم مدح القلة فقال: " وقليل من عبادي الشكور ". وقال: " وقليل ما هم " وقال: " وما آمن معه إلا قليل ". يا هشام ثم ذكر أولي الالباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الالباب: يا هشام إن الله يقول: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ". يعني العقل. وقال: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " قال: الفهم والعقل. وسورة يونس آية 43 وسورة الفرقان آية 46. وسورة الحشر آية 14. هذه الاية في سورة لقمان آية 24 وفيها " بل اكثرهم لا يعلمون " كما في بعض نسخ الكافى ولعله سهو وغفلة من الراوى أو اشتباه من النساخ. سورة الانعام آية 116. سورة الانعام آية 37. ونظيرها قوله تعالى: " بل اكثرهم لا يعلمون " سورة النحل آية 77 و آية 103. وسورة الانبياء آية 24. وسورة النمل آية 62. وسورة لقمان آية 24. وسورة الزمر آية 30. وكذا قوله تعالى: " بل اكثرهم لا يعقلون " سورة العنكبوت آية 63. وقوله تعالى: " واكثرهم لا يعقلون " سورة المائدة آية 102. مضمون مأخوذ من آى القرآن. سورة سبأ آية 13. سورة صلى الله عليه وآله وسلم آية 23. سورة هود آية 42. سورة البقرة آية 272. ونظيرها قوله في سورة آل عمران آية 187. وسورة الرعد آية 19 وسورة صلى الله عليه وآله وسلم آية 28 وسورة الزمر آية 12. وسورة المؤمن آيه 56. سورة ق آية 36. سورة لقمان آية 11. إلى هنا في الكافى تقديم وتأخير. () صفحة [386] يا هشام إن لقمان قال لابنه: " تواضع للحق تكن أعقل الناس. يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الايمان وشراعها التوكل وقيمها العقل. ودليلها العلم وسكانها الصبر ". يا هشام لكل شئ دليل. ودليل العاقل التفكر ودليل التفكر الصمت. ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع. وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس [ في يدك] لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة. ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة. يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا. وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله. يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة. وأما الباطنة فالعقول. يا هشام إن العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه عل هدم عقله. من أظلم نور فكره بطول أمله. ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه. وأطفأ نور عبرته بشهوات () صفحة [387] نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله. ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربه [ وكان الله] آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة. وغناه في العيلة ومعزه في غير عشيرة. يا هشام نصب الخلق لطاعة الله. ولا نجاة إلا بالطاعة. والطاعة بالعلم. والعلم بالتعلم. والتعلم بالعقل يعتقد. ولا علم إلا من عالم رباني. ومعرفة العالم بالعقل. يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف. وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم. يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك. يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب. وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض. يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. لانهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى () صفحة [388] يستوفي منها رزقه. ومن طلب الدنيا طلبته الآخره فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا. يا هشام إن الله عزوجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها. إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه. ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه. يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما من شئ عبدالله به أفضل من العقل. وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان. والرشد والخير منه مأمولان. وفضل ماله مبذول. وفضل قوله مكفوف. نصيبه من الدنيا القوت. ولا يشبع من العلم دهره. الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره. والتواضع أحب إليه من الشرف. يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه وهو تمام الامر. يا هشام من صدق لسانه زكى عمله. ومن حسنت نيته زيد في رزقه. ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمره. () صفحة [389] يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا. يا هشام لا دين لمن لا مروة له. ولا مروة لمن لا عقل له. وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا، أما إن أبدانكم ليس له ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها. يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: " لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق ". وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): " إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها " قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: " الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال: " إنما يتذكر أولوا الالباب " قال: هم أولوا العقول " وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): " مجالسة الصالحين داعية إلى () صفحة [390] الصلاح. وأدب العلماء زيادة في العقل. وطاعة ولاة العدل تمام العز. واستثمار المال تمام المروة. وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة. وكف الاذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا ". يا هشام، إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه. ولا يسأل من يخاف منعه. ولا يعد ما لا يقدر عليه. ولا يرجو ما يعنف برجائه. ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه. وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يوصي أصحابه يقول: " أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب. والاكتساب في الفقر والغنى. وأن تصلوا من قطعكم. وتعفوا عمن ظلمكم. وتعطفوا على من حرمكم. وليكن نظركم عبرا. وصمتكم فكرا. وقولكم ذكرا وطبيعتكم السخاء، فإنه لا يدخل الجنة بخيل ولا يدخل النار سخي ". يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى. والبطن وما وعى. وذكر الموت والبلى. وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره. والنار محفوفة بالشهوات. أى لا يبادر إلى فعل قبل أوانه خوفا من ان يفوته بالعجز عنه في وقته. في بعض النسخ [ وتعطوا]. في بعض النسخ [ واياكم والبخل وعليكم بالسخاء]. " وما حوى " أى ما حواه الرأس من الاوهام والافكار بأن يحفظها ولا يبديها ويمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين والاذن وسائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه. وما وعى أى ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكونا من حرام. والبلى - بالكسر -: الاندراس والاضمحلال. هذا الكلام مشهور معروف بين الفريقين متواتر منقول عن النبى وأهل بيته (صلوات الله عليهم). والمحفوفة: المحيطة. والمكاره: جمع مكرهة - بفتح الراء وضمها -: ما يكرهه الانسان ويشق عليه. والمراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الاقوال والافعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة. والنار محفوفة بلذات النفس وشهواتها، فمن اعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار. () صفحة [391] يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة. ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. يا هشام وجد في ذؤابة سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله. ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله). ومن أحدث حدثا، أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. يا هشام أفضل ما يقترب به العبد إلى الله بعد المعرفة به الصلاة وبر الوالدين وترك الحسد والعجب والفخر. يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا، كما ولى منها، فاعتبر بها. وقال علي ابن الحسين (عليهما السلام): " إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الارض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيئ الظلال - ثم قال (عليه السلام) -: أو لا حر يدع [ هذه] اللماظة لاهلها - يعني الدنيا - فليس لانفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس ". وفي بعضها [ وأعق الناس] من عقه: خالفه وعصاه. الحدث: الامر الحادث الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. في بعض النسخ [ فانظر]. و " عقل عن الله ": عرف عنه وبلغ عقله إلى حد يأخذ العلم عن الله فكأنه أخذ العلم عن كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله). اللماظة - بالضم -: بقية الطعام في الفم. وايضا بقية الشئ القليل. والمراد بها هنا الدنيا. () صفحة [392] يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها. وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها. يا هشام إن المسيح (عليه السلام) قال للحواريين: " يا عبيد السوء يهو لكم طول النخلة وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها وتنسون طيب ثمرها ومرافقها. كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها. يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه، بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فإن دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما يغدوا ويروح بحق أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب. وإن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله. ورجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله، () صفحة [393] فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لاجسادكم وجباهكم. واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى. ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لاشدكم حبا للدنيا. وإن أصبركم على البلاء لازهدكم في الدنيا. يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب الغادرة ولا بالاسد العاتية كما تفعل بالفرائس. كذلك تفعلون بالناس، فريقا تخطفون وفريقا تخدعون وفريقا تغدرون بهم. بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا. كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة. كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الارض الميتة بوابل المطر ". يا هشام مكتوب في الانجيل " طوبى للمتراحمين، أولئك المرحومون يوم القيامة طوبى للمصلحين بين الناس، أولئك هم المقربون يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم، وفي بعض النسخ [ حبوا] أى زحفا على الركب من حبا يحبو وحبى يحبى: اذا مشى على أربع. الوابل: المطر الشديد الضخم القطر. () صفحة [394] أولئك هم المتقون يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة ". يا هشام قلة المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب.فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر. وإن الله عزوجل يبغض الضحاك من غير عجب والمشاء إلى غير أرب. ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم. فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم. واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن …
تحف العقول — ما روي عن الامام الصادق أبى عبد الله جعفر بن محمد · وروى عنه (عليه السلام) في قصار هذه المعانى