الأقسامصحيفة الأبرارالإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام
صحيفة الأبرار

الخامس عشر وفيه عن كتاب نوادر المعجزات لبعض قدماء أصحابنا المُوْنين بإسناده إلى الصدوق، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن زكريا، عن أبي المعافا، عن وكيع، عن زاذان، عن سلمان قال: (كنا مع أمير المؤمنين علام ونحن نذكر شيئا من معجزات الأنبياء د، فقلت له: يا سيدي أحب أن تريني ناقة ثمود وشيئا من معجزاتك، قال: أفعل، ثم وثب فدخل منزله وخرج إلي، وتحته فرس أدهم، وعليه قباء أبيض، وقلنسوة بيضاء، ونادى: يا قنبر أخرج إلي ذلك الفرس، فأخرج فرسا أغر أدهم، فقال لي: اركب يا أبا عبد الله، قال سلمان: فركبته فإذا له جناحان ملتصقان إلى جنبه، فصاح به الإمام لجام فتحلق "في الهواء، وكنت أسمع خفيق " أجنحة الملائكة تحت العرش، ثم خطرنا " على ساحل بحر عجاج مغطمط الأمواج، فنظر إليه الإمام شزرا، فسكن البحر، فقلت: يا سيدي سكن البحر من غليانه من نظرك إليه، فقال: يا سلمان حسبني أني آمر فيه بأمر، ثم قبض على يدي وسار على وجه الماء والفرسان يتبعاننا لا يقودهما أحد، فوالله ما ابتلت أقدامنا ولا حوافر الخيل، فعبرنا ذلك البحر ووقعنا" إلى جزيرة كثيرة الأشجار والأثمار والأطيار والأنهار، وإذا شجرة عظيمة بلا ثمر بل ورد وزهر، فهزها قضيب كان في يده فانشقت، وخرج منها ناقة طولها ثمانون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا خلفها فصيل، فقال لي: ادن منها واشرب من لبنها، فدنوت وشربت حتى رويت، وكان أعذب من الشهد، وألين من رالقَهُ بان عجزات اميرناومنون يْد الوقَينين الزبد، وقد اكتفيت، قال: هذا حسن، قلت: حسن يا سيدي، قال: تريد أن أريك أحسن منها؟ فقلت: نعم يا سيدي، قال: يا سلمان ناد اخرجي يا حسناء، فناديت فخرجت ناقة طولها مائة وعشرون ذراعا، وعرضها ستون ذراعا من الياقوت الأحمر، وزمامها من الياقوت الأصفر، وجنبها الأيمن من الذهب، وجنبها الأيسر من الفضة، وضرعها من اللؤلؤ الرطب، فقال: يا سلمان اشرب من لبنها، قال سلمان: فالتقمت الضرع فإذا هي تحلب عسلا صافيا محضا، فقلت: يا سيدي هذه لمن؟ قال: هذه لك ولسائر الشيعة من أوليائي، ثم قال لها: ارجعي، فرجعت من الوقت، وسار بي في تلك الجزيرة حتى ورد بي إلى شجرة عظيمة، وفي أصلها مائدة عظيمة عليها طعام تفوح منه رائحة المسك، وإذا بطائر في صورة النسر العظيم، قال: فوثب ذلك الطير، فسلم عليه ورجع إلى موضعه، فقلت: يا سيدي ما هذه المائدة؟ قال: هذه منصوبة في هذا الموضع للشيعة من موالي إلى يوم القيامة، فقلت: ما هذا الطائر؟ فقال: ملك موكل بها، فقلت: وحده يا سيدي؟ فقال: يجتاز به الخضر في كل يوم مرة، ثم قبض على يدي فسار بي إلى بحر ثان فعبرنا، وإذا بجزيرة عظيمة فيها قصر لبنة من الذهب ولبنة من الفضة البيضاء، وشرفه العقيق الأصفر، وعلى كل ركن من القصر سبعون صنفا" من الملائكة، نجلس الإمام عدم على ذلك الركن، وأقبلت الملائكة تأتي وتسلم عليه، ثم أذن لهم فرجعوا إلى مواضعهم، قال سلمان: ثم دخل إقام إلى القصر فإذا فيه أشجار وأنهار وأطيار وألوان النبات، فجعل الإمام تلام يمشي أمِيْرَ الُوْتين فيه حتى وصل إلى آخره، فوقف على بركة كانت في البستان، ثم صعد إلى سطحه، فإذا كراسي "من الذهب الأحمر، فجلس عليه وأشرفنا منه فإذا بحر أسود يغطمط بأمواجه كالجبال الراسيات، فنظر إليه شزرا فسكن من غليانه حتى كان كالمذيب "فقلت: يا سيدي سكن البحر من غليانه لما نظرت إليه، قال: حسبني أني آمر فيه بأمر، أتدري يا سلمان أي بحر هذا؟ فقلت: لا يا سيدي فقال: هذا البحر الذي غرق فيه فرعون وقومه، إن المدينة حملت على معاقل جناح جبرئيل، ثم رمى بها في هذا البحر فهويت" لا تبلغ قراره إلى يوم القيامة، فقلت: يا سيدي هل سرنا فرسخين؟ فقال: يا سلمان لقد سرت خمسين ألف فرسخ، ودرت حول الدنيا عشرين مرة، فقلت: يا سيدي وكيف هذا؟ فقال: يا سلمان إذا كان ذو القرنين طاف شرقها وغربها، وبلغ إلى سد يأجوج ومأجوج، فأنى بتعذر علي وأنا أخو سيد المرسلين وأمين رب العالمين وحجته على خلقه أجمعين، يا سلمان أما قرأت قول اللّٰه تعالى حيث قال (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) فقلت: بلى يا سيدي، فقال: يا سلمان أنا المرتضى من الرسول الذي أظهره على غيبه، أنا العالم الرباني، أنا الذي هون اللّٰه علي الشدائد وطوى لي البعيد، قال سلمان: نسمعت صائحا يصيح في السماء، نسمع الصوت ولا نرى الشخص، يقول: صدقت صدقت أنت الصادق المصدق، ثم وثب فركب الفرس وركبت معه وصاح به، فتحلق " في الهواء، ثم حضرنا بأرض الكوفة، هذا وما مضى من الليل ثلاث ساعات فقال: يا سلمان الويل ثم "" الويل على من لا يعرفنا حق معرفتنا، وأنكر ولايتنا، يا سلمان أيما أفضل محمد أم سليمان بن داود؟ قلت: بل محمد ي، فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يجمل عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين، وعنده علم من الكتاب، ولا أفعل ذلك وعندي علم مائة ألف كتاب وأربعة وعشرين ألف كتاب أنزل منها على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، والتوراة والإنجيل والزبور، فقلت: صدقت يا سيدي، قال الإمام ليام: اعلم يا سلمان إن الشاك في أمورنا وعلومنا كالممتري في معرفتنا وحقوقنا، وقد فرض اللّٰه عز وجل ولايتنا في كتابه وبين فيه ما أوجب العمل به وهو غير مكشوف)". تحقيق لطيف حول عدد المرات التي دار فيها سلمان حول الأرض مع الإمام يقول محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب عفا اللّٰه عنه: وروى هذا الخبر عن الكتاب المذكور الشيخ عبدالله بن نور اللّٰه البحراني في المجلد السابع والعشرين من كتابه العوالم، وهو مجلد السماء والعالم، ورواه أيضا عن الكتاب المذكور أعني نوادر المعجزات- بعض إخواننا المعاصرين وفقه اللّٰه لمراضيه في كتاب له سماه نفس الرحمن في فضائل سلمان، ثم استظهر أن مؤلف النوادر المذكور أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الشيعي كما يظهر من صدر جملة من أسانيده، ثم أورد إشكالا متنزية أمنين حاصله أنه علتام قال: (لقد سرت خمسين ألف فرسخ ودرت حول الدنيا عشرين ألف مرة) كما في نسختي من الكتاب، أو عشرين مرة كما في البحار، أو عشر مرات كما رأيته بخط المحدث الفاضل علم الهدى ابن المولى محسن الكاشاني في كتابه درر البحار، وشيء منها لا ينطبق على مساحة الأرض؛ لأن مقدار محيط الدائرة العظمى من الأرض ثمانية آلاف فرسخ عند القدماء، وستة آلاف وثمانمائة فرسخ عند المتأخرين بناء على اختلافهم في مقدار الدرجة الأرضية، فعلى الأول يكون مقدار المسير على النسخة الأولى مائة وستين ألف ألف فرسخ، وعلى الثانية مائة وستين ألف فرسخ، وعلى الثالثة ثمانين ألف فرسخ، وعلى الثاني، فعلى الأولى مائة ألف وستة وثلاثين ألف ألف فرسخ، وعلى الثانية مائة ألف وستة وثلاثين ألف فرسخ، وعلى الثالثة ثمانية وستين ألف فرسخ، وتلك القواعد مبنية على براهين حسية لا يتطرق إليها الهندسة. ثم نقل عن بعض أفاضل السادة أنه أجاب عن الإشكال بأنه لا يفهم من هذا الكلام أن جميع العشرين ألف دورة؛ كانت في هذه الخمسين ألف فرسخ بل ربما كان المراد الإخبار بوقوع كل منهما لا وقوعها فيها، ولو سلم فليس ما ذكروه من الضروريات حتى لا يجوز خلافه، وأيضا ربما كانت مسيرة فرسخ في قوة مسيرة عدة فراسخ على أنه لم يخصص المسير بالأرض، بل الحديث دال على أن المسير شامل للأرض وغيرها، لأن تلك الجزائر والقصور وما أعد الله فيها ليست في الأرض، ويؤيده قوله (ودرت حول الدنيا عشرين ألف دورة) ثم قال صاحب الكتاب أيده اللّٰه تعالى في دفع الإشكال، وأقول إن الدورة لا تلزم أن تكون على الدائرة العظمى، بل يحتمل أن تكون على بعض الدوائر الصغار الموازية لها، ومقدار مسافة تلك الدوائر يقل شيئا فشيئا، فإن مقدار الدرجة طولا في خط الاستواء سبعة وستون ميلا على رأي القدماء، وفي عرض ينقص أربعة أميال، وفي لام عشرة أميال وفي م ستة عشر ميلا، وفي أنه أحدا وعشرين ميلا، وفي س ينقص بقدر نصفها، وفي عليه السلام يبقى ثلثها فيمكن تطبيق الخبر على ما ذكروه في بعض تلك العروض، انتهى ملخص ما ذكره أدام اللّٰه تأييده. وأنا أقول: إن بعض تلك الأجوبة بناء على الجمود على الظاهر فيه مقنع لدفع الإشكال وبعضها على خلاف المطلوب أدل، وهو قول السيد المذكور أنه لم يخصص المسير بالأرض.. إلخ؛ لأن الإشكال إنما نشأ من كون الخمسين ألف فرسخ، لا نفي لمقدار الدوران حول الدنيا بالعدد المذكور لو خصصنا الدوران بحول الأرض الظاهرة فقط، فكيف بما يزيد عليها فتدبر هذا، ولكن التحقيق بعد ذلك كله أن العوالم المذكورة في هذا الخبر وما في معناه من الأخبار كحديث البساط الكبير وغيره مما ذكر أو سيذكر ليست من عوالم ظاهر الأرض، بل من العوالم الباطنة وهي من ملكوت تلك السماوات والأرضين الظاهرة، ومن المحقق بالبراهين الحكمية أن الباطن أقرب إلى المبدأ من الظاهر، كما أن من المحقق أن كل ما كان أقرب إلى المبدأ كان ألطف وأوسع بالنسبة إلى ما تحته في الرتبة، فربما يكون ما هو تحته رتبة مع ما له من سعة الدائرة بالنسبة إلى سعة فضائه كحلقة ملقاة في فلاة، ومن المعلوم أن فرسخ كل عالم أيضا يكون بحسبه وعليه، فربما يكون فرسخ واحد من فراسخ بعض تلك العوالم الباطنة يساوي مجموع مقدار محيط الدائرة العظمى من هذه الأرض الظاهرة، بل وجميع عالم الدنيا بسماواتها وأراضيها، فكيف بالفراسخ وليست النسبة بين تلك العوالم وبين هذه الأرض الظاهرة نسبة وضعية كنسبة الأجسام بعضها إلى بعض؛ حتى يكون كل فرسخ منها وإن بلغ ما بلغ يحاذي جزء من أجزاء كرة الأرض أو كرة عالم الجسم برمته كما هو حال نسبة درجات الفلك الأعظم وما بعده من الأفلاك إلى درجات كرة الأرض إذا قسمنا كلا من تلك الأكر على ثلاثمائة وستين درجة مثلا، فإن السائر على دائرة الفلك الأعظم إذا قطع درجة واحدة منها ونسبنا سيره ذلك إلى ما لا أزيد، وإنما النسبة بينهما نسبة الروح والجسد، فمكان تلك العوالم روح هذه الأمكنة الجسمانية وامتداداتها الوقتية روح هذه الامتدادات الزمانية، فالآن الواحد منها مستوعب لجميع أجزاء الزمان الذي هو ظرف امتداد الأجسام، وكذا محلها بالنسبة إلى محل الأجسام وهو قوله تعالى (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) وإن أردت تصور ذلك فانظر في حال نفسك بالنسبة إلى حال جسمك، فإن نفسك تتصور من الدائرة المفروضة على كرة الأرض قطع منها أيضا درجة جميع أجزاء الزمان الماضية والمستقبلة بتصور واحد في لحظة واحدة، ولا يصل جسمك إلى تلك الأجزاء إلا بالتدريج شيئا بعد شيء في مدة متطاولة، وإن هو إلا لكون نفسك جوهرة ملكوتية مجردة عن الحدود الزمانية الجسمانية، فتحيط بأول الزمان وآخره بالتفاتة واحدة، ونظر واحد، بخلاف جسمك فإنه محدود بالحدود الزمانية فلا يقطعها إلا بالتدريج، نعم لو بلغ الجسم في اللطافة بمعونة سحق التأديبات الشرعية إلى حد الكمال الذي هو ممكن فيه شابه الروح وحكى أفعالها فصار حكمه حكم الروح في طي الأزمنة والأمكنة وما أشبه ذلك من الأحكام الروحية هذا في سائر الناس، وأما المعصومون عاياذ ولا سيما محمد وآله الطاهرون صلى اللّٰه عليه وعليهم أجمعين، فهذا حال أجسامهم الشريفة من بدو الأمر بمقتضى بدء شأنهم، ولا تمنع الأعراض الزائلة التي كانوا أخذوها لأنفسهم لأجل تكميل الخلق عن ظهور الآثار الخارقة للعادة من أجسامهم الشريفة لعدم كونهم مقهورين تحت تلك الأعراض كسائر الناس، ألا ترى رأس مولاك الحسين سيد الشهداء روحي له الفداء كيف كان يقرأ لقرآن على السنان مع أنه صلوات اللّٰه عليه قد كان فارقت روحه جسده الشريف؛ وإن هو إلا لأن جسده الشريف كان بحكم الروح بنطق ويشعر ويعقل ويتحرك حركة إرادية بنفسه من دون معونة من الروح، وكيف لا يكون كذلك وقد خلقت أفئدة الأنبياء من شعاع تلك الأجسام الشريفة بحكم مدلول الأخبار الصحيحة والعقول المستنيرة بنور الله، فإذا تبين عندك حال تلك العوالم ونسبتها إلى هذا العالم الظاهري انحل عندك الإشكال من غير حاجة إلى ما ذكر والحمد الله رب العالمين. ثم إن شيخنا المجلسي. استغرب هذا الخبر بعد نقله وهو غريب؛ لأنه إن كان من جهة وجود عالم بهذا الوصف، فقد ملأ هو نفسه كتابه البحار ولا سيما كتاب (السماء والعالم) منه من ذكر أخبار مأخوذة من كتب وأصول معتبرة تدل على وجود عوالم متعددة، واشتمالها على أمور أغرب مما ذكر في هذا الخبر، وإن كان من جهة سير أمير المؤمنين عليتلام وتسييره لمن معه إلى تلك العوالم، فهل المعجز إلا مثل هذه الأمور، فالمستغرب لذلك يجب أن يستغرب جميع المعجزات في حق أصحاب المعاجز مع أن حديث البساط وأصحاب الكهف مما لا يمكن إنكاره لاستفاضته بين الخاصة والعامة، وأي فرق بينه وبين هذه الواقعة في المؤدى على أن معراج رسول اللّٰه والتفاصيل الواقعة فيه في مدة يسيرة لا تسع في الظاهر جزء من مائة ألف ألف جزء من معشارها، وأستغفر اللّٰه عن التحديد بالقليل لم يترك في أمثال هذه المعجزات لذي مقال مقالا ولا سيما على مذهب الشيعة القائلين بكون الولاية تالي النبوة إلا في خواص معدودة، فلا حاجة إلى التجسم في الاستدلال في كل خبر خبر، والالتفات إلى أمثال هذه الاستغرابات. الأرض تحدث أمير المؤمنين ويحادثها

صحيفة الأبرار — الجزء الثالث · الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.