أبو عمرو الكشّيّ (رحمه الله): حكى بعض الثقات بنيسابور: أنّه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع: يا إسحاق بن إسماعيل! سترنا اللّه و إيّاك بستره، و تولّاك في جميع أمورك بصنعه، قد فهمت كتابك، يرحمك اللّه. و نحن بحمد اللّه و نعمته أهل بيت نرقّ على موالينا، و نسرّ بتتابع إحسان اللّه إليهم، و فضله لديهم، و نعتدّ بكلّ نعمة ينعمها اللّه عزّ و جلّ عليهم. فأتمّ اللّه عليكم بالحقّ، و من كان مثلك ممّن قد (رحمه الله)، و نصره نصرك و نزع عن الباطل، و لم يعمّ في طغيانه نعمه. فإنّ تمام النعمة دخولك الجنّة، و ليس من نعمة و إن جلّ أمرها، و عظم خطرها إلّا و الحمد للّه تقدّست أسماؤه عليها مؤدّي شكرها. و أنا أقول: الحمد للّه مثل ما حمد اللّه به حامد إلى أبد الأبد بما منّ به عليك من نعمة، و نجّاك من الهلكة، و سهّل سبيلك على العقبة. و أيم اللّه! إنّها لعقبة كئود شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، طويل عذابها، قديم في الزبر الأولى ذكرها. و لقد كانت منكم أمور في أيّام الماضي (عليه السلام) إلى أن مضى لسبيله صلّى اللّه على روحه، و في أيّامي هذه كنتم فيها غير محمودي الرأي، و لا مسدّدي التوفيق. و اعلم يقينا يا إسحاق! أنّ من خرج من هذه الحياة الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلا، إنّها يا ابن إسماعيل ليس تعمى الأبصار لكن تعمى القلوب التي في الصدور. و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ في محكم كتابه للظالم: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قال اللّه عزّ و جلّ: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى. و أيّة آية يا إسحاق، أعظم من حجّة اللّه عزّ و جلّ على خلقه، و أمينه في بلاده و شاهده على عباده من بعد من سلف من آبائه الأوّلين من النبيّين، و آبائه الآخرين من الوصيّين، عليهم أجمعين رحمة اللّه و بركاته. فأين يتاه بكم؟ و أين تذهبون كالأنعام على وجوهكم عن الحقّ تصدفون، و بالباطل تؤمنون، و بنعمة اللّه تكفرون، أو تكذبون ممّن يؤمن ببعض الكتاب و يكفر ببعض؟! فما جزاء من يفعل ذلك منكم، و من غيركم إلّا خزي في الحياة الدنيا الفانية، و طول عذاب في الآخرة الباقية، و ذلك و اللّه! الخزي العظيم. إنّ اللّه بفضله و منّه لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض عليكم لحاجة منه إليكم بل برحمة منه لا إله إلّا هو عليكم، ليميز الخبيث من الطيّب، و ليبتلي ما في صدوركم، و ليمحّص ما في قلوبكم، و لتتسابقون إلى رحمته، و تتفاضل منازلكم في جنّته. ففرض عليكم الحجّ، و العمرة، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و الصوم، و الولاية، و كفاهم لكم بابا، و لتفتحوا أبواب الفرائض، و مفتاحا إلى سبيله. و لو لا محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأوصياء من بعده لكنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضا من الفرائض. و هل تدخل قرية إلّا من بابها، فلمّا منّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و فرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها إليهم، ليحلّ لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم، و أموالكم، و مآكلكم، و مشاربكم، و معرفتكم بذلك النماء، و البركة، و الثروة، و ليعلم من يطيعه منكم بالغيب. قال اللّه عزّ و جلّ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. و اعلموا! أنّ من يبخل، فإنّما يبخل على نفسه، و أنّ اللّه هو الغنيّ، و أنتم الفقراء إليه، لا إله إلّا هو، و لقد طالت المخاطبة فيما بيننا و بينكم فيما هو لكم و عليكم، و لو لا ما يجب من تمام النعمة من اللّه عزّ و جلّ عليكم، لما أريتكم لي خطّا و لا سمعتم منّي حرفا من بعد الماضي (عليه السلام). أنتم في غفلة عمّا إليه معادكم، و من بعد النابي رسولي، و ما ناله منكم حين أكرمه اللّه بمصيره إليكم. و من بعد إقامتي لكم إبراهيم بن عبده وفّقه اللّه لمرضاته، و أعانه على طاعته، و كتابي الذي حمله محمّد بن موسى النيسابوريّ، و اللّه المستعان على كلّ حال. و إنّي أراكم تفرّطون في جنب اللّه، فتكونون من الخاسرين، فبعدا و سحقا لمن رغب عن طاعة اللّه، و لم يقبل مواعظ أوليائه. و قد أمركم اللّه جلّ و علا بطاعته، لا إله إلّا هو و طاعة رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و بطاعة أولي الأمر (عليهم السلام)، فرحم اللّه ضعفكم، و قلّة صبركم عمّا أمامكم. فما أغرّ الإنسان بربّه الكريم، و استجاب اللّه دعائي فيكم، و أصالح أموركم على يدي، فقد قال اللّه جلّ جلاله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ. و قال جلّ جلاله: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. و قال اللّه جلّ جلاله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. فما أحبّ أن يدعوا اللّه جلّ جلاله بي، و لا بمن هو في أيّامي إلّا حسب رقّتي عليكم، و ما انطوى لكم عليه من حبّ بلوغ الأمل في الدارين جميعا و الكينونة معنا في الدنيا و الآخرة. فقد يا إسحاق، يرحمك اللّه! و يرحم من هو وراءك بيّنت لكم بيانا، و فسّرت لكم تفسيرا، و فعلت بكم فعل من لم يفهم هذا الأمر قطّ، و لم يدخل فيه طرفة عين، و لو فهمت الصمّ الصلاب بعض ما في هذا الكتاب لتصدّعت قلقا خوفا من خشية اللّه، و رجوعا إلى طاعة اللّه عزّ و جلّ. فاعملوا من بعد ما شئتم فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و العاقبة للمتّقين، و الحمد للّه كثيرا ربّ العالمين. و أنت رسولي يا إسحاق! إلى إبراهيم بن عبده، وفّقه اللّه أن يعمل بما ورد عليه في كتابي مع محمّد بن موسى النيسابوريّ إن شاء اللّه، و رسولي إلى نفسك، و إلى كلّ من خلفك ببلدك، أن يعملوا بما ورد عليكم في كتابي مع محمّد بن موسى إن شاء اللّه. و يقرأ إبراهيم بن عبده كتابي هذا و من خلفه ببلده حتّى لا يسألوني، و بطاعة اللّه يعتصمون، و الشيطان باللّه عن أنفسهم يجتنبون و لا يطيعون. و على إبراهيم بن عبده سلام اللّه و رحمته و عليك يا إسحاق، و على جميع مواليّ السلام كثيرا، سدّدكم اللّه جميعا بتوفيقه، و كلّ من قرأ كتابنا هذا من مواليّ من أهل بلدك و من هو بناحيتكم، و نزع عمّا هو عليه من الانحراف عن الحقّ، فليؤدّ حقوقنا إلى إبراهيم بن عبده. و ليحمل ذلك إبراهيم بن عبده إلى الرازيّ (رضي الله عنه)، أو إلى من يسمّي له الرازيّ فإنّ ذلك عن أمري و رأيي، إن شاء اللّه. و يا إسحاق! اقرأ كتابنا على البلاليّ (رضي الله عنه)، فإنّه الثقة المأمون العارف بما يجب عليه، و اقرأه على المحموديّ عافاه اللّه، فما أحمدنا له لطاعته. فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكيلنا و ثقتنا، و الذي يقبض من موالينا، و كلّ من أمكنك من موالينا فاقرأهم هذا الكتاب، و ينسخه من أراد منهم نسخة، إن شاء اللّه تعالى. و لا يكتم أمر هذا عمّن يشاهده من موالينا إلّا من شيطان مخالف لكم فلا تنثرن الدرّ بين أظلاف الخنازير، و لا كرامة لهم. و قد وقّعنا في كتابك بالوصول و الدعاء لك و لمن شئت، و قد أجبنا شيعتنا عن مسألته و الحمد للّه فما بعد الحقّ إلّا الضلال. فلا تخرجنّ من البلدة حتّى تلقى العمريّ (رضي الله عنه) برضاي عنه، و تسلّم عليه و تعرفه و يعرفك، فإنّه الطاهر الأمين العفيف القريب منّا و إلينا، فكلّ ما يحمل إلينا من شيء من النواحي فإليه يسير آخر أمره ليوصل ذلك إلينا. و الحمد للّه كثيرا، سترنا اللّه و إيّاكم يا إسحاق بستره، و تولّاك في جميع أمورك بصنعه. و السلام عليك، و على جميع مواليّ، و رحمة اللّه و بركاته، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبيّ و آله و سلّم كثيرا.
موسوعة الإمام العسكري (ع) — ج٣ · التاسع عشر- إلى إسحاق بن إسماعيل