الأقسامصحيفة الأبرارفضائل عامّة (غير مبوّبة)
صحيفة الأبرار

الثامن والعشرون إقبال الأعمال رضي الدين بن طاووس عن كتاب النشر والطي بإسناده عن الرضا هيم قال: (إذا كان يوم القيامة زفت أربعة أيام إلى اللّٰه كما تزف العروس إلى خدرها، قيل: ما هذه الأيام، قال: يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة ويوم الغدير، وإن يوم الغدير بين الأضحى والفطر والجمعة كالقمر بين الكواكب، وهو اليوم الذي نجا فيه إبراهيم الخليل من النار فصامه شكرالله، وهو ليوم الذي أكمل اللّٰه به الدين في إقامة النبي عليا أمير المؤمنين علما وأبان فضيلته ووصايته فصام ذلك اليوم، وإنه ليوم الكمال ويوم مرغمة الشيطان، ويوم تقبل أعمال الشيعة ومحبي آل محمد، وهو اليوم الذي يعمد اللّٰه فيه إلى ما عمله المخالفون فيجعله هباء منثورا، وهو اليوم الذي يأمر جبرئيل جم أن ينصب كرسي كرامة اللّٰه بإزاء بيت المعمور ويصعده جبرئيل ج وتجتمع إليه الملائكة من جميع السماوات ويثنون على محمد ويستغفرون لشيعة أمير المؤمنين والأئمة ة ومحبيهم من ولد آدم م، ارْن الته لن فَن عَنكم الخَيَ هل النَتْ طِمْر كَنْ طَهَيَرَا وهو اليوم الذي يأمر اللّٰه فيه الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن محبي أهل البيت وشيعتهم ثلاثة أيام من يوم الغدير ولا يكتبون عليهم شيئا من خطاياهم كرامة لمحمد وعلي والأئمة، وهو اليوم الذي جعله اللّٰه لحمد وآله وذوي رحمته، وهو اليوم الذي يزيد اللّٰه في حال من عبد فيه ووسع على عياله ونفسه وإخوانه ويعتقه اللّٰه من النار، وهو اليوم الذي يجعل اللّٰه فيه سعي الشيعة مشكورا وذنبهم مغفورا وعملهم مقبولا، وهو يوم تنفيس الكرب ويوم تحطيط الوزر ويوم الحباء والعطية ويوم نشر العلم ويوم البشارة والعيد الأكبر ويوم يستجاب فيه الدعاء ويوم الموقف العظيم ويوم لبس الثياب ونزع السواد ويوم الشرط المشروط ويوم نفي الهموم ويوم الصفح عن مذنبي شيعة أمير المؤمنين، وهو يوم السبقة ويوم إكثار الصلاة على محمد وآل محمد ويوم الرضا ويوم عيد أهل بيت محمد ويوم قبول الأعمال ويوم طلب الزيادة ويوم استراحة المؤمنين ويوم المتاجرة ويوم التودد ويوم الوصول إلى رحمة اللّٰه ويوم التزكية ويوم ترك الكبائر والذنوب ويوم العبادة ويوم تفطير الصائمين فمن فطر فيه صائما مؤمنا كان كمن أطعم فئاما وفئاما إلى أن عد عشرا ثم قال أوتدري ما الفئام قال لا قال مائة ألف، وهو يوم التهنية يهني بعضكم بعضا فإذا لقي المؤمن أخاه يقول الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة د، وهو يوم التبسم في وجوه الناس من أهل الإيمان فمن تبسم في وجه أخيه يوم الغدير نظر اللّٰه إليه قُل اسَالُ يوم القيامة بالرحمة وقضى له ألف حاجة وبنى له قصرا في الجنة من درة بيضاء ونضر وجهه، وهو يوم الزينة فمن تزين ليوم الغدير غفر اللّٰه له كل خطيئة عملها صغيرة أو كبيرة وبعث اللّٰه إليه ملائكة يكتبون له الحسنات ويرفعون له الدرجات إلى قابل مثل ذلك اليوم فإن مات مات شهيدا وإن عاش عاش سعيدا ومن أطعم مؤمنا كان كمن أطعم جميع الأنبياء والصديقين ومن زار فيه مؤمنا أدخل اللّٰه قبره سبعين نورا ووسع في قبره ويزور قبره كل يوم سبعون ألف ملك ويبشرونه بالجنة، وفي يوم الغدير عرض اللّٰه الولاية على أهل السماوات السبع فسبق إليها أهل السماء السابعة فزينها بالعرش() ثم سبق إليها أهل السماء الرابعة فزينها بالبيت المعمور ثم سبق إليها أهل السماء الدنيا فزينها بالكواكب، ثم عرضها على الأرضين فسبقت مكة فزينها بالكعبة ثم سبقت إليها المدينة فزينها بالمصطفى محمد ة ثم سبقت إليها الكوفة فزينها بأمير المؤمنين هم، وعرضها على الجبال فأول جبل أقر بذلك ثلاثة جبال جبل العقيق وجبل الفيروزج وجبل الياقوت فصارت هذه الجبال جبالهن وأفضل الجواهر، ثم سبقت إليها جبال أخر فصارت معادن الذهب والفضة، وما لم يقر بذلك ولم يقبل صارت لا تنبت شيئا، وعرضت في ذلك اليوم على المياه فما قبل منها صار عذبا وما أنكر صار ملحا أجاجا، وعرضها في ذلك اليوم على النبات فما قبله صار حلوا طيبا وما لم يقبل صار مرا، ثم عرضها في ذلك اليوم على الطير فما قبلها صار فصيحا مصوتا وما أنكرها صار أخرس مثل اللكن، ومثل المؤمنين في قبولهم ولاء أمير المؤمنين في يوم غدير خم كمثل الملائكة في سجودهم لآدم، ومثل من أبى ولاية أمير المؤمنين في يوم الغدير مثل إبليس وفي هذا اليوم أنزلت هذه الآية (اليوم أكملت لكم دينكم...) وما بعث اللّٰه نبيا إلا وكان يوم بعثه مثل يوم الغدير عنده وعرف حرمته إذ نصب لأمته وصيا وخليفة من بعده في ذلك اليوم)". تحقيق لطيف في رفع القلم عن المحبين يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب قوله يأمر اللّه الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن محبي أهل البيت.. ألخ) قد صارت هذه الفقرة مطرحا بين الناس فأولها بعضهم بتأويلات عنيفة من قبل استبعادهم لظاهرها وأنا لم أعرف إلى الآن وجه الإشكال فيها أنه ما ضرورة أنه لا فرق بين عدم كتابة الخطايا رأسا وبين العفو عنها بعد الكتابة مع أن الشق الثاني مما لم يستوحش منه أحد فإنهم يمرون على الآيات والأخبار الواردة متواترة في هذا المعنى كقوله تعالى (إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)" وقوله ( ليغفر لك اللّٰه ما تقدم من ذنبك وما تأخر) " وقد عرفت من مداليل الأخبار أن المراد بذلك ذنوب الشيعة وحديث (من بكى على الحسين م حتى خرج من عينيه مثل جناح الذباب غفر اللّٰه له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر) وأمثال ذلك من الأخبار في خصوص أعمال مخصوصة من أعمال البر فإنها أكثر من أن تحصى كثرة فإنهم يمرون عليها ولا يستشكلون في شيء منها أبدا مع أن الشقين يسقيان بماء واحد. نعم ربما يتوهم أن مؤدى الحديث الترخيص في ارتكاب المعاصي وليس كما توهم لأنه ايم إنما قال الخطايا ولا ريب إن الخطيئة ما يشوبه نوع ذهول أو تساهل في حفظ النفس عنها وليست كالعصيان الصادر عن التعمد المحض وإن كان المكلف غير معذور في ذلك الذهول والتساهل فليس هذا ترخيصا في ارتكاب المناهي كما فهمه الجهال فصار منشأ لاستشكالهم وتمسك به أصحاب الترخص وعبيد الأعذار فجعلوا يتعمدون الملاهي فيه اتكالا على الحديث المذكور وزاد في علة خبطهم في ذلك ترجمة مولانا المجلسي د للحديث في كتابه زاد المعاد بما هو خارج عن لفظ الخبر فإنه قال فيه بما هذا لفظه (وإين روزي أست كه أمر ميكند حق تعالى ملائكة نويسند كان أعمال راكه قلم بردارند أزمحبان أهل بيت وشيعيان إيشان تاسه روز أزرو غدير وننويسند هيج خطا وكناه إيشان را) إلى آخر كلامه فإنه لم يقتصر في الترجمة على لفظ الخطأ كما هو لفظ الحديث الشريف بل زاد عليه لفظ (كناه) توضيحا وهو أعم من الخطأ فزعم من لم يراجع أصل متن الخبر أنه مذكور فيه فزاد في خطئهم في ذلك وبالجملة الخطيئة لا تقاس لسائر المعاصي الناشئة عن التعمد والمشاقة. مايرُ نُ تْ ليَذْهُنْ عَنْكْرِ اِجَبَراها النيت يطهر كنُطَهينَ وإن أردت معرفة الفرق بين الأمرين فانظر في قول سيد الساجدين روحي له الفداء في دعاء سحر رمضان الطويل فإنه م قال فيه (إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد، ولا بأمرك مستخف، ولا لعقوبتك متعرض، ولا لوعيدك متهاون، ولكن خطيئة عرضت وسولت لي نفسي وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي، وغرني سترك المرخى علي)" الدعاء، فانظر كيف اعتذر يه عن المعصية بكونها خطيئة صدرت لا عن استخفاف بأمر اللّٰه أو لتعرض لعقوبته أو تهاون لوعيده. وبالجملة إن الخطيئة في الحقيقة بمعنى العثرة ولذا ربما يؤتى في العفو عنها بلفظ الإقالة كما في الدعاء المذكور أيضا حيث قال ا (أنا الصغير الذي ربيته.. إلى أن قال: والخاطئ الذي أقلته) " الدعاء، فظهر أن مؤدى الحديث ليس ترخيصا في المناهي والتعمد على المعصية كما فهمه القاصرون فهو على ظاهره من غير إشكال وإنها الإشكال في أفهام الناظرين فيه بغير تأمل حيث زعموا أن المراد به رفع القلم عن العباد والإذن لهم فيما يشاؤون من المعاصي الموبقة تعالى اللّٰه عن ذلك فدعا هذا الزعم بعضهم إلى تأويله بوجوه بعيدة وآخرين بالتجرئ على ارتكاب الموبقات عن تجاسر وتعمد وكلا الفريقين بمعزل عن فهم مراد المعصوم عصمنا اللّٰه وإخواننا من الخطأ والخطل في القول والعمل. تحقيق آخر في عرض ولا يتهم على الجبال و.... إلخ. ثم إن بعض الناس استشكلوا في هذا الحديث وما في معناه من الأخبار من جهة أخرى وهي عرض الولاية على الأرضين والجبال والمياه والنبات والحيوان وقبول بعض منها لها وإنكار بعض آخر من قبيل أنها فاقدة للعقل والشعور والتكليف فرع ذلك، ومن الواجب نقل كلام لبعض الأعلام في هذا الباب ثم التعرض للجواب عنه بما بقتضيه سبيل الصواب وإن كان مؤديا إلى التطويل والإطناب فإنه مفيد فوائد غير محصورة في فهم حقائق الأخبار وليس كسائر الكلمات الزائدة المذيل بها الأخبار المؤدية إلى ملال الطباع. فنقول: قال بعض الأعلام السابقين في جواب من سأله فقال: ما القول في الأخبار الواردة في عدة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والأرضين وذم أجناس منها كمدح الحمام والبلبل والقبرة والحجل والدراج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير وذم الفواخت والرخم، وما يحكى من أن كل جنس من هذه الأجناس المحمودة تنطق بثناء على اللّٰه تعالى وعلى أوليائه ودعاء لهم ودعاء على أعدائهم، وأن كل جنس من هذه الأجناس المذمومة تنطق بضد ذلك من ذم الأولياء يد، وكذم الجري وما شاكله من سمك وما نطق به الجري من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك وكذم الدب والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرمة الَّارُ ات ليّدْفَنْ عَنْكمر الَ الخَيَ اها النيتويطم رَطَهَيْنَا وكذم البطيخة التي كسرها أمير المؤمنين & فصادفها مرة فقال من النار وإلى النار ورمى بها من يده جيه فصار من الموضع الذي سقطت فيه دخان وكذم الأرضين السبخة والقول بأنها جحدت الولاية أيضا وقد جاء في هذا المعنى ما يطول شرحه وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه ويسوغ أمره ونهيه، وفي هذه الأخبار التي أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحق ويدين به وبعضها يخالفه وهذا كله مناف لظاهر ما العقلاء عليه ومنها ما يشهد أن لهذه الأجناس منطقا مفهوما وألفاظا تفيد أغراضا وأنها بمنزلة الأعجمي والعربي الذين لا يفهم أحدهما لغة صاحبه وإن شاهد ذلك من قول اللّٰه سبحانه فيما حكاه عن سليمان عيا (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء)"الآية وكلام النملة أيضا مما حكاه اللّٰه تعالى وكلام الهدهد واحتجاجه وفهمه وجوابه فليقم بذكر ما عنده مثابا إن شاء اللّٰه تعالى وبالله التوفيق. هذا صورة السؤال فأجاب ذلك العالم المسؤول عن ذلك بما هذا لفظه: اعلم أن المعول فيما يعتقد على ما تدل الأدلة عليه من نفي وإثبات فإذا دلت الأدلة على أمر من الأمور وجب أن يبنى كل وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه ونسوقه إليه ونطابق بينه وبينه ونخلي ظاهرا إن كان له ونشرطه إن كان مطلقا ونخصه إن كان عاما ونفصله إن كان مجملا ونوفق بينه وبين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة، وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه في ظواهر القرآن المقطوع على صحته المعلوم وروده فكيف نتوقف عن ذلك في أخبار آحاد لا توجب علما ولا تثمر يقينا فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة وابنها عليها وافعل فيها ما حكمت به الأدلة وأوجبته الحجج العقلية، وإن تعذر فبها بناء تأويل وتخريج وتنزيل فليس غير الإطراح لها وترك التصريح عليها ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبر ويتفكر. وقد يجوز أن يكون المراد بذم هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضد الثناء على اللّٰه وبذم أوليائه وبغض أصفيائه متخذيها ومرتبطيها وأن هؤلاء المقرين بمحبة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضد الثناء على اللّٰه تبارك وتعالى ويذمون أولياءه وأحباءه فأضاف النطق إلى هذه الأجناس وهو لمتخذيها أو مرتبطيها للتجاوز والتقارب على سبيل التجوز والاستعارة، كما أضاف اللّٰه تبارك وتعالى السؤال في القرآن إلى القرية وإنما هو لأهل القرية وكما قال تعالى وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا)" وفي هذا كله حذوف وقد أضيف في الظاهر الفعل إلى من هو في الحقيقة متعلق بغيره، والقول في مدح أجناس من الطير والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على اللّٰه والمدح لأوليائه يجري على هذا المنهج الذي نهجناه. فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها ومرتبط بعض آخر ذما بارتباطه حتى علقهم المدح والذم بذلك. قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا في استحقاق مرتبطها مدحا ولا ذما، وإنما قلنا إنه غير ممتنع أن تجري عادة المؤمنين الموالين لأولياء اللّٰه تعالى والمعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير، وكذلك تجري عادة بعض أعداء اللّٰه تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير فيكون متخذ بعضها ممدوحا لا من أجل اتخاذه لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطها والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا وكذلك القول في الذم المقابل للمدح. فإن قيل فلم ينهى عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها وإنما يتعلق ببعض متخذيها لكفرهم وضلالتهم؟. قلنا: يجوز أن يكون في اتخاذ هذه البهائم المنهي عن اتخاذها وارتباطها مفسدة وليس يقبح خلقها في الأصل لهذا الوجه لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الذي لا يمتنع تعلق المفسدة به، ويجوز أيضا أن يكون في اتخاذ هذه الأجناس المنهي عنها شؤم وطيرة فللعرب في ذلك مذهب معروف ويصح هذا النهي أيضا على مذهب من نفى الطيرة على التحقيق لأن الطيرة والتشؤم وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق فإن النفوس تستشعر ذلك ويسبق إليها ما يجب على كل حال تجنبه والتوقي منه وعلى هذا يحتمل معنى قوله ام (لا يورد ذو عاهة على مصح) فأما تحريم السمك الجري وما أشبهه فغير ممتنع لشيء يتعلق بالمفسدة في تناوله كما نقول في سائر المحرمات. فأما القول بأن الجري نطق بأنه مسخ لجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب من قائله والملتفت إلى مثله فأما تحريم الدب والقرد والفيل فكتحريم كل محرم في الشريعة والوجه في التحريم لا يختلف. والقول بأنها ممسوخة إذا تكلفنا حملناها على أنها كانت على خلق حميدة ثم جعلت على هذه الصور الشينة على سبيل التغير عنها والزيادة عن الضد في الانتفاع بها لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة والفرق بين كل حين معلوم ضرورة فكيف يجوز أن يكون حي حيا آخر غيره وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل وإن أريد غيره نظرنا فيه، وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين ه لما ذاقها ونفر عن طعمها وزادت كراهة له قال (من النار إلى النار) أي هذا من طعام أهل النار وما يليق بعذاب أهل النار كما يقول أحدنا ذلك فيما يسوءه ويكرهه ويجوز أن يكون فوران الدخان عند الإلقاء لها على سبيل التصديق لقوله هيم (من النار إلى النار) وإظهار معجز له. وأما ذم الأرضين السبخة والقول بأنها جحدت الولاية فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد أهل هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولا ولا يجري ذلك مجرى قوله تعالى (وكأين من النَّايُن ا بت تنفوتْ عنكم الخي هل النّيت اطِهر كين يرَا قرية عتت عن أمر ربها ورسله)". وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فما يخالفه العقول والضرورات لأن هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلفة فكيف تعتقد حقا أو باطلا وإذا ورد أثر في ظاهره شيء من هذه المحالات قلنا فيه إما اطراح أو تأول على المعنى الصحيح وقد نهجنا طريق التأويل وبينا كيف التوسل إليه. فأما حكايته تبارك وتعالى عن سليمان ه (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء)"، الآية. فالمراد به أنه علم ما يفهم به ما تنطق به الطير وتتداعى في أصواتها وأغراضها ومقاصدها بما يقع منها من صياح على سبيل المعجزة لسليمان هيام. وأما الحكاية عن النملة بأنها (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان)" فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول على هذا المعنى وأشعرت ما في النمل وخوفتهم من الضرر بالمقام وأن النجاة في الهرب إلى مساكنها فيكون إضافة القول إليه مجازا واستعارة كما قال الشاعر: وشكى إلي بعيره وتحمحم وكما قال الآخر: وقالت له العينان سمعا وطاعة يواجتبة ويجوز أن يكون وقع من النملة كلام أو حروف منظومة كما يتكلم أحدنا بتضمن المعاني المذكورة ويكون ذلك معجزة لسليمان ه لأن اللّٰه تعالى سخر له الطير وأفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له، وليس هذا بمنكر فإن النطق بمثل هذا الكلام المسموع منا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلف ولا كامل العقل. ألا ترى أن المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلفون للأغراض وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين والقول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين الذين ذكرناهما في النملة فلا حاجة بنا إلى إعادتهما وأما حكايته أنه قال (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين)". فكيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد وهو غير مكلف ولا يستحق مثله العذاب؟ والجواب عنه: أن العذاب اسم الضرر الواقع وإن لم يكن مستحق فليس يجري مجرى العقاب الذي لا يكون إلا جزاء على أمر تقدم فليس متنع أن يكون معنى (لأعذبنه) أي لأولمنه ويكون اللّٰه تعالى قد أباح الإيلام له كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة كما سخر له الطير يصرفها في منافعه وأغراضه وكل هذا لا ينكر في نبي مرسل تخرق له العادات وتظهر على يده المعجزات وإنما يشتبه على قوم يظنون أن هذه الحكايات يقتضي كون النملة والهدهد مكلفين وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك انتهى كلامه ب تعالى. أقول ومن اللّٰه الإعانة والتوفيق: قد عرفت في مقدمات الكتاب إاام بر بهَز لِّبَار اته ل و فين عنكم الْخَسْ هل النَيد يطَمْر كَرَطَهَيرنا حال حجية العقول الناقصة وأنها ليست بحاكمة على الكتاب والسنة وإنما الكتاب والسنة هما الحاكمان عليها، فكلما حكم به الكتاب والسنة يجب على العقول اتباعه والتصديق به وإن لم تعرف وجهه وحقيقته على التحقيق إذ ليس كل أمر حق مما تدركه عقولنا الضعيفة، إذ كم من خبايا في زوايا قد قصرت عن معرفتها أحلام الحكماء البالغين فضلا عن غيرهم من القاصرين، نعم إذا حكمت جميع العقول على سبيل الاتفاق على إثبات شيء أو نفيه فهو حق ولا يكون مثل ذلك الأمر مما يكون فيه الكتاب والسنة مخالفين للعقول وإن ورد فيهما ما ظاهره المخالفة فلا بد أن يكون فيهما ما ينفيه ويشير إلى وجه التأويل فيه لأن الكتاب والسنة إنما نصبا للهداية لا للإضلال والإغراء بالجهل وهما معصومان من الخطأ والسهو والغفلة. وأما الأمور النظرية التي ربما تختلف فيها العقول باختلاف أنظارها وترتيبها للقياسات النظرية فالواجب فيها الرجوع إلى محكمات الكتاب والسنة وجعلهما حاكمين بين العقول ليميزا بين المصيب منها والمخطئ ببيان لائح لا يحتمل التأويل والاشتباه فقول الفاضل المذكور أن المعول فيما يعتقد على الأدلة العقلية إن أراد بها ما اتفقت العقول عليه بحيث قد صار ضروريا عندها فهو حق ولكن لا بد حينئذ من موافقة محكم الكتاب والسنة لها فحينئذ يرد متشابهها إلى ذلك المحكم المجمع على تأويله وإن أراد بها الأدلة النظرية أيضا فهو على إطلاقه غير سديد ٧٥١: بجواز وقوع الخطأ في المقدمات أو ترتب التسامح عليها فلابد حينئذ من ميزان يعرف به الصحيح من السقيم وليس إلا كلام اللّٰه وكلام حججه المبعوثين من عنده فما وافقهما فهو الحق وما خالفهما فهو الباطل وبالجملة إذا خالف الدليل محكم الكتاب والسنة فهو يكشف عن وقوع خلل فيه فيسقط عن الحقيقة فجعل حكم العقل هو الميزان في تمييز الحق من الباطل خروج عن قانون الصواب، بل الكتاب والسنة هما الميزانان القويمان في ذلك على الإطلاق وكيف لا وقد أخبر النبي المبعوث من عند الله أنه ترك فينا ثقلين من تمسك بهما لن يضل أبدا كتاب اللّٰه وعترته ولو كان للعقول الناقصة صلاحية ذلك لصرح به في مقام الإرشاد وتسهيل الأمر على المكلفين وحيث لم يصرح بذلك في مقام الحاجة بل صرح أهل بيته المخبرون عنه بخلافه حيث قالوا (إن دين اللّٰه لا يصاب بالعقول) عرفنا أنه لا يصلح للحجية بنفسه بل يجب لها اتباع الكتاب والعترة والاستناد فيما تريد معرفته من الأمور العلمية والعملية إليهما والذي يشذ عن ذلك فليس على شيء لأنا ربها نجد في الكتاب والسنة ما لا تقبله العقول الناقصة بل تحكم على خلافه لعدم قدرتها على العثور على سره ومأخذه ومثل ذلك كثير فيهما جدا، منهما وجوب الدية على العاقلة في قتل الخطأ فلو كان المدار على حكم العقول الناقصة لوجب علينا طرح تلك الأحكام أو تأويلها بما لا يخالف حكم العقول وهو كما ترى. إن قيل: إن الأحكام العملية مبنية على حكم ومصالح خفية ولا طريق للعقول إلى معرفة كثير منها فيجب لها قبولها على طريق التعبد ولا كلام لنا في ذلك وإنما الكلام في الأمور الاعتقادية. قلنا: أي فرق بين الأمور العملية والاعتقادية وما وجه التخصيص في ذلك فإنا لم نجد إلى الآن من يدعي هذا الفرق دليلا يصلح للتخصيص سوى أمور زيفناها في أوائل الكتاب على إنا إنما ذكرنا ما ذكرنا على طريق التمثيل وإلا ففي الأمور الاعتقادية أيضا ما يجري هذا المجرى بل فيها أكثر، منها وجوب عود الأجسام في المعاد فقد حكم الكتاب والسنة بذلك وصرح القوم بأن العقل حاكم على عدم الوجوب لعدم كونها ذوات شعور وإحساس. فإن قيل: إنما حكم العقل بذلك لأنه لم يعثر على علته ومأخذه وإلا لحكم به كما حكم الشرع. قلنا: الآن جئت بالحق فاثبت عليه ولكن بعد إبطال جميع ما أتعبت فيه نفسك من نصب الميزان وذلك لأنا إذا جوزنا أن يكون في الكتاب والسنة ما لا يهتدي إلى سره ومأخذه عقول الناس فتحكم في بادي النظر على خلافه وهي مخطئة في ذلك الحكم فقد بطل مرجعية العقل وتحكيمه في مداليل الآيات والأخبار وإذا ثبت ذلك فمن الجائز أن يكون ما عنونت من المسألة من جملة تلك الأمور كما هو كذلك. فبطل قولك إنه متى ما وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة وابنها عليها وافعل ما فيها ما حكمت به الأدلة وأوجبته الحجج العقلية وإن تعذر فيها بناء تأويل وتخريج وتنزيل فليس غير الاطراح لها وترك التصريح عليها، هي. فإن ما لا يقدر على معرفة حقائق الأشياء كما هي ويجوز له الخطأ فيما يحكم به لنقصه وقصوره وعدم عثوره على كثير من الدقائق الخفية التي لا يعثر عليها إلا اللّٰه وحججه العالمون بالله بما دخل في حيز أمر كن لا يصلح أن يكون حكما يرجع إليه في تحقيق مداليل الكتاب وسنن الأطياب هذا وما البعد بين هذا القول وقول النبي ة (إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا فما وافق كتاب اللّٰه فخذوه وما خالف كتاب اللّٰه فدعوه)،هي. فإنه 4 أمرنا برد جميع الأمور إلى كتاب اللّٰه وجعل ميزان الحق والباطل موافقة الكتاب ومخالفته وهذا الفاضل يأمرنا برد الكتاب والأخبار إلى عقولنا الناقصة والعمل فيها بما حكمت به من تخصيص عامها وتقييد مطلقها وتفصيل مجملها والطرح لها إذا لم يكن التوفيق بينها وبين ما دلت عليه الحكم لله العلي الكبير. ثم إن هذا على تقدير تسليم مخالفة ما نحن فيه من المسألة لحكم العقول الناقصة فكيف وهو في حيز المنع فإن لقائل أن يقول يا هذا أخبرنا أي دليل عقلي قام على امتناع تكليف الحيوان والنبات والجماد. فإن قلت: الدليل فقد هذه الأجناس للشعور والإدراك، والتكليف فرع ذلك. قلنا: إن أردت بالشعور والإدراك شعور الإنسان وإدراكه فليس مناط التكليف ذلك وإلا لكانت الجن أيضا غير مكلفين لأنهم أدنى ان يُ الته تلفَت عنكم الخَيَ ها النيت يطِهر طَهَيْرَا رتبة من الإنسان وعقولهم أضعف من عقول الإنس، على أنا إذا قسنا مداركنا إلى مدارك الأنبياء والأوصياء كانت مداركنا أنقص من مدارك الحيوان العجم بالقياس إلينا فيجب أن يكون التكليف مخصوصا للأنبياء والأوصياء دون سائر الخلق. وإن أردت به مطلق الشعور الذي هو مناط التكليف في كل شيء بحسبه، فنقول أخبرنا من أخبرك بأنها فاقدة لذلك فإن الحكم على العدم الواقعي يحتاج إلى الدليل. ف إن قلت: أي دليل أعظم من الحس فإنا نجد تلك الأجناس لا شعور لها ولا إحساس أما الجماد والنبات فغنيان عن الإثبات وأما الحيوان فلفقدانها للنطق والتعقل للأمور الكلية كما ثبت في الحكمة النظرية. قلنا: أما قولك في الحيوان أنها فاقدة للنطق والتعقل للأمور الكلية ففيه. أولا: أن الآثار الصادرة من الحيوانات العجم والطيور وحيلهم في أمور معاشهم ومعاشراتهم تخبر من له عينان أن الواقع على خلاف ما زعمت بل تأمل في الغرائب الصادرة عن بعض الأجناس تجدها أبصر ببعض الدقائق من هؤلاء الأناسي المتعارفة ومن أنكر ما ذكرنا فهو غير قابل للخطاب فإذا وجدنا منها ذلك ورجعنا إلى الكتاب والسنة فوجدناهما مصدقين لما أدى إليه وجداننا من قوله تعالى في الهدهد والنملة ومكالماتها العجيبة وتهديد سليمان للأول وأمره بالذهاب بالكتاب إلى بلقيس وكذا وسائر الطير في قوله تعالى (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه)" وحكايته عن سليمان (علمنا منطق الطير)"وقوله (وإذا الوحوش حشرت)". ومن الأخبار الواردة في هذا المعنى المتواترة معنى من عرض الولاية عليهم والتجائهم إلى النبي وأمير المؤمنين وسائر الأئمة وإظهار بثهم وشكواهم لهم وإخبارهم الي عن أذكارهم وأقوالهم وكون الطير لا تصاد إلا بتركها الذكر وحديث عفير حمار النبي مة ونقله للحديث المعنعن عن أبائه عن نوح النبي وصياح ذي الجناح وقوله في صهيله لما قتل الحسين جم وروحي له الفداء (الظليمة الظليمة لأمة قتلت ابن بنت نبيها) وما يجري هذه المجاري من الأخبار المتجاوزة حد التواتر. فإذا كان الحال على ذلك فكيف يسع لنا ترك كل ذلك والرجوع إلى قول من لا يوجد لقوله دليل لا كثير ولا قليل ثم لا نكتفي بذلك حتى نقع في الآيات والأخبار ونأولها بتأويلات ركيكة تضحك منها الطيور في الأشجار والدواب في الأوكار فضلا عن أرباب العقول السليمة والطباع المستقيمة. وثانيا: نتنزل عن ذلك ونسلم أنها فاقدة لإدراك الكليات ولكن نقول أي دليل دل على أن شرط تعلق التكليف على الإطلاق إدراك المكلف للكليات وأي عقل حكم بذلك فإن تكليف كل مدرك يكون حسب در ن كان كليا فكلي وإن كان جزئيا زئي، فينئ أي امتناع في أن يكون اللّٰه تعالى قد وضع للحيوان تكاليف بقدر إحساسه وإدراكه الجزئي فإن من يقول بكونها مكلفة لا يقول أن تكاليفها من الِ ت تنفَتَ عنْكم الِخَيَ اهلِ النَّيّت طِهْرك نُطَهَيْنَ نوع تكاليف الإنسان حتى يقال إنها فاقدة لإدراك الأمور الكلية ولا يسع أحد أن يقول إن الحيوان فاقد لقوة الفاكرة والحافظة والمتخيلة والواهمة والحس المشترك فإن آثار تلك القوى محسوسة فيها لا ينكرها إلا من اختلط عقله وأما الجماد والنبات فنقول غاية ما يمكن لك أن تقول فيها هو أنك لا تحس لها شعورا وإحساسك ليس بشرط في وجود جميع الأشياء إذ كم من أمور خفية أنت لا تدركها بحسك ومع ذلك تصرفها فإنك لا ترى السماوات والجن ولا …

صحيفة الأبرار — الجزء الثاني · فضائل عامّة (غير مبوّبة)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.