الثالث والستون وفيه قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثنا عبد اللّٰه بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار قال: (قدمت مدينة الرسول وآله شيةُ فبحثت عن أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي الأخير لتلام فلم أقع على شيء منها، فرحلت منها إلى مكة مستبحثا عن ذلك فبينا أنا في الطواف إذ تراءى لي فتى أسمر اللون رائع الحسن جميل المخيلة يطيل التوسم في، فعدت إليه مؤملا منه عرفان ما قصدت له، فلما قربت منه سلمت فأحسن الإجابة ثم قال: من أي البلاد أنت؟. قلت: رجل من أهل العراق. قال: من أي العراق؟. قلت: من الأهواز. قال: مرحبا بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الخصيبي؟. قلت: دعي فأجاب قال: رحمه اللّٰه ما كان أطول ليله وأجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟. قلت: أنا إبراهيم بن مهزيار، فعانقني مليا ثم قال: مرحبا بك يا أبا إسحاق، ما فعلت بالعلامة التي وشجت بينك وبين أبي محمد عليتَلام فقلت: لعلك تريد الخاتم الذي آثرني اللّٰه به من الطيب أبي محمد الحسن بن علي عليتَّلام. فقال: ما أردت سواه، فأخرجته إليه فلما نظر إليه استعبر وقبله ثم قرأ كتابته فكانت يا اللّٰه يا محمد يا علي، ثم قال: بأبي يدا طالما جلت فيها، وتراخى بنا فنون الأحاديث إلى أن قال لي: يا أبا إسحاق أخبرني عن عظيم ما توخيت بعد الحج. قلت: وأبيك ما توخيت إلا ما سأستعلمك مكنونه. قال: سل عما شئت فإني شارح لك إن شاء الله. قلت: هل تعرف من أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي صلوات اللّٰه عليهما شيئا قال لي: وأيم اللّٰه إني لأعرف الضوء في جبين محمد وموسى ابني الحسن بن علي صلوات اللّٰه عليهما وإني لرسولهما إليك قاصدا لإنبائك أمرهما فإن أحببت لقاءهما والاكتحال بالتبرك بهما فارحل معي إلى الطائف وليكن ذلك في خفية من رجالك واكتتام. قال إبراهيم: فشخصت معه إلى الطائف أتخلل رملة فرملة حتى أخذ في بعض مخارج الفلاة فبدت لنا خيمة شعر قد أشرفت على أكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلألوا فبدرني إلى الإذن ودخل مسلما عليهما وأعلمهما بمكاني، فخرج علي أحدهما وهو الأكبر سنا محم د بن الحسن صلوات اللّٰه عليه وهو غلام أمرد ناصع اللون واضح الجبين أبلج الحاجب مسنون الخدين أقنى الأنف أشم أروع كأنه غصن بان وكأن صفحة غرته كوكب دري بخده الأيمن خال كأنه فتاتة مسك على بياض الفضة، فإذا برأسه وفرة سحهاء سبطة تطالع شحمة أذنه، له سمت ما رأت العيون أقصد منه ولا أعرف حسنا وسكينة وحياء، فلما مثل لي أسرعت إلى تلقيه فأكببت عليه ألثم كل جارحة منه، فقال لي: مرحبا بك يا أبا إسحاق، لقد كانت الأيام تعدني وشك لقائك والمعاتب بيني وبينك على تشاحط الدار وتراخي المزار، تتخيل لي صورتك حتى كأنّا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة وخيال المشاهدة، وأنا أحمد اللّٰه ربي وليّ الحمد على ما قيض من التلاقي ورفه من كربة التنازع والاستشراف، ثم سألني عن إخواني (أحوالي) متقدمها ومتأخرها. فقلت: بأبي أنت وأمي ما زلت أفحص عن أمرك بلدا فبلدا منذ استأثر اللّٰه بسيدي أبي محمد عالتام فاستغلق علي ذلك حتى من اللّٰه علي بمن أرشدني إليك ودلني عليك، والشكر لله على ما أوزعني فيك من كريم اليد والطول. ثم نسب نفسه وأخاه موسى واعتزل بي ناحية ثم قال: إن أبي صلوات اللّٰه عليه عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها إسرارا لأمري وتحصينا لمحلي من مكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال، فنبذني إلى عالية الرمال وجبت صرائم الأرض ننظر في الغاية التي عندها يحل الأمر وينجلي الهلع، وكان صلوات اللّٰه عليه أنبط لي من خزائن الحكم وكوامن العلوم ما إن أشعت إليك جزء منه أغناك عن الجملة، واعلم يا أبا إسحاق أنه قال صلوات اللّٰه عليه: يا بني إن اللّٰه جل ثناؤه لم يكن ليخلي أطباق أرضه وأهل الجد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلى بها وإمام يؤتم به ويقتدى بسبيل سنته ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من أعده اللّٰه لنشر الحق وطي الباطل وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض وتتبع أقاصيها فإن لكل ولي من أولياء اللّٰه عز وجل عدوا مقارعا وضدا منازعا افتراضا لمجاهدة أهل نفاقه وخلافه أولي الإلحاد والعناد، فلا يوحشنك ذلك، واعلم أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إذا أمت أوكارها، وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة وهم عند اللّٰه بررة أعزاء، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد، خصهم اللّٰه باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العز في دار القرار، وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى، فاقتبس يا بني نور الصبر على موارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ بما تحمد عليه إن شاء الله، فكأنك يا بني بتأييد نصر اللّٰه وقد آن، وتيسير الفلج وعلو الكعب قد حان، وكأنك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود وتصافق الأكف على جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائك من ملإ برأهم اللّٰه من طهارة الولاء ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله، فإذا اشتدت أركانهم وتقومت أعمادهم فدت بمكاثفتهم طبقات الأمم إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة بسقت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية، فعندها يتلألأ صبح الحق، وينجلي ظلام الباطل، ويقصم اللّٰه بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان، يظهر بك أسقام الآفاق وسلام الرفاق، يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا، ونواسط الوحش لو تجد نحوك مجازا، تهتز بك أطراف الدنيا بهجة، وتهز بك أغصان العز نضرة، وتستقر بواني العز في قرارها، وتئوب شوارد الدين إلى أوكارها، يتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كل عدو وتنصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاسط، ولا جاحد غامط، ولا شانئ مبغض، ولا معاند كاشح، ومن يتوكل على اللّٰه فهو حسبه إن اللّٰه بالغ أمره قد جعل اللّٰه لكل شيء قدرا. ثم قال: يا أبا إسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوما إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين، إذا بدت لك إمارات الظهور والتمكن فلا تبطئ بإخوانك عنا،وبأهل المسارعة إلى منار اليقين وضياء مصابيح الدين، تلق رشدا إن شاء اللّٰه. قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حينا أقتبس ما أأؤدي إليهم من موضحات الأعلام ونيرات الأحكام، وأروي نبات الصدور من نضارة ما أذخره اللّٰه في طبائعه من لطائف الحكم، وطرائف فواضل القسم، حتى خفت إضاعة مخلفي بالأهواز لتراخي اللقاء عنهم، فاستأذنته في القفول وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته، والتجرع للظعن عن محاله، فأذن وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند اللّٰه لي ولعقبي وقرابتي إن شاء الله، فلما أزف ارتحالي وتهيأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودعا ومجددا للعهد، وعرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني، فابتسم وقال: يا أبا إسحاق استعن به على منصرفك، فإن الشقة قذفة وفلوات الأرض أمامك جمة، ولا تحزن لإعراضنا عنه فإنا قد أحدثنا لك شكره ونشره، وربضناه عندنا بالتذكرة وقبول المنة، فبارك اللّٰه فيما خولك، وأدام لك ما نولك، وكتب لك أحسن ثواب المحسنين، وأكرم آثار الطائعين، فإن الفضل له ومنه وأسأل اللّٰه أن يردك إلى أصحابك بأوفر الحظ من سلامة الأوبة، وأكناف الغبطة بلين المنصرف، ولا أوعث اللّٰه لك سبيلا، ولا حير لك دليلا، وأستودعه فسك وديعة لا تضيع ولا تزول بمنه ولطفه إن شاء الله، يا أبا إسحاق قنعنا بعوائد إحسانه وفوائد امتنانه، وصان أنفسنا عن معاونة الأولياء إلا عن الإخلاص في النية وإمحاض النصيحة والمحافظة على ما هو أتقى وأبقى وأرفع ذكرا. قال: فأقفلت عنه حامدا الله عز وجل على ما هداني وأرشدني، عالما بأن اللّه لم يكن ليعطل أرضه ولا يخليها من حجة واضحة وإمام قائم، وألقيت هذا الخبر المأثور والنسب المشهور توخيا للزيادة في بصائر أهل اليقين، وتعريفالهم ما من اللّٰه عز وجل به من إنشاء الذرية الطيبة والتربة الزكية، وقصدت أداء الأمانة والتسليم لا استبان ليضاعف اللّٰه عز وجل الملة الهادية والطريقة المستقيمة المرضية قوة عزم وتأبيد نية وشدة أزر واعتقاد عصمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)". يقول محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب: وروى الصدوق. في كتابه المذكور في موضع آخر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن موسى ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد اللّٰه بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: (وجدت في كتاب أبي ب حدثنا محمد بن أحمد الطوال، عن أبيه، عن الحسن بن علي الطبري، عن أبي جعفر محمد بن علي بن مهزيار، قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدي علي بن مهزيار يقول: كنت نائما في مرقدي إذ رأيت فيما يرى النائم قائلا يقول لي حج في هذه السنة فإنك تلقى صاحب زمانك) " ثم ساق حديثا يشبه هذا الحديث ببعض الزيادة والنقيصة بل يظهر منه الاتحاد. وفي مدينة المعاجز عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (روى أبو عبد اللّٰه محمد بن سهل الجلودي قال: حدثنا أبو الخير أحمد بن محمد بن جعفر الطائي الكوفي في مسجد أبي إبراهيم موسى بن جعفر قال: حدثنا محمد بن الحسن بن يحيى الحارثي قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن مهزيار لأهوازي قال: خرجت في بعض السنين حاجا) ' ثم ساق حديثا يظهر ثم ساق حديثا يظهر منه الاتحاد للخبرين المذكورين مع كونه مغائرا لهما في كثير من المعاني. تحقيق في سند الخبر والظاهر والله أعلم اتحاد القصة ونشوء الاختلاف في المعاني واسم الرواي من سهو الرواة وعدم ضبطهم، ثم الظاهر بعد ذلك على تقدير كون الصحيح في اسم الراوي علي بن مهزيار دون إبراهيم أنه علي بن إبراهيم بن مهزيار ابن أخي علي بن مهزيار المعروف كما احتمله المجلسي ليه أيضا في البحار، لبعد بقاء علي بن مهزيار إلى ذلك الزمان فإنه من أصحاب زمن الرضا عليه السلام، ولا يأتي هذا الاستبعاد في إبراهيم وإن كان أخا علي المذكور لكونه هو أصغر سنا منه كما يشهد بذلك روايته عن أخيه علي دون العكس، ولتصريح الأصحاب بكون إبراهيم من سفراء الصاحب عليه السلام ووكلائه، ووردت أخبار صريحة في إدراكه زمن الغيبة، وأما علي فقد عده أهل الرجال من أصحاب الرضا والجواد والهادي علياتَاذُ ولم يتعدوا إلى ما بعد ذلك، وهو دليل آخر لما ذكرناه من عدم بقائه إلى زمان الغيبة، وتحقيق هذا الاحتمال مضافا إلى ما ذكر وقوع التصريح بذلك في سند الشيخ في كتابه الغيبة فإنه روى عن جماعة عن التلعكبري، عن أحمد بن علي الرازي، عن علي بن الحسين، عن رجل ذكر أنه من أهل قزوين لم يذكر اسمه، عن حبيب بن محمد بن يونس بن شاذان الصنعاني قال: دخلت على علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي)". ثم ساق حديث قريب المعني من رواية الطبري كما ترى صريح في كون الراوي علي بن إبراهيم، هذا وذكر السيد العلامة التوبلي ين في كتاب تبصرة الولي سند كتاب كمال الدين هكذا عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن إبراهيم بن مهزيار بوقوع الابن بين الكنية والاسم، ووقوع إبراهيم بين علي ومهزيار ولعله أصح فإن السند المذكور أولا وإن كان في نسختين عندي من أصل كتاب كمال الدين كما أوردته، وكذا في غيبة البحار نقلا عنه، غير أنه كما ترى واضح الاختلال يحتاج تصحيحه إلى تكلفات عديدة، ولذا احتمل المجلسي أيضا كون الابن ساقطا من بين الكنية والاسم بخلاف ما ذكر وإن كان هو أيضا مع ذلك لا يخلو عن قصور، لأن سياق السند يعطي كون الجد إبراهيم بن مهزيار دون علي، لأن قائل سمعت جدي هو محمد ابن علي لا أبو جعفر بن محمد، فافهم، فلا بد في تصحيحه من ارتكاب أحد أمرين إما القول بكون الراوي إبراهيم وأن ذكر علي كأنه سهو من الرواة، أو القول بسقوط بعض الآباء من البين حتى يصح كون علي جدا لمحمد ولا بعد فيه فإن إسقاط الآباء من البين غير عزيز في ذكر الأنساب كمحمد بن بابويه وعلي بن بابويه فإن بابويه جدهما الأعلى والنسب لمتصل محمد بن علي بن الحسين مولا ابن بابويه، ولو صح الاحتمال الأخير فهو أيضا يدل على كون الراوي علي بن إبراهيم بن مهزيار دون علي بن مهزيار المعروف، فالاشتباه من الرواة على تقدير اتحاد الواقعة كما هو الظاهر إنما هو بين إبراهيم وبين ابنه علي لا بينه وبين أخيه فلا موقع لما قال الشيخ السديد قطب الدين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي فإنه قال في الخرائج بعد ذكر حديث إبراهيم بن مهزيار بسنده عن الصدوق ما هذا لفظه: وهذا مثل حكاية أخيه علي بن مهزيار فإنه قال: (حججت عشرين حجة لذلك) الخبر، هذا ما أدى إليه نظري القاصر في ننقيح سند هذا الخبر وتعمير ما في المتون من الاختلافات الكثيرة، وإلى اللّٰه المشتكى من سوء خبط الرواة وتضييعهم للروايات. الإمام يكرم عيسى بن مهدي الجواهري
صحيفة الأبرار — الجزء الخامس · الإمام المهدي صاحب الزمان عليه السلام