الأقسامصحيفة الأبرارفضائل عامّة (غير مبوّبة)
صحيفة الأبرار

الثامن والأربعون تفسير الإمام عن رسول اللّٰه ن أنه قيل له: (يا رسول اللّٰه ففي القبر نعيم وعذاب قال: إي والذي بعث محمدا: بالحق نبيا، وجعله زكيا، هاديا مهديا، وجعل أخاه عليا بالعهد وفيا، وبالحق مليا ولدى اللّٰه مرضيا، وإلى الجهاد سابقا، ولله في أحواله موافقا، وللمكارم حائزا، وبنصر اللّٰه على أعدائه فائزا، وللعلوم حاويا، ولأولياء الله مواليا، ولأعدائه مناويا" وبالخيرات ناهضا، وللقبائح رافضا وللشيطان مخزيا، وللفسقة المردة مقصيا ولمحمد نفسا، وبين يديه لدى المكاره ترسا وجنة، آمنت به أنا وأخي علي بن أبي طالب جيم، عبد رب الأرباب، المفضل على أولي الألباب الحاوي لعلوم الكتاب، زين من يوافي يوم القيامة في عرصات الحساب بعد محمد، صفي الكريم العزيز الوهاب إن في القبر نعيما يوفر اللّٰه به حظوظ أوليائه وإن في القبر عذابا يشدد اللّٰه به على أعدائه. إن المؤمن الموالي لمحمد وآله الطيبين، المتخذ لعلي بعد محمد ه إمامه الذي يحتذي مثاله، وسيده الذي يصدق أقواله، ويصوب أفعاله، ويطيعه بطاعة من يندبه من أطائب ذريته لأمور الدين وسياسته، إذا حضره من أمر اللّٰه تعالى ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، وحضره ملك الموت وأعوانه، وجد عند رأسه محمدا ك رسول اللّٰه (سيد النبيين) " من جانب، ومن جانب آخر عليا ج سيد الوصيين، وعند رجليه من جانب الحسن عجتلاء سبط سيد النبيين، ومن جانب آخر الحسين ا سيد الشهداء أجمعين، وحواليه بعدهم خيار خواصهم ومحبيهم الذين هم سادة هذه الأمة بعد ساداتهم من آل محمد، فينظر إليهم العليل المؤمن، فيخاطبهم بحيث يحجب اللّٰه صوته عن آذان حاضريه كما يحجب رؤيتنا أهل البيت ورؤية خواصنا عن عيونهم، ليكون إيمانهم بذلك أعظم ثوابا لشدة المحنة عليهم فيه. فيقول المؤمن بأبي أنت وأمي يا رسول رب العزة، بأبي أنت وأمي يا وصي رسول رب الرحمة، بأبي أنتما وأمي يا شبلي محمد وضر غاميه، ويا ولديه وسبطيه، ويا سيدي شباب أهل الجنة المقربين من الرحمة والرضوان. مرحبا بكم يا معاشر خيار أصحاب محمد وعلي وولديهما، ما كان أعظم شوقي إليكم، وما أشد سروري الآن بلقائكم، يا رسول اللّٰه هذا ملك الموت قد حضرني، ولا أشك في جلالتي في صدره لمكانك ومكان أخيك مني. فيقول رسول اللّٰه ة: كذلك هو. ثم يقبل رسول اللّٰه ملك الموت فيقول: يا ملك الموت استوص بوصية اللّٰه في الإحسان إلى مولانا وخادمنا ومحبنا ومؤثرنا. فيقول له ملك الموت: يا رسول اللّٰه مره أن ينظر إلى ما قد أعد اللّٰه له في الجنان. فيقول له رسول اللّٰه: انظر إلى العلو. فينظر إلى ما لا" تحيط به الألباب، ولا يأتي عليه رُ ن ات لِذْنْت عَنْكر الِ جبن هل النتبط طَمَيْنَ العدد والحساب. فيقول ملك الموت: كيف لا أرفق بمن ذلك ثوابه، وهذا محمد وعترته زواره، يا رسول اللّٰه لولا أن اللّٰه جعل الموت عقبة لا بصل إلى تلك الجنان إلا من قطعها، لما تناولت روحه، ولكن لخادمك ومحبك هذا أسوة بك وبسائر أنبياء اللّٰه ورسله وأوليائه الذين أذيقوا الموت بحكم اللّٰه تعالى. ثم يقول محمد: يا ملك الموت هاك أخانا قد سلمناه إليك فاستوص به خيرا. ثم يرتفع هو ومن معه إلى ربض) الجنان، وقد كشف عن الغطاء والحجاب لعين ذلك المؤمن العليل، فيراهم المؤمن هناك بعد ما كانوا حول فراشه. فيقول: يا ملك الموت الوحا، الوحا تناول روحي ولا تلبثني هاهنا، فلا صبر لي عن محمد وعترته" وألحقني بهم. فعند ذلك يتناول ملك الموت روحه فيسلها، كما يسل الشعرة من الدقيق، وإن كنتم ترون أنه في شدة فليس في شدة، بل هو في رخاء ولذة. فإذا أدخل قبره وجد جماعتنا هناك، فإذا جاء منكر ونكير قال أحدهما للآخر: هذا محمد وهذا علي والحسن والحسين وخيار صحابتهم بحضرة صاحبنا فلنتضع لهم. فيأتيان ويسلمان على محمد ا سلاما تاما منفردا"، ثم يسلمان على علي سلاما تاما منفردا"، ثم يسلمان على الحسن والحسين سلاما يجمعانهما فيه، ثم يسلمان على سائر من معنا من أصحابنا. ثم يقولان: قد علمنا يا رسول اللّٰه زيارتك الَ لمودَةَ فى القُرْنىّ في خاصتك لخادمك ومولاك، ولولا أن اللّٰه يريد إظهار فضله لمن بهذه الحضرة من أملاكه ومن يسمعنا من ملائكته بعدهم لما سألناه، ولكن أمر اللٰه لا بد من امتثاله. ثم يسألانه فيقولان: من ربك وما دينك ومن نبيك ومن إمامك وما قبلتك ومن إخوانك فيقول: اللّٰه ربي، ومحمد نبيي، وعلي وصي محمد إمامي"، والكعبة قبلتي والمؤمنون الموالون لمحمد وعلي وآلهما وأوليائهما"، والمعادون لأعدائهما إخواني. وأشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن أخاه عليا ولي الله، وأن من نصبهم للإمامة من أطائب عترته وخيار ذريته خلفاء الأمة وولاة الحق، والقوامون بالعدل " فيقول: " على هذا حييت، وعلى هذا مت، وعلى هذا تبعث إن شاء اللّٰه تعالى، وتكون مع من تتولاه في دار كرامة اللّٰه ومستقر رحمته. قال رسول اللّٰه قة: وإن كان لأوليائنا معاديا، ولأعدائنا مواليا، ولأضدادنا بألقابنا ملقبا، فإذا جاءه ملك الموت لنزع " روحه مثل اللّٰه عز وجل لذلك الفاجر سادته الذين اتخذهم أربابا من دون الله، عليهم من أنواع العذاب ما يكاد نظره إليهم يهلكه، ولا يزال يصل" إليه من حر عذابهم ما لا طاقة له به. فيقول له لَِّاز يَاته التنفْن عَنكم الخَسْر هل النيت طِهْر كنْ طَمَيرَا ملك الموت: يا أيها الفاجر الكافر تركت أولياء اللّٰه إلى'' أعدائه، فاليوم لا يغنون عنك شيئا، ولا تجد إلى مناص سبيلا. فيرد عليه" من العذاب ما لو قسم أدناه على أهل الدنيا لأهلكهم. ثم إذا أدلي في قبره رأى بابا من الجنة مفتوحا إلى قبره يرى منه خيراتها، فيقول له منكر ونكير: انظر إلى ما حرمته من تلك الخيرات. ثم يفتح له في قبره باب من النار يدخل عليه منه من عذابها. فيقول: يا رب لا تقم الساعة يا رب لا تقم الساعة)()) تحقيق في حضور المعصومين عليهم السلام عند الموتى يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب: إن أخبار حضور الأئمة عند الموتى قريبة من التواتر بل هي متواترة بل قد صار حضورهم الآن في الجملة من ضروريات مذهب الشيعة، فالواجب على من لا يعرف كيفية حضورهم على التفصيل التسليم على سبيل الإجمال، هذا ولقد وقفت على كلامين غريبين في المقام أحدهما لشيخنا الحر العاملي والآخر لبعض أصحابنا السابقين. أما الأول، فقال الشيخ المذكور في كتابه الفصول المهمة بعد إيراد جملة وافية من أخبار الباب أقول: (والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى وقد تجاوزت حد التواتر، ودلالتها قطعية كما ترى، وإنكار بعض المتكلمين لها لا وجه له وما تخيل من معارضته لها من أن الجسم يمتنع حلوله في مكانين فصاعدا في وقت واحد، ولا يمتنع موت جماعة كثيرين في وقت واحد لا يخفى جوابه بوجوه كثيرة على من تأمل هذه الأحاديث، ولا أقل من تخصيصه بقدر الإمكان أو رؤية بعضهم من قريب وبعضهم من بعيد، كما روي نحوه في ملك الموت: ((أن الدنيا عنده بمنزلة القصعة بين يدي الإنسان» وقد تواترت الآيات والروايات في قلة عدد المؤمنين جدا وهو مؤيد لما قلنا والله الهادي)"، انتهى كلامه. والغرابة في قوله: (ولا أقل من تخصيصه بقدر الإمكان) فإنه من غريب الكلام فإن فيه أولا خروجا عن منطوق الأخبار؛ لأن منطوقها حضورهم عند جميع الأموات فالتخصيص مما لا معنى له. وثانيا: أن من ينكر حضورهم من جهة عدم إمكان حضور جسم واحد في أمكنة متعددة في آن واحد ينكر إمكانه، ولو في مكانين فليت شعري ما قدر الإمكان من ذلك اللهم إلا أن يريد به حضورهم عند واحد من الميتين في آن واحد، ثم عند واحد فمن بعدهم وهكذا وهو أقبح من إنكار ذلك رأسا، ويظهر قبحه بعد ملاحظة الأخبار التي أوردنا وأعجب من ذلك قوله: (أو رؤية بعضهم من قريب وبعضهم من بعيد) فإنه كلام غريب وأعجب، من ذلك كله استشهاده بما قال بحضور ملك الموت فإنه يناقض مقصوده صريحا ويختم هذه الغرائب قوله: (وقد لَِّرْ اته تلف تن عنكم الخين هل النَيت طِمْر كَنِ طَهيرَا تواترت الآيات والروايات في قلة عدد المؤمنين جدا.. الخ). فإن كثيرا من الأخبار عامة للكافر والمؤمن، ومع الغض عن ذلك هذا الكلام في نفسه كلام خال عن التحقيق، مع أن هذا النحو الذي توهمه من كيفية الحضور من عدم تعدد أجسامهم وحضورهم عند آحاد الميتين على التدريج لو صح يوجب أن يكون رسول اللّٰه وأمير المؤمنين ا وسائر الأئمة ذ غائبين عن مكانهم الذي كانوا فيه ظاهرا في أكثر الأوقات إن لم يكن دائما لاشتغالهم بالحضور عند الأموات في مشارق الأرض ومغاربها وهو كما ترى، وأما كلام بعض السابقين فهو أنه بعد إيراد أخبار الحضور وروايته الشعر المشهور عن أمير المؤمنين يتام للحارث الهمداني: يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا يعرفني شخصه" وأعرفه باسمه والكنى وما فعلا وأنت يا حار إن تمت ترني أسقيك ماء تخاله عسلا أول الأخبار وقال: غير أني أقول فيه إن معنى رؤية المحتضر لهما ا هو العلم بثمرة ولايتهما، والشك فيهما والعداوة لهما،والتقصير في حقهما على اليقين بعلامات يجدها في نفسه دون رؤية البصر لأعيانهما الموَدً فِي القُرْنَى ل التلا، ومشاهدة النواظر لأجسادهما باتصال الشعاع ثم قال في كتابه القول في رؤية المحتضر الملائكة للة: والقول عندي في ذلك كالقول في رؤيته لرسول اللّٰه وأمير المؤمنين صلى اللّٰه عليهما وجائز أن يراهم ببصره بأن يزيد اللّٰه في شعاعه ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة، ولا يجوز مثل ذلك في رسول اللّٰه وأمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليهما وسلامه لاختلاف ما بين أجسامهم وأجسام الملائكة في التركيبات) " انتهى. أقول أصل هذه الشبهة نشأ مما صار مسلمة بين أهل الكلام من أن الجسم الواحد لا يوجد في أمكنة متعددة في آن واحد، ولم يفقهوا أن أسرار أولياء اللّٰه لا تقدر بقدر عقول القاصرين؛ لأنها مبنية على أصول غير تلك الأصول، وفصول غير تلك الفصول، ووجه الخبط في هذه المسألة أنهم قاسوا أحكام الباطن بأحكام الظاهر، وجوهر الجسم الأصلي بعرضه، فحرموا شراب التحقيق مع أن اللّٰه تعالى بين هذه المسألة في أنفسهم بيانا لا يجهله إلا من اختلط عقله فإن نبيهم قد صرح بأن (من رآه في المنام فقد رآه والشيطان لا يتمثل به) وورد من طريق أهل بيته تعميم هذا الحكم للمؤمنين الخلصين أيضا. ومن البيّن جواز رؤية جماعة كثيرين للنبي والأئمة عليه وعليهم السلام، بل وسائر المؤمنين بل والكافرين في المنام في آن واحد، فليت شعري هذا المرئي المتعدد الذي يراه كل عنده من هو، هل أمر موهوم لا لَِّرْ بت نفرت عنكم الخَيَ اهل النَيْتُ ظِمْركن طَهَيرَا أصل له فالحديث المروي المتفق عليه، والوجدان الصحيح قد أبطلاه أو لأمر أصيل، فكيف اجتمع هذا مع استحالة وجود جسم واحد في أمكنة متعددة في آن واحد، هذا وقد علم المستحفظون من أهل الحكمة الإلهية أن النوم أخ الموت، وأنه لا فرق بينه وبينه إلا في انقطاع علاقة الروح من الجسد بالكلية حال الموت دون حال النوم ومن البين أن هذا المقدار من التفاوت لا يوجب تغير الحكم المذكور، ولإكمال المطابقة بين الحالين شبه صاحب الشريعة عة هذا بذاك وقال: (كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون) فإن المثال ممن ينطق عن اللّٰه لا يكون إلا على أكمل ما ينبغي بحيث لا يكون تمثيل أكمل منه، فإذا ثبت جواز هذا في النوم يثبت جوازه في الموت بحكم المقدمات المذكورة حذو النعل بالنعل إن لم نقل بطريق أولى، فالمنكر لجواز مثل هذا عند الموت يجب أن ينكر جوازه في المنام أيضا؛ لأنهما من باب واحد إذ لا أقل من الاتحاد بين حالة الاحتضار وحالة النوم إن قلنا بالفرق بينه وبين الموت، وهو خلاف الوجدان والحس. إن قيل كيف لا يكون فرق بين الحالين والحال أن رؤية النائم لغيره من غير قصد وشعور من المرئي بذلك بخلاف رؤية المحتضر والميت، فإنها على تقدير وقوعها يجب أن يكون بقصد وشعور منه لأنه المفروض. قلنا: إن مبنى القياس على وجود شخص واحد في أمكنة متعددة، يويمة اليراقَة والقصد والشعور مما لا ربط له بالمقام فإن أبيت إلا البهت والمكابرة. فنقول: يا أخي إن هذا في حق النبي والأئمة، بل والمؤمنين الكاملين غير معقول فإن كل من يراهم فهو عن قصد وشعور منهم لاة بذلك، فإنهم لا يأتون في المنام ولا يظهرون إلا لمن يريدون أن يظهروا له، وليس بالبخت والاتفاق، ومن أنكر هذا فنسأل اللّٰه أن يعرفه مقام ساداته ومواليه، وأما غيرهم فالسبب لعدم شعورهم بذلك انغمارهم في العلائق الحسية الجسمانية وضعف قواهم ومشاعرهم بسبب ذلك، وإذا ماتوا وأكلت الأرض منهم الغرائب قوى شعورهم، ورجع إلى ما كان عليه قبل النزول إلى عالم الحس الدنيوي وقوى اختيارهم فلا يظهرون إلا بالقصد والشعور. فالاعتراض ليس على ما ينبغي هذا، ثم إن هذا الذي قدمناه من النظير إنما هو لكسر سورة المنكرين للمسألة، وأما بيان حقيقة المسألة والكشف عن كيفية الحضور، فاعلم أن الأخبار قد تواترت في أن جميع ما سوى اللّٰه تعالى خلق من أشعة أنوار محمد وآله الطاهرين صلى اللّٰه عليه وعليهم أجمعين، فهم سراج عالم الإمكان المنير، وما سواهم أشعة مخلوقة من إشراقه الذي هو اللطيفة الزائدة على ذاته، وقد تقرر في محله أن الممكن قائم دائما بفعل مؤثره قيام صدور، بحيث لو انقطع منه المدد الجديد من مبدئه طرفة عين لم يبق له عين ولا أثر؛ لأنه بالإيجاد في آن لا ينقلب واجبا بالذات، بل هو باق على إمكانه الأول، فالمنير الذي ٠١كم انَان نا تن تنفت عكم الخَيَ حمال النَيت طِهْركْنْ طَميرَا هو المؤثر لا ينفك عن الأثر، ولا يغيب عنه طرفة عين أبدا بل يجب أن يكون معه حيثها كان، لكن لا على طريق الحلول بل على طريق الإشراق والظهور، مثاله الكاتب والحروف المكتوبة له، فإن الحروف لو كانت ذوات عقل وشعور، ونظرت وتوجهت إلى جهة مبدئها وجد كل منها مثال كاتبه الذي به توجه الكاتب إلى كتابته عنده ظاهرا بغير حجاب، ولذا كل من نظر إلى حرف من الحروف سبق إلى ذهنه مثال كاتب لا محالة، مع أن الكاتب شخص واحد لم يتجز ولا تعددت ذاته بتعدد الآثار، وإنما ظهر عند كل منها بوجه من وجوهه، وكل تلك الوجوه هو ذلك الكاتب الواحد عند كشف الحجب والسبحات ولنعم ما قال الشاعر: وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا فالحروف بمنزلة المرايا، والكاتب الواحد بمنزلة الشاخص الذي ظهر على جميع المرايا، فكل يجده عنده، وهو لم يتحرك من مكانه، ولا حل في المرايا فليس بينه وبين المرايا فصل ولا وصل، وكل من المرايايراه ويجده على حسب قابليته وإقباله، فإن كانت المرآة معوجة رأته معوجة منكرة، وإن كانت صافية مستقيمة رأته على ما هو عليه في الخارج، وعلى هذا المثال حال الخلق بالنسبة إلى محمد وآله الطاهرين صلى اللّٰه عليه وعليهم أجمعين، فإنهم ة ملئوا مرايا العالم بوجوههم الإشراقية المربية لوجودات الأشياء لكون كلها من أشعة أنوارهم، وهو معنى الولاية المطلقة الكلية، ومعنى قول الحجة ة في دعاء رجب المعروف: (ومقاماتك وعلاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان) إلى قوله: (فبهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت) فكل من فتح عين صيرته وجدهم حاضرين عند رأسه أو رجله أو عن يمينه أو عن يساره على حسب اختلاف الاعتبارات والظهورات التي لا إقبال لي إلى ذكرها الآن، غير أن الكافر يجدهم على صورة الغضب لأنه مقتضى طبع مرآته، والمؤمن على صورة الرضا لأنه مقتضى طبع مرآته، وكل من القسمين أيضا يتفاوت بحسب تفاوت درجات الكفر والإيمان، وانفتاح هذه العين ربما يحصل في الدنيا لبعض المؤمنين الذين ماتوا قبل ان يموتوا، فهو لا يفقدهم في حال من النوم واليقظة، أو في بعض الأحيان دون بعض لنقص في إقباله وتخليصه وصفاء مرآته، أو في النوم خاصة لعين تلك العلة، ولكن الظهور لعامة الناس لا يكون إلا حال الاحتضار وفي القبر لانكشاف حجب عالم الحس عن الأبصار حينئذ لكل من المؤمن والكافر، فيجدهم المؤمن حينئذ حيث يحب والكافر حيث يكره، وأما وجدان المعاينين لهم على صورة المجيء فهو لتدرج انكشاف الحجب فكلما قوى انكشاف الحجاب وجدهم أقرب إليه، فافهم. وإذا عرفت هذا البيان لم تستوحش من حديث طلحة الذي يأتي إن شاء اللّٰه في قسم المعجزات وقوله: (قتلني علي)، وكذا حديث يوم الأحزاب وكونه في عقب كل فرقة مع وقوفه على شفير الخندق هذا حال حضورهم الاي. وأما حال حضور سائر المؤمنين فاعلم أن أجزاء العالم مرتبطة الخَسَ هل البَيت يطِمْرَ جَهيْزَا عضها ببعض فكل جزء له طريق إلى الأجزاء الآخر، ولو بوسائط غير أن بعض الأجزاء أقرب إلى بعض من الجزء الآخر، بحيث إذا صفى مراتب ذلك الجزء ظهر الجزء الآخر بصورة من صوره عنده، وكلما كان الائتلاف والقرابة والمناسبة أشد كان الظهور أولى، أما ترى أنك إذا زاولت خيال شيء من الأمور بحيث كنت متذكرا له في كثير من الأوقات؛ كنت كلما نمت رأيته في المنام وهو صورته المثالية التي ظهر لك بها، وعلى هذا القياس حال الاحتضار والموت، فافهم وتدبر. هذا أحد وجوه حضورهم لد في الأمكنة المتعددة وأما الوجه الآخر، فاعلم أن أجسام الأئمة لعدة وأجسادهم خلقت من نور اللّٰه كما أن أرواحهم كذلك وذلك قبل خلق سائر الخلق بدهور كثيرة كما دلت عليه الأخبار، ونطقت به الآثار،ومن جملة الخلق هذه الحدود والتعينات والتشخصات الحسية الظاهرية؛ فإنها أيضا خلقت من أشعة أنوارهم وهم سابقون عليها سبق العلة على المعلول لأنهم أول ما خلق اللّٰه، وليس حيث خلقهم اللّٰه خلق بعض أجزاء وجودهم ومراتبه دون بعض بل خلقهم تامين بجميع أجزاء وجودهم الذاتية من الجسد إلى الفؤاد، فأجسامهم بالحقيقة الأولية ليست محدودة بالذات بهذه الحدود المخلوقة من أشعتهم، إذ لا يجري عليها ما هي أجرته فهي بالنسبة إلى محدودات هذا العالم لا حد لها، لم تتلوث بتعيناتها وإن كان لها أيضا في حد ذاتها حدود وتعينات بنسبة عالمها، غير أنها مع تلك الحدود لاحد لها لمودة في القربي بالنسبة إلى ما تحتها، ولا تستغرب هذا فإن قطعة الخشب في حد نفسها أمر شخصي ذو حدود، وبالنسبة إلى الباب والسرير وسائر ما يعمل منها بسيطة هيولائية لصلوحها لمادية كل من الأشياء المذكورة، فافهم. فأجسامهم ية إنما تعينت بالتعينات التي كان الناس يرونها بها حال، تنزلهم إلى العوالم التي تحتهم لتكميل الخلق، فهي بالنسبة إلى أصل جوهر جسمهم عرضية وليست تلك الأعراض حيث عرضتهم قهرتهم بحيث لا يقدرون على خلعها باختيارهم، بل هو بيدهم إذا شاؤوا لبسوها وإذا شاؤوا خلعوها ولذا كانوا إذا مشوا في حر الشمس عرقت أبدانهم لثقل جسمهم العائق عن الحركة، ومع ذلك إذا شاؤوا أن يقطعوا مسافة ما بين المشرق والمغرب في طرفة عين فعلوه، كما أن رسول اللّٰه ك قطع جسمه الشريف جميع أطباق السماوات في أسرع من لمح البصر، ولا أقل في بعض الليل؛ وذلك لأنهم كانوا يتبعون ثقل جسدهم الظاهري بخفة جسدهم الأصلي وروحانيته وربما كانوا يفعلون على العكس، فكان بظهر لكل واحد حكمه عند المطبوعية، فافهم. وهذه المقدمات عند من له غور في حقائق الآثار المعصومية أظهر من الشمس وأبين من الأمس، وإذا تبين هذا فنقول لا ريب أن المانع للجسم الواحد من الكون في أمكنة متعددة في آن واحد ليس إلا اكتنافه بالحدود والتعينات الشخصية، وهو لا يصلح للمانعية إلا إذا كانت تلك الحدود من مشخصات ذلك الجسم الذاتية، بحيث إذا ارتفعت نَطْمَيْرَا تلك الحدود زال ذلك الجسم أو كانت تلك الحدود مع عرضيتها بحيث قهرت الجسم فلا يقدر على رفعها باختياره، وأما إذا كان الجسم بالنسبة إلى تلك الحدود لا تعينا، ولم يكن مقهورا تحتها فهو يظهر بأي صورة شاء فإن شاء بصورة واحدة، وإن شاء بصور متعددة لأنه مهيمن على جميع الحدود والصور، فلا يشغله شأن عن شأن ولا حد عن حد ولا تعين عن تعين، فيتقلب في الصور كيف يشاء فإن شاء لبس صورة النطفة واستقر في الأرحام والأصلاب، وإن شاء تصور بصورة شخص تام الخلقة وظهر عند من يشاء بأي صورة شاء، وإن شاء اتحد، وإن شاء تعدد، وإن شاء نزل في الأرض، وإن شاء صعد إلى السماء، وإن شاء وقف في الهواء، وإن شاء شرق، وإن شاء غرب، وإن شاء ظهر بصورة الإنسان، وإن شاء ظهر بصورة الحيوانات الشريفة كالأسد وأمثاله، وإن شاء ظهر بصورة الملك، وإن شاء احمر، وإن شاء اصفر، وإن شاء ابيض، وإن شاء اخضر، وإن شاء ظهر بالرجولية، وإن شاء عاد إلى الطفولية، وإن شاء مرض، وإن شاء صح، وإن شاء مات، وإن شاء حي، وإن شاء شب، وإن شاء هرم، وإن شاء خفى، وإن شاء ظهر، وإن شاء غاب، وإن شاء حضر إلى غير ذلك من الحالات والأطوار الوجودية، وبالجملة لا يمنعه حد عن حد، وطور عن طور، وقد عرفت أن أجسامهم ئ جسم مطلق هيولاني غير مقيد بالذات بقيد من تلك القيود، فيمكن أن يظهروا بجسمهم الشريف في آن واحد في أمكنة غير محصورة، كما أفطر أمير المؤمنين & في ليلة واحدة في أربعين مكانا، ومع ذلك كان عند اللّٰه تعالى في العرش هذا، ولهم نحو آخر من الحضور أشرنا إليه في ذيل الحديث الرابع والتسعين من الجزء الأول، وهو غير هذين النحوين من أراده فليرجع إلى ما هنالك. وأما سائر المؤمنين فلهم أيضا أن يظهروا بصورة متعددة إذا أخلصوا في اتباعهم تدة وتشبهوا بهم في الأعمال والأخلاق؛ لأن أصل أجسامهم أيضا نظيفة روحانية مأخوذة من تراب الجنة، وإنما عرضتهم عوارض هذا العالم بالعرض، وعاقتهم عن ظهور آثار الربوبية منهم، فإذا اخلصوا لله العبودية باقتداء أوليائه علما وعملا ظهرت جوهرة الربوبية من كنه العبودية، وخلعوا أعنة الأضداد، وملكوا أزمة الحدود والقيود، فلا يشغلهم شأن عن شأن، ولا مكان عن مكان فيظهرون في أي مكان شاؤوا بأي صورة شاؤوا، غير أن هذا يحصل في الدنيا لقليل من المؤمنين وهم الخصيصون، وإلى هذا المقام أو مأ أمير المؤمنين هتم بقوله: (خلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم، فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد) ". فتدبر في مطاويه تظهر لك أسرار خفية، روي بعض المشايخ عن زاذان خادم سلمان قال: ( لما جاء أمير المؤمنين جمه ليغسل سلمان وجده قد مات، فرفع الشملة عن وجهه فتبسم وهم أن يقعد، فقال له أمير الَّازُنات الذهْت عَنْكْر ا خَيَ اهل النَيت يطمهُ تَطَهَيْنَ المؤمنين عهتام: عد إلى موتك. وفي مناقب ابن شهر آشوب في حديث طويل يأتي إن شاء اللّٰه في ضمن المعجزات أنه لما كشف الرداء عن وجهه، تبسم سلمان إلى أمير المؤمنين جيم فقال له: مرحبا يا أبا عبد اللّٰه إذا لقيت رسول اللّٰه ك فقل له ما مر على أخيك من قومك) ' الخبر. فانظر إلى من أطاع مولاه كيف صار الموت طوع يده يتبسم بعد الموت، ويهم أن يقعد ثم يعود إلى موته، ويخاطبه أمير المؤمنين جام، فإن هذا كله من فروع ما قررناه فلا بعد في أن يحضر أمثال هؤلاء من المؤمنين أيضا عند الموتى مع مواليهم الكرام، كما وقع التصريح به في بعض الأخبار المذكورة في الباب، وإذا عرفت أن للجسم طورا وراء ما زعمه المتكلمة وغيرهم يمكن به حضوره في أمكنة متعددة، عرفت أن تأويل الشيخ الذي نقلنا عنه تأويل مستغنى عنه، وأنه على خلاف ما الواقع عليه، على أنك لو كنت لم تعرف ما قررناه فالواجب عليك التسليم لمنطوق الأخبار حتى يثبت من الكتاب أو السنة ما ينافيه والمقام ليس منه. وأما تفريقه بين أجسام الملائكة وأجسام الأئمة الكاة بما سمعت نقله عنه فمما لم أعرف له وجها محصلا هذا. واعلم أن الشيخ المدقق الجليل الحسن بن سليمان الحلي، وهو من أرشد تلاميذ الشهيد الأول رحمهما اللّٰه، قد صنف كتابا في خصوص رد هذا القول، وإثبات حضور الأئمة عتة عند الموتى بأعيانهم، وسماه كتاب المحتضر -بالحاء المهملة ثم الضاد المعجمة ثم الراء أخيرا وبالغ في إثبات ذلك بالأدلة العقلية والنقلية، والكتاب مشهور ينقل عنه كثير ممن تأخر عنه سيما المجلسي في البحار، وتلميذه في العوالم ولقد أجاد في كلما أفاد، غير أن الفائدة من كتابه ذلك لا تتم إلا بما قررناه هنا من التحقيق؛ لأنه مستدرك لما فاته بل من يتفتح مناط هذه المسألة، فالكتاب المذكور بعد انضمام ما حررناه هنا من البيان كاف في هذا الشأن لمن له عينان. ثم اعلم أنا قد خرجنا في إيراد أخبار الحضور عما جرينا في كتابنا هذا عليه من الاكتفاء في كل منقبة بإيراد حديث أو حديثين لما رأيت من الشبهات الواردة على القلوب في ذلك فرأيت إيراد الأخبار وتعقيبها ببيان حقيقة الحال كالواجب علي تصحيحا لعقائد الطالبين للحق وهدما لبنيان شبه من تكلم على خلاف الواقع في ذلك والله ولي التوفيق. حال سلمان رحمه اللّٰه بعد الموت

صحيفة الأبرار — الجزء الثاني · فضائل عامّة (غير مبوّبة)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.