الثاني والخمسون رجال الكشي: عن نصر بن الصباح قال: حدثني الحسن بن علي بن أبي عثمان السجادة، قال: حدثني القاسم الصحاف عن رجل من أهل المدائن يعرفه القاسم، عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد اللّٰه: (جعلت فداك أحب أن تخبرني باسم اللّٰه عز وجل الأعظم، فقال لي: إنك لا تقوى على ذلك، فلما ألححت عليه قال: فمكانك إذا، ثم قام فدخل البيت هنيهة، ثم صاح بي: ادخل، فدخلت فقال لي: ما ذلك؟ فقلت: أخبرني به جعلت فداك، قال: فوضع يده على الأرض، فنظرت إلى البيت يدور بي، وأخذني أمر عظيم كدت أهلك، فصحت فقلت: جعلت فداك حسبي لا أريد [ذا]')". أقول: قد مضى مثل ذلك عن أبي جعفر عمّ في حق عمر بن حنظلة في القسم الأول من الكتاب، (وأنه لما أراد ذلك وضع أبو جعفر تم يده على الأرض، فأظلم البيت فارتعدت فرائص عمر، فقال: ما تقول أعلمك؟ فقال: لا)، الحديث.ولا بأس بالإشارة إلى معنى الاسم الأعظم في الجملة لأنه مفتاح ألف باب من العلم. تحقيق لطيف في معنى الاسم الأعظم فنقول مستعينا باسم اللّٰه الأعظم قال أمير المؤمنين مه لأبي الأسود الدؤلي: (الاسم ما أنبأ عن المسمى) " الحديث. ومن البين أن الإنباء عن المسمى ليس بمقصور في الألفاظ، والأعراض هي المعاني والجواهر آكد في ذلك وأبين في الدلالة، فهي أولى بحقيقة الاسمية من الألفاظ، فالاسمية لها أولا، وبالذات وللألفاظ ثانيا، وبالتبع لكونها قوالب لتلك المعاني ومرايا لها؛ إذا عرفت ذلك فاعلم أن اسم كل شيء عبارة عن ظهوراته الفعلية الإشراقية الصادرة عنه، فإنها هي الأسماء والعلامات الدالة عليه المنبأة عنه نظير الصورة الظاهرة في المرآة من الشاخص المقابل، فإنها أثر إشراقي مثالي فعلي من الشاخص دال عليه ومنبأ عنه، ونظير القائم والقاعد والكاتب، وما يرادفها من الأسماء المشتقة من الأفعال الصادرة عن زيد، فإنها آثار فعلية إشراقية مثالية دالة على زيد ومنبأة عنه، وليست هي عين ذات زيد وإلا لكان زيد دائما قائما أو قاعدا أو كاتبا، وهكذا لأن ذات الشيء وذاتيته لا يتخلفان عنه وهو خلاف البديهة، فكل مسمى له من حيث هو مسمى أسماء بعدد ظهوراته الإشراقية تنبأ عنه، ويدعى بها عند التوجه إليه، وكل اسم منها مبدأ لأثر خاص منه كالقائم فإنه مبدأ أثر القيام، والضارب مبدأ أثر الضرب، والكاتب مبدأ أثر الكتابة وهكذا، ومن الظاهر أن تلك الأسماء لا يصلح شيء منها إلا لمبدئية ما هو كل الأسماء المذكورة من القائم والقاعد والكاتب وغير ذلك من الأسماء الجزئية، وهي بالنسبة إليه رؤوس ووجوه وإن مخصوص به، فإن معنى القائم من حيث هو قائم لا يصلح لمبدئية الكتابة، ومعنى الكاتب من حيث هو كاتب لا يصلح لمبدئية القيام وهكذا جميع الأسماء الجزئية، وبين هذه الأسماء اسم كلي شامل لمعاني جميع تلك الأسماء، فله هيمنة عليها وهو معنى الفاعل، فإنه اسم بسيط جامع مهيمن على كل الأسماء المذكورة من القائم والقاعد والكاتب وغير ذلك من الأسماء الجزئية، وهي بالنسبة إليه رؤوس ووجوه، وإن كانت تلك الأسماء الجزئية أيضا كلية كافية بالنسبة إلى ما تحتها من أفراد الشخصية وهي رؤوس ووجوه لها، فافهم. والنسبة بين ذلك الاسم الأعظم الكلي وبين تلك الأسماء الجزئية نسبة الموصوف والصفات المتصلة له فإنها تعينات ذلك الاسم وتطوراته عند التوجه إلى إحداث أثر خاص يتولد منه كتولد السرير من الخشب المطلق. إذا تحرر عندك ذلك ثم لاحظت قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنَّفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)" وقول الإمَام الرضا صَ لعمران الصابي: (وقد علم ذوو الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هاهنا)"). فحينئذ نبدأ ونقول: (قال الصادق جمام: العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد من العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية أصيب في العبودية، قال اللّٰه تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَولَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي موجود في غيبتك وفي حضرتك) والمراد بالربوبية اسمه تعالى الظهوري الإشراقي الفعلي الذي ظهر به لخلقه، فأوجد به هويته التي هي العبودية في قوله ج فإن كل اسم من أسمائه تعالى مبدأ لأثر مخصوص، هو هوية مخلوق من مخلوقاته، وهذا الاسم لا يفارق ذلك المخلوق في حال من الأحوال؛ وإلا لفني واضمحل، كما أن اسم الكاتب لو فارق الكتابة فنيت الكتابة من حيث هي، فهو معها أينما كان، ولذا كلما نظرت إلى الكتابة دلتك على كاتب لها، فافهم. وجزئية كل اسم وكليته بحسب عظم وجود ذلك المخلوق وصغره، فوجود النملة يحتاج إلى تعلق اسم له بقدره، ووجود الفيلة يحتاج إلى اسم بقدره، وبالجملة كلما كانت شئون المخلوق أكثر كان الاسم المتعلق به أكبر، وقد علم أولوا الألباب أنه لا وجود في الإمكان أعظم وأكمل وأشمل من وجود محمد وآله الطاهرين صلوات اللّٰه عليه وعليهم أجمعين، فوجودهم يحتاج إلى تعلق اسم اللّٰه الأعظم الجامع المستغرق لجميع شئون الربوبية بكليتها به فهويتهم على طبق ذلك الاسم الأعظم لا يزيد شيء منه عليها فيكون متعلقاً لمخلوق آخر من غير توسط منهم، ولهذا كانت لهم البرزخية العظمى والوساطة الكبرى، فافهم هذا. ثم أن جهة عبودية كل مخلوق بمنزلة المرآة لذلك الاسم الظاهر عليه، فمن صَفت مرآة عبوديته التي هي قابليته بحيث لم يبق له اعتبار من نفسه أثر فيه ذلك الاسم المتعلق به؛ الذي هو حقيقة من ربه وظهرت فيها آثاره، فكانت هويته التي هي جهة عبوديته كالحديدة المحماة بالنار، فكان العبد بذلك فعّالاً مؤثراً متصرفاً في الأشياء بقدر سعة أشعة اسمه المخصوص به ومقدار صفاء مرآته؛ لأن جميع الآثار الواقعة في العالم مستندة إلى أسماء اللّٰه كما سخت به الأدعية المعصومية، ولا يمنعني عن ذكرها إلا وجودها عند كثير من الخاص والعام، فهذا هو السر في ظهور الكرامات الخارقة للعادات عن كثير من المؤمنين الكاملين التابعين لطريقة محمد وآله الطاهرين صلوات اللّٰه عليه وعليهم أجمعين لأنهم دعوا اللّٰه تعالى بلسان قابليتهم الصادقة بشروطه التي روحها التوسل بذيل ولاية أهل بيت الرسول، فعلمهم اللّٰه تعالى اسمه الذي ظهر لهم به، وهو اسم من أسماء الاسم الأعظم الذي ظهر به على محمد وآله الطاهرين من ابتداء خلقهم لكون قابليتهم صافية من بدو الأمر، بحيث لم يبق لها اعتبار من جهة نفسها أصلاً وبذلك تمحضوا في الاسمية وقالوا: (نحن الأسماء الحسنى التي أمر اللّٰه تعالى أن يدعى بها")". وتفصيل إجمال هذا المقال أن المخلوق له وجودان وجود كوني، ووجود شرعي، وكل منهما مركب من مادة وصورة خلقهما اللّٰه تعالى باسم مخصوص بهما، وهما ركنا قابلية الشيء وعبوديته المذكورة في حديث الصادق م، والقابليات الكونية لا سعادة فيها ولا شقاوة بالمعنى الشرعي بل الخلق كلهم فيها يتساوون مطيعون منقادون لأمر اللّٰه بظاهر الكون يسبحونه تعالى بأسمائه ويقدسونه ويهللونه (وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّعُ بِحَمْدِه) " يسبح اللّٰه بأسمائه جميع خلقه، ولكنه عبادة ظاهرية لا توجب سعادة إلا بعد موافقتها للعبادة الشرعية بعد التكليف الشرعي نظير عبادة إبليس في السماء لأن بعضهم مضمرون للعصيان على تقدير ورود التكليف الشرعي عليه (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)". وبالجملة الإطاعة الشرعية روح الإطاعة الكونية فما لم ترد عليها فلا حياة لها فالكون لا يتم إلا بالشرع والاسم المتعلق بإيجاد الكون أيضاً على حسبه بمعنى أنه اسم رحمة واسعة لم يتبين فيه العدل من الفضل ولما ورد التكليف الشرعي على تلك القوابل الكونية بقوله (أ لست بربكم ومحمد نبيكم وعلي وليكم)". استنطاقاً لما استجن في تلك القوابل المبهمة اختلفت الإجابات، فمنهم من قال: بلى، ومنهم من قال: لا إخباراً عما كان مستجناً في ضمير كل من الوفاق أو الخلاف، فصوّر اللّٰه مادة المؤمنين، وصورتهم لكفر يتبين باسماء رحمته الخاصة على هيكِل التوحيد، وصورة السعادة الشرعية، فكانت هياكلهم من (بيُوتِ أَذِنَ الَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّعُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْأصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّ} بمعنى أن قوابلهم انزجرت لظهور الربوبية التي حملها إليها قوله: (أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ) " واندكت لها حبالها التي هي طبائع إنيتها، فكانت بذلك مظاهر لذلك الاسم، وهياكل لذلك الطلسم كالحديدة المحماة بالنار، فكانت مؤثرة في الكون على مقدار قوة الاسم المتقدرة بمقدار القبول الشرعي منها، هذا حال المؤمنين الكاملين. وأما الناقصون فلم يظهر فيهم أثر ذلك الاسم على التمام لضعف قبولهم الشرعي، وبقاء شوب من ظلمات الإنية في قابلياتهم، ولكنه ممكن الزوال ما دام التكليف باقياً وصوت (أَلَسْتُ بِرَبُّكُمْ) ممتداً، فافهم. وأما الكفار فصوّر اللّٰه مادتهم وصورتهم الكونيتين باسم غضبه على هيكل الشرك، وصورة الشقاوة الشرعية بإنكارهم، فكانت هياكلهم سجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً لم يظهر فيها اسم الرحمة الخاصة؛ بل تولدت من طبائع إنياتهم المظلمة المعوجة أسماء سوءى هي أضداد أسماء اللّٰه الحسنى التي أمر الله أن يدعى بها، فهي أسماء اقترحوها من عند أنفسهم إلحاداً في التسمية ما أنزل اللّٰه بها من سلطان، مثاله الصورة الواقعة من الإنسان الحسن الصورة في المرآة المعوجة والملونة، فإنها تدعو ذلك الإنسان بأسماء سوءى فتقول: يا قبيح ويا أصفر ويا أعوج مَحَا الصارى وهكذا، وهي ليست بأسماء لذلك الإنسان، وإنما هي أسماء اخترعتها المرآة من عند نفسها من جهة اعوجاجها وكدوراتها، فافهم. فتلك الأسماء لا ينبغي أن يدعى اللّٰه تعالى بها لأن مسميات تلك الأسماء هي الأرباب الباطلة التي تدعى من دون اللّٰه خلافاً على صاحب الخلافة الكلية الإلهية، فهؤلاء لا يستجاب لهم دعاء شرعي أبداً، وإنما يستجاب لهم دعائهم الكوني الظاهري لإجابتهم الظاهرية، نعم قد يستجاب لهم بعض الدعوات الشرعية من جهة اللطخ العارض لهم من طينة المؤمنين إلى يوم الوقت المعلوم، وأما بعد ذلك فلا أبدا، فلذا ترى أهل النار كلما دعوا اللّٰه في خلاصهم عنها ضوعف عليهم العذاب لتخلفهم حينئذ من شوائب اللطخ بالكلية. وأهل الجنة على العكس من ذلك، فإن كل ما تشتهيه أنفسهم فهو حاضر عندهم بمجرد الإرادة، فافهم وتدبر، فهذا هو المراد بتعلم أسماء اللّٰه تعالى ودعائه بها لا مجرد تعلم اللفظ وذكره، نعم إذا وافق ذكر اللفظ ذكر القلب والتوجه الخالص إلى المسمى بالطهارة الظاهرة والباطنة، فهو حينئذ من متممات القابلية الشرعية، ومكملاتها الموجبتين لظهور معنى ذلك الاسم في هوية الداعي، فالذكر اللساني والقلبي كل منهما شرط لتمامية الآخر لا يفيد أحدهما بدون صاحبه، ولذا أمر صاحب الشريعة صلوات اللّٰه عليه أمته بالأذكار والأدعية القولية والأعمال والرياضات البدنية، ولم يقنع بمجرد الأذكار والأعمال النفسية، كما مُحَمِدِ الصَّادِقِ يلوكه الجهلة والبطالون في ألسنتهم افتراءً على اللّٰه ورسله وتكذيباً لكتبه المنزلة، فإن اللسان وسائر الجوارح الظاهرة أيضاً خلق من خلق اللّٰه لم تخلق سدى بل خلقت لطاعة الله، وأداء ما يليق بها من وظائف عبادة الله. وعلى ما يقولون يلزم أن يكون بعض أجزاء قابلية المكلف لا تحتاج إلى التطهير والتزكية، وهو عند من وفقه اللّٰه تعالى لمعرفة الحكمة الشرعية التي هي العلم بحقائق الخلقة الإلهية من بداهة البطلان بمكان نضحك منه الثكلى، وبرهان ذلك محسوس في العلم الطبيعي المكتوم من وقف عليه وجد هذه الخيالات من خرافات الأقوال، ويعد قائلها من سلسلة المجانين. وأما الاسم الأعظم الذي من دعا به لا يرد دعاءه فاعلم أنه قسمان، حقيقي وإضافي. أما الحقيقي فهو الاسم الذي لا اسم فوقه في الوجود وهو جامع لشئون الربوبية على الكمال الذي لا كمال فوقه، وبالجملة هو تجلي اللّٰه الأعظم الذي انزجر له العمق الأكبر، وهذا الاسم لا يمكن أن يحتمله على ما ينبغي إلا أربعة عشر هيكلاً نورانياً؛ هي هياكل محمد وآله الطاهرين صلى اللّٰه عليه وعليهم أجمعين؛ لأن قابليتهم أول القوابل الإمكانية وأوسعها وأرجحها لقبول الوجود للطافتها (يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ ولَوْ كَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورِ) فالله تعالى استوى به على عرش هويتهم الكونية والشرعية، فأعطى كل ذي حق حقه وساق إلى كل مرزوق رزقه من الفيوضات الكونية والشرعية، ولهذا الاسم يُنْ مَجَّ الصَّادِف ظهور كلي في جميع مراتب الوجود متنازلة إلى التراب غير أن الحامل له في جميع تلك المراتب المتنازلة أيضاً هم د في اللباس الذي تلبّسوا به من سنخ تلك المرتبة؛ لأن قابلية غيرهم لا يسعه في أي رتبة كان لكون وجود غيرهم جزئياً بالنسبة إليهم، وإشراقاً واحداً ما إشراقاتهم الممكنة غير المتناهية، فافهم ثم فافهم. ولذا قال تعالى في القدسي (ما وسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن)" والعبد الحقيقي المؤمن الحقيقي الأولي هو محمد وآله الطاهرون عليه لا غير وفي الدعاء (أسألك باسمك الذي جعلته في مكنون غيبك واستقر عندك و لا يخرج منك إلى شيء سواك)". فنسألك به (وباسمك الأعظم الأعظم الأعظم الأجل الأكرم الذي خلقته فاستقر في ظلك فلا يخرج منك إلى غيرك)". وظلّ اللّٰه في أرض الإمكان هو هياكل محمد وآله الطاهرين، والاسم هو الاسم الأعظم، الأعظم الأجل الأكرم الذي لا اسم فوقه في الإمكان، وبه قوام جميع الأسماء الإلهية، وبهذا الاسم صاروا وسائط بين اللّٰه وبين سائر خلقه في الأداء، وبه يتصرفون في الأجزاء الوجودية من العلوية والسفلية كيف يشاءون لا يمتنع شيء عن إرادتهم، فافهم منشأ المعاجز الصادرة عنهم ولا تستبعدها بوجه. وأما الأسماء العظام الإضافية فهي كثيرة كل منها يوصف بالأعظمية بالنسبة إلى ما تحته من الأسماء بل هي بعدد أنفس الخلائق، وبيان هذا الحرف أن الوجود على وتيرة واحدة، فكل ما في الفيلة فمثله موجود في البق على مقدار وجوده، فالاسم المتعلق بهوية كل مخلوق اسم جامع لمعاني جميع الأسماء الحسنى بحسبها، والأسماء المتعلقة بأجزاء هويته وذواتها أسماء صغار جزئية بالنسبة إلى ذلك الاسم الجامع، فمن ظهر جميع أجزاء هويته الظاهرة والباطنة بمياه الآداب الإلهية ظهر فيه ذلك الاسم الجامع، وأثر في الأشياء بقدر قوته وسعته، فصاحب هذا الاسم هو العالم بالاسم الأعظم الذي إذا دعا اللّه به أجيب. و سئل عهم عن العالم العلوي فقال: (صور عارية عن المواد، عالية عن القوة والاستعداد، تجلى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت، وألقى في هويتها مثاله، فأظهر عنها أفعاله، وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم، فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد؛ فقد شارك بها السبع الشداد)". ومن ظهر فيه بعض أجزائها دون بعض فهو يظهر فيه وجه الاسم المتعلق بذلك الجزء خاصة، ومثل هذا الشخص قد تجاب دعوته وتمضي إرادته إذا انضم إليها بعض الأسباب والمقتضيات المرجحة وغلبت على الموانع، وقد لا تجاب ولا تمضي لوجود الموانع من جهة سائر الأجزاء غير المطهرة بخلاف الأول فإن مثله لا يكاد يرد دعاءه نعم، قد لا يجاب له أيضاً إذا كان في الخارج مانع من وقوع ذلك الأمر أقوى من اقتضاء ذلك الاسم، فافهم هذا. وبالتأمل في مطاوي ما ذكرناه تعرف أن حصول هذا الاسم للشخص لا يمكن بالتكلف، ولا يكفي فيه مجرد إرادة الفاعل القوي من الخارج إذا جرى الأمر على مقتضى الأسباب العادية، ولم يكن هنا داع قوي مغيّر لتلك الأسباب، ومهيأ لأسباب باطنية نائبة تناب تلك الظاهرة، كما كان يحصل عند إظهار بعض المعجزات من أصحاب المعاجز، بل لا بك من حصول استعداد من جهة القابل أيضاً لذلك، فمن جهة عدم حصول هذا الاستعداد في عمر بن حنظلة وعمار الساباطي لم يتحملا لظهور ذلك الاسم الكامن في هويتهما لما رأيا أشراطه، كما لم يحتمل ذلك أصحاب موسى جم السبعون حتى وقعوا ميتين؛ لأنهم طلبوا ذلك قبل حصول الاستعداد، فتدبر ولا تغفل. وليس من هذا القبيل عدم احتمال الملائكة لما علّم آدم الأسماء، بل هذا من جهة كون الملائكة وجودات حرفية ناقصة حاملة لاسم جزئي خاص بشأن مخصوص من شئون تمام الوجود، وجزء من أجزائه التي لا يتم وجود إلا بانضمام سائر الأجزاء إليه كاليد من الإنسان التام الأجزاء، فإن الإنسان لا يتم إنساناً بمحض حصول اليد بل يحتاج إلى انضمام سائر الجوارح والأجزاء إليها حتى يحصل هنا جسم إنساني تام الخلقة، ولذا وصفهم أمير المؤمنين هم بالخلو عن القوة والاستعداد لما سئل عنهم، فقال: (صور عارية عن المواد عالية، عن القوة والاستعداد، تجلى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت، وألقى في هويتها مثاله، فأظهر عنها أفعاله)، انتهى.رواه ابن شهر آشوب في المناقب والكراجكي في الغرر والدرر، والمراد بالمثال الملقى في هويته هو الاسم الإشراقي الذي بينّاه فتبصّر، ولأجل نقصان وجودهم صار كل منهم موكلاً لجهة واحدة ومسبحاً لله تعالى على حال واحدة، فإن منهم قياماً لا يركعون، ومنهم ركعاً لا يسجدون، ومنهم سجوداً لا يقعدون، وهكذا بخلاف آدم، فإنه لكونه جامعاً مملكاً كان الاسم الذي عُلِّمه اسماً جامعاً لمعاني جميع ما عند الملائكة من الأسماء بحسب رتبته، وبهذا استحق الخلافة وسجود الملائكة له؛ لأن الاسم الذي كان عنده كان أحكى للاسم الموجود عند الخلق الأول صلى اللّٰه على محمد وآله الطاهرين، وهو معنى كون أنوارهم في صلبه في التأويل والظاهر على حاله، ومثل هذا الاسم لا يحتمله الملائكة لما عرفت من الوجه: بقي هنا دقيقة يجب التنبيه عليها وهي أن الكفار والمخالفين والمنافقين من يتلبس بأذكار بعض الأسماء الإلهية، ويقوم ببعض وظائف العبادات لا لوجه الله، بل طلباً لبعض المآرب الدنيوية الباطلة الزائلة، فيظهر فيها أثر ذلك الاسم الذي يدعو الله به من جهة كون الأشكال مغناطيس الأرواح، فيجاب له ما يريده من تلك الأمور الباطلة المخصوصة بالحياة الدنيا كما صرح بذلك في قوله (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها)"(نُؤْتِهِ مِنْها)" (وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق) " وقوله (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمِنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوما مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وسَعَى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً)". ومن هذا الباب تعويض الشيطان عن عبادته في الدنيا من التمكين في الأرض، وعلمه بالاسم الأعظم، فإنه علم ظاهر الاسم، وكان فتنة له ومتاعاً إلى حين لأن عبادته كانت صورة عبادة لم يرد بها وجه الله، ولم يأت من الباب كطاعة العاصين لأمير المؤمنين هام، والناصبين له العداوة، فإن اللّٰه سمى أعمالهم إطاعة في قوله: (أقسمت بعزتي وجلالي أن أدخل الجنة من أطاع عليا" وإن عصاني، وأقسمت بعزتي وجلالي أن أدخل النار من عصى عليا" وإن أطاعني)"، مع أن أعمالهم صورة إطاعة لم يرد بها وجه اللّٰه أمير المؤمنين ا، وهم لم يأتوا اللّٰه من ذلك الوجه، فتبصّر. ومن هذا القبيل أعمال أهل الحروف في بعض الأسماء الإلهية، واستخراج بعض الأدعية والأذكار بالبسط والتكسير، واستجابة دعاءهم بها مع كون العامل غير مرضي عند الله، ولا مريداً لوجه الله، ولا ينافي ذلك ما قدمناه من أن غير المؤمنين لا تستجاب لهم دعوة شرعية، فإن مرادنا بذلك حصول السعادة الشرعية الدنيوية والأخروية، وهي لا تحصل بأمثال تلك الأعمال، فإن لها طريقاً واحداً لا يخطئ، وهو الاعتقاد بولاية من أمر اللّٰه بولايته أعني أئمة آل محمد الطاهرين صلى اللّٰه عليه وعليهم أجمعين، ثم العمل بما أتوا به من عند اللّٰه والمواظبة عليها بدوام الإخلاص لا غير، فمن تخلف عن ذلك فنعيمه عذاب، فكيف بشقائه وهذا هو السر في منع الأئمة علة عن تعليم بعض الأدعية للأعداء معللين بأنهم ربما يستعملونه في الحوائج غير الشرعية، فافهم وتبصّر واعلم أن الكلام في هذا المقام طويل الذيل، وإنما اقتصرنا منه على أدنى ما يؤدى به المطلوب، فإن القلب غير مجتمع والله ولي العناية. ألزم شيعة أهل البيت الك بكتم صعب حديثهم
صحيفة الأبرار — الجزء الرابع · الإمام جعفر الصادق عليه السلام