الأقسامموسوعة الإمام العسكري (ع)الفصل الأول: ما ورد عنه (عليه السلام) في القرآن و فيه ثلاثة موضوعات
موسوعة الإمام العسكري (ع) · رقم ٥٧٦

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ عست و جفّت و يبست من الخير و الرحمة قلوبكم معاشر اليهود مِنْ بَعْدِ ذلِكَ من بعد ما بيّنت من الآيات الباهرات في زمان موسى 7، و من الآيات المعجزات التي شاهدتموها من محمّد. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ اليابسة لا ترشّح برطوبة، و لا ينتفض منها ما ينتفع به، أي أنّكم لا حقّ اللّه تعالى تؤدّون، و لا [من] أموالكم، و لا من مواشيها تتصدّقون، و لا بالمعروف تتكرّمون و تجودون، و لا الضيف تقرءون، و لا مكروبا تغيثون، و لا بشيء من الإنسانيّة تعاشرون و تعاملون. أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إنّما هي في قساوة الأحجار أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أبهم على السامعين، و لم يبيّن لهم كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما، و هو لا يريد به إنّي لا أدري ما أكلت، بل يريد [به] أن يبهم على السامع حتّى لا يعلم ما ذا أكل، و إن كان يعلم أنّه قد أكل، و ليس معناه بل أشدّ قسوة لأنّ هذا استدراك غلط، و هو عزّ و جلّ يرتفع [عن] أن يغلط في خبر ثمّ، يستدرك على نفسه الغلط، لأنّه العالم بما كان، و بما يكون، و بما لا يكون، أن لو كان كيف كان يكون، و إنّما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص. و لا يريد به أيضا فهي كالحجارة أو أشدّ أي و أشدّ قسوة، لأنّ هذا تكذيب الأوّل بالثاني لأنّه قال: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في الشدّة لا أشدّ منها و لا ألين. فإذا قال بعد ذلك: أَوْ أَشَدُّ فقد رجع عن قوله الأوّل أنّها ليست بأشدّ، و هذا مثل أن يقول: لا يجيء من قلوبكم خير لا قليل و لا كثير. فأبهم عزّ و جلّ في الأوّل حيث قال: أَوْ أَشَدُّ. و بيّن في الثاني أنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة لا بقوله أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، و لكن بقوله تعالى: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ أي فهي في القساوة بحيث لا يجيء منها الخير [يا يهود]، و في الحجارة ما يتفجّر منه الأنهار، فيجيء بالخير و الغياث لبني آدم. وَ إِنَّ مِنْها من الحجارة لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ و هو ما يقطر منه الماء فهو خير منها دون الأنهار التي يتفجّر من بعضها، و قلوبهم لا يتفجّر منها الخيرات، و لا يشّقّق فيخرج منها قليل من الخيرات، و إن لم يكن كثيرا. ثمّ قال اللّه تعالى: وَ إِنَّ مِنْها يعني من الحجارة لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إذا أقسم عليها باسم اللّه و بأسامي أوليائه محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و الطيّبين من آلهم صلّى اللّه عليهم، و ليس في قلوبكم شيء من هذه الخيرات. وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل عالم به يجازيكم عنه بما هو به، عادل عليكم، و ليس بظالم لكم، يشدّد حسابكم، و يؤلم عقابكم. و هذا الذي [قد] وصف اللّه تعالى به قلوبهم هاهنا نحو ما قال في سورة النساء: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. و ما وصف به الأحجار هاهنا نحو ما وصف في قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. و هذا التقريع من اللّه تعالى لليهود و النواصب، و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين، فغلظ على اليهود ما و نجّهم به رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال جماعة من رؤسائهم، و ذوي الألسن و البيان منهم: يا محمّد! إنّك تهجونا و تدّعى على قلوبنا ما اللّه يعلم منها خلافه، إنّ فيها خيرا كثيرا نصوم، و نتصدّق، و نواسي الفقراء. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّما الخير ما أريد به وجه اللّه تعالى، و عمل على ما أمر اللّه تعالى [به]. فأمّا ما أريد به الرياء و السمعة، أو معاندة رسول اللّه، و إظهار الغنى له، و التمالك، و التشرّف عليه فليس بخير، بل هو الشرّ الخالص، و وبال على صاحبه، يعذّبه اللّه به أشدّ العذاب. فقالوا له: يا محمّد! أنت تقول هذا، و نحن نقول: بل ما ننفقه إلّا لإبطال أمرك، و دفع رئاستك، و لتفريق أصحابك عنك، و هو الجهاد الأعظم، نؤمّل به من اللّه الثواب الأجلّ الأجسم، و أقلّ أحوالنا أنّا تساوينا في الدعاوي، فأيّ فضل لك علينا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا إخوة اليهود! إنّ الدعاوي يتساوى فيها المحقّون و المبطلون، و لكن حجج اللّه و دلائله تفرّق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين، و تبيّن عن حقائق المحقّين. و رسول اللّه محمّد لا يغتنم جهلكم، و لا يكلّفكم التسليم له بغير حجّة، و لكن يقيم عليكم حجّة اللّه تعالى التي لا يمكنكم دفاعها، و لا تطيقون الامتناع من موجبها، و لو ذهب محمّد يريكم آية من عنده لشككتم و قلتم: إنّه متكلّف مصنوع محتال فيه معمول، أو متواطأ عليه. فإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم يكن لكم أن تقولوا معمول، أو متواطأ عليه، أو متأتّى بحيلة و مقدّمات. فما الذي تقترحون، فهذا ربّ العالمين قد وعدني: أن يظهر لكم ما تقترحون، ليقطع معاذير الكافرين منكم، و يزيد في بصائر المؤمنين منكم. قالوا: قد أنصفتنا يا محمّد! فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف، و إلّا فأنت أوّل راجع من دعواك للنبوّة، و داخل في غمار الأمّة، و مسلّم لحكم التوراة لعجزك عمّا نقترحه عليك، و ظهور الباطل في دعواك فيما ترومه من جهتك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد، اقترحوا ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون. فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّه ما في قلوبنا شيء من مواساة الفقراء، و معاونة الضعفاء، و النفقة في إبطال الباطل، و إحقاق الحقّ، و أنّ الأحجار ألين من قلوبنا، و أطوع للّه منّا، و هذه الجبال بحضرتنا فهلمّ بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك و تكذيبنا، فإن نطق بتصديقك فأنت المحقّ يلزمنا اتّباعك، و إن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يردّ جوابك، فاعلم بأنّك المبطل في دعواك المعاند لهواك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): نعم، هلمّوا بنا إلى أيّها شئتم، أستشهده ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه. فقالوا: يا محمّد! هذا الجبل فاستشهده. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) للجبل: إنّي أسألك بجاه محمّد و آله الطيّبين الذين بذكر أسمائهم خفّف اللّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه، و هم خلق كثير لا يعرف عددهم غير اللّه عزّ و جلّ، و بحقّ محمّد و آله الطيّبين الذين بذكر أسمائهم تاب اللّه على آدم، و غفر خطيئته و أعاده إلى مرتبته، و بحقّ محمّد و آله الطيّبين الذين بذكر أسمائهم و سؤال اللّه بهم رفع إدريس في الجنّة [مكانا] عليّا لمّا شهدت لمحمّد بما أودعك اللّه بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم، و تكذيبهم و جحدهم لقول محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فتحرّك الجبل، و تزلزل و فاض منه الماء و نادى: يا محمّد أشهد أنّك رسول [اللّه] ربّ العالمين، و سيّد الخلائق أجمعين. و أشهد أنّ قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة، لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا، أو تفجيرا. و أشهد أنّ هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك من الفرية على ربّ العالمين. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أسألك أيّها الجبل أمرك اللّه بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمّد و آله الطيّبين، الذين بهم نجّى اللّه تعالى نوحا (عليه السلام) من الكرب العظيم، و برّد اللّه النار على إبراهيم (عليه السلام) و جعلها عليه سلاما، و مكّنه في جوف النار على سرير و فراش و ثير لم ير ذلك الطاغية مثله لأحد من ملوك الأرض أجمعين، و أنبت حواليه من الأشجار الخضرة النضرة النزهة، و غمر ما حوله من أنواع المنثور بما لا يوجد إلّا في فصول أربعة من جميع السنة. قال الجبل: بلى، أشهد لك يا محمّد! بذلك، و أشهد أنّك لو اقترحت على ربّك أن يجعل رجال الدنيا قردة و خنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، و أن يقلّب النيران جليدا و الجليد نيرانا لفعل، أو يهبط السماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلّها صرّة كصرّة الكيس لفعل، و إنّه قد جعل الأرض و السماء طوعك، و الجبال، و البحار تنصرف بأمرك، و سائر ما خلق اللّه من الرياح و الصواعق و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة، و ما أمرتها [به] من شيء ائتمرت. فقال اليهود: يا محمّد! أ علينا تلبّس و تشبّه! قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور هذا الجبل فهم ينطقون بهذا الكلام، و نحن لا ندري أ نسمع من الرجال، أم من الجبل؟! لا يغترّ بمثل هذا إلّا ضعفاؤك الذين تبحبح في عقولهم، فإن كنت صادقا فتنحّ عن موضعك هذا إلى ذلك القرار، و أمر هذا الجبل أن ينقطع من أصله فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك- و نحن نشاهده- فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه، ثمّ ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا، و تنخفض العليا تحت السفلى. فإذا أصل الجبل قلّته و قلّته أصله لنعلم أنّه من اللّه لا يتّفق بمواطاة، و لا بمعاونة مموّهين متمرّدين. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)- و أشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال- يا أيّها الحجر تدحرج؟ فتدحرج، ثمّ قال لمخاطبه: خذه و قرّبه من أذنك، فسيعيد عليك ما سمعت فإنّ هذا جزء من ذلك الجبل. فأخذه الرجل، فأدناه إلى أذنه، فنطق به الحجر بمثل ما نطق به الجبل أوّلا من تصديق رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما ذكره عن قلوب اليهود، و فيما أخبر به من أنّ نفقاتهم في دفع أمر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) باطل، و وبال عليهم. فقال [له] رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أسمعت هذا، أخلف هذا الحجر أحد يكلّمك [و يوهمك أنّه يكلّمك]؟! قال: لا، فأتني بما اقترحت في الجبل؟ فتباعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى فضاء واسع، ثمّ نادى الجبل: يا أيّها الجبل! بحقّ محمّد و آله الطيّبين الذين بجاههم (و مسألة عباد اللّه) بهم أرسل اللّه على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية تنزع الناس كأنّهم أعجاز نخل خاوية، و أمر جبرئيل أن يصيح صيحة [هائلة] في قوم صالح (عليه السلام) حتّى صاروا كهشيم المحتظر لمّا انقلعت من مكانك بإذن اللّه، و جئت إلى حضرتي هذه- و وضع يده على الأرض بين يديه. [قال:] فتزلزل الجبل، و سار كالقارح الهملاج حتّى [صار بين يديه، و] دنا من إصبعه أصله فلزق بها، و وقف و نادى: [ها] أنا سامع لك مطيع يا رسول (ربّ العالمين)، و إن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين مرني بأمرك يا رسول اللّه! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ هؤلاء [المعاندين] اقترحوا عليّ أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين، ثمّ ينحطّ أعلاك و يرتفع أسفلك، فتصير ذروتك أصلك و أصلك ذروتك. فقال الجبل: أ فتأمرني بذلك يا رسول اللّه ربّ العالمين؟ قال: بلى. فانقطع [الجبل] نصفين، و انحطّ أعلاه إلى الأرض، و ارتفع أسفله فوق أعلاه، فصار فرعه أصله، و أصله فرعه، ثمّ نادى الجبل: معاشر اليهود! هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون أنّكم به مؤمنون؟! فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعضهم: ما عن هذا محيص. و قال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت، يؤتى له، و المبخوت يتأتّى له العجائب، فلا يغرّنّكم ما تشاهدون [منه]. فناداهم الجبل: يا أعداء اللّه! قد أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى (عليه السلام) هلّا قلتم لموسى: إنّ قلب العصا ثعبانا، و انفلاق البحر طرقا، و وقوف الجبل كالظلّة فوقكم، إنّك يؤتى لك يأتيك جدّك بالعجائب، فلا يغرّنا ما نشاهده منك، فألقمتهم الجبال- بمقالتها- الصخور، و لزمتهم حجّة ربّ العالمين. قوله تعالى: أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ. أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ: 2/ 75- 77.

موسوعة الإمام العسكري (ع) — ج٣ · الثاني- ما ورد عنه (عليه السلام) في سورة البقرة [2

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.