الأقسامتحف العقولوروي عنه (عليه السلام) في قصار هذه المعاني
تحف العقول

قال المأمون ليحيى بن أكثم: اطرح على أبي جعفر محمد بن الرضا (عليهما السلام) مسألة تقطعه فيها. فقال: يا أبا جعفر ما تقول في رجل نكح امرأة على زنا أيحل أن يتزوجها؟ فقال (عليه السلام): يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه. ثم يتزوج بها إن أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا. فانقطع يحيى. فقال له أبوجعفر (عليه السلام): يا أبا محمد ما تقول في رجل حرمت عليه أمرأة بالغداة وحلت له ارتفاع النهار وحرمت عليه نصف النهار، ثم حلت له الظهر، ثم حرمت عليه العصر، ثم حلت له المغرب، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر، ثم حرمت عليه ارتفاع النهار، ثم حلت له نصف النهار؟ فبقي يحيى والفقهاء بلسا خرسا فقال المأمون: يا أبا جعفر أعزك الله بين لنا هذا؟ قال (عليه السلام): هذا رجل نظر إلى مملوكة لا تحل له، اشتراها فحلت له. ثم أعتقها فحرمت عليه، ثم تزوجها فحلت له. فظاهر منها فحرمت عليه. فكفر الظهار فحلت له، ثم طلقها تطليقة فحرمت عليه، ثم راجعها فحلت له، فارتد عن الاسلام فحرمت عليه. فتاب ورجع إلى الاسلام فحلت له بالنكاح الاول، كما أقر رسول الله (صلى الله عليه وآله)نكاح زينب مع أبي العاص بن الربيع حيث أسلم على النكاح الاول. والخرس - بالضم -: جمع أخرس: الذى انعقد لسانه عن الكلام. هو أبوالعاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن عبد مناف ابن اخت خديجة زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله)امه هالة بنت خويلد، كان اسم أبى العاص لقيط أو هشيم أو مهشم وهو من رجال مكة. المعدودين مالا وتجارة وأمانة، زوجه رسول الله زينب أكبر بناته. فلما أكرم الله نبيه بنبوته آمنت خديجة وبناته فصدقن وشهدن الاسلام وثبت أبوالعاص على شركه ويحرضه قريش أن يفارق صاحبته على أن يزوجه أية امرأة شاء فلم يرض. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)" بقية الحاشية في الصفحة الاتية " () صفحة [455] " وروى عنه (عليه السلام) في قصار هذه المعانى " قال له رجل: أوصني؟ قال (عليه السلام): وتقبل؟ قال: نعم. قال: توسد الصبر واعتنق الفقر. وارفض الشهوات. وخالف الهوى. واعلم أنك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون. وقال (عليه السلام): أوحى الله إلى بعض الانبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، " بقية الحاشية من الصفحة الماضية " لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بينهما الا انه (صلى الله عليه وآله)كان لا يقدر أن يفرق بينهما فأقامت على اسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)والخبر في حسن مصاهرته في ايام الشعب مشهور. فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم ابوالعاص فاصيب في الاسارى فكان في المدينة عند رسول الله، فلما بعث أهل مكة في فداء اسرائهم بعثت زينب في فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة ادخلتها بها على ابن العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله)رق لها رقة شديدة وقال لاصحابه: إن رأيتم ان تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليه الذى لها فافعلوا؟ قالوا: نعم يا رسول الله فاطلقوه وردوا عليها مالها وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)قد أخذ أو شرط عليه أن يخلى سبيل زينب إليه فوعده أبوالعاص بذلك فلما ذهب أبوالعاص إلى مكة خلى سبيله وبعثها مع أخيه كنانة بن الربيع حتى لحقت برسول الله (صلى الله عليه وآله)في الطريق بعد أن أصابت من المشركين في الطريق أذى كثيرة ونالت منهم ما نالت وجاءت زينب إلى المدينة وأقامت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)فأقام أبوالعاص بمكة حتى إذا كان قبيل الفتح في سنة 8 من الهجرة خرج أبوالعاص تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال لرجال من قريش يضعوها معه، فما فرغ من تجارته وأقبل غافلا لقيته سرية لرسول الله (صلى الله عليه وآله)فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله جاء ابوالعاص في طلب ماله تحت الليل حتى أتى المدينة ودخل على زينب بنت رسول الله فاستجار بها فأجارته فلما أصبح اتت زينب إلى المسجد فاستجارت له من المسلمين فأجاروه فدخل رسول الله على بنته فقال: اى بنية اكرمى مثواه ولا يخلص اليك فانك لا تحلين له وبعث إلى السرية الذين اصابوا مال ابى العاص فردوه عليه بأسره ثم احتمال إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله فاسلم ورجع إلى المدينة ورد رسول الله زينب على النكاح الاول لم يحدث شيئا بعد سنين توفى ابوالعاص سنة 12 وتزوج على (عليه السلام) ابنته امامة بنت زينب بعد وفات فاطمه (عليها السلام) بوصية منها. في بعض النسخ [ قال للجواد (عليه السلام) رجل]. () صفحة [456] وأما انقطاعك إلي فيعززك بي. ولكن هل عاديت لي عدوا وواليت لي وليا. وروي أنه حمل له حمل بز له قيمة كثيرة، فسل في الطريق، فكتب إليه الذي حمله يعرفه الخبر، فوقع بخطه إن أنفسنا وأموالنا من مواهب الله الهنيئة و عواريه المستودعة يمتع بما متع منها في سرور وغبطة ويأخذ ما أخد منها في أجر وحسبة. فمن غلب جزعه على صبره حبط أجره ونعوذ بالله من ذلك. وقال (عليه السلام): من شهد أمرا فكرهه كان كمن غاب عنه. ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده. وقال (عليه السلام): من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبدالله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس. وقال داود بن القاسم: سألته عن الصمد؟ فقال (عليه السلام): الذي لا سرة له. قلت: فإنهم يقولون: إنه الذي لا جوف له؟ فقال (عليه السلام): كل ذي جوف له سرة. فقال له أبوهشام الجعفري في يوم تزوج ام الفضل ابنة المأمون: يا مولاي لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم فقال (عليه السلام): يا أبا هاشم عظمت بركات الله علينا فيه؟ قلت: نعم يا مولاي، فما أقول في اليوم؟ فقال: قل فيه خيرا، فإنه يصيبك. قلت: يا مولاي أفعل هذا ولا اخالفه. قال (عليه السلام): إذا ترشد ولا ترى إلا خيرا. وكتب إلى بعض أوليائه: أما هذه الدنيا فإنا فيها مغترفون ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان. والآخرة هي دار القرار. وقال (عليه السلام): تأخير التوبة اغترار. وطول التسويف حيرة. والاعتلال على الله هلكة والاصرار على الذنب أمن لمكر الله " ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ". وأمتعة التاجر من الثياب. وأيضا: السلاح. وسل الشئ: سرقه خفية، والسال: السارق. الحسبة - بالكسر -: الاجر. مر ترجمته آنفا. السرة - بالضم والتشديد -: التجويف الصغير المعهود في وسط البطن. فاذا كان ميلك وهواك إلى وتحبنى كنت انت معى حيث كنت انا. اى من تجنى على الله باثم فقد فسد روحه وخبث طينته فكان فيه هلاكه. سورة الاعراف آيه 97. () صفحة [457] وروي أن جمالا حمله من المدينة إلى الكوفة فكلمه في صلته وقد كان أبوجعفر (عليه السلام) وصله بأربع مائة دينار، فقال (عليه السلام): سبحان الله، أما علمت أنه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العباد. وقال (عليه السلام): كانت مبايعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)النساء أن يغمس يده في إناء فيه ماء ثم يخرجها وتغمس النساء بأيديهن في ذلك الاناء بالاقرار والايمان بالله والتصديق برسوله على ما أخذ عليهن. وقال (عليه السلام): إظهار الشئ قبل أن يستحكم مفسدة له. وقال (عليه السلام): المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممن ينصحه. () صفحة [458] ما روى عن الامام الراشد الصابر أبى الحسن على بن محمد... (عليهما السلام) في طوال هذه المعانى (رسالته «ع» في الرد على أهل الجبر والتفويض واثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين) من علي بن محمد، سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنه ورد علي كتابكم وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم وخوضكم في القدر و مقالة من يقول منكم بالجبر ومن يقول بالتفويض وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم وفهمت ذلك كله. اعلموا رحمكم الله أنا نظرنا في الآثار وكثرة ما جاءت به الاخبار فوجدناها عند جميع من ينتحل الاسلام ممن يعقل عن الله عزوجل لا تخلو من معنيين: إما حق فيتبع وإما باطل فيجتنب. وقد اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون وذلك بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا تجتمع امتي على ضلالة " فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الامة كلها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا. والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه: فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقة وأنكر الخبر طائفة من الامة لزمهم الاقرار به ضرورة حين اجتمعت في الاصل على تصديق الكتاب، فإن [ هي] جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة. فأول خبر يعرف تحقيقة من الكتاب وتصديقه والتماس شهادته عليه خبر ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفة أقاويلهم، حيث قال: " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي - أهل بيتي - لن تضلوا ما تمسكتم () صفحة [459] بهما وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصا مثل قوله عزوجل: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنو فإن حزب الله هم الغالبون ". وروت العامة في ذلك أخبارا لامير المؤمنين (عليه السلام) أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه. فوجدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)قد أتى بقوله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وبقوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ووجدناه يقول: " علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم من بعدي ". فالخبر الاول الذي استنبطت منه هذه الاخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، وهو أيضا موافق للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر و هذه الشواهد الاخر لزم على الامة الاقرار بها ضرورة إذ كانت هذه الاخبار شواهدها من القرآن ناطقة ووافقت القرآن والقرآن وافقها. ثم وردت حقائق الاخبار من رسول الله (صلى الله عليه وآله)عن الصادقين (عليهم السلام) ونقلها قوم ثقات معروفون فصار الاقتداء بهذه الاخبار فرضا واجبا على كل مؤمن ومؤمنة لا يتعداه إلا أهل العناد. وذلك أن أقاويل آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)متصلة بقول الله وذلك مثل قوله في محكم كتابه: " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا " ووجدنا نظير هذه الآية قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن ينتقم منه " وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله): " من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ". ومثل قوله (صلى الله عليه وآله)في بني وليعة: " لابعثن إليهم رجلا كنفسي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قم يا علي فسر إليهم ". وقوله (صلى الله عليه وآله)يوم خيبر: " لابعثن إليهم غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرارا لا يرجع وقد مضى هذه القضية أيضا في احتجاجات الامام الرضا (عليه السلام) في الاصطفاء مع العلماء في مجلس المأمون. () صفحة [460] حتى يفتح الله عليه ". فقضى رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالفتح قبل التوجيه فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)فلما كان من الغد دعا عليا (عليه السلام) فبعثه إليهم فاصطفاه بهذه المنقبة وسماه كرارا غير فرار، فسماه الله محبا لله ولرسوله، فأخبر أن الله و رسوله يحبانه. وإنما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلا على ما أردنا وقوة لما نحن مبينوه من أمر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين وبالله العون والقوة وعليه نتوكل في جميع امورنا. فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق (عليه السلام): " لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين وهي صحة الخلقة وتخلية السرب والمهلة في الوقت والزاد مثل الراحلة والسبب المهيج للفاعل على فعله "، فهذه خمسة أشياء جمع به الصادق (عليه السلام) جوامع الفضل، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسبه، فأخبر الصادق (عليه السلام) بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته ونطق الكتاب بتصديقه فشهد بذلك محكمات آيات رسوله، لان الرسول (صلى الله عليه وآله)وآله (عليهم السلام) لا يعدون شيئا من قوله وأقاويلهم حدود القرآن، فإذا وردت حقائق الاخبار والتمست شواهدها من التنزيل فوجد لها موافقا وعليها دليلا كان الاقداء بها فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب. ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق (عليه السلام) من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض وجدنا الكتاب قد شهد له وصدق مقالته في هذا، وخبر عنه أيضا موافق لهذا، أن الصادق (عليه السلام) سئل هل أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال الصادق (عليه السلام): هو أعدل من ذلك. فقيل له: فهل فوض إليهم؟ فقال (عليه السلام): هو أعز وأقهر لهم من ذلك. وروي عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الامر مفوض إليه فقدوهن الله في سلطانه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله عزوجل أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطويقون فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا وسيأتى بيان هذه الخمسة عن الامام (عليه السلام) بعد شرح الجبر والتفويض وانهما خلاف العدل والعقل. () صفحة [461] يطيقون، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ، فأخبر (عليه السلام) أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحق. فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما. ثم قال (عليه السلام): وأضرب لكل باب من هذه الابواب مثلا يقرب المعنى للطالب ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آيات الكتاب وتحقق تصديقه عند ذوي الالباب وبالله التوفيق والعصمة. فأما الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم أن الله عزوجل أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها. ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد عليه قوله: " ولا يظلم ربك أحدا ". وقوله: " ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد ". وقوله: " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ". مع آي كثيرة في ذكر هذا. فمن زعم أنه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله و قد ظلمه في عقوبته. ومن ظلم الله فقد كذب كتابه. ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الامة. ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه ولا يملك عرضا من عرض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه، وعلم أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد إلى السوق وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها وجد عليها مانعا يمنع منها إلا بشراء وليس يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه صفحة [462] خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه. أليس يجب في عدله و حكمه أن لا يعاقبه وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا ولم يملكه ثمن حاجته؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته وإن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة. تعالى عما يقولون علوا كبيرا، فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبر [ ه] العقوبة. ومن زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله إن الله يدفع عنهم العقوبة. ومن زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول: " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ". وقوله: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ". وقوله: " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما "، مع آى كثيرة في هذا الفن ممن كذب وعيد الله ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر وهو ممن قال الله: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون " بل نقول: إن الله عزوجل جازى العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملكهم إياها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثله وهم لا يظلمون " وقال جل ذكره: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا () صفحة [463] ويحذركم الله نفسه ". وقال: " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ". فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به. ومثلها في القرآن كثير، اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب وبالله التوفيق. وأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) وأخطأ من دان به وتقلده فهو قوله القائل: إن الله جل ذكره فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم. وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقته. وإلى هذا ذهبت الائمة المهتدية من عترة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فانهم قالوا: لو فوض إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الاهمال واقعا. وتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون عزوجل عجز عن تعبدهم بالامر والنهي على إرادته كرهوا أو أحبوا ففوض أمره ونهيه إليهم وأجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه، وادعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمر أمره أو أي نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى بل كان العبد يتبع ارادة نفسه واتباع هواه ولا يطيق المولى أن يرده إلى اتباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه إليه ورضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك وبعثه في بعض حوائجه وسمى له الحاجة فخالف على مولاه وقصد لارادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال له: لم أتيتني بخلاف ما أمرتك؟ فقال العبد: أتكلت على تفويضك الامر إلي فاتبعت هواي وإرادتي، لان المفوض إليه غير محظور عليه فاستحال التفويض () صفحة [464] أوليس يجب على هذا السبب إما أن يكون المالك للعبد قادرا يأمر عبده باتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما. وحذره ورغبه بصفة ثوابه وعقابه ليعرف العبد قدرة مولاة بما ملكه من الطاقة لامره ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وإنصافه شاملا له وحجته واضحة عليه للاعذار والانذار. فإذا اتبع العبد أمر مولاه جازاه وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه أو يكون عاجزا غير قادر ففوض أمر إليه أحسن أم أساء أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته ورده إلى اتباع أمره. وفي إثبات العجز نفي القدرة والتأله وإبطال الامر والنهي والثواب والعقاب ومخالفة الكتاب إذ يقول: " ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم " وقوله عزوجل: " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " وقوله: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون " وقوله: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " وقوله: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ". فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعلة ما زعم أن الله فوضها إليه لان المفوض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الايمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه وهو من أهل هذه الآية " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيامة يردون () صفحة [465] إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ": تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علوا كبيرا. لكن نقول: إن الله عزوجل خلق الخلق بقدرته، وملكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد فقبل منهم اتباع أمره ورضي بذلك لهم. ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها ولله الخيرة في الامر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التى ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه، لانه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجة بالاعذار والانذار وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه وآله)وبعثه برسالاته إلى خلقه، فقال من قال من كفار قومه حسدا واستكبارا: " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " يعني بذلك امية بن أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول: وقال الطبرسى في تفسيره: " يعنون بالقريتين مكة والطائف وتقدير الاية على رجل عظيم من القريتين أى من إحدى القريتين فحذف المضاف ". وكذا في الاحتجاج ولكن الظاهر أن المراد بالرجل العظيم هو الذى كان من إحدى القريتين كالوليد بن المغيرة من مكة وأبى مسعود الثقفى من الطائف كما في التفسير فليس أمية بن أبى الصلت وأبومسعود الثقفى من القريتين لانهما كانا من أهل الطائف فيكون كلاهما مثالا للرجل العظيم الذى كان من إحدى القريتين أى الطائف لا من القريتين يعنى مكة والطائف. فعلى اى نحو كان فالرجلان كانا عظيمى القدر عند قومهما وذوى الاموال الجسيمة فيهما فزعموا أن من كان كذلك اولى بالنبوة من غيره. وكان الوليد بن المغيرة عم أبى جهل كان شيخا كبيرا مجربا من دهاة العرب يتحاكمون إليه في الامور وينشدونه الاشعار فما اختاره من الشعر كان مختارا وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها وملك القنطار أى جلد ثور مملو ذهبا. كان الوليد أحد المستهزئين الخمس الذين كفى الله شرهم وهو الذى جاء قريش عنده فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الذى يقول محمدا سحر أم كهانة ام خطب؟ فقال: دعونى أسمع كلامه فدنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)وهو جالس في الحجر، فقال: يا محمد انشدنى شعرك؟ فقال: ما هو بشعر ولكنه كلام الله الذى به بعث أنبياءه ورسله، فقال: اتل، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " () صفحة [466] " أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم " بقية الحاشية من الصفحة الماضية " تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن، قال: لا ولكنى ادعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم، ثم افتتح حم السجدة فلما بلغ إلى قوله: " فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " وسمعه اقشعر جلده وقامت كل شعرة في بدنه وقام ومشى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقيل: صبا عبد شمس إلى دين محمد فاغتمت قريش وغدا عليه أبوجهل فقال: فضحتنا يا عم، قال: يا ابن أخ ما ذاك وانى على دين قومى ولكن سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال: أفشعر هو؟ قال: ما هو بشعر. قال؟ فخطب؟ قال: لا، ان الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا له طلاوة، قال: فكهانة هو؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: دعنى أفكر فيه، فلما كان من الغد، قالوا: يا عبد شمس ما تقول؟ قال: قولوا: هو سحر فانه أخذ بقلوب الناس فانزل الله تعالى: " ذرنى ومن خلقت وحيدا - إلى قوله -: عليها تسعة عشر ". وجاء يوما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقال: اقرأ على، فقال: " إن الله أمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون "، فقال: أعد؟ فأعاد، فقال: والله له الحلاوة والطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق وما هذا بقول بشر. وأما امية بن أبى الصلت الثقفى كان من اهل الطائف وكان من أكبر شعراء الجاهلية وأغلب شعره متعلق بالاخرة وكان ينظر في الكتب المتقدمة ويقرؤها وحرم الخمر وشك في الاوثان ورغب عن عبادتها والتمس الدين وأخبر أن نبيا يخرج. قد أظل زمانه وكان يؤمل أن يكون ذلك النبى فلما بعث النبى وبلغ خبره كفر به حسدا وقال: كنت أرجو أن اكونه. كان أبوه عبيد الله بن ربيعة المكنى بابى الصلت وأمه رقية بنت عبد الشمس. مات في الطائف ومما قال في مرض موته: كل عيش وإن تطاول دهرامنتهى أمره إلى أن يزول ليتنى كنت قبل ما قد بدا لىفي رؤوس الجبال أرعى الوعولا وروى أنه استنشد رسول الله (صلى الله عليه وآله)اخته شعره من بعد موته فأنشدته: لك الحمد والنعماء والفضل ربناولا شئ اعلى منك جدا وأمجدا وهى قصيدة طويلة حتى أتت على آخرها، ثم انشدته قصيدته التى فيها: وقف الناس للحساب جميعافشقى معذب وسعيد إلى غير ذلك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آمن شعره وكفر قلبه. وأنزل الله فيه " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا - إلى قوله -: وانفسهم كانوا يظلمون ". وأبومسعود هو عروة بن مسعود الثقفى كان من أهل الطائف وأحد السادة الاربعة في الاسلام: " بشر بن هلال العبدى، عدى بن حاتم الطائى، سراقة بن مالك المدلجى، عروة بن مسعود الثقفى ". " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " () صفحة [467] فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون ". ولذلك اختار من الامور ما أحب ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه. ومن عصاه عاقبه ولو فوض اختيار أمره إلى عباده لاجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله). فلما أدب الله المؤمنين بقوله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم "، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ولم يقبل منهم إلا اتباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه، فمن أطاعه رشد ومن عصاه ضل وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه. وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض وبذلك أخبر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عباية بن ربعي الاسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، " بقية الحاشية من الصفحة الماضية " كان أبومسعود عاقلا لبيبا وهو الذى أرسلته قريش يوم الحديبية فعقد معه الصلح وهو كافر ثم أسلم سنة تسع من الهجرة بعد رجوع …

تحف العقول — وروي عنه (عليه السلام) في قصار هذه المعاني · مسألة غريبة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.