الثالث والعشرون: عن دلائل الحميري، عن فتح بن يزيد الجرجاني قال: (ضمني وأبا الحسن طريق منصر في من مكة إلى خراسان، وهو سائر إلى العراق فسمعته وهو يقول: من اتقى اللّٰه يتقى، ومن أطاع اللّٰه يطاع، قال: فتلطفت إلى الوصول إليه، فسلمت عليه فرد علي السلام، وأمرني بالجلوس، وأول ما ابتدأني به أن قال: يا فتح من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فأيقن أن يحل به الخالق سخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصار عن الإحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب و في قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال كيف، و أين الأين فلا يقال أين إذ هو منقطع الكيفية والأنية، هو الواحد الأحد الصمد (لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَذْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) فجل جلاله، أم كيف يوصف بكنهه محمد، قد قرنه الجليل باسمه، وشركه في عطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته إذ يقول: (وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) وقال: يحكي قول مِن ترك طاعته وهو يعذبه بين أطباق نيرانها وسرابيل قطرانها: (يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّه وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا) أم كيف يوصف بكِنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله حيث قال: (أَطِيعُوا اللَّه وَ التّْالان عَلِيِّكَ بَاِمَا الخَيْيّنْ عَليى يْن مجَا المدِيّ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ) وقال: (وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَاناتِ إِلِى أَهْلِها) وقال: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) يا فتح كما لا يوصف الجليل جل جلاله والرسولَ والخليل وولد البتول، فكذلك لا يوصف المؤمن المسلم لأمرنا، فنبينا أفضل الأنبياء، وخليلنا أفضل الأخلاء، ووصينا أكرم الأوصياء، واسمهما أفضل الأسماء، وكنيتهما أفضل الكنى وأحلاها، لو لم يجالسنا إلا كفو لم يجالسنا أحد، ولو لم يزوجنا إلا كفو لم يزوجنا أحد، أشد الناس تواضعا أعظمهم حلما و أنداهم كفا وأمنعهم كنفا، ورث عنهما أوصياؤهما علمهما، فاردد إليهما الأمر وسلم إليهم، أماتك اللّٰه مماتهم، وأحياك حياتهم، إذا شئت رحمك الله، قال فتح: فخرجت، فلما كان الغد تلطف في الوصول إليه، فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: يا بن رسول الله، أ تأذن لي في مسألة اختلج في صدري أمرها ليلتي؟ قال: سل وإن شرحتها فلي، وإن أمسكتها فلي، فصحح نظرك وتثبت في مسألتك، واصغ إلى جوابها سمعك، ولا تسأل مسألة تعنت، واعتن بما تعتني به، فإن العالم والمتعلم شريكان في الرشد، مأموران بالنصيحة، منهيان عن الغش، وأما الذي اختلجٍ في صدرك ليلتك؛ فإن شاء العالم أنبأك إن اللّٰه لم يظهر عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ، فكل ما كان عند الرسول كان عند العالم، وكل ما اطلع عليه الرسول فقد اطلع أو صياؤه عليه؛ كيلا تخلو أرضه من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته، يا فتح عسى الشيطان أراد اللبس عليك، فأوهمك في بعض ما أودعتك وشككك في بعض ما أنبأتك، حتى أراد أزالتك عن طريق اللّٰه وصراطه المستقيم، فقلت: متى أيقنت أنهم كذا فهم أرباب، معاذ الله إنهم مخلوقون مربوبون مطيعون الله داخرون راغبون فإذا جاءك الشيطان من قبل ما جاءك فاقمعه بما أنبأتك به، فقلت: جعلت فداك فرجت عني وكشفت ما لبس الملعون علي بشرحك، فقد كان أوقع في خلدي أنكم أرباب، قال: فسجد أبو الحسن هتلا وهو يقول في سجوده: راغما لك يا خالقي، داخرا خاضعا، قال: فلم يزل كذلك حتى ذهب ليلي، ثم قال: يا فتح كدت أن تهلك وتهلك وما ضر عيسى إذا هلك من هلك (النصارى)، انصرف إذا شئت رحمك الله، قال: فخرجت وأنا فرح بما كشف اللّٰه عني من اللبس بأنهم هم، وحمدت اللّٰه على ما قدرت عليه، فلما كان في المنزل الآخر دخلت عليه وهو متكئ وبين يديه حنطة مقلوة يعبث بها، وقد كان أوقع الشيطان في خلدي أنه لا ينبغي أن يأكلوا ويشربوا إذ كان ذلك آفة، والإمام غير ذي آفة فقال: اجلس يا فتح، فإن لنا بالرسل أسوة، كانوا يأكلون ويشربون وَيَمْشُونَ فِي الأَسْواقِ، وكل جسم مغذو بهذا إلا الخالق الرازق لأنه جسم الأجسام، وهو لم يجسم، ولم يجزأ بتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص مبرأ من ذاته ما ركب في ذات من جسمه الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، منشئ الَيْان حَلِيّكَ يَاريَا الجَنْبْنَ علَى بَنّمَلِ الهَاِيِّ الأشياء مجسم الأجسام، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الرءوف الرحيم تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، لو كان كما يوصف لم يعرف الرب من المربوب، ولا الخالق من المخلوق، والمنشئ من المنشأ ولكنه فرق بينه وبين جسمه وشيء الأشياء، إذ كان لا يشبهه شيء يرى ولا يشبه شيئا)"". زوال الشك بالإمام عل تلام لما عثر على الأثر والسيف
صحيفة الأبرار — الجزء الرابع · الإمام علي الهادي عليه السلام