الأقسامصحيفة الأبرارفضائل عامّة (غير مبوّبة)
صحيفة الأبرار

لله تعالى تأثير في فعلهم وهو كالجبر في البطلان والفساد وحاشا الإمامية أن يشركوا بالله ويثبتوا في ملكه خالقين مستقلين لا يحتاجون في حركاتهم وسكناتهم إلى صانعهم ولو آنا ما. وإنما مراد الإمامية بذلك أن خلق العباد وجعلهم قادرين على كل من الفعل والترك والطاعة والمعصية تحقيقا للاختيار ثم أمرهم بالطاعة ونهاهم عن المعصية فمن اختار الطاعة وعمل بها فهو بحسن اختياره ومن اختار المعصية وعمل بها فهو بسوء اختياره وفي كل من الاختيارين والعملين لم يهملهم اللّٰه تعالى بأن يكون منعزلا عن ملكه مفوضا إليهم الأمر تفويض تمليك وإلا لكان الممكن مستغنيا عن المؤثر وهو محال بل كل من الفعلين جار على أيديهم بمشية من اللّٰه وإرادة وقدر وقضاء وإذن وأجل وكتاب فالله تعالى هو الموجد لكل من الحسنة والسيئة ولكن باقتضاء وسؤال استعدادي من جهة العبد لذلك وهو تعالى لا يخيب سائلا بل يعط كلا ما يستحقه ويسأله بلسان ميله واقتضائه ويحكم على كل منهم بمقتضى ما سألوه من الثواب والعقاب فصح أن العباد هم الفاعلون لأفعالهم لكن بالله لا مع اللّٰه فيكونوا مشاركين معه في الفعل ولا بدون اللّٰه فيكونوا مستغنين عن مؤثرهم كما زعمته المعتزلة ولا اللّٰه فأعل لأفعالهم فيكونوا مبرئين مما فعلوا كما زعمته الأشاعرة. فخذه قليلا من كثير فإن المقام لا يقتضي بسط المقال في مثل هذه المسألة التي تاهت فيها الأحلام وتحيرت فيها الأفهام، وإنما أشرنا إلى شيء منها تنبيها على ما جر إليه الكلام من الفلتات الواقعة لمن تكلم بمقتضى التقليد من غير تدبر، ومن أراد حقيقة ما أو مأنا إليه من الصراط المستقيم الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف فعليه بكتاب (كشف القدر) للشيخ الأعظم والطود الأفخم مولانا الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أعلى اللّٰه مقامه الذي كتبه في الرد على رسالة السيد الشريف الأشعري في بيان هذه المسألة فإنه كاف في هذا الشأن واف شاف لمن له أنس بلحنه أعلى اللّٰه مقامه. فحاصل المرام هنا أن الاعتراض على تأويل السيد للحديث بما ذكر اعتراض غير سديد وإن كان تأويله أيضا خارجا عن طريق السداد لكن لا من هذه الجهة بل من الجهة التي ذكرناها وأومأنا إليها إجمالا تنبيها للغافلين وتعليما للجاهلين إن كان ينفعهم نصحي ودلالتي والله ولي التوفيق، فانزع يا أخي عن جيدك قلادة التقليد وانظر في آيات كتاب اللّٰه وسنن أنبيائه وأوليائه بالفهم السديد ولا تتخذ بعض الناس لنفسك لِخَسَ هل البيت يطمر كنُطَهَيَرَا نسبا وبعضا آخر عدوا بغير سبب فتكون ملتزما بتصحيح كلما يقول أولئك دون هؤلاء فإن هذا الداء العضال هو الذي حرم كثيرا من الناس عن شراب التحقيق وهوى بهم في كل واد سحيق فمنهم من أعجبه الميل إلى التفلسف ومنهم من جذبه هوى النفس إلى التصوف ومنهم من قاده التقليد إلى التكلم ومنهم من أخلده الجمود على التكلف والحكم فاختار كل منهم معلما لذلك العلم الذي مال إليه ابتداء من غير نثبت أو تحقيق فبقى ينشأ على اصطلاحاته ومقاصده ويملأ سمعه من براهينه وقواعده فيتولد من بين ذلك أنس ومحبة بتلك الطريقة وبغض ونفرة عما يغايره من المسالك لأن الإنسان عدو لما جهله فإذا بلغ من ذلك إلى ما هو قصارى همته جلس في صدر التحقيق وأخذ في الإفادة على الجهال والإمعة فإذا عارضه من يخالف طريقته ومذاقه أخذته الحمية وهيجته العصبية إلى رده وترنيقه وإن ظهر له حقية من خالفه وبطلان ما في يديه لما نشأ عليه وأنست به نفسه وركز في ذهنه وشد من خرق هذا الحجاب وتمسك بمداليل السنة والكتاب وحسب نفسه من الموجودين قبل حدوث هذه الأسماء فجعل يقرأ حروف الكتابين التكويني والتدويني قراءة تحقيق وتنقير امتثالا لقوله سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)" وقوله (أفلا بتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) "وقول رسوله الداعي إليه (إني فلن سالُ علتْر تارك فيكم الثقلين كتاب اللّٰه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن نضلوا أبدا) وإن أشكل عليه حرف منهما يرجع إلى من علم من حاله التمسك بالثقلين والأخذ من الكتابين امتثالا لقوله سبحانه فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)"على أحد المعاني السبعين ولا ينتحل نفسه اسما إلا ما سماه به اللّٰه وأولياؤه الهادون فلا يلتزم بتصويب قوم على الإطلاق وتخطئة آخرين بل ينظر إلى جميع الناس بعينين مأخوذيتن من الكتابين المذكورين فما وجده مطابقا لهما صدقه وما وجده مخالفا لهما كذبه علما منه بأن أولياء اللّٰه المبعوثين لهداية الناس ما كانوا متفلسفين ولا متصوفين ولا متكلمين ولا قشريين بل كانوا إلهيين ربانيين متبوعين غير تابعين يجب على جميع من دخل في حيطة أمر كن الاقتفاء بآثارهم والاقتداء بطريقتهم ومنارهم وكل من وجده من الطوائف يدعي ذلك سبره بشواهد الامتحان ولا يكتفي بمجرد الدعوى فإن طريقة محمد وآله الطاهرين واضحة بينة لا لبس فيها لأنهم بعثوا لهداية عامة الناس لا بقوم مخصوصين فكل منهم أخذ نصيبه من الكتاب (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها)" لكن بشرط أن يكون الطالب منقطعا إليهم بالكلية مخلصا لنيته في ذلك لا يريد إلا وجه اللّٰه فإن من سلك هذا السبيل وصل إلى المطلوب لا محالة بوعد من اللّٰه في قوله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّٰه لمع المحسنين)". لَارُ ابه لِنفعن عنكم الخَي ها النَيت طِمْركْ نرُطَمَينَ وبالجملة تحول الكتابين المذكورين الذين كتبهما اللّٰه تعالى بقلم قدرته في لوح محفوظ إمامين لا مأمومين فمن وجده يأول ما فيهما تطبيقا له بقول قوم مخصوصين من غير أن يقوم لصحته شاهد صريح من الكتابين كما سمعت فيما قبل من التأويل عرف أنه خروج عن الجادة المستقيمة والطريقة القويمة لا ينبغي الالتفات إليه من أي فرقة كانت ومن أي شخص صدر ولو كان جده وأباه فإن اللّٰه قد ذم أقواما بذلك في عدة آيات ولم يرض منهم بتقليد الآباء والأمهات وتعظيم العظام الرفاة ووصى أولياؤه الهادون بأخذ العلم عن معدنه وقالوا (انظروا علمكم هذا من أين " تأخذونه) " فلم يرضوا بالأخذ عن كل من يتسمى بالعلم وكلما يسمى علما ولكن القوم لا يحبون الناصحين. واعلم أني بالغت في الإطناب وخرجت عن وضع الكتاب وتعرضت بما لم يكن له كثير مناسبة للمقام لحاجة في نفسي دعتني إليه فلا يقابلني من يقف عليه باللام والله الموفق للصواب وبه الاعتصام. العزكل العز للمتقي

صحيفة الأبرار — الجزء الثاني · فضائل عامّة (غير مبوّبة)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.