[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] الرواية 233 و روى الصدوق أيضا بإسناده عن ابن نباتة قال: سئل أمير المؤمنين عن علة دفنه لفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليلا؟ فقال (عليه السلام) إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها و حرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها. قوله (عليه السلام): و عفا على موضع قبرها، قال في القاموس: العفو المحو و الإمحاء و قال: الثرى التراب الندى من الأرض. " ببقعتك" ظاهره الدفن قريبا من قبره (صلى الله عليه و آله) و إن جاز إطلاق البقعة على [ص 324] اللَّهُ لَهَا سُرْعَةَ اللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَ عَفَا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ جميع المدينة، و في مجالس المفيد: ببقيعك، و لعله تصحيف، و في نهج البلاغة: السلام عليك يا رسول الله عني و عن ابنتك النازلة في جوارك و السريعة اللحاق بك، فيحتمل أن يكون المراد النزول في جواره في منازل الجنان، و يقال: لحق به كعلم لحاقا بالفتح أي أدركه، و المختار اسم فاعل مضاف إلى الفاعل و الألف و اللام فيه موصولة، و سرعة مفعول. و يدل على أن وفاتها (صلوات الله عليها) كانت أصلح لها دينا و دنيا، بل يومئ إلى أنها كانت راضية بذلك كما روى الراوندي في القصص بإسناده عن ابن عباس قال: دخلت فاطمة على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في مرضه الذي توفي فيه، فقال: نعيت إلى نفسي فبكت فاطمة فقال لها: لا تبكين فإنك لا تمكثين من بعدي إلا اثنين و سبعين يوما و نصف يوم حتى تلحقي بي، و لا تلحقي بي حتى تتحفي بثمار الجنة، فضحكت فاطمة (عليها السلام). و روت العامة في صحاحهم بطرق عن عائشة قالت: ما رأيت من الناس أحدا أشبه كلاما و حديثا برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه رحب بها و قبل يديها و أجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به و قبلت يديه و دخلت عليه في مرضه فسارها فبكت ثم سارها فضحكت، فقلت: كنت أرى لهذه فضلا على النساء، فإذا هي امرأة من النساء بينما هي تبكي إذ ضحكت، فسألتها فقالت: إني لبذرة فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) سألتها، فقالت: إنه أخبرني أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت. " قل يا رسول الله عن صفيتك صبري" الصفية الحبيبة المصافية و الخالصة من كل شيء" و عن" متعلقة بصبري أو تعليلية و يدل على أنها (عليها السلام) كانت محبوبة مختارة عنده (صلى الله عليه و آله و سلم)، كما روى شارح صحيح مسلم عن القرطبي أن فاطمة [ص 325] الْعَالَمِينَ تَجَلُّدِي إِلَّا أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّي بِسُنَّتِكَ فِي فُرْقَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ رضي الله عنها كانت أحب بناته (صلى الله عليه و آله)، و أكرم من عنده و سيدة نساء الجنة، و كان (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم ببيت فاطمة رضي الله عنها فيسأل عنها ثم يدور على نسائه إكراما لفاطمة و اعتناء بها. " و عفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي" قد مر أن العفو يكون بمعنى المحو و بمعنى الإمحاء و الثاني هو الأنسب، فقوله: تجلدي فاعله، و قيل: إذا كان بمعنى المحو فالفاعل ضمير مستتر لمصدر قل" و عن" يحتمل تعلقه بالتجلد، و التعليلية و الجلد بالتحريك القوة و الشدة و الصبر، يقال: جلد ككرم جلادة بالفتح و التجلد تكلفه، و في النهج: ورق عنها تجلدي، و في المجالس: و ضعف عن سيدة النساء. " إلا أن في التأسي لي بسنتك في فرقتك موضع تعز" يمكن أن يقرأ إلا بالكسر و التشديد و فتح أن و بالفتح و التخفيف و كسر إن، و قد ضبط بهما في النهج و لكل منهما وجه، و الفرقة بالضم الاسم من قولك افترق القوم، و التعزي التسلي و التصبر، و التأسي الاقتداء، و يقال أساه فتأسى أي عزاه فتعزى، و كان المعنى أن التأسي لي بالسنة التي جعلتها لي و أوصيتني بها في فرقتك أو مطلق سنتك و طريقتك في الصبر على المصائب- فإنه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان صبورا فيها- يمكن أن يكون داعيا إلى الصبر في تلك المصيبة، و الحاصل أني قد تأسيت بسنتك في فرقتك يعني صبرت عليها، فبالحري أن أصبر في فرقة ابنتك فإن مصيبتي بك أعظم، و قد ورد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: إذا أصاب مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب، و عنه (صلى الله عليه و آله و سلم): من عظمت مصيبته فليذكر مصيبته بي فإنها ستهون عليه، أو المعنى أني أتأسى و أقتدي في صبري على هذه المصيبة بصبري في مصيبتك، فالمراد" بسنتك في فرقتك" بسنة فرقتك، و الأول أظهر. و يحتمل أن يكون التأسي بمعنى التعزي، أي تصبري بسبب الاقتداء بسنتك [ص 326] فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ وَ فَاضَتْ نَفْسُكَ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي بَلَى وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِي أَنْعَمُ الْقَبُولِ- إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ قَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ وَ أُخِذَتِ الرَّهِينَةُ وَ أُخْلِسَتِ الزَّهْرَاءُ في الصبر في مصيبتك موجب لتصبري في تلك المصيبة أيضا. و في المجالس: إلا أن في التأسي لي بسنتك و الحزن الذي حل بي لفراقك موضع التعزي، و في النهج: إلا أن في التأسي بعظيم فرقتك و فادح مصيبتك موضع تعز فلقد" إلى آخره". " لقد وسدتك في ملحودة قبرك" الوسادة بالكسر المخدة و المتكإ" وسدتك" أي جعلت لك وسادة، و هنا كناية عن إضجاعه (صلى الله عليه و آله) في اللحد، و اللحد الشق في جانب القبر" و ملحودة قبرك" أي الجهة المشقوقة من قبرك كما قاله ابن أبي الحديد. أقول: و يحتمل أن تكون إضافة الملحودة إلى القبر بيانية، و في القاموس اللحد و يضم: الشق يكون في عرض القبر كالملحود، و لحد القبر كمنع و الحدة عمل له لحدا و الميت دفنه، و قبر لأحد و ملحود ذو لحد. " و فاضت" أي سألت و جرت" نفسك" أي روحك، و يدل على عدم تجرد الروح و يكون النفس بمعنى الدم و منه النفس السائلة، و قال بعض شارحي النهج: المراد مقاساته للمصيبة عند فيضان نفسه (صلى الله عليه و آله و سلم) و هي دمه بين نحره و صدره، و لا يخفى ما فيه، و الحاصل أن عند خروج روحه المقدسة كان رأسه (صلى الله عليه و آله و سلم) في صدره (عليه السلام) متكئا عليه و هذا من أشد أوضاع وقوع مصيبة الأحباء. " بلى و في كتاب الله لي أنعم القبول" ليست هذه الفقرة في النهج، و قوله (عليه السلام) بلى، إثبات لما يفهم نفيه في قوله: قل، إلى آخره، أي في كتاب الله من مدح الصابرين و وعد المثوبات الجزيلة لهم ما يصير سببا لي للصبر على المصائب و قبولها أنعم القبول أي أحسنه. " قد استرجعت الوديعة" الفعل فيها و في قرينتيها إما على بناء المجهول أو المعلوم، و في النهج و أخذت الرهينة أما حزني. و سقط ما بين ذلك، و ضبط الفعلان [ص 327] فَمَا أَقْبَحَ الْخَضْرَاءَ وَ الْغَبْرَاءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ وَ هَمٌّ لَا يَبْرَحُ فيه على بناء المجهول، و المراد بالوديعة و الرهينة لا سيما في رواية الكتاب نفس فاطمة (صلوات الله عليها)، فاستعار لفظ الوديعة و الرهينة لتلك النفس الكريمة، لأن الأرواح كالودائع و الرهائن في الأبدان، أو لأن النساء كالودائع و الرهائن عند الأزواج، و الرهينة فعلية بمعنى المفعول. و قال بعض شراح النهج: المراد بالوديعة و الرهينة نفسه (صلى الله عليه و آله و سلم) و التعبير بالوديعة لأنها في الدنيا تشبه الودائع و الآخرة هي دار القرار، أو لأنها تجب المحافظة عليها عن الهلكات كالودائع، و بالرهينة لأن كل نفس رهينة على الوفاء بالميثاق الذي واثقها الله تعالى به، و العهد الذي أخذ عليها قال الله تعالى:" ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾" و قيل: لأنها كالرهن إذا أكملت مدتها و استوفت طعمتها ترجع إلى مقرها. و قال بعضهم: الرهينة و الوديعة فاطمة (عليها السلام) كأنها كانت عنده (عليه السلام) عوضا من رؤية رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و قيل: الوديعة إشارة إليه (صلى الله عليه و آله) و الرهينة عبارة عنها (صلوات الله عليها)، و الأظهر ما ذكرنا أولا. " و أخلست الزهراء" و في المجالس: اختلست و هو أظهر، و الاختلاس أخذ الشيء بسرعة حبا له، في القاموس: الخلس السلب كالاختلاس، أو هو أوحى من الخلس، و التخالس التسالب. " فما أقبح" صيغة التعجب و الخضراء السماء، و الغبراء الأرض، و الغرض إظهار كمال الوجد و الحزن و عظيم المصيبة، و قبح أعمال المنافقين و الظالمين و الشوق إلى اللحوق بسيد المرسلين و سيدة نساء العالمين، و السرمد الدائم، و السهد بالضم: السهر، و بضمتين القليل النوم، و سهدته فهو مسهد على صيغة التفعيل و الإسناد إلى الليل تجوز، و يحتمل أن يكون اسم زمان فلا تجوز. " و هم لا يبرح" كأنه خبر مبتدإ محذوف، أي همي أو مصيبتي هم لا يزول [ص 328] مِنْ قَلْبِي أَوْ يَخْتَارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا مُقِيمٌ كَمَدٌ مُقَيِّحٌ وَ هَمٌّ مُهَيِّجٌ سَرْعَانَ مَا فَرَّقَ بَيْنَنَا وَ إِلَى اللَّهِ أَشْكُو وَ سَتُنْبِئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا فَأَحْفِهَا من قلبي" أو يختار الله" أي إلى أن، أو إلا أن يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، و هي الجنة و الدرجات العالية في الآخرة، أو هم عطف على مسهد أي ذو هم" كمد مقيح" أي حزن شديد يخرج قلبي و يقيحه، أي يوجب سيلان القيح منه" و هم مهيج" أي همي هم يهيج هموما أخرى، لأن مصيبتها (صلوات الله عليهما) أورثتا له (عليه السلام) هموما كثيرة سوى أصل المصيبة، أو يهيج الشوق إلى الآخرة و يمكن أن يكون هم أولا مبتدأ و كمد خبره، و هم ثانيا عطفا عليه، قال الفيروزآبادي الكمدة بالضم و الكمد بالفتح و بالتحريك تغيير اللون و ذهاب صفائه، و الحزن الشديد، و مرض القلب منه، و قال: القيح المدة لا يخالطها دم، قاح الجرح يقيح كقاح يقوح و قيح و تقيح و أقاح واوية و يائية، انتهى. و ربما يقرأ كمد بكاف التشبيه و كسر الميم أي القيح و هو مضاف إلى مقيح اسم فاعل باب الأفعال أو التفعيل، أي جرح ذي قيح و" سرعان" بتثليث السين و سكون الراء اسم فعل ماض أي سرع و هو يستعمل خبرا محضا و خبرا فيه معنى التعجب و" ما" عبارة عن الموت و فرق معلوم من باب التفعيل. " و إلى الله أشكو" أي سوء فعال القوم بعدك حتى صار سببا لشهادة حبيبتك. و روى البخاري عنه (عليه السلام) أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة" بتظافر أمتك على هضمها" أي تعاون بعضهم بعضا كذا في النسخ بالظاء المعجمة و كذا شاع بين الناس، و الضاد المعجمة أوفق بما في كتب اللغة، قال الجوهري تضافروا على الشيء تعاونوا عليه و لم يذكر التظافر بهذا المعنى، بل ذكر الظفر بالمطلوب و على العدو، و كذا غيره من أهل اللغة و كان التصحيف من النساخ. و في المجالس: بتظاهر أمتك على و على هضمها حقها فاستخبرها الحال، و هو حسن، إذ التظاهر بالهاء بمعنى التعاون، و في الصحاح: الهضم الكسر، يقال: هضمه [ص 329] السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ فَكَمْ مِنْ غَلِيلٍ مُعْتَلِجٍ بِصَدْرِهَا لَمْ تَجِدْ إِلَى بَثِّهِ سَبِيلًا وَ سَتَقُولُ وَ يَحْكُمُ اللَّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحٰاكِمِينَ سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ وَ لَا سَئِمٍ فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِينَ وَاهَ وَاهاً وَ الصَّبْرُ أَيْمَنُ وَ أَجْمَلُ وَ لَوْ لَا غَلَبَةُ الْمُسْتَوْلِينَ حقه و اهتضمه إذا ظلم و كسر عليه حقه. " فأحفه السؤال" الإحفاء في السؤال الاستقصاء فيه" و استخبرها الحال" أي حالي و حالها و حال أمتك في ظلمهم لي و لها" فكم من غليل معتلج بصدرها" الغليل كأمير حرارة الجوف و حرارة الحب و الحزن ذكره الفيروزآبادي، و قال: اعتلجت الأمواج: التطمت، و قال: بث الخبر: نشره و فرقه و بثثتك السر و أبثثتكه أظهرته" و ستقول" بصيغة الغيبة أي فاطمة لك جميع أحوالها، أو بصيغة الخطاب أي تقول في جوابها ما يوجب رفع حزنها كما قيل، و الأول أظهر. " سلام مودع" منصوب بفعل مقدر أي سلمت سلام، و في النهج: و السلام عليكما سلام، و في المجالس سلام عليك يا رسول الله سلام مودع، التوديع طلب الدعة لمحبوب عند فراقه" لا قال" بالجر نعت مودع أو بالرفع بتقدير: لا هو قال، و الجملة نعت مودع و القلاء: البغض، يقال قلاه يقليه إذا أبغضه، و قال الجوهري: إذا فتحت مددت و يقلاه لغة طيئ. و سئمت من الشيء و سئمته كعلمت أي مللته" واه واها" الواو فيهما جزء الكلمة، أو للعطف أو في إحداهما للعطف و في الأخرى جزء الكلمة، و هما إما للتلهف و التحسر أو للتعجب مما وعد الله الصابرين و طيبه و حسنه و الأول أظهر، و على التقادير الأول غير منون و الثاني منون قال في النهاية فيه: من ابتلي فصبر فواها واها قيل: معنى هذه الكلمة التلهف، و قد توضع موضع الإعجاب بالشيء يقال: واها له و قد ترد بمعنى التوجع يقال: فيها آها و منه حديث أبي الدرداء: ما أنكرتم من زمانكم فيما غيرتم من أعمالكم إن يكن خيرا فواها واها و إن يكن شرا فآها آها. [ص 330] لَجَعَلْتُ الْمُقَامَ وَ اللَّبْثَ لِزَاماً مَعْكُوفاً وَ لَأَعْوَلْتُ إِعْوَالَ الثَّكْلَى عَلَى جَلِيلِ الرَّزِيَّةِ فَبِعَيْنِ و قال الزمخشري في الفائق: آها كلمة تأسف و انتصابها على إجرائها مجرى المصادر كقولهم: ويحا له، و تقدير فعل ينصبها كأنه قال تأسفا على تقدير أتأسف تأسفا. و قال الفيروزآبادي: واها له و يترك تنوينه كلمة التعجب من طيب شيء و كلمة تلهف، انتهى. و أيمن أفعل من اليمن بمعنى البركة و أجمل أي أشد جمالا و حسنا" و لو لا غلبة المستولين" أي استيلاء الغاصبين للخلافة و خوف تشنيعهم أو علمهم بمكان القبر الشريف و إرادتهم نبشه" لجعلت المقام و اللبث" عند القبر و قيل: إشارة إلى خروجه (عليه السلام) عن المدينة إلى البصرة و الكوفة و غيرهما، فالمراد بالمقام المقام بالمدينة و هو بعيد، و اللبث بالفتح و بالضم و بفتحتين: المكث" لزاما" أي أمرا لازما يقال: لازمه ملازمة و لزاما و ككتاب الملازم. قوله: معكوفا، أي معكوفا عليه قال القاموس: عكف عليه عكوفا أقبل عليه مواظبا، و شعر معكوف ممشوط مضفور، و في المجالس: و لو لا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاما، و التلبث عنده معكوفا، و الإعوال مد الصوت بالبكاء، و الثكلى امرأة مات ولدها، و الرزية بالهمز و قد تقلب ياءا: المصيبة. " فبعين الله" أي بعلم الله و مع رؤيته و شهوده، و قيل: الفاء لبيان باعث ترك الإعوال. أقول: أو لبيان باعث الإعوال، قال الراغب في المفردات: فلان بعيني أي أحفظه و أراعيه، كقولك: هو مني بمرأى و مسمع، قال" فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنٰا" و قال: " تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا" و قال" وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنٰا" أي بحيث نرى و نحفظ، و قال:" وَ لِتُصْنَعَ عَلىٰ عَيْنِي" أي بكلاءتي و حفظي، و قال البيضاوي في قوله تعالى [ص 331] اللَّهِ تُدْفَنُ ابْنَتُكَ سِرّاً وَ تُهْضَمُ حَقَّهَا وَ تُمْنَعُ إِرْثَهَا " وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنٰا" أي ملتبسا بأعيننا، عبر بكثرة آلة الحس الذي به يحفظ الشيء و يراعى عن الاختلال و الزيغ عن المبالغة في الحفظ و الرعاية على طريقة التمثيل، انتهى. " تدفن ابنتك سرا" لغاية مظلوميتها" و تهضم" على بناء المجهول أي تغصب" حقها" بالنصب مفعول ثان و كذا" إرثها" و منع الإرث لمنعهم إياها فدك. و جملة القول في ذلك أن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله بعد فتح خيبر، فكانت خاصة له (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و قد وهبها لفاطمة (صلوات الله عليها)، و تصرف فيها وكلاؤها و نوابها، فلما غصب أبو بكر الخلافة انتزعها فجاءته فاطمة (عليها السلام) متعدية فطالبها بالبينة فجاءت بأمير المؤمنين و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن المشهود لها بالجنة فرد شهادة أهل البيت بجر النفع و شهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة، ثم ادعتها على وجه الميراث تنزلا فرد عليها بخبر موضوع افتروه مخالفا لكتاب الله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، فغضبت عليه و على عمر و هجرتهما و أوصت بدفنها ليلا لئلا يصليا عليها. ثم لما انتهت الأمارة إلى عمر بن عبد العزيز ردها علي بني فاطمة، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهدي ثم قبضها الهادي، ثم ردها المأمون. فنقول: خطاء أبي بكر و عمر في القضية واضحة من وجوه شتى: الأول: أن فاطمة كانت معصومة فكان يجب تصديقها في دعواها و قد بينا عصمتها فيما تقدم، و ما قيل: من أن عصمتها لا تنافي طلب البينة منها فلا يخفى سخافته لأن الحاكم يحكم [ص 332] بعلمه، و قد دلت الدلائل عليه، و أيضا اتفقت الخاصة و العامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بدعواه، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز للنبي (صلى الله عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره. الثاني: أنه لا ريب ممن له أدنى تتبع في الآثار في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى فدك حقا لفاطمة (سلام الله عليها) و قد اعترف بذلك جل أهل الخلاف و رووا أنه (عليه السلام) شهد لها و قد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا (عليه السلام) لا يفارق الحق و الحق لا يفارقه، بل يدور معه حيثما دار، و قد اعترف ابن أبي الحديد و غيره بصحة هذا الخبر و هل يشك عاقل في صحة دعوى كان المدعي فيها سيدة نساء العالمين باتفاق المخالفين و المؤالفين، و الشاهد لها أمير المؤمنين و سيدا شباب أهل الجنة أجمعين (صلوات الله عليهم أجمعين). الثالث: أنه طلب البينة من صاحب اليد مع أنه أجمع المسلمون على أن البينة على المدعي و اليمين على من أنكر. الرابع: أنه رد شهادة الزوج، و الزوجية غير مانعة من القبول كما بين في محله. الخامس: أنه رد شهادة الحسنين (عليهما السلام) إما لجر النفع أو للصغر كما قيل، مع أنه لا ريب أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعرف منهم بالأحكام بالاتفاق و لو لم تكن شهادتهما جائزة مقبولة لم يأت بهما للشهادة و القول في أم أيمن كذلك. السادس: أنه لو لم تكن شهادة ما سوى أمير المؤمنين مقبولا فلم لم يحكم بالشاهد و اليمين، مع أنه قد حكم بهما جل المسلمين، قال شارح الينابيع من علمائهم: ثبوت المال بشاهد و يمين مذهب الخلفاء الأربعة و غيرهم. السابع: أن الخبر الذي رواه موضوع مطروح لكونه مخالفا للكتاب، و قد [ص 333] و ورد بأسانيد عن النبي (صلى الله عليه و آله): إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه و إلا ردوه. و أما مخالفته للقرآن فمن وجوه:" الأول" عموم آيات الميراث فإنه لا خلاف مجملا في عمومها إلا ما أخرجه الدليل. الثاني: قوله تعالى مخبرا عن زكريا (عليه السلام):" وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوٰالِيَ مِنْ وَرٰائِي وَ كٰانَتِ ﴿امْرَأَتِي عٰاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" الآية و لفظ الميراث في اللغة و الشريعة و العرف إذا أطلق و لم يقيد لا يفهم منه إلا الأموال و ما في معناها، و لا يستعمل في غيرها إلا مجازا فمن ادعى أن المراد ميراث العلم و النبوة لا بد له من دليل. علي أن القرائن على إرادة ما ذكرنا كثيرة:" منها" أن زكريا اشترط في وارثه أن يكون رضيا، و إذا حمل الميراث على العلم و النبوة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغوا لأنه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم و النبوة فقد دخل في سؤاله الرضا و ما هو أعظم منه، فلا معنى لاشتراطه، أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد اللهم ابعث إلينا نبيا و اجعله مكلفا عاقلا" و منها" أن الخوف من بني العم و من يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوة و العلم، و كيف يخاف مثل زكريا (عليه السلام) أن يبعث الله تعالى إلى خلقه نبيا يقيمه مقام زكريا و لم يكن أهلا للنبوة و العلم، سواء كان من موالي زكريا أو غيرهم، علي أن زكريا (عليه السلام) كان إنما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته. الثالث: قوله سبحانه:" وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ" و التقريب ما مر. أقول: و يدل على بطلان هذا الخبر وجوه أخرى. [ص 334] منها: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى الخبر موضوعا باطلا و كان (عليه السلام) لا يرى إلا الحق و الصدق، فلا بد من القول بأن من زعم أنه سمع الخبر كاذب، أما الأولى فلما رواه مسلم في صحيحه في رواية طويلة أنه قال عمر لعلي (عليه السلام) و العباس: قال أبو بكر: قال رسول الله لا نورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذبا آثما خائنا غادرا، و الله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله و ولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا غادرا خائنا و الله يعلم إني لصادق بار تابع للحق فوليتها. و نحو ذلك روى البخاري و ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري و أما المقدمة الثانية فللأخبار الدالة على أن عليا (عليه السلام) مع الحق يدور معه حيثما دار. و منها: أن فاطمة (سلام الله عليها) أنكرت الخبر و حكمت بكذب أبي بكر في خطبتها المشهورة و غيرها، و عصمتها و جلالتها مما ينافي تكذيب ما كان يحتمل عندها صدقه لغرض دنيوي. و منها: أنه لو كانت تركة الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) صدقة و لم يكن لها (صلوات الله عليها) حظ فيها، لبين النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الحكم لها إذ التكليف في تحريم أخذها يتعلق بها و لو بينه لها لما طلبتها لعصمتها، و لا يرتاب عاقل في أنه لو كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بين لأهل بيته (عليهم السلام) أن تركتي صدقة لا تحل لكم، لما خرجت ابنته و بضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين و الأنصار تعاتب إمام زمانها بزعمكم، و تنسبه إلى الجور و الظلم في غصب تراثها و تستنصر المهاجرة و الأنصار في الوثوب عليه و إثارة الفتنة بين المسلمين و تهيج الشر، و لم يستقر بعد أمر الإمارة و الخلافة و قد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين أن الخليفة غاصب للخلافة ناصب لأهل الإمامة فصبوا عليه اللعن و الطعن إلى نفخ الصور و يوم النشور، و كان ذلك من آكد الدواعي [ص 335] إلى شق عصا المسلمين و افتراق كلمتهم و تشتت ألفتهم و قد كانت تلك النيران تخمدها بيان الحكم لها (صلوات الله عليها) أو لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لعله لا يجسر من أوتي حظا من الإسلام على القول بأن فاطمة (عليها السلام) مع علمها بأن ليس لها في التركة بأمر الله نصيب كانت تقدم على مثل تلك الأمور أو كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مع علمه بحكم الله لم يزجرها عن الظلم و الاستعداء، و لم يأمرها بالقعود في بيتها راضية بأمر الله فيها، و كان ينازع العباس بعد موتها و يتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فليت شعري هل كان ذلك الترك و الإهمال لعدم الاعتناء بشأن بضعته التي كانت يؤذيه ما آذاها أو بأمر زوجها و ابن عمه المساوي لنفسه و مواسيه بنفسه، أو لقلة المبالاة بتبليغ أحكام الله و أمر أمته و قد أرسله الله بالحق بشيرا و نذيرا للعالمين. و منها: أنا مع قطع النظر عن جميع ما تقدم نحكم قطعا بأن مدلول هذا الخبر كاذب باطل، و من أسند إليه لا يجوز عليه الكذب فلا محيص من القول بكذب من رواه و القطع بأنه وضعه و افتراه، أما المقدمة الثانية فغنية عن البيان، و أما الأولى فبيانها أنه قد جرت عادة الناس قديما و حديثا بالأخبار عن كل ما جرى بخلاف المعهود بين كافة الناس، سيما إذا وقع في كل عصر و زمان، و توفرت الدواعي إلى نقله و روايته، و من المعلوم لكل أحد أن جميع الأمم على اختلافهم في مذاهبهم يهتمون بضبط أحوال الأنبياء (عليهم السلام) و سيرتهم و أحوال أولادهم و ما يجري عليهم بعد آبائهم و ضبط خصائصهم و ما يتفردون به عن غيرهم، و من المعلوم أيضا أن العادة قد جرت من يوم خلق الله الدنيا و أهلها إلى انقضاء مدتها بأن يرث الأقربون من الأولاد و غيرهم أقاربهم و ذوي أرحامهم، و ينتفعوا بأموالهم و ما خلفوه بعد موتهم، و لا شك لأحد في أن عامة الناس عالمهم و جاهلهم و غنيهم و فقيرهم، و ملوكهم و رعاياهم، يرغبون إلى كل ما نسب إلى ذي شرف و فضيلة، و يتبركون به، و يحرزه [ص 336] تَقُومَ السَّاعَةُ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَ الصَّحْفَةُ عِنْدَنَا يَخْرُجُ بِهَا- قَائِمُنَا (عليه السلام) فِي زَمَانِهِ الملوك في خزائنهم، و يوصون به لأحب أهلهم فكيف بسلاح الأنبياء و ثيابهم و أمتعتهم. إذا تمهدت تلك المقدمات فنقول: لو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى الخاتم (صلى الله عليه و آله) صدقة، لقسمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء و الأولاد و سائر الأقارب، و لا تخلو الحال إما أن يكون كل نبي يبين هذا الحكم لورثته بخلاف نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) أو يتركون البيان كما تركه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإن كان الأول فمع أنه خلاف الظاهر كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل و الأديان و لم يسمعه أحد إلا أبو بكر و من يحذو حذوهم، و لم ينقل أحد أن عصا موسى انتقل على وجه الصدقة إلى فلان، و سيف سليمان صار إلى فلان، و كذا ثياب سائر الأنبياء و أسلحتهم و أدواتهم فرقت بين الناس و لم يكن في ورثته أكثر من مائة ألف نبي قوم ينازعون في ذلك و إن كان بخلاف حكم الله عز و جل، و قد كان أولاد يعقوب (عليه السلام) مع علوم قدرهم يحسدون على أخيهم و يلقونه في الجب لما رأوه أحبهم إليه و وقعت تلك المنازعة مرارا و لم ينقلها أحد في الملل السابقة و أرباب السير مع شدة اعتنائهم بضبط أحوال الأنبياء و خصائصهم و ما جرى بعدهم. و إن كان الثاني فكيف كانت حال ورثة الأنبياء؟ أ كانوا يرضون بذلك و لا ينكرون؟ فكيف كانت ورثة الأنبياء جميعا يرضون بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء و لم ترض به سيدة النساء أو كانت سنة المنازعة جارية في جميع الأمم و لم ينقلها أحد ممن تقدم و لا ذكر من انتقلت تركات الأنبياء إليهم، إن هذا لشيء عجاب! و أما أن فدك كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فمما لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبار المخالفين في الكتاب الكبير ما هو فوق الغاية. [مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] الرواية 234 و روي أيضا عن مالك بن أوس قال: كان فيما احتج عمر أن قال: كانت لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثلاث صفايا، بنوا النضير و خيبر و فدك، إلى آخر الخبر. و أما أنها كانت في يد فاطمة (عليها السلام) فلأخبار كثيرة من كتبهم دلت على ذلك أوردتها في الكتاب الكبير. و في نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف: بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين و نعم الحكم الله. و روى الطبرسي (قدس سره) في الاحتجاج عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما بويع أبو بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله) منها فجاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله و أخرجت وكيلي من فدك و قد جعلها لي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بأمر الله تعالى؟ فقال: هاتي على ذلك بشهود فجاءت بأم أيمن فقالت: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنشدك بالله أ لست تعلم أن …
موسوعة الغيبة والظهور — الجزء 2 · باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلا بعهد من الله عز و جل و أمر منه لا يتجاوزونه