التاسع والتسعون عن مناقب محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن ابن عباس قال قال رسول اللّٰه يدُ لما عرج بي إلى السماء انتهى بي المسير مع جبرئيل إلى السماء الرابعة فرأيت بيتا من ياقوت أحمر فقال لي جبرئيل يا محمد هذا هو البيت المعمور خلقه اللّٰه تعالى قبل خلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام قم يا محمد فصل إليه قال النبي وجمع اللّٰه إلي النبيين فصفهم جبرئيل جيام ورائي صفا فصليت بهم فلما سلمت أتاني آت من عند ربي فقال لي يا محمد ربك تَطِهَيْنَا يقرئك السلام ويقول لك سل الرسل على ماذا أرسلتهم من قبلك فقلت معاشر الرسل على ماذا بعثكم ربي قبلي فقالت الرسل على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب وهو قوله تعالى (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا))". حياة النبي صلى اللّٰه عليه وآله وموته خير للأمة المائة بصائر الدرجات حدثنا محمد بن عبد الجبار، عن عبد الرحمن بن حماد، عن القاسم بن عروة، وحدثنا عبد اللّٰه بن عمر المسلي، عن رجل عن أبي عبد اللّٰه عليم قال: قال رسول اللّٰه يَةُ: (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم فأما حياتي فإن اللّٰه هداكم بي من الضلالة وأنقذكم من شفا حفرة من النار وأما مماتي فإن أعمالكم تعرض علي فما كان من حسن استزدت اللّٰه لكم وما كان من قبيح استغفرت اللّٰه لكم فقال له رجل من المنافقين وكيف ذاك يا رسول اللّٰه وقد رممت يعني صرت رميما فقال رسول اللّٰه كلا إن اللّٰه حرم لحومنا على الأرض فلا تطعم منها شيئا)"". تحقيق لطيف في حال أجسام المعصومين عليهم السلام يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف حيث اتفق لنا ختم هذا الجزء بهذا الخبر الشريف حدثتني نفسي أن أردفه بتوضيح مسألة طالما بحث عنها الباحثون ولم يرجعوا فيها إلى أمر تسكن إليه النفوس لأمور لا يهمنا ذكرها وهي حال جسد المعصوم وأجساد من سواه بعد الموت في القبور فإن للناس فيه خيالات وتخمينات وحكايات لا تنتهي إلى أمر وثيق مثل ما يتحاكون فيما بينهم أن فلانا مثلا كشف عن قبره بعد سنين متباعدة فوجدوا جسده كهيئة يوم وضع في قبره غضا طريا لم يغيره التراب ويعدون هذا من إمارات السعادة ولئن سألتهم أي دلالة في ذلك على السعادة تحيروا في الجواب ولم يأتوا فيه بشيء مبين والسبب في ذلك أن كثيرا من الناس منطقهم تابع لما يركبون في أفواههم من الحروف وليس في قلوبهم معنى محصل فلا جرم تخرج أكثرها مهملة لا تفيد معنى عند العقلاء وإن اتفق أنها خرجت مقيدة بمعنى فبالبخت والاتفاق وهذه الحكايات من القسم الأول فإنهم سمعوا شيئا طرق آذانهم ولم يعرفوا ماذا يراد بذلك فهو كما قال الشاعر: قد يطرب القمري أسماعنا ونحن لا نعرف ألحانه وتحقيق القول فيه على ما ينبغي يقتضي تأليف كتاب لاحتياجه إلى مقدمات طويلة خفيت على كثير من الناس فلا جرم نقتصر هنا على أدنى ما يؤدى به المقصود ونقول والله ولي التوفيق. لا ريب أن كل ذي حياة له جسد هو ما يتراءى منه في الظاهر وروح بها حياته وبقاؤه على ما هو عليه من التركيب وهو ألطف من الجسد وأبسط فلا بد أن يكون حيزهما أيضا مختلفا بأن يكون حيز الروح لو خلي وطبعه أعلى من حيز الجسد وأقرب إلى الغيب، هذا وقد تقرر في الماير يبه لي نفَتْ عنكم الخَيَن جمل البَيت ظِمركن علمنا أن كل جسد من تنزل روحه الخاص به وإلا لما كان تعلقه بذلك الجسد أولى من تعلقه بجسد آخر مغاير له في الحدود والمشخصات، والفعل من الحكيم جار على وفق الحكمة الطبيعية لا على التهافت أو الجبر والقسر، فكل روح وجسده بينهما مناسبة ذاتية هي سبب تعلقه به إذا تمت البنية الجسمانية كالمغناطيس والحديد وكالدخان المتصل من الفتيلة المنطفية بالسراج الجاذب لتعلق شعلة منه بالفتيلة إن كنت جربته، ثم إن كل جسد مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة كما هو محسوس في الطبيعي المكتوم الذي هو أصح العلوم وأمها فإن أهله يحللون الجسد ويستخرجون منه أجزاء نارية وأجزاء هوائية وأجزاء مائية وأجزاء أرضية. إذا تمهدت هذه المقدمات فنقول لا ريب أن الجسد والروح إذا كان بينهما مناسبة ذاتية لم يقتضيا بذاتهما المفارقة وقد عرفت أن فعل الحكيم تعالى جار على وفق الحكمة وإجراء الأمور بالأسباب، فلا بد لفراق الروح من الجسد من سبب وقد اختلف قول الناس في تعيين ذلك السبب ولسنا بصدد تفصيله وترنيفه، والذي صدر من معدن الوحي أن سبب فراقه تخلل الآلات الجسمانية واختلاف المتولدات كما في حديث أمير المؤمنين عليه السلام في النفس الناطقة والحيوانية في جواب الأعرابي، وبيان ذلك ما تقرر في الطبيعي المكتوم من أن العلة في مفارقة الأرواح للأجساد وتفرق أجزاء الجسد وتفتتها بتسليط النيران والأهوية والأتربة والمياه عليها عروض وامتزاج أجزاء يوابق يوايق سَالُ عَلَتَنْ سراك، غراة المودة فى القُربى بها غريبة ليست من سنخها وهي التي عاقت حجر الإكسير عن البلوغ إلى درجة الإكسيرية بالفعل فلا بد لمن رام أن يستخرج النفس الإكسيرية من القوة إلى الفعل من إخراج تلك الغرائب من الحجر الكريم وإزالتها كما أشار إليه صاحب الشذور بقوله: لهرمس أرض تنبت العز والغنى إذا ما انتفى عنها غريب الحشائش والسبب في ذلك أن الجسد إذا امتزجه غريب أثر فيه، وأوجب ضعف المناسبة الممسكة للروح فيه فتطلب الروح مركزها وتفارق الجسد لا محالة، وإذا فارقت الروح الجسد بمعنى غيبتها عنه وتوجهها إلى عالمها لقيت أجزاء الجسد أيضا لاختلاط المفسد الغريب به فيطلب كل من الأجزاء مركزه فتبطل بنيته ويضمحل تركيبه، فالتعب كله في العمل لإخراج ذلك المفسد في الأرض وذلك لا يمكن إلا بالأعمال المقررة في هذه الصنعة من التهذيب والتقريب والحل والتقطير والتكليس والتعفين والتشميع والتشبيب وغير ذلك من الأعمال على الترتيب الذي قرروه فإذا زال الغريب المفسد وقرن بين الأرواح المتنافرة والأجساد الجامدة تعارفت الأجزاء وتعاشقت وتعانقت بحيث لا ينفك شيء منها من الآخر لشدة الائتلاف والاتحاد والمؤانسة والمناسبة بينها فيولد من بينها الولد الكريم الذي يفاخر على أبويه وهو النفس الإكسيرية الفعالة التي هي الغاية القصوى من جميع تلك الأعمال، قال بعض الحكماء ونعم ما قال- إن المانع لكل شيء لنَّ ت ا نف فن يَكم الخين هل النَّيْتُ يَطِمركن طَهيرَا عن بلوغ ما هو ممكن في حقه عرض فاسد موجب للمنع والحجاب والسقوط والرزالة فإذا زال المانع بلغت الأشياء بالفعل والانفعال إلى غاية هي ممكنة لها فإزالة الأعراض الفانية لا بد منها، لتخليص الجواهر الفانية التي لا تبيد.هي. وإليه أشار صاحب الشذور بقوله في الروح والجسد: وما فرقا بالحل إلا ليغسلا وبالغسل بعد الحل يتحدان فالسبب لتخلل الآلات واختلاف المتولدات التي هي الأخلاط وغيرها امتزاج الغريب المفسد المخرج للبدن عن الاعتدال الطبيعي ومن البين أن الأجساد بل والأرواح في الدنيا ليست خالية عن الأعراض الغريبة وإلا لما عرضتها الأمراض والموت وأيضا الأجساد الأخروية في كمال الصفاء واللطافة التي قد سمعت بعض أوصافها من ألسن الوحي في المؤمنين وفي كمال الظلمة والكثافة الصرفة التي قد سمعتها أيضا في الكفار ولا ريب أن جسد المؤمن في الدنيا ليس بتلك اللطافة ولا جسد الكافر بتلك الكثافة ففي كل منهما أعراض غريبة ليست من سنغ جوهرهما، وما دامت تلك الأعراض فيهما فهما غير صالحين للتركيب الخالد الذي لا يعرضه موت أبدا كما هما في الآخرة كذلك كما ورد في الحديث ما معناه أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح بين الجنة والنار ثم ينادي مناد من قبل اللّٰه تعالى: يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت"، الحديث، وإنما خلط الحكيم في الدنيا بين الكثيف واللطيف تحقيقا للاختيار المصحح للتكليف من باب قوله (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) ") ثم أنه بلطفه ورأفته كلفهم بالإيمان ولوازمه من الأعمال الصالحة وبعث بذلك أنبياء مرسلين وأوصياء مرضيين ليرشدوهم إلى ذلك الطريق فمن قبل منه ذلك خلق روحه وجسده بالخلق الثاني من طينة لجنة التي هي اللطيف الصرف على حسب درجة قبوله ومن جحده خلق روحه وجسده بالخلق الثاني من طينة النار التي هي الكثيف الصرف على حسب درجة جحوده، وكل من الفريقين سائرون بأقدام أعمالهم في الدنيا إلى ما خلقوا منه في الخلق الثاني فالأعمال في الحقيقة أسباب التخلص من أعراض الدنيا الغريبة الممتزجة بطينة كل من الفريقين نظير أعمال الصناعة الجاذبة للحجر إلى التخلص من الأعراض والبلوغ إلى غايه هي ممكنة له،ولا ريب أن درجات الناس مختلفة في الأعمال كما وكيفا، فمن قوى عمله من المؤمنين بحيث وفى بتخليص جسده من تلك الكدورات العارضة له من العناصر الفانية الزائلة بالنسبة إلى من ينتقل إلى الآخرة ولم يبق منها إلا بقدر ما يصحب به الدنيا إلى الأجل المحتوم الذي قدر له، فهذا هو المؤمن الكامل الذي مات قبل أن يموت ويظهر منه في الدنيا آثار غريبة وكرامات عجيبة من طي الأرض والمشي في الماء وتحريك لَ ي الته نفَ تن عنكم الخَي هل النَيت يطمركة طَهِيرَا الأجسام العظيمة الثقيلة من مراكزها والإخبار عن الأمور الغائبة وإنطاق الجمادات والنباتات والحيوانات وأشباه تلك من خوارق العادات كل ذلك لتخلص جوهر جسده وجسمه من الأعراض الغريبة الموجبة للظلمة والحجاب الباعث لائتلاف الروح للجسد الموجب لظهور النفس اللاهوتية الإلهية فيه التي هي بمنزلة النفس الإكسيرية الفعالة في الإنسان الوسيط وهو قول أمير المؤمنين جام: (خلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت أوائل جواهر عللها وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد)". وأصرح منه ما روى الشيخ العلام الإحسائي في كتابه شرح الحكمة العرشية وكذا في كشكوله أن بعض اليهوداجتاز بأمير المؤمنين عليكلام وهو يتكلم مع جماعة فقال: يا ابن أبي طالب لو أنك تعلمت الفلسفة لكان يكون لك شأن من الشأن، فقال عليم: وما تعني بالفلسفة؟ أليس من اعتدل طباعه صفى مزاجه ومن صفى مزاجه قوى أثر النفس فيه ومن قوى أثر النفس فيه سما إلى ما يرتقيه ومن سما إلى ما يرتقيه فقد قلّا سبالَم ليه رال الموَة فِ التَرْبِىِ تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري وليس له عن هذه الغاية مغير، فقال اليهودي اللّٰه أكبر يابن أبي طالب فقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات رضي اللّٰه عنك)". فالمراد باعتدال الطباع حال زوال الغرائب المفسدة، وبصفاء المزاج ائتلاف الأجزاء الجسمية والروحية، وبتقوي أثر النفس فيه ما أشرنا إليه من ظهور النفس اللاهوتية عليه ومثل هذا المؤمن إذا مات بسبب الأعراض الضعيفة الباقية فيه ووضع في القبر لم يأت التراب على تفكيك أجزاء جسده الأصلي لشدة تلزز أجزائه كالذهب الخالص وزحف العرض المفسد وعدم تسريه في أعماقه وإنما هو شيء في ظاهر جسده فإذا وضع في قبره زال عنه العرض من غير أن يؤثر في أصل جسده تغييرا ومثاله الذهب المغشوش الموضوع في الخلاص فإنه يقلع الأجزاء الغشية من أعماقه من غير أن يبطل صورته ولكنه بعد زوال العرض منه يغيب عن أبصار أهل الدنيا للطافته ونوريته فلا يراه إلا من هو من أهل ذلك العالم الذي هو فيه وإنما يبقى منه في القبر الأعراض العارضة له من العناصر الدنيوية فافهم. نعم مدة الخلاص متفاوتة فربما تكون طويلة وربما تكون قصيرة من الكواكب قال لا ثم أخبره علْكَلام بأن تحت حافر فرسه اليمنى كنز وتحت اليسرى عين من الماء فنبشوا فوجدوا كما ذكر عَلَيَلام فقال الدهقان ما رأيت أعلم منك إلا أنك ما أدركت علم الفلسفة فقال ال كلام من صفي مزاجه اعتدلت طبائعه ومن اعتدلت طبائعه قوي أثر النفس فيه ومن قوي أثر النفس فيه سما إلى ما يرتقيه ومن سما إلى ما يرتقيه تخلق بالأخلاق النفسانية وأدرك العلوم اللاهوتية ومن أدرك العلوم اللاهوتية صار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان ودخل في باب الملكي الصوري وماله عن هذه الغاية معبر فسجد الدهقان وأسلم). لَرْ به التنفت عنكهم الخي الهال النيت ظِمر لتفاوت الأشخاص في مراتب ضعف العرض، فالذي سمعت من أن من داوم على العمل الفلاني مثلا لم يبل جسده، المراد به ما ذكرناه لا أن يبقى جسد الشخص الأصلي في القبر بهذه الهيئة الدنيوية الظاهرة للأبصار كما يلوكه الجهال بأفواههم وينقلون عليه حكايات واهية كاذبة يفرغ بعضها في بعض، نعم إن صدقوا في بعض ما يلوكون فالمأخذ فيه ما سنذكره في حال سائر الناس إن شاء اللّٰه تعالى. ومن لم يف عمله بذلك إما لقصر بقائه في الدنيا وإما لضعف إيمانه الموجب لضعف عمله كما وكيفا فهو إذا فارقت روحه جسده ووضع جسده في القبر يحتاج إلى التصفية الطبيعية ولا يمكن ذلك حكمة إلا بحل الأجزاء وكسرها وتفكيكها لانغمار الأعراض الغريبة في أعماقه وشدة تعلقها به، بحيث لا تنفصل عنه إلا بهدم بنية الجسد وتكليسه وحله وتقطيره وتصعيده وغسله وغير ذلك من الأعمال، فمثل هذا الجسد يبلى في القبر وتتفكك أجزاؤه الأصلية الباقية بعضها عن بعض بتبعية الأعراض الفانية، وربما تتفرق في أقطار الأرض مصاحبة لتلك الأعراض حتى إذا تخلصت من تلك الأعراض بالكلية أسرعت إلى التربة التي ماثها الملك بأمر اللّٰه في نطفتي أمه وأبيه وهي قبره الأصلي فبقى فيها مستديرة إلى حين البعث كما ورد في الحديث وهذا هو أحد معاني قول أمير المؤمنين إيَدم (كم من آكل لحم أخيه وشارب برأس أبيه) هي، وهؤلاء أيضا مدة تخلصهم متفاوتة بحسب الأشخاص، هذا حال المؤمن. الناسِيَالُكم عَلِيْةِ جْرَةِ المَوْ وأما حال الكافر فهو أيضا كحال المؤمن حذو النعل بالنعل وإنبا التفاوت في شيئين أحدهما أن جسد المؤمن إذا تخلص من الأعراض الغريبة الفانية صار صافيا نورانيا صرفا على حسب ما فيه من نور الإيمان، وجسد الكافر على العكس فصفاؤه إنما هو في الظلمانية، ثانيهما أن أجزاء بدن المؤمن بعد التصفية تصير مؤتلفة بكمال الائتلاف والاتحاد بحيث لا يتطرق إليها الفساد بعد التركيب الخالد في المعاد وذلك بعد التصفية الثانية بعد الرجعة فيما بين النفختين، قال بعض الطبيعيين وأجاد: (إن الإحراق هو سبب لطهارة الجسد وطهارة الجسد هي سبب مناسبة النفس له، ومناسبة النفس له سبب عشقها له، وعشقها له بسبب اتحادها به، واتحادها به سبب كونه روحانيا مثلها، وكونه روحانيا مثلها سبب حياته الأبدية واستحالة الموت عليه)، هي، فتدبر في هذا الكلام وانظر ما أوفقه على قواعد الخلقة. وأما الكافر فأجزاؤه وإن خلصت من أعراض الدنيا ولكنها لا يأتلف بعضها ببعض بل يصير الاختلاف بينها بعد التصفية أشد لأنها على ضد طينة المؤمن ذاتا وصفاتا لأنها خلقت من طبيعة التنافر والتناكر ولذا لا يكون بين أهل النار مصافاة أبدا بل كلما دخلت أمة لعنت أختها وإنه لحق تخاصم أهل النار فبينهم في عين المناسبة كمال المنافرة تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى فالطبيعة الثانية المغيرة التي طبعه اللّٰه عليها بكفره في الخلق الثاني التشريعي تدعوا أجزاء وجوده دائما إلى التفكك والهلاك والاضمحلال والتنافر لاختلاط الغرائب من رْ نفوفر عنكم الِخَيَ هالِ النيت يطمركن طَهَيرَا المعاصي بها وفي الخطبة ( هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب) " فافهم. ولكن الطبيعة الأصلية التي فطر اللّٰه جميع الناس عليها في الخلق الأول التكويني تعارضها في ذلك فتدعوا الأجزاء إلى الاجتماع والحياة فيكون بينهما دائما تنازع وتصادم، كلما جمعتها الطبيعة الأولية فرقتها الطبيعة الثانية بمعونة النار، ولذا أخبر تعالى عن حالهم بقوله (ثم لا يموت فيها ولا يحيى) " الآية، ومما يرشد إلى ذلك حديث الطائر الموكل بجسد ابن ملجم الملعون وتفريقه لأجزائه بالأكل ثم قيئه لها واجتماعها، ثم تفريقه لها ثانيا وهكذا إلى يوم القيامة، والخبر مشهور عسى أن نورده في ضمن المعجزات، ومنه ما ورد من أن أهل النار إذا استغاثوا من العطش يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه فتسقط لحوم وجوههم فيه، هي. ولا ريب أن هذا الساقط يعاد إليهم ثانيا بحكم قوله تعالى ( كلما ضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) " و بين الصادق لام أن الجلود المبدلة هي هي وهي غيرها بمنزلة اللبنة تكسر وتصاغ، وبالجملة أهل النار دائما في التفرق والاجتماع فإن المتوكلين بهم يضربونهم بمرزبة فتتطاير أجزاء جسدهم كالهباء ثم تجتمع ثم يضربونهم أخرى وهكذا، وهو من أنواع عذابهم والسبب فيه ما بيناه. وأما المستضعفون ومن في حكمهم فأجسادهم أيضا تبلى في القبور بالطريق الأولى، هذا واعلم أن مدة بلى الأجساد تختلف باختلاف طالع الأتربة والأهوية وسائر الأسباب الغيبية والشهادية فربما يبقى الجسد في القبر خمسين سنة أو أكثر لا يبلى شيء منه ولكن مآله إلى البلاء لا محالة فالذي يحكيه بعض القاصرين إن كانوا صادقين فيما يحكونه هو أمثال هذه الأجساد ولا دلالة فيه على السعادة لأن بلى الأعراض سريعا أو بطيئا ليس مناطا في سعادة الشخص ولا في شقاوته. وبالجملة إن موضوع الكلام في بلى الأجساد وعدمها إن كان هو الأعراض الزائلة الفانية فهي بالية في كل ذي روح وإن كان أصل الجسد الذي به يحشر ويعاقب أو يثاب فقد عرفت أن منها ما لا يبطل تركيبه ولكن إذا زالت عنه الأعراض لم يدرك بهذه الأبصار الدنيوية فلو كشف قبره لم ير فيه شيء منه ومنها ما يؤول حاله إلى بطلان التركيب والبلى فما لم يبطل تركيبه أو بطل ولم يصل إلى حد البلى بعد فهو يرى في ذلك الحال بتلك الأبصار وأما بعد ذلك فلا، نعم لا نمنع من أن تقتضي حكمة من حكم اللّٰه الخاصة أحيانا ظهور أجساد بعض الموتى لأبصار أهل الدنيا سواء بليت أم لم تبلى كما ورد كثير من ذلك في معجزات الأنبياء والأوصياء وهو قد يكون بتلطف أبصار الناظرين على نحو تدرك ما في عالم الغيب، وقد يكون يجذبه إلى عالم الشهادة بأن يلبسه الحكيم لباسا من سنخ هذا العالم كما كان في أول الأمر بحيث تدركه ظواهر الأبصار ولكن هذا طور خارج عما نحن فيه لأن لِ يت تفَ ت عنكم الخَين ها النَيت يَطِمركة طَهَيرَا كلامنا في مقتضى الحكمة العامة التي جرت الخلقة عليها في الكلية، هذا حال أجساد سائر الناس. وأما المعصوم فجسده في كمال الصفاء واللطافة والاعتدال من بدو شأنه بحيث لو ظهر للناس بصورته الأصلية يذهب سنا برقه بالأبصار فلا يطيق أحد رؤيته، وإنما تلبسوا بلباس البشرية الدنيوية بالعرض لمصلحة الخلق ليطيقوا مشاهدتهم والأخذ عنهم والانتفاع بهم وهو مع ذلك فيهم في كمال الرقة واللطافة والضعف في التعلق حتى أنه بلغ في النبي 4 أنه يقف في الشمس ولا يرى له ظل لغلبة نوريته على الكثافة البشرية فهو يطرد الظل عنه كنفس جرم الشمس، ولأجل ذلك كانوا يصعدون السماء وينزلون الأرض ويمشون على الماء ويبلغون إلى ما شاؤوا في طرفة عين ويمدون أيديهم إلى أي مقدار من المسافة شاؤوا، ويأتون بما يريدون ولا تعوقهم الأعراض البشرية عن ذلك لاضمحلال أكثر أحكامها في جنب نورية أصل جسدهم الشريف، ولو أنهم أرادوا أن يرفعوا حكمها بالكلية فهو في اختيارهم وليسوا كسائر الخلق مقهورين تحت حكم الأعراض لا يقدرون على رفعها حيث شاؤوا فجميع ما يعرضهم من لوازم الأعراض إنما هو باختيار منهم وإن كانت درجات المعصومين أيضا في ذلك متفاوتة، فإن سائر الأنبياء والأوصياء لا يقدرون على ما يقدر عليه محمد وآله المعصومون صلى اللّٰه عليه وعليهم أجمعين لأن رتبة أولئك بحسب رتبة هؤلاء، فهؤلاء إذا اختاروا الموت على الحياة وانتقلوا من هذه الدار الفانية انخلعت عنهم الأعراض في أول ما يكون بحسب العادة الطبيعية وقد اختلفت الأخبار في تقدير مدة الخلع، ففي بعضها أنه لا يبقى في الأرض أكثر من أربعين يوما وفي بعضها أنه لا يبقى أكثر من ثلاثة أيام ووجه الجمع تفاوت أشخاص المعصومين في ذلك، فإذا انخلعت عنهم الأعراض ارتفع جسدهم بما هو عليه من التركيب بجميع ما له من اللحم والعظم والدم وغيرها إلى العرش والسماوات أعني عرش القبر وسماواته لأن تلك الأجساد نزلت منها وتعلقت بالأعراض الدنيوية فلذا قال ( إن الله حرم لحومنا على الأرض فلا تطعم منها شيئا)"" و والمراد به لحوم أصل أجسادهم لا الأعراض الزائلة لأنها أصلها من الدنيا ولا تتعدى إلى عالم البرزخ فضلا عن الآخرة، ومثال أسادهم ة بالنسبة إلى الأعراض الزائلة الصورة الواقعة على المرآة منك فإن جرم الشيشة مثال الأعراض الزائلة والصورة الظاهرة بها مثال أصل أجسادهم فإنك إذا كسرت الشيشة لم ينكسر من صورتك شيء وإنما ترجع إليك بما هي عليه وتستقر في ظلك وتغيب عن الأبصار الظاهرة مع أنها باقية في رتبة أعالي ظهورك معلقة على أوائل عللها من فعلك بحيث كلما قابلتها مرآة ظهرت بل لو قابلتها ألف ألف مرآة ظهرت في جميعها من غير أن تتعدد أو يتجزأ في نفسه فلا تستبعد حضور أمير المؤمنين علتم عند جنازته أو كونه هو الذي رفع مقدم سريره كما روي أيضا. فحاصل الكلام وملخص المرام في المقام أن جسد المعصوم إذا اَِّرُ الت نف فتروع يكم الخي جمل النيت يطهركن طَهينَا وضع في القبر انخلعت عنه الأعراض في زمان يسير لضعف تعلقها به وتعلق الجسد بما هو عليه من التركيب والتأليف بعرشه الذي نزل منه وهو غيب القبر الظاهر ولا تأكل الأرض من أجزاء جسده شيئا ولا تأتي على تفكيك جزء منه، وأما الأعراض فيلحق كل جزء منها لمركزه من العناصر الظاهرة كما أن بدنه في الحياة إذا مرض وتحلل منه أجزاء من اللحم والعظم والدم وغيرها لحقت بمركزها وتخلف مكانها بدل مما يتحلل من لطائف سائر الأغذية ولا ينقص من أصل جسده شيء، والقول بأن الاعتبار في تقوم كل شخص بما هو عليه بصورته لا بمادته فإن أجزاء المادة متحللة دائما كما زعمه الصدر الشيرازي وبه صحح المعاد الجسماني من جملة المجازفات، فإن أصل حقيقة كل شيء جسدا كان أم غيره مادته والصورة إنها تتقدر بقدرها لأنها في الحقيقة صفة للمادة وقيام الصفة بغير موصوفها شطط من القول، وإنما أوقع هذا الفاضل في أمثال هذه التلقيات عدم وقوفه على العلم الطبيعي المكتوم الذي هو المرآة لمشاهدة هذه الأمور، فإن من له أدنى وقوف بهذا العلم لم يتفوه بأن المعاد هو الصورة دون المادة، هذا مع أن القائل بذلك خارج عن مدلول كتاب اللّٰه حيث يقول في جواب من قال (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)"، الآية فإن سوق الآية صريح في أنه يعيد مادة العظم الرميم لا صورته كما توهم هذا القائل، نعم إن العظام إنما تعاد بصورة عمل الشخص فإن كان مؤمنا فبالصورة الإنسانية وإن كان كافرا أو منافقا فبما اقتضاه عمله من الصور الحيوانية أو الشيطانية كما نطق بذلك لسان الوحي في غير موضع من الكتاب والسنة بل هو في حد التواتر معنى حتى كاد ضمونه وهو تبدل صور العاملين في الحشر عماهم عليه من الصور في الدنيا يبلغ حد الضرورة، فإن الألسنة على اختلافها مطبقة على ذلك في الموارد الجزئية وهي صورهم الباطنية التي كانت طينة موادهم منطوية عليها من جهة الأعمال التي هي فروع الإيمان والكفر، وكانت في الدنيا مستورة بسر الإجابة الظاهرة في الذر الأول ولما كسرهم المبدأ في القبر وأراد صوغهم للجزاء استدعى كل من المواد صورته الأصلية التي اكتسبها من أعماله الخاصة به، وليس هنا محل تفصيل هذه الأمور وإنما أشرنا إلى شيء منها تتميما للفائدة. هذا وبالتأمل فيما ذكرنا من حال جسد المعصوم تعرف معنى نقل نوح لعظام آدم من سرنديب إلى النجف ونقل موسى لعظام يوسف من مصر إلى الشام وأن المراد بالعظام تمام الجسد لما عرفت من أنه لا يبلى ولا تتفكك أجزاؤه وليس المراد منها الأعراض الزائلة لعدم فائدة في نقلها بعد تخلص الطينة الأصلية منها وعدم جريان العادة ببقائها هذه المدة الطويلة على ما هي عليها من التركيب فافهم وتبصر وفي المقام أسرار لا يسعنا ذكرها. وأما جسد غير المعصوم فمنها أيضا ما لا يبلى بل ينقل من دار إلى دار وهو جسد الكاملين من أهل الإيمان ولذا قال تعالى في حقهم (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّٰه أمواتا بل أحياء عند دبهم 粼mu鼷 انَّارْ ا ته الّنْقَنْ عنكم الخَين هل النَيْتُ ظَمركة طَهَيرَا يرزقون)"، فإنه لو كان المراد بها حياة الأرواح خاصة لما كان فرق بينهم وبين سائر الناس حتى الكفار فإنهم أيضا ليسوا بأموات بهذا المعنى فافهم، ولكن مدة تخلصهم من الأعراض الدنيوية ليست على حد سرعة تخلص المعصومين ومنها ما يبلى بتبعية الأعراض للعلة التي ذكرناها في ما قبل وهو أجساد من سواهم على تفصيل يطول بذكره الكلام. هذا حال الأجساد المركبة من العناصر وأما الأرواح فتخرج من الأجساد بمصاحبة الجسم الحيواني ويلحق بجنة الدنيا إن كانت مؤمنة وبنارها إن كانت كافرة، وهذا الجسم هو القالب الذي ورد في الأخبار من أن الأرواح إذا فارقت الأجساد جعلت في قالب كقالبها في الدنيا وهذا القالب ليس أمرا أجنبيا يلحقها بعد الموت وإلا لكان تناسخا بل هو الذي كان في الدنيا في باطن هذا الجسد وعليه حاملا للأرواح من المثال والمادة والطبيعة والنفس والروح الرقيقي والعقل وإنما أتى بعبارة يوهم ما زعموه تحقيقا للتخلص به وذلك مثل أن يقال أن الروح إذا نامت دخلت في عالم كعالمها في اليقظة فإنه عبارة صحيحة بليغة مع أن الروح ما كانت غائبة عن ذلك العالم ولا خارجة عنها وهي في حال اليقظة لأن عالم النوم عالم حسها المشترك البرزخ بين الباطن والظاهر فيؤتى بهذه العبارة لأنها حال اليقظة مشتغلة بعالم الحس الظاهري فإذا أعرضت عنه بالنوم خلصت للالتفات إلى ذلك العالم وكانت كأنها دخلته في ذلك الحين، وكذا تخلصها للجسم بعد الإعراض عن الجسد ولبعض القاصرين في هذا المقام خيالات وتخمينات تضحك الثكلى. هذا وربما يقول قائل إنا لا نعرف فرقا بين الجسم والجسد. فنقول الجسد هو القالب العنصري النباتي الذي يبقى ميتا بعد مفارقة الروح منه وأصله من لطائف العناصر الأربعة، وأما الجسم فهو القالب الفلكي الحيواني الذي أخذ من طالع الأفلاك إذا فارق الجسد بقي الجسد مييا لأن من المعلوم أن الإنسان إذا مات خرجت منه روحه الحيوانية التي بها كان يتحرك ويمشي ويحس مع سائر الأرواح المجردة، وهذا الجسم هو المراد فيما نحن فيه وهو على هيئة الجسد العنصري النباتي المعدني فيقال عليه الروح بالنسبة إلى الجسد وحياته به وهو جسم بالنسبة إلى ما فوقه من الأرواح فافهم. وأما أرواح المستضعفين ومن في حكمهم فهي بعد الخروج من الجسد تبقى معه في القبر ملتهى عنها لشدة كثافتها وتحجرها بسبب العوارض إلى يوم القيامة كما يأتي التصريح بذلك إن شاء اللّٰه تعالى في حديث ضريس الكناسي المروي في الكافي في كتاب الجنائز في محله اللائق به من هذا الكتاب وهو حضور الأئمة علي عند الموتى، فتأكل لأرض غرائب جسده وإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة الصعق تفككت أجزاء روحه الذي قلنا أنه جسم إضافي كما تتفكك أجزاء أرواح من عداه أيضا للتخليص والتصفية ويدخل كل جزء منها إلى ثقب من الصور فتصفى هيولاه وصورته التي هي المثال على مقدار انَا به نفون عنكم الخَين هلِ الَيتُ طِمركن طَمَيَرَا ما ينبغي لحاله من التصفية ثم يركب في نفخة الدفع ويطلب جسده الباقي في الأرض المجتمع بضرب أمواج المطر النازل على الأرض قبل قيام القيامة، فتتحد روحه بجسده ويقوم للحشر ويجدد له التكليف فإما أن يقبله ويدخل الجنة …
صحيفة الأبرار — الجزء الأول · فضائل عامّة (غير مبوّبة)