كَانَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْلَ الْمَبْعَثِ مَوْصُوفاً بِعِشْرِينَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ لَوِ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِأَحَدِهَا لَدَلَّ عَلَى جَلَالِهِ فَكَيْفَ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ كَانَ نَبِيّاً أَمِيناً صَادِقاً حَاذِقاً أَصِيلًا نَبِيلًا مَكِيناً فَصِيحاً عَاقِلًا فَاضِلًا عَابِداً زَاهِداً سَخِيّاً كَمِيّاً قَانِعاً مُتَوَاضِعاً حَلِيماً رَحِيماً غَيُوراً صَبُوراً مُوَافِقاً مُرَافِقاً لَمْ يُخَالِطْ مُنَجِّماً وَ لَا كَاهِناً وَ لَا عَيَّافاً وَ لَمَّا قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّهُ سَاحِرٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَرَاهُمْ مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مِثْلِهِ وَ قَالُوا هَذَا مَجْنُونٌ لِمَا هُجِمَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُفَكَّرْ فِي عَاقِبَتِهِ مِنْهُمْ وَ قَالُوا هُوَ كَاهِنٌ لِأَنَّهُ أَنْبَأَ بِالْغَائِبَاتِ وَ قَالُوا مُعَلَّمٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَنْبَأَهُمْ بِمَا يَكْتُمُونَهُ مِنْ أَسْرَارِهِمْ فَثَبَتَ صِدْقُهُ مِنْ حَيْثُ قَصَدُوا تَكْذِيبَهُ. وَ كَانَ فِيهِ خِصَالُ الضُّعَفَاءِ وَ مَنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُهَا لَا يَنْظِمُ أَمْرَهُ كَانَ يَتِيماً فَقِيراً ضَعِيفاً وَحِيداً غَرِيباً بِلَا حِصَارٍ وَ لَا شَوْكَةٍ كَثِيرَ الْأَعْدَاءِ وَ مَعَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَعَالَى مَكَانُهُ وَ ارْتَفَعَ شَأْنُهُ فَدَلَّ عَلَى نُبُوَّتِهِ. وَ كَانَ الْجِلْفُ الْبَدَوِيُّ يَرَى وَجْهَهُ الْكَرِيمَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا هَذَا وَجْهَ كَذَّابٍ وَ كَانَ عليه السلام ثَابِتاً فِي الشَّدَائِدِ وَ هُوَ مَطْلُوبٌ وَ صَابِراً عَلَى الْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ هُوَ مَكْرُوبٌ مَحْرُوبٌ وَ كَانَ زَاهِداً فِي الدُّنْيَا رَاغِباً فِي الْآخِرَةِ فَثَبَتَ لَهُ الْمُلْكُ وَ كَانَ يَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عَلَى مُعْجِزَةٍ. نُورُهُ كَانَ إِذَا يَمْشِي فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ بَدَا لَهُ نُورٌ كَأَنَّهُ قَمَرٌ. عَائِشَةُ فَقَدْتُ إِبْرَةً لَيْلَةً فَمَا كَانَ فِي مَنْزِلِي سِرَاجٌ فَدَخَلَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَوَجَدْتُ الْإِبْرَةَ بِنُورِ وَجْهِهِ- حَمْزَةُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُ قَالَ نَفَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فَأَضَاءَتْ أَصَابِعُهُ. عَرْفُهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- أَنَّهُ كَانَ لَا يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ فَيَمُرَّ فِيهِ إِنْسَانٌ بَعْدَ يَوْمَيْنِ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ عَبَرَ فِيهِ- مُسْلِمٌ كَانَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقِيلُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ وَ تَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ. عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ- أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَتَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ مَجَّةً فِي الدَّلْوِ فَصَارَ مِسْكاً أَوْ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ. ظِلُّهُ لَمْ يَقَعْ ظِلُّهُ عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّ الظِّلَّ مِنَ الظُّلْمَةِ وَ كَانَ إِذَا وَقَفَ فِي الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ الْمِصْبَاحِ نُورُهُ يَغْلِبُ أَنْوَارَهَا. قَامَتُهُ كُلَّمَا مَشَى مَعَ أَحَدٍ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ بِرَأْسٍ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلًا. رَأْسُهُ كَانَ يُظِلُّهُ سَحَابَةٌ مِنَ الشَّمْسِ وَ تَسِيرُ لِمَسِيرِهِ وَ تَرْكُدُ لِرُكُودِهِ وَ لَا يَطِيرُ الطَّيْرُ فَوْقَهُ. عَيْنُهُ كَانَ يُبْصِرُ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يُبْصِرُ مِنْ أَمَامِهِ وَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ قُدَّامِهِ. أَنْفُهُ لَمْ يَشَمَّ بِهِ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَائِحَةً كَرِيهَةً. فَمُهُ كَانَ يَمُجُّ فِي الْكُوزِ وَ الْبِئْرِ فَيَجِدُونَ لَهُ رَائِحَةً أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ. لِسَانُهُ كَانَ يَنْطِقُ بِلُغَاتٍ كَثِيرَةٍ. مَحَاسِنُهُ كَانَتْ فِيهِ سَبْعَ عَشْرَةَ طَاقَةَ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ فِي عَوَارِضِهِ. أُذُنُهُ كَانَ يَسْمَعُ فِي مَنَامِهِ كَمَا يَسْمَعُ فِي انْتِبَاهِهِ وَ يَسْمَعُ كَلَامَ جَبْرَئِيلَ عِنْدَ النَّاسِ وَ لَا يَسْمَعُونَهُ-. رَبِيعُ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى النَّبِيِّ عليه السلام وَ هُوَ نَفَادٌ فَأَحَسَّ بِتَكَاثُرِ النَّاسِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَ رَجِلًا وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَرْقَى هَذِهِ الْأَعْوَادَ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَ وَ يَكْفِيَنَا اللَّهُ شَرَّكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ صَدْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ مِنْهُ. ظَهْرُهُ كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ كُلَّمَا أَبْدَاهُ عَلَا نُورُهُ نُورَ الشَّمْسِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَوَجَّهْ حَيْثُ شِئْتَ فَأَنْتَ مَنْصُورٌ. فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَأَيْتُ خَاتَمَهُ غُضْرُوفَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ بَيْضِ الْحَمَامَةِ وَ سُئِلَ الْخُدْرِيُّ عَنْهُ فَقَالَ بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ عَلَى كَتِفَىْ هِ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ وَ لَمَّا شُكَّ فِي مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام وَضَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ يَدَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَالَتْ قَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ رُفِعَ الْخَاتَمُ. بَطْنُهُ كَانَ يَشُدُّ عَلَيْهِ الْحَجَرَ مِنَ الْغَرَثِ فَتَشْبَعُ. قَلْبُهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ. يَدَاهُ فَارَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَ سَبَّحَ الْحَصَى فِي كَفِّهِ. رُكَبُهُ وُلِدَ مَسْرُوراً مَخْتُوناً وَ مَا احْتَلَمَ قَطُّ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ كَانَ لَهُ شَهْوَةُ أَرْبَعِينَ نَبِيّاً. جُلُوسُهُ عَائِشَةُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَإِذَا خَرَجْتَ دَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ فَمَا أَرَى شَيْئاً إِلَّا أَنَّى أَجِدُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ فَقَالَ إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تُنْبِتُ أَجْسَادُنَا عَلَى أَرْوَاحِ الْجَنَّةِ فَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ وَ تَبِعَهُ رَجُلٌ عَلِمَ صلى الله عليه وآله وسلم مُرَادَهُ فَقَالَ إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَكُونُ مِنَّا مَا يَكُونُ مِنَ الْبَشَرِ أُمُّ أَيْمَنَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ يَا أُمَّ أَيْمَنَ قُومِي فَأَهْرِقِي مَا فِي الْفَخَّارَةِ يَعْنِي الْبَوْلَ قُلْتُ وَ اللَّهِ شَرِبْتُ مَا فِيهَا وَ كُنْتُ عَطْشَى قَالَتْ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّكِ لَا تَنْجَعُ بَطْنُكِ أَبَداً وَ مِنْهُ حَدِيثُ دَمِ الْفَصْدِ. فَخِذُهُ كُلُّ دَابَّةٍ رَكِبَهَا النَّبِيُّ بَقِيَتْ عَلَى سِنِّهَا لَا يَهْرَمُ قَطُّ. رِجْلَاهُ أَرْسَلَهَا فِي بِئْرٍ مَاؤُهُ أُجَاجٌ فَعَذُبَ. قُوتُهُ كَانَ لَا يُقَاوِمُهُ أَحَدٌ إِسْحَاقُ بْنُ بَشَّارٍ إِنَّ رَكَانَةَ بْنَ عَبْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَاشِمٍ كَانَ مِنْ أَشَدِّ قُرَيْشٍ فَحْلًا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ فِي وَادِي أَصَمَّ يَا رَكَانَةُ أَ لَا تَتَّقِي اللَّهَ وَ تَقْبَلَ مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ قَالَ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أَ فَرَأَيْتَ أَنْ صَرَعْتُكَ أَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُمْ حَتَّى أُصَارِعَكَ قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَكَانَةُ فَصَارَعَهُ فَلَمَّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ أَضْجَعَهُ قَالَ فَعُدْ فَعَادَ فَصَرَعَهُ فَقَالَ إِنَّ ذَا لَعَجَبٌ يَا قَوْمِ إِنَّ صَاحِبَكُمْ أَسْحَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ حُرْمَتُهُ كَانَ الْقَمَرُ يُحَرِّكُ مَهْدَهُ فِي حَالِ صِبَاهُ وَ كَانَ لَا يَمُرُّ عَلَى شَجَرَةٍ إِلَّا سَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ الذُّبَابُ وَ لَمْ تَدْنُ مِنْهُ هَامَّةٌ وَ لَا سَامَّةٌ. مَشْيُهُ كَانَ إِذَا مَشَى عَلَى الْأَرْضِ السَّهْلَةِ لَا يَبِينُ لِقَدَمِهِ أَثَرٌ وَ إِذَا مَشَى عَلَى الصُّلْبَةِ بَانَ أَثَرُهَا هَيْبَتُهُ كَانَ عَظِيماً مَهِيباً فِي النُّفُوسِ حَتَّى ارْتَاعَتْ رُسُلُ كِسْرَى مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِالتَّوَاضُعِ مَوْصُوفاً وَ كَانَ مَحْبُوباً فِي الْقُلُوبِ حَتَّى لَا يَقْلِيهُ مُصَاحِبٌ وَ لَا يَتَبَاعَدُ عَنْهُ مُقَارِبٌ قَالَ السُّدِّيُّ قَوْلُهُ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ لَمَّا ارْتَحَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى مَكَّةَ قَالُوا مَا صَنَعْنَا قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ وَ تَرَكْنَاهُمْ إِذْ هَمُّوا وَ قَالُوا ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ حَتَّى رَجَعُوا عَمَّا هَمُّوا وَ رُوِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ دَخَلُوا مَكَّةَ كَالْمُنْهَزِمِينَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْكَرَّةُ عَلَيْهِمْ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام لَمَّا قَصَدَ خَيْبَرَ وَ حَاصَرَ أَهْلَهَا هَمَّتْ قَبَائِلُ مِنْ أَسَدٍ وَ غَطَفَانَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَكَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ بِإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ قَالَ عليه السلام لَمْ نَخْلُ فِي ظَفَرٍ إِمَّا فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَ إِمَّا فِي انْتِهَائِهِ وَ كَانَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ الْفِهْرِيُّ حَفِيظاً لِمَا يَسْمَعُ وَ يَقُولُ إِنَّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ أَعْقِلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَفْضَلَ مِنْ عَقْلِ مُحَمَّدٍ فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ ذَا الْقَلْبَيْنِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَ هُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ إِحْدَى نَعْلَيْهِ وَ الْأُخْرَى فِي رِجْلِهِ فَقَالَ لَهُ يَا بَا [ابْنَ مَعْمَرٍ مَا الْخَبَرُ قَالَ انْهَزَمُوا قَالَ فَمَا حَالُ نَعْلَيْكَ قَالَ مَا شَعُرْتُ إِلَّا أَنَّهَا فِي رِجْلَيَّ لِهَيْبَةِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) و من أوضح الدلالات على نبوته عليه السلام استيقان كافتهم بحدوده و تمكن موجباتها في غوامض صدورهم حتى أنهم يشتمون بالفسوق من خرج عن حد من حدوده و بالجهل من لم يعرفه و بالكفر من أعرض عنه و يقيمون الحدود و يحكمون بالقتل و الضرب و الأسر لمن خرج عن شريعته و يتبرأ الأقارب بعضهم من بعض في محبته و أنه بقي في نبوته نيفا و عشرين سنة بين ظهراني قوم ما يملك من الأرض إلا جزيرة العرب فاتسقت دعوته برا و بحرا منذ خمسمائة و سبعين سنة مقرونا باسم ربه ينادى بأقصى الصين و الهند و الترك و الخزر و الصقالبة و الشرق و الغرب و الجنوب و الشمال في كل يوم خمس مرات بالشهادتين بأعلى صوت بلا أجرة و خضعت الجبابرة لها و لا تبقى لملك نوبته بعد موته و على ذلك فسر الحسن و مجاهد قوله تعالى ﴿وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ما يقول المؤذنون على المنائر و الخطباء على المنابر قال الشاعر و من تمام قوته أنها تجذب العالم من أدنى الأرض و أقصى أطرافها في كل عام إلى الحج حتى تخرج العذراء من خدرها و العجوز في ضعفها و من حضرته وفاته يوصي بأدائه و قد نرى الصائم في شهر رمضان يتلهب عطشا حتى يخوض الماء إلى حلقه و لا يستطيع أن يجرع منه جرعة و كل يوم خمس مرات يسجدون خوفا و تضرعا و كذلك أكثر الشرائع و قد تحزب الناس في محبته حتى يقول كل واحد أنا على الحق و أنت لست على دينه الفرزدق البيناري
مناقب آل أبي طالب — باب ذكر سيدنا رسول الله ص · فصل في معجزاته في ذاته (عليه السلام)