يرفع ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم. يا هشام تعلم من العلم ما جهلت. وعلم الجاهل مما علمت. عظم العالم لعلمه، ودع منازعته. وصغر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قربه وعلمه. يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها. وقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): " إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشيته فأسكتتهم عن المنطق وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالاعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل. يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لاكياس وأبرار ". يا هشام الحياء من الايمان والايمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار. يا هشام المتكلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب، فأما الرابح فالذاكر لله. وأما السالم فالساكت. وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. وكان أبوذر وفي بعض النسخ [ إلى غير أدب] في بعض النسخ [ واستكتهم عن المنطق]. الاكياس: جمع كيس - كسيد -: الفطن، الظريف، الحسن الفهم والادب. البذاء: الفحش. والبذى - على فعيل -: السفيه والذى أفحش في منطقه. الشاجب: الهذاء المكثار أى كثير الهذيان وكثير الكلام. وأيضا الهالك. وهو الانسب. () صفحة [395] - رضي الله عنه - يقول: " يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك ". يا هشام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده ويأكله إذا غاب عنه، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله. إن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي. وإن شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه. وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم. ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه. يا هشام لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا. ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو. يا هشام قال الله عزوجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت الغنى في نفسه. وهمه في آخرته. وكففت عليه [ في] ضيعته. وضمنت السماوات والارض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر. يا هشام الغضب مفتاح الشر. وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدا منهم إلا من كانت يدك عليه العليا فافعل. يا هشام عليك بالرفق، فإن الرفق يمن والخرق شوم، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق. يا هشام قول الله: " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان " جرت في المؤمن والكافر والبر والفاجر. من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به. وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك. فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء. () صفحة [396] يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجال ذووا العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم. يا هشام اصبر على طاعة الله واصبر عن معاصي الله، فإنما الدنيا ساعة، فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا. وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت. يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله. يا هشام إياك والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. الكبر رداء الله، فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه. يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنا استزاد منه. وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه. يا هشام تمثلت الدنيا للمسيح (عليه السلام) في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: كثيرا، قال: فكل طلقك؟ قالت: لا بل كلا قتلت. قال المسيح (عليه السلام): فويح لازواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين. يا هشام إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله. وإن ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربه وإذا كان عالما بربه أبصر دينه. وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين. وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية، فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل. يا هشام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا. فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لان الله جعل التواضع آلة العقل وجعل التكبر من آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه () صفحة [397] شجه. ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنه. وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله. ومن تواضع لله رفعه. يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى. وأقبح الخطيئة بعد النسك. وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته. يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق. يا هشام ما قسم بين العباد أفضل من العقل. نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل وما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين. وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه. يا هشام قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه، فإنه يلقى الحكمة. والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل. يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام) قل لعبادي: لا يجعلوا بيني وبينهم عالما مفتونا بالدنيا فيصدهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتى، أولئك قطاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي ومناجاتي من قلوبهم. يا هشام من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض. ومن تكبر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله ومن ادعى ما ليس له فهو [ أ] عني لغير رشده. يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام) يا داود حذر، وأنذر أصحابك عن حب الشهوات، فإن المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني. يا هشام إياك والكبر على أوليائي والاستطاعة بعلمك فيمقتك الله، فلا تنفعك وفي بعض النسخ [ أعنى لغيره] أى يدخل غيره في العناء والتعب. هذا ويحتمل أن يكون الاصل [ فهو لغى لغير رشدة] فصحف. في بعض النسخ [ فانذر]. وفي بعضها [ ونذر]. () صفحة [398] بعد مقته دنياك ولا آخرتك. وكن في الدنيا كساكن دار ليست له، إنما ينتظر الرحيل. يا هشام مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة. ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله، فإذا أشار عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب. يا هشام إياك ومخالطة الناس والانس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا فآنس به واهرب من سايرهم كهربك من السباع الضارية. وينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحيي من الله. وإذا تفرد له بالنعم أن يشارك في عمله أحدا غيره. وإذا مر بك أمران لا تدري أيهما خير وأصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك. وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في أهل الجهالة قال هشام: فقلت له: فإن وجدت رجلا طالبا له غير أن عقله لا يتسع لضبط ما القي إليه؟ قال (عليه السلام): فتلطف له في النصيحة، فإن ضاق قلبه [ ف] - لا تعرضن نفسك للفتنة. واحذر رد المتكبرين، فإن العلم يدل على أن يملى على من لا يفيق. قلت: فإن لم أجد وأيضا: تطعم بلحمه ودمه. أى إذا اختص العاقل بنعمة ينبغى له أن يشارك غيره في هذه النعمة بأن يعطيه منها. وفي بعض النسخ [ إذ تفرد له]. في بعض النسخ [ وإذا خرجك أمران] وخر به أمر أى نزل به وأهمه. قال المجلسى - (رحمه الله) - كان فيه حذفا ايصالا اى تغلب على الحكمة أى يأخذها منك قهرا من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أى تغلب على الحكمة فانها تأبى عمن لا يستحقها، ويحتمل أن يكون بالفاء والتاء من الافلات بمعنى الاطلاق فانهم يقولون: انفلت منى كلام أى صدر بغير رويه. وفي بعض النسخ المنقولة من الكتاب [ واياك أن تطلب الحكمة وتضعها في الجهال]. الافاقة: الرجوع عن الكسر والاغماء الغفلة إلى حال الاستقامة. وفي بعض النسخ [ فان العلم يذل على أن يحمل على من لا يفيق] وفي بعضها [ يجلى]. () صفحة [399] من يعقل السؤال عنها؟ قال (عليه السلام): فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد. واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده. ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده. ولم يفرج المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته. فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إل من يؤذيه بأوليائه، فكيف يمن يؤذى فيه. وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضاه ويختار عداوة الخلق فيه. يا هشام من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قبله وما اوتي عبد علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله بعدا وازداد الله عليه غضبا. يا هشام إن العاقل اللبيب من ترك ما لا طاقة له به. وأكثر الصواب في خلاف الهوى. ومن طال أمله ساء عمله. يا هشام لو رأيت مسير الاجل لالهاك عن الامل. يا هشام إياك والطمع. وعليك باليأس مما في أيدي الناس. وأمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح للذل، واختلاس العقل، واختلاق المروات، وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم، وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه. وجاهد نفسك لتردها عن هواها، فإنه وجب عليك كجهاد عدوك. قال هشام: فقلت له فأي الاعداء أوجبهم مجاهدة؟ قال (عليه السلام): أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرهم بك و أعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك، ومن يحرض أعداءك عليك () صفحة [400] وهو إبليس الموكل بوسواس [ من] القلوب فله فلتشتد عداوتك. ولا يكونن أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنه أضعف منك ركنا في قوته وأقل منك ضررا في كثرة شره. إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم. يا هشام من أكرمه الله بثلاث فقد لطف له: عقل يكفيه مؤونة هواه. وعلم يكفيه مؤونة جهله وغنى يكفيه مخافة الفقر. يا هشام احذر هذه الدنيا واحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة أصناف: رجل مترد معانق لهواه. ومتعلم مقرى كلما ازداد علما ازداد كبرا، يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه. وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته يحب أن يعظم ويوقر. وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به، فهو عاجز أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرف [ ه] فهو محزون، مغموم بذلك، فهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلا. يا هشام اعرف العقل وجنده، والجهل وجنده تكن من المهتدين، قال هشام: فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا. فقال (عليه السلام): يا هشام إن الله خلق العقل وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين فانك إذا كنت على الاستقامة في مخالفته يكون مع قوته أضعف منك ركنا وضررا. في بعض النسخ [ متقرئ]. في بعض النسخ [ يستعلن]. الامثل: الافضل. أى هو اول مخلوق من المنسوبين إلى الروح في مدينة بنية الانسان المتمركزين بأمر الرب والسلطان في مقر الحكومة العقلية. فهو أولها ورأسها ثم يوجد بعده وبسببه جندا فجندا إلى أن يكمل للانسان جودة العقل. () صفحة [401 عن يمين العرش من نوره فقال له: أدبر، فأدبر. ثم قال له: أقبل فأقبل. فقال الله عزوجل: خلقتك خلقا [ عظيما] وكرمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الاجاج الظلماني، فقال له: إدبر، فأدبر. ثم قال له: أقبل، فلم يقبل. فقال له: استكبرت فلعنه. ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا، فلما رأى الجهل ما كرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل: يا رب هذا خلق مثلي خلقته و كرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به أعطني من الجند مثل ما أعطيته؟ فقال تبارك وتعالى، نعم، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي، فقال: قد رضيت. فأعطاه الله خمسة وسبعين جندا فكان مما أعطى العقل من الخمسة و السبعين جندا: الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل.
تحف العقول — ما روي عن الامام الصادق أبى عبد الله جعفر بن محمد · وروى عنه (عليه السلام) في قصار هذه المعانى