____________ مما لا شك فيه ولا ريب ان التربية مؤثرة في الانسان في الجملة وعلى ذلك بناء عمل النوع الانسانى في جميع ادوار حياته وانه يقرب بالتربية الجميلة إلى السعادة وبغيرها إلى غيرها بحسب ما يظن من معنى السعادة والشقاء وان ذلك بواسطة الافعال التى يرى الانسان تمكنه من فعلها وتركها (الافعال الاختيارية) فنسبة هذه الافعال إلى الانسان بالامكان (ممكن ان يفعل وان لا يفعل) وكذلك نسبة السعادة والشقاء (وهما نتيجتا تراكم الاوصاف النفسانية الحاصلة من هذه الافعال) اليه بالامكان، هذا والانسان احد أجزاء علة الفعل الصادر عنه كالاكل مثلا فان ارادة الانسان احد اجزاء العلة التى يمكن صدوره منه وإذا فرض مع ارادته وجود المادة وقرنها منه وصلاحية التناول وكذلك جميع ما يتوقف عليه وجوده من الشرائط وارتفاع الموانع من غير استثناء أصلا كان الفعل واجب الصدور ضرورى الوجود (لا يمكن ان لا يقع) إذا عرفت هذا ظهر لك ان السعادة والشقاء اللذين يلحقان الانسان بواسطة افعاله االاختيارية إذا نسبا إلى الانسان فقط كانت النسبة فيها الامكان والاختيار وإذا نسبا إلى مجموع العلة التامة التى احد اجزائها الانسان كانت النسبة الضرورة والحتم وأنت تعلم ان القضاء هو علم الله الله تعالى وحكمه من جهة العلل التامة فمن هنا تعلم ان كل انسان مقضى في حقه السعادة او الشقاء قضاء لا يرد ولا يبدل ولا ينافى ذلك امكان اختياره السعادة والشقاء، فقوله عليه السلام (ان الله خلق السعادة والشقاء قبل ان يخلق خلقه الخ) معناه انه تعالى علم ان العلل التامة ماذا يوجب في حق الانسان من سعادة وشقاء وحكم في ذلك ولا ينافى ذلك كون الافعال اختيارية للانسان وكذا السعادة والشقاء اللاحقين له من جهة افعاله والله تعالى يحب الجميل ويبغض القبيح الشرير فمن كان سعيدا احب الله ذاته وان كان ربما يصدر عنه الفعل القبيح المبغوض ومن كان شقيا ابغض ذاته وان كانت ربما يصدر عنه الفعل الحسن المحبوب.
الأصول من الكافي