الأقسامصحيفة الأبرارفضائل عامّة (غير مبوّبة)
صحيفة الأبرار

إلا بالله العلي العظيم. هذا وما أحرى لمن يتكلم بمثل هذه الكلمات أن يخطّئ من قبله من العلماء ولا سيما الأساطين الأربعة الذين كان عليهم مدار رحى مذهب الشيعة كل في زمانه وهم الحكيم النحرير المدقق مولانا المحقق الطوسي وناموس دهره وزمانه العلامة الحلي والمحدث المؤسس القدسي مولانا المجلسي والناموس الإلهي الكبريائي شيخنا العلامة الإحسائي قدس اللّٰه أرواحهم القدسية وطيب تربتهم الزكية فإنه لم يأل جهدا في إساءة الأدب بالنسبة إليهم ونسبتهم إلى الضلال والغواية ومتابعة هوى النفس وغيرها من أمور لست أذكرها، فظن شرا ولا تسأل عن الخبر حتى تمادى به الغي إلى أن اعتذر عن ذلك بعدما تمثل في عدم اتباعهم وعدم التزام السكوت في إبداء ضلالتهم بقوله سبحانه (قد افترينا على اللّٰه كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّٰه منها) " الآية، بأن موافقتهم والسكوت عنهم هو خلاف العدل وطريق الأدب التي أمر اللّٰه بها لأن الدليل حكم بضلالتهم، ثم جعل نفسه في ذلك من الذين يجاهدون في سبيل اللّٰه ولا يخافون لومة لائم وحمد اللّٰه تعالى على ذلك، وحق لمن يتجاسر هذا التجاسر العظيم أن بعميه اللّٰه عن طريق الحق حتى يخربط في كلامه بما لا يخفى قبحه على الصبيان في المكاتب والنسوان في المراتب ويفضحه بأيدي أضعف من أتى من نار آثارهم بقبس أو جذوة بإلقاء عصا تلقف ما يأفكون من حبال الأوهام هو وكل من حذا حذوه والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّٰه. وبأمر اللّٰه أن هذا الرجل وأشباهه ممن تقدم أو تأخر عنه لفي جهل عريض عن تصور معنى المعاد فكيف بالتصديق به فإنك إذا نظرت في كلماتهم وسمعت لحن مقالاتهم وجدتهم يزعمون أن معنى المعاد استحالة هذه الدار دار الدنيا وما فيها من الأجسام البسيطة والمركبة بدار الآخرة، والمساكين لم يعلموا أن هذا مستلزم لعدم كون دار الآخرة بعد مخلوقة خلق تكوين، والضرورة من ديننا قائمة على خلافه فإن دار الآخرة إنما هي جنة أو نار كما قال أمير المؤمنين ام (ليس وراء دنياكم هذه بمستعتب ولا دار إلا جنة أو نار)" وقد قامت الضرورة ودلت الأخبار من السنة القطعية على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وكيف لا وقد دخل رسول اللّٰه ليلة المعراج الجنة وكشف عن النار فرآها وما كان محض تصور وتخيل كمعراج خَسَ هل البَيت يطمركَنْرَّ بعض الملاحدة الذي يدعونه بل كان دخولا ورؤية عن وجود لا عن وجدان وكذا لم يعلموا أن كلا من الدنيا والآخرة عالمان مغايران مستقلان وما هذا حاله يمتنع فيه الاستحالة والانقلاب حكمة، وكذا انتقال أحدهما إلى الآخر بمعنى أن تنتقل الدنيا بما هي عليه من السماوات والأرضين والأوضاع والأحوال إلى دار الآخرة لأنه موجب لتداخل العالمين وتزاحمهما وهو غير معقول فإن اللّٰه تعالى حين خلق ملكه وجعله مشتملا على عوالم متعددة لم يجعل في شيء منها ولا فيما بين واحد منها وبين الآخرة خلاء بل ملأ كلا من العوالم مكانه الذي شقه اللّٰه بقدرته ووضعه فيه من غير فصل بينهما، فإذا فرض تحرك عالم من مكانه الذي خلق فيه وانتقاله إلى عالم آخر يليه لم يمكن ذلك إلا بأن يتحرك العالم الذي يليه أيضا من مكانه وهكذا إلى أن بصل إلى منتهى العوالم أو يفني اللّٰه تعالى أحد العوالم وينقل العالم الآخر إلى مكانه وكلا الأمرين مع عدم تحقق الانتقال المفروض بعد على فرض التسليم غير معقول، أما الأول فلأنه إنما يمكن إذا كان فيما وراء مجموع عالم الإمكان محل خال يمكن أن ينتقل آخر العوالم إليه حتى يمكن تبدل أمكنة سائر العوالم بجسبه وليس وراء مجموع عالم الوجود الذي خلقه اللّٰه شيء لا مكان ولا زمان ولا غيرهما بل لا وراء له أصلا إذ ليس وراء ما خلقه اللّٰه أمرا حتى يكون مجددا له ويكون هو منتهيا إليه، فأين ينتقل ذلك العالم إلى عالم الوجوب، فلا طريق إليه إلى عالم خارج عما خلقه اللّٰه تعالى فليس لنا عالم كذائي لأن الأمر المحقق الموجود منحصر فيما خلقه اللّٰه فافهم هذا البيان المردد بالفهم المسدد. هذا مع ما تقرر في محله من كون الأمكنة الذاتية من مقومات ماهية الشيء فإذا فرض انتقال شيء عن مكانه الذاتي يلزم فناؤه وعدم بقائه، وأما الثاني فلأن الفناء في مخلوق الحق بمعنى انقلابه ليسا محضا غير معقول لما ذكرنا من عدم وجود عالم وراء مجموع العالم الذي خلقه اللّٰه والعالم المخلوق وجود كله لأنه معنى المخلوق فأين العدم الذي تتوهمونه وأين مكانه من ملك اللّٰه فلا معنى للعدم في ملك اللّٰه سوى الكسر والصوغ وإبطان ما ظهر وإظهار ما بطن على تفصيل يطول به الكلام. فليس المراد بالمعاد انتقال عالم من مكانه المخصوص به من الوجود إلى عالم آخر يليه وإنما المراد به انتقال أهل عالم إلى عالم وراءه، بمعنى أن المعادين أصلهم خلق من عالم يسمى هو في العود عالم الآخرة بقول مطلق كما يسمى هو في النزول عالم الذر والتكليف الأول فافهم وتأمل، ثم نزلهم اللّٰه تعالى من عالمهم ذلك وكورهم في عوالم متعددة إلى أن وصلوا إلى عالم الدنيا التي نحن فيها الآن وهي آخر العوالم في قوس النزول، وليس حين نزلوا بقي عالمهم الذي نزلوا منه خاليا منهم وإنما نزلوا نزول اللب إلى القشر بأن تلبسوا بلباس عالم آخر حصلوا بذلك اللباس في ذلك العالم وهكذا إلى آخر العوالم، ألا ترى أنك حين نزلت من عالم الإنسانية وحصلت في عالم النبات وصرت به رحمَةُ يرامةُ خَبَ اهل الذيت يطهركن طَمينَا ذا نفس نامية تنمو بها وتكبر في الأبعاد لم تخرج من إنسانيتك وكونك ذا نفس ناطقة فأنت موجود في عالم إنسانيتك حين أنت حاصل في عالم النبات مشارك لها في الجسم والنفس النباتيين فكذلك ما نحن فيه نعم كلما نزل النازلون من عالم بطن عالمهم الأول وظهر بالنسبة إليهم العالم الذي نزلوا إليه وهكذا حتى وصلوا إلى أغلظ العوالم وأكثفها وهو العالم الدنيوي دار التكليف والابتلاء والاختبار واستنطاق الطبائع، وإنما نزلهم إلى هذا العالم ليظهر كل منهم من الأعمال الباطنة القلبية والظاهرة الجسمانية ما جبل عليه في عالم الذر بالاختيار فيأخذوا من تلك الأعمال أجنحة يقدرون أن يطيروا بها ويصلوا إلى ما خلقوا منه خلقا ثانيا لمقتضى نتائج أعمالهم فإما إلى عليين وإما إلى سجين، ومن له غور في العلم المكتوم الطبيعي عرف ما نقول فإن اللّٰه عز وجل خلقه من لطفه لعباده مرآة لمعرفة هذه الأمور ولا فرق في ذلك النزول بين الأجسام البسيطة كالسماوات والنجوم والعناصر المركبة كالمواليد فإن لكل منها أصل من سنخ عالم آخر ولباسا وقشرا من سنخ الدنيا، فإذا أخذ النازلون في الصعود إلى عالمهم الأصلي من طريق النزول بعدما أخذوا أهبتهم من هذه الدار ألقوا ما أخذوا منها فيها ولم يصحبوه معهم لأن ذلك المأخوذ لباس إنما أصل مبدئه هو العالم الذي أخذ منه هو ولا يتجاوز مبدؤه ولا يتعدى إلى عالم آخر بل يبقى فيه ويلحق بأصله لحوق ممازجة وهو معاد ذلك المأخوذ أيضا فينقلون هؤلاء إلى منزل آخر ويحصلون فيه بلباس ذلك العالم ير مه واللباس الذي كان لهم في باطن هذا اللباس الدنيوي وقد تلبسوا به في نزولهم ومرورهم إلى ذلك العالم وهو عالم البرزخ في الصعود الذي هو عالم المثال في النزول يعني مقابله لأنه في النزول كالبذر المزروع وفي الصعود كالحبة النابتة منه وكذلك كل عالم من عوالم النزول بالنسبة إلى مقابله في عالم الصعود فافهم وتبصر، فهكذا يصعدون وينتقلون من منزل إلى منزل آخر إلى أن يصلوا إلى عالم الآخرة الذي هو آخر المنازل والمقصد الأصلي والعالم الجامع لأن العوالم النزولية كالحروف الصعودية كالكلمة الجامعة فافهم وتبصر مرة أخرى فإنا لا بسعنا توضيح كل ما نشير إليه في أثناء الكلام لأنه يخرجه عن النسق والضبط، فالعوالم النزولية والصعودية كلها باقية على ما هي عليه في مكانه الذي وضعه اللّٰه فيه ولا يحصل في شيء منها تغيير بانتقال من بنتقل منه كما أنك إذا أخذت من بلدك طريقا إلى مكة مثلا وطويت في ذهابك وإيابك المنازل التي في أثناء الطريق لم يحصل بدخولك فيها أو خروجك منها تغير في ماهية ذلك المنزل ولا في مكانه الذي هو واقع فيه وإنما يحصل لك بدخولك لباس من أوضاع ذلك المنزل وهو وضع كونك فيه ونزولك به فإذا ارتحلت عنه خلعت ذلك اللباس وتلبست بلباس حصولك في منزل آخر وبقي ذلك اللباس المخلوع وهو الهيأة الوضعية المخصوصة به في ذلك المنزل الأول ولم تصحبه أنت معك إلى مقصدك لأن مبدأه الأصلي إنها هو من نفس ذلك المنزل لِ ر بت تنفي عكم الخَي هال النيت طمركن طَيرَا فيكون منتهاه أيضا إليه. والحاصل أن اللّٰه تعالى يقول (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) ويقول (كما بدأكم تعودون)" فأخبر أن للشيء خزائن متعددة قد نزل منها وشبه العود بالبدء فانظر إن كانت العوالم والخزائن التي طواها المخلوقون في نزولهم الذي هو البدء فنيت أو تبدلت بعالم آخر بانتقال المخلوق عنها فقل بمثله في العود وإلا فلا معنى للتوهم المذكور، فعالم الدنيا بجميع ما فيه ظاهر عالم الآخرة والآخرة باطنه ولا ينقلب الظاهر باطنا ولا الباطن ظاهرا بمعنى أن يفنى المنقلب من حيث هو هو ويستحيل بالمنقلب إليه بل الدنيا دنيا أبدا والآخرة آخرة أبدا وكلاهما موجودان حال وجود الآخرة كما أن عالم البرزخ موجود الآن وقد أخبر اللّٰه تعالى عنه بقوله (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) فالأموات ينتقلون إليه مع أن الدنيا باقية على حالها فكذلك الآخرة التي هي باطن البرزخ، فاستحالة الدنيا إليها حصول للحاصل وهو محال، فالذي في الآيات والأخبار من تبديل الأرض غير الأرض وكشط السماء وطمس النجوم ونسف الجبال وأشباه ذلك ليس المراد بها ما يفهمه القاصرون، وإنما المراد بها تفكيك التركيب لتخليص الباطن من الظاهر كما في أجسام المواليد وبعد ذلك يجددها اللّٰه تعالى عالما جديدا ويخلق فيها مخلوقا على ما يشاء كما ورد في الأخبار، ففناء هذا العالم إنها هو بالنسبة إلى أهله المنتقلين عنه وإلا فما دخل في ملك اللّٰه لا يخرج عنه إذ لا خارج له ولكل العوالم مقام معلوم لا يتعداه إلى غيره لأن ما وراءه ليس بفارغ بل هو مشغول بعالم آخر فافهم. روى الصدوق في آخر الخصال بسنده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر علتلام عن قول اللّٰه عز وجل (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد) فقال: (يا جابر تأويل ذلك أن اللّٰه عز وجل إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد اللّٰه عز وجل عالما غير هذا العالم وجدد عالما من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه وخلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم وسماء غير هذه السماء تظلهم لعلك ترى أن اللّٰه عز وجل إنما خلق هذا العالم الواحد وترى أن اللّٰه عز وجل لم يخلق بشرا غيركم بل والله لقد خلق اللّٰه تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الأدميين)". والمراد بالغير المذكور في الحديث الشريف ما أشرنا إليه من تجديدهما بعد بطلان التركيب الأول وكذا المراد بالإفناء ما قررناه لما عرفت من البراهين على بطلان ما زعمه من القاصرين فأين انتقال ما مبدؤه هذه الدنيا إلى الآخرة حتى يصح اعتراض السيد المذكور على هؤلاء الأساطين الأعلام فتدبر ولا تكونن من الإمعة ولا من الذين جعلوا عقولهم القاصرة إماما يقتدى به من غير هدى ولا كتاب منير. واعلم أن مفتاح هذه العلوم العلم الطبيعي المكتوم، فإنهم يدبرون الأرض بتدبيرهم الخاص ويستخرجون منها الروح والنفس والصبغ انَ يبه التْفَنْ عنكم الخَيَ اهل النَيْتُ يَطَمْر كَنْ طَهِيرَا ويصعدونها فيتميز به اللطيف الذي هو أصلها من الكثيف الغريب فيعيدون الأرواح والنفوس إلى ذلك اللطيف ويحيونه بها، وأما الكثيف فيلقونه خارج العالم وهو مثال الأجزاء الفضلية المختلطة بأصل الجسد الباقية في الدنيا فإذا ركبوها بعد ذلك التركيب المعتدل لم يأت عليها الموت والفناء وإن تسلطت عليها جميع نيران الدنيا، وإنما وقع من وقع في الضلال في أمثال هذه المقامات من عدم غوره في هذا العلم الإلهي النبوي اللاهوتي الذي هو أخت النبوة وعصمة المروءة وقرة عين العلماء وسرور أفئدة الحكماء والفضل بيد اللّٰه يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم والسلام على من اتبع الهدى والحمد الله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا والصلاة على أشرف الأنبياء وآله البررة الأصفياء. تم الجزء الأول من كتابنا صحيفة الأبرار بيد مؤلفه العبد المذنب الضعيف محمد تقي الشريف ويتلوه الجزء الثاني إن شاء اللّٰه تعالى العزيز. فِلِ الَ يْ ال الموَة فِى التَرِى اَلْجَرَع الثَّانِي لَبر تَمَرَ لي لابن المة الجزء الثاني أعطاني اللّٰه تعالى خمسا وأعطى عليا خمسا

صحيفة الأبرار — الجزء الأول · فضائل عامّة (غير مبوّبة)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.