بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو يقرأ حم السجدة فأتى قومه و قال: لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و الجن إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة، و إن أعلاه لمثمر، و إن أسفله لمغدق و أنه ليعلو و لا يعلى، فقال قريش: صبا الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه فقعد إليه حزينا و كلمه بما أحماه فقام فناداهم فقال: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يتجنن؟ و تقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن و تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ فقالوا: لا، فقال: ما هو إلا [ص 149] ساحر، أ ما رأيتموه يفرق بين المرء و أهله و ولده و مواليه ففرحوا به و تفرقوا مستعجبين منه، فأنزل الله:" إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ" إلخ. و روى علي بن إبراهيم بإسناده عن عبد الرحيم بن كثير عن أبي عبد الله في قوله: " ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً" قال: الوحيد ولد الزنا و هو زفر، و جعلت له مالا ممدودا قال: أجلا إلى مدة و بنين شهودا، قال: أصحابه الذين شهدوا أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يورث، و مهدت له تمهيدا، ملكه الذي ملكته مهدت له، ﴿ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ قال: لولاية أمير المؤمنين جاحدا عاندا لرسول الله فيها، سأرهقه صعودا إنه فكر و قدر، فيما أمر به من الولاية قدر أن لا يسلم لأمير المؤمنين (عليه السلام) البيعة التي بايعه بها على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ﴿فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر﴾، قال: عذاب بعد عذاب يعذبه القائم ثم نظر إلى رسول الله و أمير المؤمنين، فعبس و بسر مما أمر به، ثم أدبر و استكبر، ﴿فقال إن هذا إلا سحر يؤثر﴾، قال زفر: إن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سحر الناس لعلي" ﴿إِنْ هٰذٰا إِلّٰا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾" ليس هو بوحي من الله تعالى" سَأُصْلِيهِ سَقَرَ" إلى آخر الآيات فيه نزلت، انتهى. و أقول: قد عرفت مرارا أن الآية إذا نزلت في قوم فهي تجري في أمثالهم إلى يوم القيامة فظاهر تلك الآيات في الوليد و باطنها في الزنيم الشقي العنيد، و الأول كان معارضا في النبوة و الثاني في الولاية، و هما متلازمان، و نفي كل منهما يستلزم نفي الأخرى فلا ينافي هذا التأويل كون السورة مكية، مع أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في أول بعثته أظهر إمامة وصيه و قال: أول من يؤمن بي و يبايعني فهو الوصي بعدي و خليفتي في أمتي كما دلت عليه الأخبار الكثيرة الواردة في الطريقين، فيحتمل أن يكون الكافر و المنافق معا نسباه إلى السحر لإظهار الولاية، و أيضا نفي القرآن على أي وجه كان يستلزم نفي الولاية و إثباته إثباتها. قوله: قلت: ما هذا الارتياب، كان السائل جعل قوله (عليه السلام): بولاية علي متعلقا بالمؤمنين فلا يعلم حينئذ أن متعلق الارتياب المنفي ما هو؟ فلذا سئل عنه [ص 150] مَا هَذَا الِارْتِيَابُ قَالَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فَقَالَ وَ لَا يَرْتَابُونَ فِي الْوَلَايَةِ قُلْتُ وَ مٰا هِيَ إِلّٰا ذِكْرىٰ لِلْبَشَرِ قَالَ نَعَمْ وَلَايَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام) قُلْتُ إِنَّهٰا لَإِحْدَى الْكُبَرِ قَالَ الْوَلَايَةُ قُلْتُ- ﴿لِمَنْ شٰاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] الرواية 232 و إلى ما رواه السيد الجليل الرضي فخار بن معد الموسوي في كتاب إيمان أبي طالب عن شيخه محمد بن إدريس الحلي (رحمه الله) بإسناده عن عرفطة قال: وردت الأبطح يوما و قد أجدبت الصحراء و أخلقت الأنواء و إذا قريش حلق قد ارتفعت لهم ضوضاء فقائل يقول: استجيروا باللات و العزى و قائل يقول: بل استجيروا بمناة الثالثة الأخرى، فقام رجل من جملتهم يقال له ورقة بن نوفل عم خديجة بنت خويلد فقال: فيكم بقية إبراهيم و سلالة إسماعيل فقالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: إنه ذلك فقاموا إليه بأجمعهم و قمت معهم فقالوا: يا أبا طالب قد أقحط الواد و أجدب العباد، فهلم فاستق لنا، فقال: رويدكم دلوك الشمس و هبوب الريح، فلما زاغت الشمس أو كادت وافى أبو طالب قد خرج و حوله أغيلمة من بني عبد المطلب و في وسطهم غلام أيفع منهم كأنه شمس دجى تجلت عنه غمامة قتماء فجاء حتى أسند ظهره إلى الكعبة في مستجارها، و لاذ بإصبعه و بصبصت الأغيلمة حوله و ما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هيهنا و من هيهنا حتى كث و لف و أسحم و اقتحم و أرعد و أبرق، و انفجر له الوادي، فلذلك قال أبو طالب يمدح النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) " و أبيض يستسقي الغمام بوجهه" إلى آخر الأبيات. و قد أوردت خبرا طويلا في الكتاب الكبير بأسانيد إن الناس استسقوا النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في جدب عرض لهم، فدعا النبي (صلى الله عليه و آله) فأرخت السماء عزاليها و تبرم الناس من كثرة المطر، فضحك النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام عمر بن الخطاب فقال: عسى أردت يا رسول الله: و ما حملت من ناقة فوق ظهرها أبر و أوفى ذمة من محمد [ص 256]
موسوعة الغيبة والظهور — الجزء 2 · باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلا بعهد من الله عز و جل و أمر منه لا يتجاوزونه